سلطت صحيفة "الغارديان" البريطانية الضوء على قصة صحفي قناة "الجزيرة" المعروف وائل الدحدوح الذي برز اسمه بقوة على وقع تغطيته للشهور الأولى من عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة وقتل "إسرائيل" عددا من أفراد عائلته بما في ذلك زوجته وحفيده وثلاثة من أولاده.

ونشرت الصحيفة تقريرا مطول أعدته الصحفية نسرين مالك وترجمته "عربي21"، قالت فيه إن وائل كان على الهواء مباشر عندما أدرك أن هناك مشكلة ما.

كان ذلك في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حوالي الساعة الخامسة مساء، وكان رئيس مكتب الجزيرة في غزة يقف على سطح مبنى مكتب القناة، ويتحدث عن الغارات الجوية التي وقعت في ذلك اليوم. قال الدحدوح بينما كانت الانفجارات تشتعل في الأفق: "ستكون ليلة دامية".

ومن زاوية عينه، لمح الدحدوح ابن أخيه حمدان، المنتج في قناة الجزيرة، وهو يبدو مضطربا. ثم بدأ هاتفه يدق، فمد حمدان يده وأخرج الهاتف وأجاب عليه. كان من الغريب أن يفعل ذلك أثناء وجودهما على الهواء، فقال وائل لحمدان. "من هو؟"، وكان صوته لا يزال مسموعا للمشاهدين. وبعد بضع ثوان على الهاتف، ركل حمدان بغضب الحائط. سأل وائل: "ماذا يحدث؟" فأجاب حمدان: "ابنتك في المستشفى. لقد ضربوا المكان الذي توجد فيه زوجتك وعائلتك".

تناول الدحدوح الهاتف. وبينما استمر المشاهدون في رؤية المشاهد الحية من غزة، سمعوا قلق الدحدوح المتزايد وتعليقات حمدان المضطربة في الخلفية. ثم انقطع الإرسال إلى الاستوديو في الدوحة.

كانت على الهاتف ابنة الدحدوح البالغة من العمر 21 عاما، خلود، التي كانت في حيرة من أمرها وغير قادرة على إعطائه فكرة واضحة عما كان يحدث. أغلق الهاتف وهرع إلى مخيم النصيرات على بعد سبعة أميال، حيث كانت زوجته وسبعة من أطفاله الثمانية يحتمون في منطقة آمنة خصصتها "إسرائيل".

وعندما وصل بعد حوالي 40 دقيقة، وجد الدحدوح مشهدا فوضويا. كان الناس يحفرون بين الأنقاض بأيديهم، مستخدمين مصابيح هواتفهم المحمولة لرؤية ما يجري. وفي الأنقاض، وجد الدحدوح حفيده البالغ من العمر 18 شهرا، آدم، مغطى بالغبار، فاقدا للوعي. حمل الدحدوح الصبي بين ذراعيه، وهرع إلى مستشفى شهداء الأقصى على بعد 15 دقيقة.

ووسط الجموع خارج المستشفى، وجد الدحدوح خلود. وعندما رأت جسد آدم بين ذراعي والدها، بدأت تصرخ وتداعب وجه ابن أخيها. ثم انهارت، وأخذت الدحدوح معها إلى الأرض، وهي لا تزال ممسكة بالطفل الصغير. ترنح الدحدوح على قدميه. داخل المبنى، سلم آدم إلى طبيب وبدأ يبحث عن بقية أفراد عائلته، متمايلا بين الحشود بحثا عن أحبائهم أيضا، عبر الممرات المليئة بالجرحى.

تقول الصحيفة إن الدحدوح اكتسب شهرة واسعة في غزة بفضل تقاريره، وبينما استمر في البحث، متسائلا عما إذا كان أحد قد رأى زوجته وأطفاله، بدأ يدرك أن الناس يتجنبونه، وكأنهم يعرفون شيئا لا يعرفه. ثم أحضرت سيارة إسعاف ابنه الأصغر يحيى البالغ من العمر 12 عاما. كانت جمجمته مكشوفة ورأسه غارق في الدماء، لكنه كان واعيا.

هرع الدحدوح به إلى طبيب بدأ في خياطة جروحه على الفور. لم يكن هناك أي مخدر. صرخ يحيى من الألم، حتى تم العثور أخيرا على جرعة من المخدر وإعطائه. وبينما كان ينتظر بجانب يحيى، تم نقل ابنة أخرى من بنات دحدوح، فضلا عن حماته والعديد من أبناء عمومته، إلى المستشفى. علم منهم أن والدة آدم وثلاث من بناته الأخريات نجين من الضربة. وكان ابنه الأكبر حمزة البالغ من العمر 27 عاما في جنوب غزة سالما.

الآن، تم العثور على ستة من أطفاله الثمانية - إما سالمين أو، مثل يحيى، مصابين ولكنهم على قيد الحياة. لكن زوجة الدحدوح واثنين آخرين من أطفاله ما زالوا في عداد المفقودين. كانت المشرحة هي المكان الوحيد الذي لم يبحث فيه.

في المشرحة، وجد الدحدوح جثث ابنه محمود البالغ من العمر 15 عاما، وابنته شام البالغة من العمر سبع سنوات، وزوجته أمينة. حمل دحدوح شام، وتحدث إليها وقد ارتسم الحزن على وجهه. ثم جثا على ركبتيه بجوار جثة زوجته وأمسك بيدها. وما إن ركع بجوار جثة محمود الملطخة بالدماء حتى أطلق صرخته الأولى، ثم نطق بعبارة ترددت أصداؤها في أنحاء العالم العربي: "بينتقموا منا بالأولاد.. بينتقموا منا بالأولاد.. معلش".

لم تمر سوى ثلاثة أسابيع منذ بدء الحرب، ولكن الخسائر المقدرة شملت بالفعل آلاف الأطفال، وأصبح أطفال الدحدوح رمزا لكل الأطفال الآخرين الذين تم انتشالهم من تحت الأنقاض. كما أصبحت المخاطر التي يواجهها الصحفيون في غزة واضحة. فقد قُتل نحو عشرين صحفيا، وهو رقم وصفه أحد كبار المسؤولين في لجنة حماية الصحفيين بأنه "غير مسبوق".

وما إن خرج الدحدوح من المستشفى حتى بدأت المقابلات معه. فلأسابيع ظل يروي أخبار وفاة آخرين، والآن أصبح هو القصة. ففي الغارة الجوية التي أودت بحياة زوجته واثنين من أبنائه، قُتل أيضا خمسة من أحفاد شقيق دحدوح ــ كلهم دون سن العاشرة. كما أُعلن عن وفاة حفيده آدم في المستشفى. وفي أول مقابلة له مع دحدوح، بعد دقائق من اكتشافه جثث عائلته، قال لزملائه في قناة الجزيرة: "كنا نشك في أن الاحتلال الإسرائيلي سوف يعاقب الفلسطينيين في غزة جماعيا على ما حدث في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. ولكن للأسف، هذا ما حدث".

وبحسب التقرير، فإن ما فعل الدحدوح بعد ذلك جعله رمزا ليس فقط لخسائر الحرب، بل وأيضا لقوة الإصرار في مواجهة الخسارة الفادحة. ففي فترة ما بعد الظهر من يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر، كانت الكاميرات تلاحقه وهو يؤدي صلاة الجنازة على أسرته. كان يحيى، ابن الدحدوح، يقف إلى جواره مضمدا وجثة أمه ملفوفة ببطانية على الأرض أمامه. وتعالى صوت الدحدوح بالدعاء. وبعد الصلاة، قام الدحدوح بمداعبة رأس الطفل آدم، الملفوف بكفن أبيض صغير، للمرة الأخيرة قبل دفنه.

بعد ساعات قليلة، وبعد عدة محاولات من قبل محرريه لثنيه، عاد الدحدوح إلى الهواء. وعلى الشاشة، تلقى التعازي من المذيع في استوديوهات الدوحة، ثم بدأ يتحدث بوضوح وهدوء عن دوره كصحفي. وقال إنه "واجب، في مثل هذه الظروف التاريخية والاستثنائية، أن نواصل تغطيتنا باحترافية وشفافية، على الرغم من كل شيء". ثم بدأ في تقديم تقرير عن آخر التطورات في غزة.

لم يدرك الدحدوح أن التأثير سيكون ضخما إلى هذا الحد. لقد أصبح الصحافي الذي كرس نفسه لمهمته لدرجة أنه عاد إلى العمل بعد ساعات من دفن عائلته قصة عالمية.



بدأت اللوحات الجدارية التي تصور الدحدوح وهو يرتدي خوذته وسترة واقية من الرصاص تظهر ليس فقط في إدلب في شمال سوريا، بل وفي لندن ودبلن. فقط بعد أن بدأت مثل هذه التكريمات في الظهور، واكتسبت الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين زخما في شوارع المدن الغربية في تشرين الثاني/ نوفمبر، أدرك عدد المشاهدين. لقد غطى الدحدوح أربع حروب في غزة على مدى العقدين الماضيين، لكنها لم تجتذب نفس مستويات الاهتمام العام والتعاطف والتعبئة. كانت هذه الحرب مختلفة. ولم يعد الدحدوح مجرد مراسل رفيع المستوى، بل أصبح يحمل حزن غزة ورمزا لشخصية شعبها، حسب التقرير.

ولد الدحدوح لعائلة كبيرة - وهو واحد من ثمانية أشقاء وثماني شقيقات - في شمال غزة عام 1970. عاش آل دحدوح هناك، يزرعون الأرض، لأجيال. كانت حياة قاسية، تعتمد على العمل المرهق جسديا، ولكن بالنسبة لمعظم طفولة الدحدوح، كانت حياة طبيعية أيضا. كان هناك دائما ما يكفي من الطعام وسقف فوق رؤوس الجميع. وكانت فترة شبابه "فترة غنية"، مليئة بالأنشطة والأصدقاء. وقال إن السباحة كانت "حبه الأول".

بعد أن أصبح أول فرد في عائلته يكمل المدرسة الثانوية، حصل دحدوح في عام 1988 على منحة دراسية لدراسة الطب في العراق. ولكن الانتفاضة الأولى، التي بدأت في غزة في كانون الأول/ ديسمبر 1987 وانتشرت إلى بقية الأراضي المحتلة، أفسدت خططه. فقبل أيام من سفر الدحدوح إلى العراق لبدء دراسته الطبية، جاء الجيش الإسرائيلي إلى منزله في منتصف الليل واعتقله. وكان عمره آنذاك 17 عاما. وبعد ثلاثة أشهر من الاستجواب والاحتجاز، بإلقاء الحجارة، وحرق إطارات السيارات، والمواجهات مع القوات المسلحة. وحُكِم عليه بالسجن لمدة 15 عاما. وهدمت السلطات الإسرائيلية منزل عائلته. وقال إنه خلال السنوات السبع التي قضاها في السجن، لم يُسمح له إلا بزيارتين من عائلته.

بعد إطلاق سراحه في عام 1995 في سن الرابعة والعشرين، حاول الدحدوح مرة أخرى متابعة دراسته الطبية في العراق، لكن السلطات الإسرائيلية منعته من المغادرة. لم تكن هناك كليات طبية في ذلك الوقت في غزة، لكن الجامعة الإسلامية في غزة أطلقت مؤخرا درجة جديدة في الصحافة ودراسات الإعلام. التحق الدحدوح بالجامعة وتزوج. في عام 1998، بدأ في العمل كمراسل لصحيفة القدس، أكبر صحيفة في الأراضي الفلسطينية، وبعد عامين، أثناء الانتفاضة الثانية، بدأ الدحدوح في الحصول على بعض العمل المستقل في الإذاعة والتلفزيون.

كان هذا وقتا أصبحت فيه القنوات الفضائية قوة كاسحة في جميع أنحاء المنطقة. وبالنسبة لدحدوح، بدت هذه الفترة وكأنها من نسج الخيال. فقبل بضع سنوات فقط كان في السجن. والآن، بصفته صحفيا إذاعيا ناشئا، أصبح جزءا من ثورة إعلامية. وبحلول عام 2004، كان يعمل لصالح قناة الجزيرة. لقد انقطعت الحياة التي كان يخطط لبدئها خارج غزة قبل أن تبدأ، ولكن هنا، في وطنه، وجد شيئا أشبه بدعوة إلى الواجب.

لقد غطى الدحدوح كل الصراعات في غزة منذ انسحاب السلطات الإسرائيلية من القطاع في عام 2005. وعلى مر السنين، أصبحت تغطية الحرب نوعا من الصناعة المنزلية في غزة. عندما كان العمل نادرا، كان بإمكان السكان المحليين العمل لحسابهم الخاص كمنتجين ومشغلي كاميرات وسائقين ومساعدين، وبناء مجتمع موثوق حيث يتعلم الصغار من كبار المهنيين مثل الدحدوح حيث أصبح "مدرسة" للصحفيين الأصغر سنا بحسب ابن أخيه حمدان.

بعد الضربة الإسرائيلية التي قتلت زوجته وأطفاله، بقي دحدوح في مدينة غزة، بينما أرسل بناته الأربع وابنه يحيى إلى مكان آمن نسبيا في وسط قطاع غزة. وتصاعدت الغارات الجوية، بينما كانت إسرائيل تمهد الطريق لحصار مدينة غزة وتوسيع الغزو البري الذي بدأ في 28 تشرين الأول/ أكتوبر.

بدأ دحدوح وفريقه في تلقي رسائل من العائلة والأصدقاء يتوسلون إليهم المغادرة. أراد دحدوح البقاء، ولكن بعد مناقشة مع فريقه، توصل إلى أنه إذا بقوا، فمن المؤكد أنهم سيُقتلون أو يُحتجزون، وأن عملهم سينتهي. لذلك في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر، خلعوا ستراتهم الصحفية وخوذاتهم وغادروا المكتب. بعد لحظات من مغادرتهم، وصلت الدبابات إلى مدخل مبنى الجزيرة.

كان مغادرة شمال غزة، المكان الذي نشأ فيه وحيث كان القتال على أشده، "تجربة مريرة للغاية، للغاية للغاية" بالنسبة للدحدوح، حيث قال:  "لقد شعرت بالهزيمة". وقام هو وفريقه بتأسيس عملية جديدة في خانيونس وبدأوا في إرسال التقارير من مختلف أنحاء وسط قطاع غزة ورفح في الجنوب.

في 15 كانون الأول/ ديسمبر، ذهب الدحدوح والمصور سامر أبو دقة إلى موقع الغارة الجوية على مبنى مدرسة في خانيونس. سافرا إلى الموقع في سيارة إسعاف، برفقة ثلاثة أفراد من قوات الدفاع المدني، وهي إدارة حكومية مسؤولة عن خدمات الطوارئ، والتي حصلت، من خلال الصليب الأحمر، على إذن من الجيش الإسرائيلي للتواجد في المنطقة.

وصلا عند الظهر. وبينما كانت مسيّرات إسرائيلية تحلق في السماء، ظل دحدوح وأبو دقة في الموقع لأكثر من ساعتين. ثم، بينما كانا في طريق العودة إلى سيارتهما، ضربتهما مسيّرة. وقال دحدوح إنه شعر وكأن عاصفة تجتاحه. وفي اللحظات التي سبقت إغمائه، كان مقتنعا بأن وقته قد حان.

ولكنه استعاد وعيه. فقد سمعه وخدر ذراعه. وبينما كان يترنح نحو مكان آمن، أدرك أن الدماء كانت تنزف من كتفه. وفي مكان قريب، وجد جثث عمال الدفاع المدني الثلاثة. ثم رأى أبو دقة على مسافة ما، على الأرض ولكنه كان واعيا، ويشير بيده. وكان ينزف بشدة، وحاول الحصول على مساعدة لزميله وصديقه القديم، ولكن عندما وجد عمال الإسعاف في مكان قريب، قالوا إنهم لا يستطيعون الوصول إلى أبو دقة، خوفا من أن يصابوا هم أيضا.

وتظهر اللقطات في المستشفى بينما كان الأطباء يحاولون إيقاف نزيفه كان ينادي لإنقاذ أبو دقة. "كان سامر معي في المكان. كان سامر يصرخ"، ظل الدحدوح يردد بين صرخات الألم أثناء علاجه. وقال: "نسقوا مع الصليب الأحمر. اجعلوا شخصا يذهب ويحضره".




واتبع مدير مكتب الجزيرة في رام الله وليد العمري البروتوكول من خلال الاتصال باللجنة الدولية للصليب الأحمر لطلب الحصول على إذن إسرائيلي لإرسال سيارة إسعاف. ومرت ساعات حاسمة بينما كانت طواقم الإنقاذ تنتظر موافقة الجيش الإسرائيلي للوصول إلى الموقع بأمان. وبعد حوالي خمس ساعات من الغارة الجوية، تم منح الإذن والتسهيلات للوصول إلى الموقع. وعندما وصلت سيارات الإسعاف إليه بعد نصف ساعة، وجدت أبو دقة ميتا. وكان أول صحفي في الجزيرة يُستشهد في غزة منذ بدء الحرب.

أمضى الدحدوح ليلة واحدة في العناية المركزة. وفي اليوم التالي كان في جنازة صديقه، يمسح وجهه ويبكي. وقف ابنه الأكبر حمزة خلفه وتشكل بحر من الجثث مرة أخرى حول الدحدوح بينما كان يدفن أحد أحبائه. ومرة أخرى، عاد الدحدوح إلى الهواء بعد ساعات، هذه المرة مع ضمادة على ذراعه وأنابيب تخرج من معصميه.

قال الدحدوح: "أنا رجل عنيد"، موضحا سبب اختياره عدم المغادرة بعد إصابته. لقد عانى الكثير من الخسارة، وشهد الكثير من الموت، وكان على وشك الموت لدرجة أنه لم يعد يشعر بأي خوف. بالنسبة له، "أصبحت الحياة والموت سيّان". كل ما كان يهمه هو أن يموت "واقفا". كان على يقين من أنه طالما كان على قيد الحياة، بغض النظر عن مدى خطورة إصابته، فإنه سيبقى في غزة ويواصل تقديم التقارير.

اتصل به العديد من الشخصيات البارزة لإقناعه بمغادرة غزة وخاصة أنه في غياب الرعاية الطبية العاجلة، ربما يفقد ذراعه. وقالوا إن خطر استهدافه من قِبَل إسرائيل أصبح أعلى من أي وقت مضى.
بعد ثلاثة أيام من الغارة الجوية، قرر الدحدوح أنه سيوافق على الخطوات المطلوبة لمغادرة غزة ــ ولكنه كان يخفي خطة سرية. فإذا سُمح لعائلته بالمغادرة عبر معبر رفح، فسوف يذهب معهم إلى الحدود. وبمجرد عبورهم، سوف يعود أدراجه. وسوف يأتمن حمزة على مسؤولية عائلته.

وفي أواخر كانون الأول/ ديسمبر، حصلت نقابة الصحفيين المصريين على موافقة لمغادرة الدحدوح وأبنائه وأحفاده المتبقين وزوجاتهم على المغادرة في 2 كانون الثاني/ يناير، عبر معبر رفح. وبدأوا الاستعدادات، ولكن في الليلة التي سبقت رحيلهم، أدرك الدحدوح أن قائمة الموافق عليهم كانت تفتقر إلى أسماء إحدى بناته وحفيدين.

ثم في 7 كانون الثاني/ يناير، بينما كان الدحدوح في الميدان، تلقى أنباء تفيد بأن حمزة أصيب. توجه إلى موقع الهجوم، وألقى نظرة سريعة على السيارة التي كان ابنه يستقلها عندما تعرضت للقصف، فعرف أنه لقي حتفه. ثم وجده في مشرحة المستشفى الكويتي.

وفي يوم جنازة حمزة، التف الجمهور حول الدحدوح. ومرة أخرى، أصبح الدحدوح بمثابة قناة لنقل حزن مجتمع بأكمله. وتجمع الأطفال حوله بينما كان يتلقى التعازي. لقد وضعت امرأة مسنة يدها على رأس الدحدوح ودعت له. لقد أصبحت مأساة الدحدوح خبرا دوليا.




بعد يومين من مقتل حمزة، ذهب الدحدوح مع عائلته إلى الحدود، ومعه تصاريح للجميع. وتأكد من السماح لهم جميعا بالمرور بأمان، ثم عاد أدراجه كما كان يخطط دائما. كان مكانه في غزة، حتى وإن بدا الأمر وكأنه مسألة وقت قبل أن يُقتل هو أيضا.

ولكن بعد بضعة أيام من عبور عائلته، بدأ الدحدوح يستسلم. لقد غير موت حمزة كل شيء. وبدون حمزة، شعر الدحدوح بأنه أقل يقينا بشأن مصير عائلته في الخارج. وأصبح منطق الرحيل، الذي رفضه في السابق، أكثر إقناعا. وقال الدحدوح، وهو يشرح تغيير رأيه: "في الحرب، النساء والأطفال هم من يكسرون ظهرك". في جنازة حمزة، قبلت إحدى بنات الدحدوح جثة أخيها ثم لفَّت يديها حول والدها وهي تبكي. "من فضلك ابق معنا"، توسلت، "لم يبق لنا أحد غيرك".

وفي الأسبوع الثاني من شهر كانون الثاني/ يناير، صلى صلاة الاستخارة، وبعدها شعر الدحدوح بالرضا بعد الصلاة في قراره بمغادرة غزة والانضمام إلى عائلته.

في 16 كانون الثاني/ يناير، عبر الدحدوح إلى مصر، ثم غادر إلى الدوحة. وسلم العمل إلى صحافي أصغر سنا، إسماعيل الغول، في شمال غزة، الجزء الأكثر خطورة في القطاع، وأخبره أنه إذا رغب هو أيضا في التوقف عن العمل واللجوء إلى عائلته في الجنوب، فلن يلومه أحد. رفض الغول. وبعد بضعة أشهر، استشهد هو أيضا.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة إسرائيلية الدحدوح الاحتلال غزة الفلسطينيين فلسطين غزة الاحتلال الدحدوح صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البالغ من العمر الغارة الجویة کانون الثانی الدحدوح إلى تشرین الأول بینما کانت بینما کان دحدوح فی کان على أبو دقة ما کان فی عام بدأ فی فی غزة

إقرأ أيضاً:

مأساة غزة.. امتحان أسقط عناوين الزيف والخداع

يمانيون/ تقارير

في العتمة، حيث كان الأطفال لا يزالون يصرون على مواجهة الأيام المقبلة بالأمل، بالرغم من الحقائق المريرة حولهم.. فجأة، تحولوا جميعاً إلى غارقين في بحر من الدموع، يتساءلون عن سبب كل هذا الحزن، وعما إذا كان يسمح للأمل أن يُهدى من قلوب من لا يعرفون قيمة الحياة؟ الذين لم تخترق طائراتهم حاجز الصوت في السماء، بل كانت تخترق أحلام الأبرياء في أنفسهم الصغيرة، لتقطع خيوط الأمل في عالمٍ يحلمون فيه بالأمان.

في أجواء السحر الرمضاني، وبينما كانت العائلات في غزة تستعد لسحور يوم جديد، يرافقه أمل يلوح في الأفق ربما يبشر بصفاء نسبي وسط المعاناة طويلة الأزل. حينها، كان الأطفال على سرائرهم يحلمون بنسمات الربيع، وكانت الأمهات يجهزن المائدة بإمكانات متاحة وسط آمال بسيطة، دون أن يدركوا أن ثمة لحظات مليئة بالآلام قادمة.

فجأة، كل شيء بدأ يتغير.. اخترقت أصوات الطائرات سماء غزة؛ نذير شؤم بحلول مصير مؤلم. لقد انتهك العدو الإسرائيلي وقف إطلاق النار، وبدأت سلسلة غارات جوية ضمن المتوقع كالعادة. وخلال سحور تلك الليلة، نزل رعب القذائف من السماء ليحول الأحياء المأهولة إلى مقابر؛ تصدح في أجوائها أصداء نواح الألم والأنين تخرج من بين ركام ما تتركه الغارات الوحشية من أطلال الدمار.

 

تحت أزيز الطائرات

وفي ذلك الفجر المشؤوم، كانت الإصابات تتجاوز الأجساد لتدمي الأرواح، وتترك آثارًا من الحزن لا تمحى؛ عائلات كانت تجتمع حول مائدة إفطار الصغار وسحور الصائمين، أصبحت منقسمة بين فراق ووجع؛ بعضهم فقد الأب، وبعضهم فقد الأخت، والبعض الآخر لم يعرف بعد ماذا حل بأحبابهم؟ برزت الولايات المتحدة لتبرر هذا التصعيد للعدوان الصهيوني بقولها: “إن إسرائيل استشارتها قبل استئناف الحرب الشاملة على القطاع”.

هكذا، جعلت أمريكا من جحيم الحروب مجرد لعبة سياسية على طاولة المفاوضات. بينما كان “بنيامين نتنياهو”، المجرم الذي يخفي وجهه تحت طيات قراراته العسكرية، يخرج ليقول بلهجة ملأتها السخرية: “إن المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار ستستمر، ولكن تحت النيران”.

وخلال الأسبوع الماضي فقط، تواصلت معاناة الإنسانية في غزة مع العثور على جثث خمسة عشر عاملًا إنسانيًا في مقبرة جماعية في رفح، جنوب القطاع. كان من بينهم مسعفون من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وفرق الدفاع المدني، بالإضافة إلى موظف من الأمم المتحدة. بدت الجثث تحمل آثارًا مروعة تتحدث عن فصول من الألم والمعاناة، حيث وجدت مقيدة الأيدي ومع علامات إصابات في الرأس والصدر، وبعضها تعرض لقطع الرأس.

وُصفت هذه الأحداث بـ”أبشع جرائم الإعدام بوحشية”، حيث قامت قوات العدو الإسرائيلي بقصف سيارات الإسعاف وشاحنة إطفاء ومركبة تابعة للأمم المتحدة أثناء استجابة العاملين لنداء استغاثة لإنقاذ الأرواح.

وظهرت الأعداد المتزايدة من الجثث في مقبرة جماعية، دفنت تحت سيارات الإسعاف المحطمة، بينما قدم العدو تبريرًا بادعاء استخدام هذه المركبات لأغراض عسكرية، وهو ما نفته حماس والجهاد الإسلامي بشدة. وأكدت الأمم المتحدة أن العاملين قُتلوا أثناء ارتداء زيهم الرسمي، وهم في طريقهم لإنقاذ أرواح المدنيين.

وفي “خان يونس”، حيث كانت العائلة الفلسطينية النازحة تستعد لحفل زفاف، وقعت مأساة أخرى. الغارة الجوية التي استهدفت منزلهم أسفرت عن استشهاد 12 فردًا من الأسرة، في حين كان الجميع يحتفلون بمولود جديد ويستعدون لمناسبتهم السعيدة. تحدثت بسمة القاعود، إحدى قريبات الضحايا، بمرارة قائلةً: “كنا نستعد في منزلنا لحفلة زفاف، ونبارك لوالدتنا مولدها ونطمح ليوم سعيد”.

انتصبت بسمة تحكي قصص الضحايا، مشيرة إلى أنهم أشخاصًا عاديين. كان ياسر مُعلّمًا، وعبود يعمل في مجال التجميل، وإسماعيل كان موظفًا في السلطة الفلسطينية سابقًا. “هؤلاء أبنائي مدنيون، منهم عروس مجهزة لحفل زفاف، وعريس مخطوب امرأة في مصر، ماذا عساي أن أقول أيضًا؟ أحد أبنائه متزوج وزوجته حامل.”

في وقت يواصل فيه العدو الإسرائيلي ارتكاب الإبادة الجماعية أكدت بسمة القاعود، وهي من الناجين من القصف، أن كل الضحايا هم مدنيون، من بينهم فتاتان عمرهما ثلاثة أشهر وطفلة أخرى في الثالثة من عمرها. ذكرت بسمة، مع الدموع تملأ عينيها، أسماء الضحايا: “إحداهن كانت حاملاً، والثانية مخطوبة، والثالثة متزوجة حديثًا. كانت أفراحهن متوالية، لكن الحرب جعلتها أحزانًا مؤلمة”.

أما الشاب مصطفى الجمل، خطيب تسنيم، إحدى الضحايا، فقد عبر عن ألمه بعد فقدانه “لأميرتي”، كما كان يسميها. قال مصطفى: “خطبتُ خطيبتي خلال الهدنة الأخيرة. وهي تدرس التمريض مثلي. كانت حياتنا رائعة، كانت تجمع بيننا علاقة جيدة. كنا نخطط لمستقبل زاهر، لحياة مشتركة. لكن أحلامنا تحطمت عندما أدى الهجوم الإسرائيلي إلى مقتل تسنيم”. واسترسل قائلًا: “لقد كان الاحتلال عائقًا أمام كل ما أردنا القيام به”.

تظل هذه اللحظات المروعة تجسد تمامًا كيف تؤثر الحروب على حياة الأفراد، حيث يتحول الفرح بحسب أحداث مأساوية تعصف بالأرواح، وتؤكد على ضرورة اتخاذ المواقف العملية في وجه الإجرام الصهيوني. إذ إن كل شهيد في غزة يروي قصة إنسانية، وكل بهجة مفقودة تحكي عن أحلام غير محققة، تضيء الأفق بسؤال كبير: متى ينتهي التخاذل الدولي؟

 

احصائيات مرعبة

وفي إحصائية جديدة صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت حصيلة الشهداء والاصابات منذ 18 مارس 2025 إلى (1,309 شهداء، و3,184 إصابة). و ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 50,669 شهيدا و115,225 إصابة منذ السابع من أكتوبر للعام 2023م.

أفادت بلدية غزة بأن المدينة تعاني أزمة عطش خانقة بسبب استهداف العدو لخطوط المياه، مما تسبب في تدمير كبير في شبكات المياه والآبار، وهنا ناشدت المنظمات الإنسانية والجهات الدولية بضرورة الضغط على العدو لاحترام الحقوق المدنية للسكان والسماح لفرق الصيانة بإعادة تشغيل خط “ميكروت”

 

الجوع والموت.. مأساة مزدوجة

ما يركز عليه العدو الصهيوني هو السعي للاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي فلسطين ودول المحيط، ومن أجل ذلك وسع العدو هجومه في غزة يوم الأربعاء، 2 أبريل 2025، مُعززا عملياته العسكرية بهدف السيطرة على “مناطق واسعة” من الجيب الفلسطيني.” وزير الدفاع” في الكيان الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” صرح بأن الهجوم يأتي “لسحق وتنظيف المنطقة من ساكنيها والبنية التحتية للاستيلاء على مناطق واسعة ستضاف إلى ما يسمى بالمناطق الأمنية لإسرائيل”.

كما واصل العدو الإسرائيلي عملية ترحيل الفلسطينيين من غزة، حيث أعلنت ما تسمى بوزارة الداخلية الإسرائيلية يوم الثلاثاء، أن مئات من سكان غزة، برفقة دبلوماسيين ألمان، تم نقلهم جواً من جنوب فلسطين المحتلة إلى مدينة لايبزيغ. هذا الإجراء عزز من شعور القلق والهلع بين سكان غزة، الذين يعانون من فقدان الحماية والأمان، في ظل تصاعد الهجمات والعمليات العسكرية.

وفي جباليا، شمال قطاع غزة، أدى قصف إسرائيلي على عيادة تابعة للأمم المتحدة تؤوي نازحين فلسطينيين إلى استشهاد 22 شخصًا على الأقل. وصفت حركة حماس هذا العمل باستمرار الإبادة الجماعية وانعكاس لتجاهل المجرم بنيامين نتنياهو للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية. ورفضت حماس المزاعم الإسرائيلية بأن العيادة كانت تستخدم كمقر لكتيبة جباليا التابعة لها، مُعتبرةً هذه الادعاءات افتراءات صارخة تهدف إلى تبرير هذه الجريمة البشعة.

إلى جانب القصف، شدد العدو الإسرائيلي حصاره على غزة، حيث أغلق معابر غزة مانعا إدخال المساعدات الإنسانية. وأكد برنامج الأغذية العالمي أن جميع المخابز المدعومة في جنوب القطاع ستغلق أبوابها بسبب نفاد الدقيق، مما سيؤدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. ومع استمرار المجازر والحصار، يواجه سكان القطاع مشهدًا قاسيًا من الألم والمجاعة.

في قطاع غزة، حيث يعيش أكثر من مليونين و400 ألف نسمة تحت القصف والحصار، تعتمد الغالبية العظمى، بنسبة تتجاوز 80%، على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية. ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، تتفاقم المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق، لتصبح غزة مسرحًا لأبشع الجرائم التي تهز الضمير العالمي.

وأصدرت مؤسسات حقوقية ومنظمات إغاثة إنسانية تقارير تفيد بأن الوضع في غزة ينذر بكارثة إنسانية شاملة. فالأوضاع الإنسانية في تدهور مستمر، من تفشي الأمراض ونقص الغذاء، ليؤكد المقرر الأممي الخاص بالحق في الغذاء أن عدد من سيموتون في غزة بسبب الجوع سيزيد عمن سيموتون بسبب القصف. يشير ذلك إلى معاناة مستمرة تحاصر الفلسطينيين في ظل غياب المؤسسات الدولية التي تكتفي بإصدار البيانات.

ختاماً

إن التصعيد الصهيوني المستمر على الأراضي الفلسطينية، بات يشكل رمزًا لألم طويل عانى منه الشعب الفلسطيني، حيث تحولت آمالهم بحياة كريمة إلى كابوس مفزع. هذه الأحداث تُسقط الضحايا، لكن الحكايات الإنسانية التي تخرج من قلب هذه المأساة يجب أن تُروى وتُسمع كما يجب أن تنتهي فالسكوت عنها له تبعات على الحكومات والشعوب.

هذه القصص الإنسانية، التي ترويها عيون الأطفال الأيتام وأصوات الأمهات الأرامل والثكالى، ليست مجرد سرد لما حدث في ليلة 18 مارس أو ليلة 4 من أبريل، بل هي تجسيد للصمت العالمي ووحل الانحطاط العربي والإسلامي، وحيث القلوب تتحدى الألم، والروح تصمد أمام أعاصير الإجرام الصهيوأمريكي. إنه الجهاد في مواهة الطغيان الإسرائيلي الذي، يتجاوز في وحشيته مأساة كل صراع عرفته البشرية.

غزة، التي تعيش تحت القصف والحصار، تروي كل يوم قصصًا جديدة عن الألم والصمود. ومع استمرار العدوان، يبقى السؤال: إلى متى ستظل هذه المأساة الإنسانية دون حل؟ ولماذا الخوف من الكيان الصهيوني الجبان, وما يجب أن يعلمه الجميع أن الكيان الإسرائيلي لم يوغل في إجرامه إلا بالصمت المخزي العالمي، فهذا الكيان لا يردعه إلا القوة.

نقلا عن موقع أنصار الله

مقالات مشابهة

  • يجب استهداف الأماكن التي تنطلق منها المسيّرات المعادية في أي دولة كانت
  • ‏عائلته قالت إنه تحت رعاية الرئيس الشرع.. نفي لبراءة مفتي النظام السوري السابق أحمد حسون
  • أحدث ظهور لسافيتش برفقة عائلته .. فيديو
  • مأساة غزة.. امتحان أسقط عناوين الزيف والخداع
  • بالفيديو .. شاهد أب مكلوم يصرخ في وداع عائلته: أنا راضي يا رب… الحقني فيهم قبل انتهاء الحرب
  • استشهاد أحد موظفي منظمة أطباء بلا حدود مع عائلته في غزة
  • وديًا.. غزل المحلة يفوز على طنطا بثلاثية نظيفة
  • شاهد.. الفنانة ندى القلعة تخطف الأضواء على السوشيال ميديا بلقطة مع إبنها “وائل”
  • عاجل | السيد القائد: المنظمات الدولية تشهد على المجاعة في قطاع غزة ونفاد القمح والطحين من المخابز التي كانت توزع الخبر لأبناء الشعب الفلسطيني
  • مقبرة جماعية شاهدة على مأساة قرية ود النورة بالسودان