وزير استخبارات سابق: الصهيونية في النزع الأخير.. من نبكيهم اليوم سيكسبون الحرب
تاريخ النشر: 2nd, November 2024 GMT
نناول مقال للكاتب روني كاسريلز، في موقع "فلسطين كرونيكل"، الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال في غزة.
وأضاف وزير الاستخبارات السابق في جنوب أفريقيا، أن "الصهاينة وحلفاؤهم الليبراليون يبررون هذا القتل المهول باعتباره رداً مشروعاً على عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر من العام الماضي".
وأشار إلى أن هناك اعتراف دولي بالحق في ممارسة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.
وخلص الكاتب، "لم تمت الصهيونية، ولكنها بكل تأكيد في النزع الأخير. سوف يكون الثمن باهظاً جداً، باهظاً فوق كل اعتبار، ولكن الذين نبكيهم اليوم هم من سيكسبون الحرب"
وفيما يلي نص المقال:
في غزة يُقتل ستة أطفال كل ساعة.
تم حتى الآن ذبح ما يزيد عن سبعة عشر ألف طفل. لا أحد منا، ولا حتى الشعراء، بإمكانه استدعاء كلمات كافية لتصف التعطش الفاشي للدماء لدى النظام الإسرائيلي والمجتمع الذي يسانده.
بعد عام من بدء الهجوم على غزة، ما يزيد عن اثنين وأربعين ألف إنسان قتلوا. لا يشمل هذا الرقم المفقودين. ما يزيد عن عشرة آلاف شخص ممن يحسبون في عداد الأموات مازالت أجسادهم تحت الأنقاض. أصيب أكثر من مائة ألف شخص، عدد كبير منهم إصاباتهم خطيرة.
في شهر يوليو (تموز) من هذا العام قدرت دراسة نشرت في المجلة الطبية المحترمة، ذي لانسيت، بأن العدد الإجمالي للموتى، لأسباب مباشرة أو غير مباشرة، قد يتجاوز 186 ألف إنسان بحلول التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2024. أكثر من سبعين بالمائة من الأموات هم من النساء والأطفال. ما يزيد عن ألف طفل فقدوا أطرافاً لهم، وهو أعلى رقم لأي فترة مشابهة في التاريخ.
تظهر دراسة أعدتها سوفيا ستاماتوبولو روبينز من جامعة براون ونشرت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام أن تسعين بالمائة من الناس في غزة نازحون، وأن ستة وتسعين بالمائة لا يتوفر لديهم ما يكفي من الطعام والماء، ولا توجد كهرباء، وما يزيد عن تسعين بالمائة من المستشفيات تم تدميرها، بينما قتل 880 شخصاً من العاملين في الرعاية الصحية.
أربعة من بين كل خمسة أطفال استولت عليهم الكآبة وغارقون في الحزن والخوف. انتشرت الأمراض المعدية كالنار في الهشيم.
عدد القتلى المؤكد كنتيجة مباشرة للهجمات التي يشنها الجيش الإسرائيلي، والذي بلغ 42 ألفاً، يساوي تقريباً ضعف عدد من سقطوا في مذبحة شاربيفيل يومياً وعلى مدي عام كامل.
بعد شاربيفيل ساد هدوء نسبي ما بعد العاصفة. نقل المصابون إلى المستشفى، وتم دفن الموتى بكرامة. لحظتها اهتز النظام تحت وطأة التنديد الدولي بما حدث.
أما في غزة، فالقتل مستمر بلا هوادة.
يبرر الصهاينة وحلفاؤهم الليبراليون هذا القتل المهول باعتباره رداً مشروعاً على عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر من العام الماضي.
هناك اعتراف دولي بالحق في ممارسة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. ولكن لا يوجد اعتراف دولي بحق قوة الاحتلال في الدفاع عن النفس.
صحيح أن حق ممارسة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال لا تشمل اتخاذ المدنيين رهائن أو شن هجمات متعمدة على المدنيين. ولكن، علينا مع ذلك أن نكون واضحين إزاء ثلاثة أمور.
أما الأول فهو أن الإسرائيليين، المدعومين من قبل حلفائهم في الولايات المتحدة وفي غيرها من الأماكن، شنوا حملة دعاية وقحة بعد عملية طوفان الأقصى. ولقد ثبت بدون أدنى شك كذب الادعاءات بقطع رؤوس أربعين رضيعاً وبارتكاب اغتصاب جماعي.
وأما الثاني فهو أن ما يزيد عن ثلاثمائة شخص ممن قتلوا في إسرائيل أثناء العملية كانوا جنوداً على رأس عملهم، وكانوا بذلك أهدافاً عسكرية مشروعة. كثير من المدنيين الذين قتلوا كانوا جزءاً من الاحتياط العسكري الإسرائيلي وبذلك فهم جنود خارج دوام العمل. بالإضافة إلى ذلك، بات موثقاً وبشكل جيد أن كثيراً من هؤلاء المدنيين قتلوا بنيران أطلقها الجيش الإسرائيلي.
وأما النقطة الثالثة، فهي أنه في مثل هذه الأمور، يكون من الضروري دائماً أن نأخذ السياق في الحسبان. والسياق هنا هو خمسة وسبعون سنة من الاحتلال والتشريد الاستعماري والتطهير العرقي الإجرامي في كل أنحاء فلسطين. ما يقرب من ثمانين بالمائة من أهل غزة هم أصلاً من اللاجئين الذين قدموا إلى القطاع بسبب التطهير العرقي الذي مارسه الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في عام 1948 وفي عام 1967.
كما عانى قطاع غزة من حصار دموي استمر سبعة عشر عاماً. والمدنيون الذين أخذوا رهائن إنما أخذوا من أجل استبدالهم بالآلاف من الرهائن الفلسطينيين القابعين داخل السجون الإسرائيلية.
وكما يدرك كل من لديه علم بتاريخ الثورات ضد العبودية والاستعمار، يتم ارتكاب فظاعات عندما يثور المظلومون. يدرك التحليل الجاد ذلك ضمن السياق، ويدرك أن الظلم هو جذر العنف وأن إنهاء الظلم هو السبيل نحو السلام.
كل موت بريء كارثة. كلنا نحزن لموت الرضع في الصراع، ولكن البشر المحترمين يحزنهم موت جميع الرضع. لقد مات رضيعان إسرائيليان اثنان في السابع من أكتوبر 2023.
ثم خلال أسابيع، قتل سبعون رضيعاً حديثو الولادة في غزة. يريد منا الإسرائيليون وحلفاؤهم الليبراليون حول العالم أن نحزن على الرضيعين الإسرائيليين، ونقبل بموت السبعين رضيعاً في غزة باعتباره من أفعال "أكثر الجيوش أخلاقاً في العالم".
يفترض فينا أن نقبل بأن حياة الإسرائيليين مقدسة بينما حياة الفلسطينيين لا تساوي شيئاً. هذا المنطق من نزع الإنسانية عن الآخر طالما كان منطقاً للفاشية والاستعمار، وهو ما يفترض في كل إنسان محترم أن يعارضه ويقاومه.
لقد اتخذ الناس حول العالم موقفاً مبدئياً.
ما كان الرد الاستئصالي للاحتلال الاستعماري الإسرائيلي على المقاومة ليحصل بدون مساندة الولايات المتحدة.
خلال العام الذي تلا عملية طوفان الأقصى، أنفقت الولايات المتحدة 22.76 مليار دولار على المساعدات العسكرية لإسرائيل وعلى العمليات الأمريكية ذات العلاقة في المنطقة. ولكن داخل الجامعات في أرجاء الولايات المتحدة، وقف الشباب، وكثيرون منهم يهود، بشجاعة في صف العدالة.
تشير الإحصائيات إلى أن أربعين بالمائة من اليهود في الولايات المتحدة دون سن الخامسة والثلاثين يعارضون الصهيونية ويدعمون الفلسطينيين. يفهم هؤلاء أن اليهودية موجودة منذ آلاف السنين، قبل قيام دولة إسرائيل، وأنها سوف تظل موجودة لفترة طويلة بعد زوال إسرائيل بالشكل الذي هي عليه الآن.
ها هي الحركة الدولية للمقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات تنمو بسرعة وتزداد قوة. كما تحقق تطور بارز باتجاه تمكين الأمم المتحدة ومحاكمها العليا، المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، حتى تمارس صلاحياتها وتتخذ الإجراءات الضرورية في الحال.
لقد تصرفت دولة جنوب أفريقيا بشجاعة عندما رفعت قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. بالطبع هناك جهود معاكسة تبذلها الدولة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، بما في ذلك محاولات كبيرة للتأثير على الرأي العام داخل جنوب أفريقيا.
تمول حكومة الولايات المتحدة مشاريع يبدو من خلالها أن "الأخبار الكاذبة" لا تصدر إلا عن خصومها في بريكس، ولا تصدر بتاتاً عن الولايات المتحدة أو إسرائيل.
في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) تنوي "الحركة العالمية من أجل الديمقراطية" – وهي مشروع تابع للوقف القومي للديمقراطية ومنظمة تابعة للدولة في الولايات المتحدة لديها ارتباط بالكثير من الانقلابات التي ساندتها الولايات المتحدة ضد الحكومات المنتخبة – استضافة مؤتمر ضخم للمجتمع المدني في جوهانزبيرغ هدفه تصوير الولايات المتحدة والغرب على أنهما رعاة الديمقراطية وحماتها حول العالم.
ثمة ضغوط متنامية تمارس على المنظمات غير الحكومية في جنوب أفريقيا لمقاطعة المؤتمر، ولقد استجاب بعضها وأعلن عن انسحابه.
يتخفى تحت قناع الكبر الإسرائيلي، والادعاء بأن لديها حقاً إلهياً في القتل والهيمنة، ضعف متنام. ومع بدء هجومها على لبنان وإيران، بعد قيامها بقصف سوريا واليمن، يتزايد الإدراك بأن فاشيتها تهدد المنطقة بأسرها، وبالتالي تشكل خطراً على السلام العالمي.
خلال ما يزيد عن عام، أخفقت إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها المعلنة، من ضمان تحرير الرهائن وسحق حماس. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة، إلا أن المقاومة البطلة في غزة والضفة الغربية ولبنان واليمن لم تهزم. في هذه الأثناء، يخفي الجيش الإسرائيلي الأعداد الحقيقية لقتلاه وجرحاه، ولكن هناك إدراك متنام في إسرائيل بأن عدد الإصابات في ارتفاع مستمر. واليوم، يعاني آلاف الجنود في إسرائيل من صدمات نفسية باتوا بسببها غير قادرين على أداء المهام القتالية.
يتباهى الجيش الإسرائيلي بالمكاسب التكتيكية، ولكنه يتكبد هزائم استراتيجية. ومن خلال توسيع جبهة المعركة، فإنهم يتمددون فوق طاقتهم، وكلما تصاعدت الحرب، كلما غاصوا في الوحل.
إسرائيل ليست دولة مستقرة. تكاد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي تصل نقطة الانكسار، وتخلي نتنياهو، فعلياً، عن الرهائن أضعف التأييد الذي يحظى به.
والأكثر من ذلك هو أن إسرائيل لن تتمكن على وجه التأكيد من خوض حرب استنزاف طويلة المدى، فالاقتصاد في أزمة بسبب هروب رأس المال، ونضوب الاستثمار الخارجي، والتراجع السريع في الناتج الإجمالي المحلي. لقد تكبدت إسرائيل في العام الماضي خسارة تقدر بأربعة وستين مليار دولار، وسوف يكون هذا العام أسوأ حالاً. ناهيك عن أن نصف مليون مواطن هربوا من البلد.
باتت المستوطنات والبلدات المحاذية لجنوب لبنان وتلك التي في المنطقة الواقعة جنوبي قطاع غزة مهجورة، وتكاد الفنادق تفيض بالمستوطنين الذين نزحوا، وهم يقيمون فيها على نفقة الحكومة. ميناء إيلات خال من السفن وقد أعلن إفلاسه.
تضرب صواريخ حزب الله أهدافاً عسكرية في حيفا وفي غيرها من الأماكن، بما في ذلك قواعد هامة للجيش وللموساد، بل تعرض منزل نتنياهو نفسه للقصف بطائرة مسيرة. لقد أثبتت عملية طوفان الأقصى أن إسرائيل ليس عصية على القهر، وأثبتت قبة إسرائيل الحديدية ودفاعاتها الجوية أنها لا تكفي لصد الهجمات المشتركة التي تشن من أنحاء مختلفة في المنطقة، ومن أماكن بعيدة مثل إيران واليمن.
لقد تعرضت إسرائيل لعقاب شديد من قبل حزب الله في لبنان، ولسوف تفشل في غزوها لذلك البلد كما فشلت من قبل.
أما إيران فهي تماماً عامل آخر. إنها بلد واسع، غني بالموارد، وخصم مهيب. وعلى النقيض من إسرائيل، تستهدف إيران المواقع العسكرية، ولا تشن هجمات عشوائية ضد المدنيين، وهذا ما لاحظه الناس ولاحظته البلدان حول العالم.
الأوضاع مأساوية في غزة، وبشكل لا يمكن تصوره، وكذلك الوضع هو في الأحياء المحاصرة في الضفة الغربية، حيث بلغ عدد المحتجزين في السجون أحد عشر ألفاً وخمسمائة. ومع ذلك ما تزال المقاومة حية، ولقد تجسدت بسالتها ورصانتها في التحدي الذي أظهره السنوار حتى لفظ آخر أنفاسه، كما تجسد في صرير الفتاة الصغيرة التي حملت شقيقتها الطفلة على ظهرها وسارت بها بين تلال من الركام والموت.
يحنو الناس بعضهم على بعض ويرعى بعضهم بعضاً حتى في أسوأ الظروف وأحلك الكوابيس. يحفرون في الأنقاض بحثاً عمن دفنوا أحياء، ويسارعون نحو المستشفيات المقصوفة يحملون على أكفهم من في سكرات الموت ومن أصيبوا، ويحملون في أكياس من البلاستيك بقايا الضحايا الذين مزقت القنابل أجسادهم. يدفنون بكل لطف موتاهم الملفوفين في الأكفان في قبور جماعية. يحبون أرضهم، ويدهشون العالم بما يتحلون به من عزة وكرامة، وبإصرارهم على عدم التنازل عن أرض الآباء والأجداد.
لم تمت الصهيونية، ولكنها بكل تأكيد في النزع الأخير. سوف يكون الثمن باهظاً جداً، باهظاً فوق كل اعتبار، ولكن الذين نبكيهم اليوم هم من سيكسبون الحرب.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة إسرائيلية الاحتلال غزة الصهيونية الحرب غزة الاحتلال الحرب الصهيونية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی السابع من أکتوبر عملیة طوفان الأقصى الجیش الإسرائیلی الولایات المتحدة جنوب أفریقیا اعتراف دولی حول العالم بالمائة من ما یزید عن فی غزة
إقرأ أيضاً:
تحليل حول خطاب البرهان للأمين العام للأمم المتحدة وخطة إنهاء الحرب
مقدمة
تناقلت وسائل الإعلام خطابًا من الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، يتضمن عرضًا لخطة الحكومة السودانية بشأن إنهاء الحرب الدائرة في البلاد. وقد لاقى الخطاب ردود فعل متباينة بين السودانيين، حيث انقسم الرأي العام بين مؤيدين ومعارضين، في الوقت الذي شكك فيه البعض في مصداقيته واعتبره آخرون خطابًا مفبركًا.
*نقاط إيجابية في الخطاب:*
1/ التوجه نحو الحوار السوداني السوداني:
من النقاط التي تم الإشادة بها هو الدعوة إلى الحوار الوطني بين السودانيين، وهو أمر يحظى بتأييد واسع من مختلف الأطراف السودانية. هذا يشير إلى رغبة الحكومة في إرساء السلام الداخلي وإشراك كافة الأطراف السودانية في حل الأزمة.
2/ مطالبة المليشيا بتسليم الأسلحة:
الخطاب يتماشى مع الموقف الثابت للشعب السوداني و للقوات المسلحة التي طالما دعت إلى ضرورة تسليم المليشيا أسلحتها والخروج من المدن والمنازل، استعدادًا للمرحلة القادمة التي تتضمن الدمج أو تسريحها مع محاسبة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم ضد الشعب السوداني.
*نقاط سلبية في الخطاب*
1/ غموض الإشارة إلى ولايات دارفور
إحدى النقاط المثيرة للجدل في الخطاب هي العبارة التالية: “الولايات التي تقبل بالمليشيا”، وهي عبارة غامضة من المؤكد أنها سوف تثير جدلا حول تفسيرات متعددة وغير واضحة. هذا الغموض سوف يتسبب في مشاكل عند تطبيقه على أرض الواقع، حيث يجمع الراي العام على أن المليشيا يجب أن تُطرد من جميع أنحاء السودان وليس فقط بعض المناطق. وان يتم التعامل مع الافراد فيها لتحديد مصيرهم ما بين دمج وتسريح و محاكمات.
2/ التفريق في التعامل مع المليشيا:
الحديث عن قبول المليشيا في مناطق معينة، مثل دارفور، يتناقض مع مبدأ “تطهير السودان من المليشيا” ويشجع على تقسيم البلاد وفقًا للولاءات الجغرافية أو القبلية، وهو أمر قد يزيد من توترات إضافية في المستقبل و قد يمنح المليشيا شرعية ليس فقط بناء على مبدا التفاوض معها كطرف معترف به، ولكن ايضا باعتبار أن لها قواعد اجتماعية و شعب و أرض تمثلهم و يمثلونها.
3/ عدم الإشارة إلى محاسبة الجرائم أو التعويضات:
من العيوب الرئيسية في الخطاب عدم الإشارة بشكل مباشر إلى محاسبة المليشيا على الجرائم التي ارتكبتها خلال الفترة الماضية، أو إلى ضرورة دفع تعويضات للمتضررين. هذا يعزز من الشكوك حول عدم وجود نية حقيقية لتحقيق العدالة. وان التسوية ستكون على حساب حقوق الضحايا.
4/ الخشية من المفاوضات والمناورات السياسية
القلق من المناورات الإقليمية والدولية:
بالرغم من أن الخطاب يتضمن دعوة لإنهاء الحرب، إلا أن هناك مخاوف من أن القوى الإقليمية والدولية قد تسعى لتحقيق مصالح خاصة أثناء المفاوضات. مؤكد أن الدول الداعمة للمليشيا سوف تحاول الحصول على مكاسب من خلال الضغوط السياسية، باستخدام العبارات المبهمة مثل “إذا قبلوا بها” من أجل إعادة تأهيل المليشيا أو تحقيق مصالحها الخاصة في السودان. و سوف توظف مبدا الاعتراف بالمليشيا لترجع الى مناورات قديمة مثل مساواتها مع الجيش ومثل الشرعية المتساوية و حقوق المليشيا في التواصل مع العالم الخارجي في التسليح و غيره.
5/ التهديدات من القوى الداعمة للمليشيا:
من المهم أن يتم التعامل بحذر مع القوى الداعمة للمليشيا، خاصة تلك التي قد تسعى لإعادة تنظيم صفوف المليشيا في ظل وجود مصالح اقتصادية وسياسية لها في السودان، مثل الإمارات التي دخلت في تحالفات مشبوهة مع عملائها سوف تؤثر في سير الأحداث.
*آليات التفاوض والخطر المحتمل*
1/ ضرورة المتابعة الدقيقة:
رغم أن البرهان قد نجح في المفاوضات السابقة عبر منبر جدة، إلا أن هذا يتطلب المزيد من الحذر والدقة في التعامل مع المليشيا وحلفائها. من الضروري الحفاظ على قوة الجيش السوداني وعدم إعطاء فرصة للمليشيا لإعادة تجميع صفوفها.
2/ الضغوط العسكرية مستمرة: يجب مواصلة الضغوط العسكرية للجيش على المليشيا حتى لا يتم منحها فرصة لاستعادة قوتها أو إعادة التنظيم. الجيش يجب أن يظل في وضع هجومي دون تراجع.
3/ خارطة الطريق مع الأمم المتحدة
وجود خارطة طريق قد تكون تم الاتفاق عليها:
هناك إشارات سابقة تشير إلى وجود خارطة طريق تم الاتفاق عليها مع الأمم المتحدة، وهو ما قد يكون أشار إليه البرهان في أحد خطاباته. إذا كانت هذه الخطة موجودة بالفعل، فقد تكون جزءًا من استراتيجية أكبر تهدف إلى التوصل إلى حل سياسي وعسكري للأزمة، ويجب التحقق منها قبل اتخاذ أي خطوات أخرى. ولكن يجب أن تتم وفق شروط الشعب السوداني المعروفة.
4/ ملاحظة مهمة، لماذا تطرح حكومة شرعية خطتها لحل مشاكل شعبها الى الامم المتحدة ولا تقدمها الى شعبها في أي مستوى من مستويات الحوار الوطني. الشكوك كبيرة من حيث المبدأ و التوقيت و المحتوى و النوايا.
الخاتمة
الخطاب الذي أرسله البرهان يعكس رغبة في إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار في السودان، ولكنه يحمل أيضًا العديد من المخاطر السياسية والعسكرية. غموض بعض النقاط مثل التعامل مع المليشيا في دارفور، وعدم الإشارة إلى محاسبة الجرائم أو التعويضات، قد يزيد من تعقيد الوضع في المستقبل. كما أن المناورات الإقليمية والدولية قد تشكك في جدوى المفاوضات والنوايا الحقيقية منها. لذلك، من الضروري توخي الحذر والمزيد من التشاور مع كل الأطراف المعنية داخليًا لضمان أن أي تسوية تتم لا تعطي فرصة للمليشيا لاستعادة قوتها أو تمكينها من العودة للقتال أو تكون على حساب الضحايا.
د. محمد عثمان عوض الله
إنضم لقناة النيلين على واتساب