الوطن:
2025-04-06@02:06:07 GMT

الشيخ ياسر مدين يكتب: في التصوف

تاريخ النشر: 2nd, November 2024 GMT

الشيخ ياسر مدين يكتب: في التصوف

تحديد المراد بالمصطلحات تحديداً دقيقاً يمنع كثيراً من سوء الفهم والخلاف والجدل، ومصطلح «التصوف» مصطلح كثر استخدامُه فى غيرِ ما وُضِعَ له، فحصل كثير من سوء الفهم والجدل، فالتصوف والمتصوف والصوفى كلُّها مصطلحات إسلاميّة نشأت فى البيئة الإسلامية إِبّانَ عصر التدوين حين نشأت مصطلحات الفقه والكلام وغيرها، وهذه المصطلحات أطلقت على علوم دُوّنت لتصون مقامات الدين الثلاثة الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

والإيمان وهو أن يؤمن المرء باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمنَ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، والإحسان وهو أن يعبدَ المرءُ اللهَ تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فليعلم أنه سبحانه يراه.والمتأمل فى هذه المقامات سيجد أن الإسلامَ هو مقامُ معرفة أمر الله فى ما يتصل بالجوارح والظواهر، والإيمانَ وهو مقامُ معرفة أمر الله فى ما يتصل بالقلوب والبواطن، والإحسانَ وهو مقامُ المعرفة بالله سبحانه وتعالى، وهو ثمرةُ المعرفتين السابقتين.

وقد نهض علماء الأمة بحفظ هذه المقامات، فقام الأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين والفقهاء بحفظ مقام الإسلام وأعمال الجوارح عن طريق علم الفقه والاجتهاد فى بيان، وكشف قواعده ومسائله، ونهض الإمامان الأشعرى والماتُريدى وغيرُهما بحفظ مقام الإيمان مما شابه من ضلال عن طريق علم أصول الدين فوضّحوا أصوله وفروعه، وكذلك نهض بعض علماء الأمة بحفظ مقام الإحسان مما ظهر فى الأمة من مظاهرَ تُناقضُ ما كان عليه النبى، صلى الله عليه وسلم، وصحابته، رضوان لله عليهم أجمعين، فبيّنوا حقائقه، وكشفوا دقائقه، ورسموا السبيل إليه، يقول صاحب الرسالة القشيرية: «اعلموا -رحمكم الله تعالى- أنّ المسلمين بعدَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يتسمّ أفاضلُهم فى عصرهم بتسمية عَلَمٍ سوى صحبةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم: الصحابة.

ولمَّا أدركهم أهلُ العصرِ الثانى سُمّى من صحب الصحابة: التابعين، ورأوا فى ذلك أشرفَ سِمةٍ. ثم قيل لمن بعدهم: أتباعُ التابعين. ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواصّ الناس ممَّن لهم شدةُ عناية بأمرِ الدينِ: الزّهادُ والعُبّادُ. ثم ظهرت البدعُ، وحصل التداعى بين الفرق، فكل فريق ادَّعَوا أنّ فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السُّنة المراعون أنفسَهُم مع الله تعالى الحافظون قلوبَهُم عن طوارق الغفلة باسم التصوف. واشتُهر هذا الاسمُ لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة».

فإذا كان التصوف من الإسلام فى حقيقتِه ومصطلحه كان من الخطأ إطلاق هذا المصطلح -الإسلامى معنى ولفظاً- على التجارب والمذاهب الروحية وما شابهها عند غير المسلمين، فهذا خطأ محض لا يُقرُّه العلم، فَضْلاً عن الخُلُق والدِّين، فترجمة تلك المذاهب والمفاهيم بالتصوف فيها إساءة لمصطلح إسلامى أصيل، وإساءة للإسلام، وإساءة للمنهج العلمى السديد.ومثل هذه الإساءات حاصلة وواقعة أيضاً عند إطلاقِ هذا المصطلح على أهل الجهل والبدع والأهواء، وطريقة الاصطلاح العلمى تقضى بإطلاق اصطلاحات أخرى كالتمصوف والمتمصوف والاستصواف والمستصوف وغير ذلك، للتمييز بين الأصفياء والأدعياء، والأصلاء والدخلاء.

ووجود أولئك وتنسبهم إلى أهل التصوف لا يقدح فى أصل تلك الحقيقة العلية الشريفة، وهم يماثلون من ادّعى الفقه من غير أهله، أو من ابتغى به غير وجه الله، ومن أدخل -بقصد أو بغير قصد- فى العقيدة ما ليس منها، فكما أن وجود أولئك لا يقدح بصورة من الصور فى علم الفقه من حيث هو ولا فى الفقهاء الأصلاء، ولا يقدح فى علم أصول الدين من حيث هو ولا فى أهله الأصلاء، كذلك الشأن هنا، فوجود الدخلاء والأدعياء لا ينفى ولا يؤثر فى وجود الأصلاء والأصفياء.

المصدر: الوطن

كلمات دلالية: التصوف الورع السنة النبوية الاستقامة

إقرأ أيضاً:

السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “يحفظه الله”:الجهاد عامل حماية ونهضة للأمة

عندما ندرس بعضاً من التجارب القائمة في الواقع المعاصر، وفي التاريخ المعاصر، ما حصل للمسلمين في البوسنة: عشرات الآلاف من المسلمين قتلوا قتلاً جماعياً بدمٍ بارد، وآلاف المسلمات تعرضن للاغتصاب، اضطهاد رهيب جدًّا، في الأخير عندما تحركوا ليجاهدوا كان لهذا أهمية كبيرة، ومثَّل عاملاً أساسياً في إيقاف تلك المجازر الرهيبة جدًّا بحقهم، وأن يدفع عنهم ذلك الشر الرهيب والفظيع.

ما يعانيه مسلمو الروهينجا الآن معاناة كبيرة جدًّا، كيف لو كانوا أمةً قويةً مجاهدة تملك القدرات التي تحمي نفسها هل كان سيحدث لهم ما حدث أن يقتل منهم أكثر من مائة ألف مسلم، أكثر من مائة ألف مسلم بدمٍ بارد، بكل بساطة يقتلون ويضطهدون ويستذلون، وتعرضت النساء للاغتصاب، كم هي التجارب الكبيرة جدًّا والكثيرة، وكم هي التجارب الناجحة للجهاد والتحرك في سبيل الله؟، كم هو الفارق بينما في غزة في فلسطين وما في غير غزة؟، كم كان الأثر- في التصعيد الأخير الإسرائيلي- للضربات التي لقنه المجاهدون في فلسطين بها؟، كان أثراً مهماً جدًّا، عامل ردع وإذلال للعدو وفرضوا عليه أن يوقف تصعيده، لماذا؟ عندما أصبحت هناك أمة مجاهدة تتحرك على أساس الجهاد في سبيل الله للتصدي للإسرائيلي، كم كان أثر تجربة حزب الله في لبنان؟، كم وكم وكم… التجارب: تجارب ثقافة التدجين، وثقافة التحرك والجهاد والعمل، فوارق كبيرة جدًّا وواضحة وجلية، وفي التاريخ كذلك، في التاريخ كذلك التجارب كثيرة.

أيضاً من أهم ما يستفاد من هذه الفريضة العظيمة أنها تمثل عاملاً نهضوياً للأمة، الأمة إذا كانت تحرص على أن تكون أمةً قوية، متى تحرص على أن تكون أمةً قوية؟ إذا كانت أمةً مجاهدة، إذا كانت أمةً تنهض بهذا الواجب وتقوم بهذه المسؤولية، حينها ستحرص على أن تكون أمةً قوية؛ لتكون أقدر في مواجهة أعدائها، ولذلك يأتي التوجيه القرآني: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: من الآية60].

في هذا السياق، في سياق الجهاد، في سياق هذه الفريضة العظيمة والمهمة، والأمة إذا اتجهت لأن تعد ما تستطيعه من القوة، يأتي في ذلك الاهتمام بالجانب الاقتصادي: كيف تكون أمةً منتجة؟، كيف تكون أمةً مصنِّعة؟، كيف تكون أمةً مبتكرة؟، كيف تواجه مستوى التحديات؟، وكل تحدٍ يستلزم قوة معينة، إمكانات معينة، قدرات معينة، وهكذا تستمر في تطوير نفسها، وفي تطوير قدراتها، وفي امتلاك كل عناصر القوة، وستبحث عن كل عناصر القوة، أما ثقافة التدجين فلا يبنى عليها إلَّا الضعف، فليس لها من نتاجٍ إلَّا الضعف، إلَّا الخور، إلَّا الاستكانة، إلَّا الإهمال، إلَّا الضياع… فرق كبير، الثقافة التي تنهض بالأمة، تبني الأمة لتكون قوية في كل المجالات، وفي كل شؤون الحياة، وبين ثقافة تضعف الأمة، تجعل من الضعف ثقافة، حتى حالة نفسية، التربية على الجهاد، وعلى النهوض بالمسؤولية، وعلى مواجهة التحديات والأخطار، حتى في بناء النفوس، تبني النفوس لتكون نفوساً قوية، تبني الناس ليكونوا أقوياء حتى في نفسياتهم ومشاعرهم، وثقافة التدجين تربي على الضعف حتى في النفوس لتكون نفوساً ضعيفة، نفوساً مهزوزة، نفوساً يهينها الآخرون، ويدوسها الآخرون، ويسحقها الآخرون وهي لا تتقن إلا حالة الاستسلام، وحالة الإذعان، وحالة الخنوع، وحالة السكينة، حالة الاستكانة التي هي حالة سلبية.

إذاً هناك فارق كبير بين ما يمثل عاملاً نهضوياً يبني الأمة، والآخرون هم يركِّزون على هذه النقطة، يدركون إيجابية الصراع لمن يتعامل معه على أساس أن يجعل منه عاملاً للنهضة، عاملاً للبناء، عاملاً لاكتساب القوة، وسلبيته فعلاً لمن يريد أن يكون ضعيفاً وأن يستسلم لا يتحرك، هذه حالة رهيبة جدًّا، تنهار شعوب، ويتحول أهلها- في الكثير منهم- إلى لاجئين في دول أخرى، ويتركون واقعهم، يتفككون كأمة، ينهارون انهياراً كاملاً، أمر خطير وسلبي، لكن من يجعل منه عاملاً نهضوياً، في الدول الأخرى هم يفعلون ذلك، الصين في الثقافة الصينية، لديهم هناك تحدٍ ولديهم عدو، ولديهم طموح في التفوق واكتساب القوة، عند الأمريكيين كذلك، عند كل القوى الناهضة في العالم، لا تنهض أمة إلا وقد جعلت من التحدي والخطر والعدو حافزاً لنهضتها، إذا شطب هذا الجانب تضعف، تكون أمة باردة، أمة لا تفكر بأن تكون قوية، ولا تسعى لأن تكون قوية، ولا تهتم بأن تكون قوية، كان واجبنا نحن المسلمين أن نكون أكثر الأمم اهتماماً باكتساب القوة في كل عناصر القوة: على المستوى النفسي، والتربوي، والاقتصادي، والعسكري… وفي كل مجالات الحياة. قبل غيرنا من الأمم، فما بال الآخرين وكأنهم هم من يكون في أهم مصادر ثقافاتهم وأفكارهم عبارة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: من الآية60]، كان المفترض بنا أن نكون نحن السباقين قبل غيرنا.

من المحاضرة الرمضانية التاسعة عشرة: الجمعة 19 رمضان 1440هـ 24 مايو 2019م

 

 

 

مقالات مشابهة

  • السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “يحفظه الله”:الجهاد عامل حماية ونهضة للأمة
  • ما حكم من صام الست أيام البيض قبل قضاء ما عليه من رمضان؟.. الإفتاء توضح
  • صلاح الدين عووضة يكتب.. معليش الإعيسر !!
  • دعاء الفرج العاجل مجرب ومستجاب..احرص عليه عند ضيق الحال
  • الإخلاص والخير.. بيان المراد من حديث النبي عليه السلام «الدين النصيحة»
  • تامر أفندي يكتب: أنا اليتيم أكتب
  • هل تأخير إخراج الزكاة يبطل ثواب صيام رمضان؟.. الإفتاء تجيب
  • يوم اليتيم .. لماذا حرّم الإسلام التبني وأجاز كفالة اليتيم؟
  • علاج كل الهموم.. وصفة إيمانية من طاه إيطالي اعتنق الإسلام
  • صلاح الدين عووضة يكتب.. أأضحك أم أبكي؟!