من المال إلى القوة الناعمة: الاتجاهات الجديدة للسياسة الصينية تجاه إفريقيا
تاريخ النشر: 30th, October 2024 GMT
لا يزال أحد ملامح الصورة كما هو، فالكل يتدافع نحو إفريقيا، وعلى الرغم من اختلاف السياقات والأطراف المتنافسة؛ فإنه من المستحيل فهم تعقيدات عمليات التدافع الدولي الجديدة على إفريقيا دون النظر في السياق العالمي اليوم. وعلى وجه الخصوص، يؤكد اعتماد ميثاق المستقبل الذي أقرته الأمم المتحدة مؤخراً أهمية تسليط الضوء على الشراكات العالمية لإفريقيا.
ملامح جديدة:
يبدو أن الصين غيرت وجهها الإفريقي خلال الفترة القصيرة الماضية، وذلك على النحو التالي:
1- شراكات استراتيجية: يسلط منتدى التعاون الصيني الإفريقي “الفوكاك” الضوء على الطبيعة المتطورة للعلاقات بين إفريقيا والقوى العالمية الكبرى. ففي حين تعهدت الصين بتقديم 51 مليار دولار كدعم؛ وهو ما يمثل انخفاضاً عن الالتزامات السابقة؛ فإن هذا لا يزال يؤكد قوة العلاقة بين الصين وإفريقيا. ومع ذلك، فبعيداً عن الأرقام الرئيسية، هناك اعتراف متزايد بقدرة إفريقيا على التحرك. ويدفع القادة الأفارقة بشكل متزايد نحو ترتيبات تجارية أكثر توازناً، وضمان انفتاح سوق الصين على السلع الإفريقية تماماً كما انفتحت الأسواق الإفريقية على السلع الصينية. وفي سياق المنافسة الجيوسياسية العالمية ــ وخاصة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا ــ توضح هذه الشراكة الأهمية الاستراتيجية لإفريقيا. كما تعكس الحاجة إلى أن تفكر الدول الإفريقية ملياً في مشهد دولي معقد في حين تدافع عن أولويات التنمية لديها. ويؤكد هذا التوازن الدقيق الحاجة إلى حوار مستدام وهادف، مع استمرار الدول الإفريقية في التعامل مع مجموعة من الشركاء العالميين، سعياً إلى تعزيز قدرتها على التحرك وتأمين مكانها في نظام عالمي أكثر تعددية.
لقد تطورت العلاقة بين الصين وإفريقيا بشكل كبير على مر السنين، وتحولت من التركيز الاقتصادي في المقام الأول إلى التركيز الآن أيضاً على الشراكات السياسية الاستراتيجية. وقد أسهم استثمار الصين في البنية التحتية الإفريقية، وخاصة من خلال مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق، بدور رئيس في ترسيخ نفوذها في القارة؛ ومع ذلك، فمع نضوج هذا الانخراط، نشهد تكاملاً أعمق للأهداف السياسية جنباً إلى جنب مع المصالح الاقتصادية. وقد أبرز هذا التحول قرار الرئيس شي جين بينع الأخير بالارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية مع الدول الإفريقية إلى مرتبة الشراكات الاستراتيجية. ولا يخفى أن هذه الخطوة تعكس طموحات الصين طويلة الأجل في إفريقيا، ليس فقط من حيث التعاون الاقتصادي، ولكن أيضاً من خلال التوافق السياسي؛ مما يشير إلى أن الصين ترى إفريقيا شريكاً أساسياً في الساحة العالمية، وخاصة مع سعي الصين إلى تعزيز نفوذها في المؤسسات الدولية.
إن التركيز المتزايد على توجهات جديدة مثل “الشراكة التعاونية الاستراتيجية الشاملة” الممنوحة لبعض الدول الإفريقية ليس مجرد مسألة رمزية، ولكنه يحقق ثلاثة أهداف مترابطة:
أ. إنه يعكس مقاربة سياسية متعمقة؛ مما يشير إلى تعزيز التعاون عبر قطاعات متعددة خارج الاقتصاد، مثل: الأمن والحوكمة والدبلوماسية الدولية. على سبيل المثال، تشير الشراكة الاستراتيجية بين جنوب إفريقيا والصين إلى أن الدولتين تعملان معاً بشكل وثيق في منصات متعددة الأطراف عالمية مثل: مجموعة “البريكس” والأمم المتحدة، وتتوافقان في التعامل مع قضايا عالمية رئيسية مثل: سياسات التجارة وتغير المناخ وإصلاح الحوكمة العالمية.
ب. كما أن المشاركة المتزايدة للصين في المشهد السياسي في إفريقيا تسمح لها بتأمين مصالحها الاقتصادية، مثل الوصول إلى المعادن الحيوية، في حين تضع نفسها أيضاً كشريك رئيسي في أجندة التنمية في إفريقيا.
ج. إضافة إلى ذلك، يؤكد هذا التحول السياسي جهود الصين لموازنة النفوذ الغربي في إفريقيا من خلال تقديم نموذج بديل للشراكة، متجذر في عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمنفعة المتبادلة. وفي نهاية المطاف، تم تصميم هذه الشراكة السياسية والاستراتيجية لضمان التعاون الطويل الأجل والاستقرار والتوافق مع الأهداف العالمية الأوسع للصين، وخاصة في المشهد الجيوسياسي المتغير بسرعة.
2- مشروعات صغيرة: في المجال الاقتصادي، يعكس مفهوم “المشروعات الصغيرة، ولكن الجميلة” إعادة معايرة استراتيجية لاستثمارات البنية التحتية الصينية في إفريقيا. في حين كانت المشروعات الضخمة مثل: السدود والطرق السريعة والسكك الحديدية تهيمن في السابق على بصمة الاستثمار في الصين، تشير الاتجاهات الأخيرة إلى التحول نحو مبادرات أكثر قابلية للتطوير والتوسع، وخاصة في مجال الطاقة المتجددة والشبكات الذكية والتكنولوجيا. إن المشروعات الصغيرة التي تعتمد على وحدات صغيرة تسمح بالمرونة؛ مما يجعلها أسهل في التنفيذ مع الاستمرار في إحداث تأثير تراكمي كبير. كما أنها تتجنب بعض الخلافات والتحديات التي تأتي مع الاستثمارات واسعة النطاق، مثل: المخاوف البيئية أو ردود الفعل السياسية بشأن مستويات الديون غير المستديمة.
ومن خلال التركيز على مشروعات أصغر وأكثر استهدافاً، يمكن للصين الاستمرار في الاستثمار في إفريقيا دون نفس المستوى من التدقيق أو المخاطرة. وإضافة إلى ذلك، تتوافق هذه المشروعات مع أولويات التنمية الخاصة بإفريقيا، مثل: الحاجة إلى الانتقال إلى الطاقة الخضراء وإضافة القيمة في صادراتها المعدنية؛ ومع سعي البلدان في جميع أنحاء القارة إلى الصعود في سلسلة القيمة وتنويع اقتصاداتها، توفر الخبرة والقدرة الفائضة للصين في صناعات مثل الطاقة الشمسية فرصة رئيسية لتحقيق المنفعة المتبادلة؛ لذلك، في حين قد يتغير حجم استثمارات الصين في البنية التحتية؛ فإن الهدف الأساسي المتمثل في تعزيز العلاقات الاقتصادية وضمان المشاركة طويلة الأجل في إفريقيا يظل دون تغيير.
3- قيادة الجنوب العالمي: من الواضح اليوم وكما أبرزته طبيعة التحالفات الدولية المتغيرة أن الإدراك الأوسع هو أن الانقسام الجيوسياسي الأساسي لم يعد الشرق مقابل الغرب بشكل صارم؛ بل أصبح وبشكل متزايد الشمال مقابل الجنوب. ويمكن رؤية هذا التحول في قضايا عالمية مثل: تغير المناخ والأزمات الدولية؛ إذ يتم وضع الجنوب العالمي، بما في ذلك الدول الإفريقية، بشكل متزايد كفاعل مركزي. في هذا السياق، فإن الدور المتطور للصين بحسبانها تنتمي لعالم الجنوب وتدافع عن مسارات التحديث البديلة أمر مهم. ولا يخفى أن التأطير الصريح للتحديث الغربي باعتباره مرتبطاً بالاستعمار، يشير كما ورد في الخطاب الصيني الأخير، إلى سرد تاريخي يتردد صداه لدى العديد من الدول الإفريقية التي عانت من استغلال غربي في الحقبة الاستعمارية وما بعدها. وعليه تجري العلاقة الصينية الإفريقية المتطورة في سياق هذا الانقسام الأوسع بين الشمال والجنوب. لقد وضعت الصين نفسها استراتيجياً كنموذج للتحديث للجنوب العالمي، من خلال تعزيز سردية المستقبل المشترك والتنمية المشتركة؛ وهذا يتماشى مع رغبات العديد من الدول الإفريقية في أنظمة متعددة الأطراف أكثر عدالة، كما هو الحال في الدفع من أجل تخصيص مقاعد إفريقية دائمة في مجلس الأمن الدولي.
فرص وتحديات:
ومع ذلك؛ فإن هذه الشراكة الصينية الإفريقية الجديدة وإن قدمت فرصاً فإنها ليست خالية من المخاطر، يمكن توضيحها في التالي:
1- شراكة أم هيمنة؟ تاريخياً، اتسمت الشراكات الخارجية لإفريقيا بالاستغلال والاستبعاد البنيوي. وعادة ما كنا نعبر عن ذلك ونحن على مقاعد الدراسة من خلال المثل الإفريقي القائل: “عندما يتصارع فيلان فإن المُتضرر الأكبر هو الحشائش تحتهما”. وهناك قلق مشروع من أن العلاقات الجديدة مع دول مثل الصين، قد تكرر هذه الديناميكيات. ومع ذلك، إلى جانب هذه المخاطر، هناك فرص واضحة لإفريقيا للاستفادة من أهميتها السياسية المتزايدة، وخاصة من حيث تصويتها في المحافل الدولية. يكمن التحدي في موازنة هذه الديناميكيات، من خلال ضمان أن إفريقيا ليست مجرد بيدق في الجغرافيا السياسية العالمية، وإنما أيضاً فاعل رئيسي يشكل مستقبله ضمن سردية الجنوب العالمي المتطورة.
2- تبعات التصنيع السريع: لقد جاء التصنيع السريع في الصين على مدى العقود القليلة الماضية بتكلفة بيئية كبيرة؛ إذ أصبح التلوث حقيقة يومية. ولعل ذلك يجعلنا نفكر في العواقب الطويلة الأجل للتصنيع، وما إذا كانت الدول الإفريقية، في تعاونها مع الصين، تفكر بجدية في التكاليف البيئية المحتملة لتكرار مثل هذا النموذج التنموي. من الضروري أن تتجنب الدول الإفريقية وراثة الصناعات الملوثة التي قد تتخلص منها الصين تدريجياً بينما تسعى جاهدة لحماية بيئتها. وهذا يثير سؤالاً أوسع نطاقاً حول ما إذا كانت الحكومات الإفريقية تعالج حقاً حماية البيئة في تعاملاتها مع القوى الأجنبية. لا يكفي بناء بنية أساسية رائعة إذا لم نتمكن من ضمان الهواء النظيف والبيئة الصحية للأجيال القادمة. إن الحاجة إلى نهج مستدام للتنمية، يوازن بين النمو الصناعي والمسؤولية البيئية، أمر بالغ الأهمية.
3- تبعات التعاون المالي: إن العلاقات الصينية الإفريقية المتطورة، وخاصة في سياق التعاون المالي والتنموي، تقدم فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. ومن بين الجوانب الحاسمة لهذه العلاقة المشاركة المالية بين الدول الإفريقية والصين، كما أبرزت صفقة إعادة هيكلة الديون التي أبرمتها زامبيا مؤخراً مع البنك الصناعي والتجاري الصيني. ويمكن للدول الإفريقية أن تتعلم دروساً قيمة من نهج زامبيا في التفاوض على مثل هذه الصفقات، وخاصة عند النظر في خطوط الائتمان التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات والتي نشأت عن منتديات حديثة مثل منتدى التعاون الصيني الإفريقي. وينبغي لهذه البلدان أن تشارك بشكل أكثر استباقية من خلال التشاور مع دول مثل زامبيا حول كيفية التعامل مع الصين في هيكلة الشروط المالية المواتية، وضمان أن تكون الصفقات متوافقة بشكل جيد مع أهداف التنمية الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التصميم المشترك لشروط التمويل، سواء أكانت تفضيلية أم تجارية، على أساس النجاحات من المشاركات السابقة، سيكون حاسماً في تشكيل مستقبل مالي مستدام.
إضافة إلى ذلك، تتطلب مبادرة التنمية العالمية الصينية والأطر الاستراتيجية المماثلة مشاركة أكبر من البلدان الإفريقية، ومن الضروري أن يكثف القطاعان العام والخاص في هذه البلدان جهودهما ويساهما في تحديد المشروعات “الصغيرة والجميلة” التي لا تقودها الصين وحدها. وتعكس رمزية الشراكات بين الصين وإفريقيا، والتي تؤكدها مبادرات مثل التبادلات السياسية بين المسؤولين الأفارقة والصينيين، التزاماً بفهم أعمق للمجتمعات والثقافات والأنظمة السياسية لكل منهما. وهذا التفاهم المتبادل أمر بالغ الأهمية في معالجة التحديات الجيوسياسية الأوسع وضمان جهود أكثر اتساقاً وتنسيقاً في المستقبل. ويتعين على الدول الإفريقية أن تواصل تعزيز قدرتها على التفاوض بفعالية، واتخاذ قرارات مستنيرة، وتعظيم فوائد مثل هذه الشراكات الاستراتيجية. بيد أن الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن الحكومات الإفريقية لم تعد تتوقع “شيكات ضخمة” من الصين. فضلاً عن ذلك فإن وزارة الخارجية الصينية سوف تسهم بدور بارز في مبادرة التنمية العالمية؛ وهو ما يعكس الطبيعة الدبلوماسية والسياسية المتزايدة لنهجها في التعامل مع المساعدات الإنمائية؛ يعني ذلك ببساطة شديدة بالنسبة للصين والحكومات الإفريقية على حد سواء أن محور الشراكة الجديدة سوف يتحول من المال إلى القوة الناعمة.
ختاماً، فإنه في عالم اليوم المتعدد الأقطاب، تجد إفريقيا نفسها في لحظة فاصلة. ففي حين تظل الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً، تُبقي الدول الإفريقية أبوابها مفتوحة لمجموعة أوسع من الفاعلين الدوليين؛ إذ يتنافس الشركاء القدامى مثل: الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على النفوذ جنباً إلى جنب مع القوى الصاعدة مثل: الهند وتركيا والبرازيل والدول العربية (التي تشكل طريقا ثالثاً يختلف عن الصين والقوى الغربية). ويمنح هذا التنوع في الخيارات القادة الأفارقة الفرصة لإعادة التفكير في استراتيجياتهم ورسم مسار يتماشى مع أهدافهم طويلة الأجل. ومع تطور المشهد العالمي، تتمتع إفريقيا بالقدرة على تشكيل مستقبلها بشروطها الخاصة.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
ما الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال والصدقة؟.. مجمع البحوث الإسلامية يجيب
ورد إلى الصفحة الرسمية لمجمع البحوث الإسلامية على "فيسبوك" سؤال يقول صاحبه: " ما الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال والصدقة؟".
ورد المجمع بالقول:
١- زكاة الفطر متعلقة بالأبدان وزكاة المال متعلقة بالمال.
٢- وزكاة المال تجب على من يملك المال لكن زكاة الفطر تجب على من تلزمه النفقة.
٣- زكاة المال يشترط لوجوبها النصاب والحول، أما زكاة الفطر فيكفي في وجوبها أن يكون الشخص عنده قوت يومه.
٤- زكاة الفطر تصرف للفقراء والمساكين فقط بينما تتنوع مصارف زكاة المال إلى الأصناف الثمانية وما يندرج تحتها.
٥- أما الصدقة فهي تطوع وليست واجبة وتختلف الصدقة عن الزكاة في أنها يجوز دفعها لغير المصارف الثمانية فيجوز دفعها للمصالح العامة ولغير المسلم ونحو ذلك.
وورد سؤال للدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق وعضو كبار هيئة العلماء، يقول صاحبه: "هل يجوز إخراج زكاة الفطر على العاملين فى مصلحة ما لاحتياجهم؟".
وأجاب "جمعة"، خلال لقائه بأحد الدروس الدينية المذاعة عبر موقع "يوتيوب"، أنه يجوز إخراج زكاة الفطر على العاملين فى مصلحة ما لاحتياجهم، فمادام يتيح فيهم معنى الفقر فيجوز إخراج الزكاة عليهم سواء أكانت الزكاة فطرا أو كانت زكاة مال.
معنى الصدقة وحكمها معنى الصدقة لغةً مُشتق من الصدق، لأن بذلها يكون دليلًا على صدق إيمان العاطي،أمّا شرعًا فالصدقة معناها العطيَّة التي تمنح تقرّبًا لله تعالى، وابتغاءً للأجر من عنده سبحانه، وحُكمها أنّها مستحبة وليست بواجبة.
الزكاة تجب في أصناف معينة، مثل: الزروع والثمار، وعروض التجارة، والذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، بينما لا تجب الصدقة في أشياء محددة، بل يستطيع الإنسان بذلها من أي شيءٍ، وبما تجود به نفسه.
وجود شرط حولان الحول لأداء الزكاة بعد بلوغها نصابًا معينًا، أي يمر عليها عام هجري، كما يدفع من الزكاة مقدارًا معين، أمّا الصدقة فلا يُشترط فيها وقتًا معيّن، بل يستطيع المسلم بذلها في أي وقتٍ يريده، وبدون تحديد مقدارٍ معينٍ.
تحديد الشرع مصارف معيّنةٍ لزكاة المال، بحيث لا يجوز أن تصرف لغيرهم، مثل: الفقراء والمساكين، والمؤلّفة قلوبهم، والعاملين عليها، والغارمين، وفي الرقاب، وابن السبيل، وفي سبيل الله، بينما لا يوجد مصرف مُعيّن للصدقة، حيث يجوز أن تدفع لمصارف الزكاة، كما يجوز أن تدفع لغيرهم.
بقاء الزكاة دَينًا في ذمّة الورثة بعد موت من استحقت عليه، وتُقدّم على الميراث والوصية، بينما لا يجب شيء من ذلك في الصدقة. العذاب والوعيد الشديد لمانع الزكاة يوم القيامة، بينما لا يحصل ذلك لمانع الصدقة.
جواز دفع الصدقة إلى الأصول والفروع، بينما لا يجوز دفع الزكاة إلى الأصول، وهم: الوالدين، الأجداد، كما لا يجوز دفعها إلى الفروع، وهم: الأولاد، وأولادهم. جواز بذل الصدقة إلى الغني والقوي المكتسب، بينما لا يجوز ذلك في الزكاة. جواز بذل الصدقة إلى الكفار والمشركين، بينما لا يجوز ذلك في الزكاة.
الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال باعتبار القيمة المُخرَجة
يختلف مقدار زكاة المال بحَسب نوعه، فمقدار الزكاة في النقود والأثمان من ذهب، وفضّة، وعملات ورقيّة يبلغ اثنَين ونصف بالمئة، كما هو الحال في عروض التجارة؛ وهي ما يُعَدّ للاتِّجار به، والمُستغَلّات، وهي الأصول التي لا تجب فيها الزكاة لعَينها، وإنّما تجب في الكَسب الذي ينتجُ عن استغلالها، أو بَيعها نفسها، كوسائل النقل، والمصانع، والشقَق، أمّا المحاصيل الزراعية؛ فإن كانت نتاج سقاية وكلفة مادّية، وَجَب فيها العُشر، وإذا خرجت دون كُلفة، كالذي ينبت بسبب المطر، ففيها نصف العُشر، بينما تختلف زكاة الأنعام؛ تِبعًا لنوعها؛ فزكاة الإبل تختلف عن زكاة البقر والغنم.
يختلف مقدار زكاة الفطر عن زكاة المال؛ فهي مُقدَّرة بالصاع، والصاع أحد المكاييل التي تُوزَن بها الحبوب، ويساوي قَدر أربع حفنات بكفّي الرجل المعتدل، وفي حال تقديرها بالكيلوغرام، فإنّ مقدار الصاع يختلف بين صنف، وآخر؛ فصاع الأرز على سبيل المثال يختلف عن صاع الشعير، تِبعًا لوزن كلٍّ منهما، وقد قدّر بعض العلماء وزن صاع التمر بثلاثة كيلوجرامات، وصاع الزبيب بكيلو وستمئّة جرام.
الفرق بين زكاة المال وزكاة الفطر باعتبار نوع المال
يتوجّب أداء زكاة المال عن أصناف مُعيَّنة حدّدتها الشريعة الإسلاميّة، وهذه الأصناف هي: الذهب، والفضّة، وعروض التجارة، والثمار والزروع، وبهيمة الأنعام، كالبقر، والغنم، والإبل، أمّا زكاة الفطر فيتوجّب إخراجها من أربعة أصناف عند الحنفيّة، وهي: التمر، والشعير، والزبيب، والحِنطة، أو أن تُدفَع قيمتها نقدًا إذا كان ذلك أنفع للفقير، وعند المالكية تُخرَج من أصناف تسعة تُعتبَر قوتًا غالبًا لأهل البلد، وهي: القمح، والشعير، والذرة، والسُّلت، والأرز، والدخن، والزبيب، والتمر، والأقط، وعند الشافعيّة تُخرَج من غالب قوت البلد، بينما تُخرَج عند الحنابلة من أصناف خمسة، هي: القمح، والشعير، والزبيب، والتمر، والأقط، فإن عدمت تلك الأصناف، أُخرِج كلّ ما يُقتات به من الحبوب، أو الثمار.
تختلف زكاة الفطر عن زكاة المال باعتبار ما تتعلّق به؛ فزكاة المال ترتبط بأنواع الأموال، ومقاديرها، وشروطها، بينما ترتبط زكاة الفطر بالأبدان، والشخوص القادرين على أدائها.
الفرق بين زكاة المال وزكاة الفطر باعتبار وقت أدائها
تُؤدّى زكاة المال في وقت مُعيَّن عند حولان الحول، وذلك بالنسبة للأموال، وعروض التجارة، أمّا الثمار فتُؤدّى زكاتها عند حصادها، بينما يتوجّب أداء زكاة الفطر عند غروب شمس آخر يوم من أيّام رمضان قبل خروج المسلمين إلى صلاة العيد.
فروق أخرى بين زكاة المال وزكاة الفطر يُذكَر من الفروق الأخرى بين زكاة المال وزكاة الفطر الآتي: يُشترَط بلوغ المال نصابًا لاستحقاق الزكاة، وهذا النِّصاب هو القدر الذي حدَّدته الشريعة، وهو ما يُعادل عشرين مثقالًا من الذهب، أو مئتَي درهم من الفضة، أمّا زكاة الفطر فلا يُشترَط فيها النِّصاب، وإنّما تكون واجبة في حقّ من ملك قوت يوم العيد وليلته. يُخرِج المسلم زكاةَ المال عن نفسه، ومن ماله الذي يُعَدّ ملكًا له فقط، بينما يخرج المسلم زكاة الفطر عن نفسه، وعن غيره ممّن يكون مُلزَمًا بالإنفاق عليهم، كالزوجة، والأولاد، والوالدَين الذين لا مُعيل لهما.
تُؤخَذ زكاة المال غالبًا من الغنيّ، بينما يشترك في أداء زكاة الفطر الفقير، والغنيّ؛ والحكمة في ذلك أن يشارك الفقير في أداء الزكاة كما يفعل الغنيّ؛ حتى لا يضيع عليه الثواب، وكي يعتاد البذلَ كما يفعل الأغنياء.
الحكمة من مشروعية زكاة الفطر
شرع الله تعالى زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرفث، وإغناءً للمساكين عن السؤال في يوم العيد الذي يفرح المسلمون بقدومه؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أغنوهم عن طواف هذا اليوم».
حكم زكاة الفطر
شرط وجوب زكاة الفطر هو اليسار، أمَّا الفقير المعسر الذي لم يَفْضُل عن قُوتِه وقُوتِ مَنْ في نفقته ليلةَ العيد ويومَهُ شيءٌ فلا تجب عليه زكاة الفطر؛ لأنه غيرُ قادِر.
وقت زكاة الفطر
تجب زكاة الفطر بدخول فجر يوم العيد عند الحنفية، بينما يرى الشافعية والحنابلة أن زكاة الفطر تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وأجاز المالكية والحنابلة إخراج زكاة الفطر قبل وقتها بيوم أو يومين؛ فقد كان ابن عمر-رضي الله عنهما- لا يرى بذلك بأسًا إذا جلس من يقبض زكاة الفطر، وقد ورد عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يُعَجِّلَ الرجل صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين.
ولا مانع شرعًا من تعجيل زكاة الفطر من أول دخول رمضان، كما هو الصحيح عند الشافعية؛ لأنها تجب بسببين: بصوم رمضان والفطر منه، فإذا وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر، ويمتد وقت الأداء لـ زكاة الفطر عند الشافعية إلى غروب شمس يوم العيد، ومن لم يخرجها لم تسقط عنه وإنما يجب عليه إخراجها قضاء.
مقدار زكاة الفطر حبوب
زكاة الفطر تكون صاعًا من غالب قُوتِ البلد كالأرز أو القمح مثلا، والصاع الواجب في زكاة الفطر عن كل إنسان: صاعٌ بصاعِ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من المكاييل، ويساوي بالوزن 2.04 كجم تقريبًا من القمح، ومن زاد على هذا القدر الواجب جاز، ووقع هذا الزائد صدقةً عنه يُثَاب عليها إن شاء الله تعالى.
حكم إخراج زكاة الفطر قيمة مالية
إخراج زكاة الفطر طعامًا هو الأصل المنصوص عليه في السنة النبوية المطهرة، وعليه جمهور فقهاء المذاهب المتَّبَعة، إلا أن إخراجها بالقيمة أمرٌ جائزٌ ومُجْزِئ، وبه قال فقهاء الحنفية، وجماعة من التابعين، وطائفة من أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهو أيضًا رواية مُخَرَّجة عن الإمام أحمد، بل إن الإمام الرملي الكبير من الشافعية قد أفتى في فتاويه بجواز تقليد الإمام أبي حنيفة-رضي الله عنه- في إخراج بدل زكاة الفطر دراهم لمن سأله عن ذلك، وهذا هو الذي عليه الفتوى الآن؛ لأن مقصود الزكاة الإغناء، وهو يحصل بالقيمة والتي هي أقرب إلى منفعة الفقير؛ لأنه يتمكن بها من شراء ما يحتاج إليه، ويجوز إعطاء زكاة الفطر لهيئة خيرية تكون كوكيلة عن صاحب الزكاة في إخراجها إلى مستحقيها.
من لا تجب عليهم زكاة الفطر
لا تَجِبُ زكاة الفطر عن الميت الذي مات قبل غروب شمس آخر يومٍ من رمضان؛ لأن الميت ليس من أهل الوجوب، ولا يجب إخراج زكاة الفطر عن الجنين إذا لم يولد قبل مغرب ليلة العيد كما ذهب إلى ذلك جماهير أهل العلم، فالجنين لا يثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط خروجه حيًّا، لكن من أخرجها عنه فحسن؛ لأن بعض العلماء -كالإمام أحمد- استحب ذلك؛ لما روي من أن عثمان بن عفان-رضي الله عنه- كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه؛ ولأنها صدقة عمن لا تجب عليه، فكانت مستحبة كسائر صدقات التطوع.