لا يزال أحد ملامح الصورة كما هو، فالكل يتدافع نحو إفريقيا، وعلى الرغم من اختلاف السياقات والأطراف المتنافسة؛ فإنه من المستحيل فهم تعقيدات عمليات التدافع الدولي الجديدة على إفريقيا دون النظر في السياق العالمي اليوم. وعلى وجه الخصوص، يؤكد اعتماد ميثاق المستقبل الذي أقرته الأمم المتحدة مؤخراً أهمية تسليط الضوء على الشراكات العالمية لإفريقيا.

هذه الشراكات في غاية الأهمية لمواجهة التحديات الملحة التي تواجه القارة، ابتداءً من التركيبة السكانية والتحضر إلى البنية الأساسية والتحولات في مجال الطاقة. ومن الواضح أن الدول الإفريقية تسعى بكل جهد إلى تنويع علاقاتها الدولية، والانخراط مع جهات فاعلة عالمية متعددة مثل: الصين والاتحاد الأوروبي وتركيا والبرازيل وقوى صاعدة أخرى. ويأتي هذا التحول في وقت ينقسم فيه العالم بشكل متزايد، ويتسم بالتوترات الجيوسياسية مثل الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتي تؤثر أيضاً في إفريقيا. واستناداً إلى هذه الخلفية، تستكشف البلدان الإفريقية كيفية تسخير هذه الشراكات الخارجية لدفع تنميتها. على سبيل المثال، يحمل تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية إمكانات هائلة لإعادة تشكيل المستقبل الاقتصادي للقارة من خلال تعزيز التصنيع والتقدم التكنولوجي والنمو في قطاع الخدمات. وعليه فإن فهم التأثيرات المترتبة على هذه الشراكات أمر بالغ الأهمية للتنمية المستقبلية لإفريقيا. وهذا ما تحاوله هذه المقالة مع التركيز على تحولات النهج الصيني في إفريقيا بعيداً عن سرديات القدوم الصيني الأول في بداية الألفية.

ملامح جديدة:

يبدو أن الصين غيرت وجهها الإفريقي خلال الفترة القصيرة الماضية، وذلك على النحو التالي:

1- شراكات استراتيجية: يسلط منتدى التعاون الصيني الإفريقي “الفوكاك” الضوء على الطبيعة المتطورة للعلاقات بين إفريقيا والقوى العالمية الكبرى. ففي حين تعهدت الصين بتقديم 51 مليار دولار كدعم؛ وهو ما يمثل انخفاضاً عن الالتزامات السابقة؛ فإن هذا لا يزال يؤكد قوة العلاقة بين الصين وإفريقيا. ومع ذلك، فبعيداً عن الأرقام الرئيسية، هناك اعتراف متزايد بقدرة إفريقيا على التحرك. ويدفع القادة الأفارقة بشكل متزايد نحو ترتيبات تجارية أكثر توازناً، وضمان انفتاح سوق الصين على السلع الإفريقية تماماً كما انفتحت الأسواق الإفريقية على السلع الصينية. وفي سياق المنافسة الجيوسياسية العالمية ــ وخاصة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا ــ توضح هذه الشراكة الأهمية الاستراتيجية لإفريقيا. كما تعكس الحاجة إلى أن تفكر الدول الإفريقية ملياً في مشهد دولي معقد في حين تدافع عن أولويات التنمية لديها. ويؤكد هذا التوازن الدقيق الحاجة إلى حوار مستدام وهادف، مع استمرار الدول الإفريقية في التعامل مع مجموعة من الشركاء العالميين، سعياً إلى تعزيز قدرتها على التحرك وتأمين مكانها في نظام عالمي أكثر تعددية.

لقد تطورت العلاقة بين الصين وإفريقيا بشكل كبير على مر السنين، وتحولت من التركيز الاقتصادي في المقام الأول إلى التركيز الآن أيضاً على الشراكات السياسية الاستراتيجية. وقد أسهم استثمار الصين في البنية التحتية الإفريقية، وخاصة من خلال مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق، بدور رئيس في ترسيخ نفوذها في القارة؛ ومع ذلك، فمع نضوج هذا الانخراط، نشهد تكاملاً أعمق للأهداف السياسية جنباً إلى جنب مع المصالح الاقتصادية. وقد أبرز هذا التحول قرار الرئيس شي جين بينع الأخير بالارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية مع الدول الإفريقية إلى مرتبة الشراكات الاستراتيجية. ولا يخفى أن هذه الخطوة تعكس طموحات الصين طويلة الأجل في إفريقيا، ليس فقط من حيث التعاون الاقتصادي، ولكن أيضاً من خلال التوافق السياسي؛ مما يشير إلى أن الصين ترى إفريقيا شريكاً أساسياً في الساحة العالمية، وخاصة مع سعي الصين إلى تعزيز نفوذها في المؤسسات الدولية.

إن التركيز المتزايد على توجهات جديدة مثل “الشراكة التعاونية الاستراتيجية الشاملة” الممنوحة لبعض الدول الإفريقية ليس مجرد مسألة رمزية، ولكنه يحقق ثلاثة أهداف مترابطة:

أ. إنه يعكس مقاربة سياسية متعمقة؛ مما يشير إلى تعزيز التعاون عبر قطاعات متعددة خارج الاقتصاد، مثل: الأمن والحوكمة والدبلوماسية الدولية. على سبيل المثال، تشير الشراكة الاستراتيجية بين جنوب إفريقيا والصين إلى أن الدولتين تعملان معاً بشكل وثيق في منصات متعددة الأطراف عالمية مثل: مجموعة “البريكس” والأمم المتحدة، وتتوافقان في التعامل مع قضايا عالمية رئيسية مثل: سياسات التجارة وتغير المناخ وإصلاح الحوكمة العالمية.

ب. كما أن المشاركة المتزايدة للصين في المشهد السياسي في إفريقيا تسمح لها بتأمين مصالحها الاقتصادية، مثل الوصول إلى المعادن الحيوية، في حين تضع نفسها أيضاً كشريك رئيسي في أجندة التنمية في إفريقيا.

ج. إضافة إلى ذلك، يؤكد هذا التحول السياسي جهود الصين لموازنة النفوذ الغربي في إفريقيا من خلال تقديم نموذج بديل للشراكة، متجذر في عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمنفعة المتبادلة. وفي نهاية المطاف، تم تصميم هذه الشراكة السياسية والاستراتيجية لضمان التعاون الطويل الأجل والاستقرار والتوافق مع الأهداف العالمية الأوسع للصين، وخاصة في المشهد الجيوسياسي المتغير بسرعة.

2- مشروعات صغيرة: في المجال الاقتصادي، يعكس مفهوم “المشروعات الصغيرة، ولكن الجميلة” إعادة معايرة استراتيجية لاستثمارات البنية التحتية الصينية في إفريقيا. في حين كانت المشروعات الضخمة مثل: السدود والطرق السريعة والسكك الحديدية تهيمن في السابق على بصمة الاستثمار في الصين، تشير الاتجاهات الأخيرة إلى التحول نحو مبادرات أكثر قابلية للتطوير والتوسع، وخاصة في مجال الطاقة المتجددة والشبكات الذكية والتكنولوجيا. إن المشروعات الصغيرة التي تعتمد على وحدات صغيرة تسمح بالمرونة؛ مما يجعلها أسهل في التنفيذ مع الاستمرار في إحداث تأثير تراكمي كبير. كما أنها تتجنب بعض الخلافات والتحديات التي تأتي مع الاستثمارات واسعة النطاق، مثل: المخاوف البيئية أو ردود الفعل السياسية بشأن مستويات الديون غير المستديمة.

ومن خلال التركيز على مشروعات أصغر وأكثر استهدافاً، يمكن للصين الاستمرار في الاستثمار في إفريقيا دون نفس المستوى من التدقيق أو المخاطرة. وإضافة إلى ذلك، تتوافق هذه المشروعات مع أولويات التنمية الخاصة بإفريقيا، مثل: الحاجة إلى الانتقال إلى الطاقة الخضراء وإضافة القيمة في صادراتها المعدنية؛ ومع سعي البلدان في جميع أنحاء القارة إلى الصعود في سلسلة القيمة وتنويع اقتصاداتها، توفر الخبرة والقدرة الفائضة للصين في صناعات مثل الطاقة الشمسية فرصة رئيسية لتحقيق المنفعة المتبادلة؛ لذلك، في حين قد يتغير حجم استثمارات الصين في البنية التحتية؛ فإن الهدف الأساسي المتمثل في تعزيز العلاقات الاقتصادية وضمان المشاركة طويلة الأجل في إفريقيا يظل دون تغيير.

3- قيادة الجنوب العالمي: من الواضح اليوم وكما أبرزته طبيعة التحالفات الدولية المتغيرة أن الإدراك الأوسع هو أن الانقسام الجيوسياسي الأساسي لم يعد الشرق مقابل الغرب بشكل صارم؛ بل أصبح وبشكل متزايد الشمال مقابل الجنوب. ويمكن رؤية هذا التحول في قضايا عالمية مثل: تغير المناخ والأزمات الدولية؛ إذ يتم وضع الجنوب العالمي، بما في ذلك الدول الإفريقية، بشكل متزايد كفاعل مركزي. في هذا السياق، فإن الدور المتطور للصين بحسبانها تنتمي لعالم الجنوب وتدافع عن مسارات التحديث البديلة أمر مهم. ولا يخفى أن التأطير الصريح للتحديث الغربي باعتباره مرتبطاً بالاستعمار، يشير كما ورد في الخطاب الصيني الأخير، إلى سرد تاريخي يتردد صداه لدى العديد من الدول الإفريقية التي عانت من استغلال غربي في الحقبة الاستعمارية وما بعدها. وعليه تجري العلاقة الصينية الإفريقية المتطورة في سياق هذا الانقسام الأوسع بين الشمال والجنوب. لقد وضعت الصين نفسها استراتيجياً كنموذج للتحديث للجنوب العالمي، من خلال تعزيز سردية المستقبل المشترك والتنمية المشتركة؛ وهذا يتماشى مع رغبات العديد من الدول الإفريقية في أنظمة متعددة الأطراف أكثر عدالة، كما هو الحال في الدفع من أجل تخصيص مقاعد إفريقية دائمة في مجلس الأمن الدولي.

فرص وتحديات:

ومع ذلك؛ فإن هذه الشراكة الصينية الإفريقية الجديدة وإن قدمت فرصاً فإنها ليست خالية من المخاطر، يمكن توضيحها في التالي:

1- شراكة أم هيمنة؟ تاريخياً، اتسمت الشراكات الخارجية لإفريقيا بالاستغلال والاستبعاد البنيوي. وعادة ما كنا نعبر عن ذلك ونحن على مقاعد الدراسة من خلال المثل الإفريقي القائل: “عندما يتصارع فيلان فإن المُتضرر الأكبر هو الحشائش تحتهما”. وهناك قلق مشروع من أن العلاقات الجديدة مع دول مثل الصين، قد تكرر هذه الديناميكيات. ومع ذلك، إلى جانب هذه المخاطر، هناك فرص واضحة لإفريقيا للاستفادة من أهميتها السياسية المتزايدة، وخاصة من حيث تصويتها في المحافل الدولية. يكمن التحدي في موازنة هذه الديناميكيات، من خلال ضمان أن إفريقيا ليست مجرد بيدق في الجغرافيا السياسية العالمية، وإنما أيضاً فاعل رئيسي يشكل مستقبله ضمن سردية الجنوب العالمي المتطورة.

2- تبعات التصنيع السريع: لقد جاء التصنيع السريع في الصين على مدى العقود القليلة الماضية بتكلفة بيئية كبيرة؛ إذ أصبح التلوث حقيقة يومية. ولعل ذلك يجعلنا نفكر في العواقب الطويلة الأجل للتصنيع، وما إذا كانت الدول الإفريقية، في تعاونها مع الصين، تفكر بجدية في التكاليف البيئية المحتملة لتكرار مثل هذا النموذج التنموي. من الضروري أن تتجنب الدول الإفريقية وراثة الصناعات الملوثة التي قد تتخلص منها الصين تدريجياً بينما تسعى جاهدة لحماية بيئتها. وهذا يثير سؤالاً أوسع نطاقاً حول ما إذا كانت الحكومات الإفريقية تعالج حقاً حماية البيئة في تعاملاتها مع القوى الأجنبية. لا يكفي بناء بنية أساسية رائعة إذا لم نتمكن من ضمان الهواء النظيف والبيئة الصحية للأجيال القادمة. إن الحاجة إلى نهج مستدام للتنمية، يوازن بين النمو الصناعي والمسؤولية البيئية، أمر بالغ الأهمية.

3- تبعات التعاون المالي: إن العلاقات الصينية الإفريقية المتطورة، وخاصة في سياق التعاون المالي والتنموي، تقدم فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. ومن بين الجوانب الحاسمة لهذه العلاقة المشاركة المالية بين الدول الإفريقية والصين، كما أبرزت صفقة إعادة هيكلة الديون التي أبرمتها زامبيا مؤخراً مع البنك الصناعي والتجاري الصيني. ويمكن للدول الإفريقية أن تتعلم دروساً قيمة من نهج زامبيا في التفاوض على مثل هذه الصفقات، وخاصة عند النظر في خطوط الائتمان التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات والتي نشأت عن منتديات حديثة مثل منتدى التعاون الصيني الإفريقي. وينبغي لهذه البلدان أن تشارك بشكل أكثر استباقية من خلال التشاور مع دول مثل زامبيا حول كيفية التعامل مع الصين في هيكلة الشروط المالية المواتية، وضمان أن تكون الصفقات متوافقة بشكل جيد مع أهداف التنمية الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التصميم المشترك لشروط التمويل، سواء أكانت تفضيلية أم تجارية، على أساس النجاحات من المشاركات السابقة، سيكون حاسماً في تشكيل مستقبل مالي مستدام.

إضافة إلى ذلك، تتطلب مبادرة التنمية العالمية الصينية والأطر الاستراتيجية المماثلة مشاركة أكبر من البلدان الإفريقية، ومن الضروري أن يكثف القطاعان العام والخاص في هذه البلدان جهودهما ويساهما في تحديد المشروعات “الصغيرة والجميلة” التي لا تقودها الصين وحدها. وتعكس رمزية الشراكات بين الصين وإفريقيا، والتي تؤكدها مبادرات مثل التبادلات السياسية بين المسؤولين الأفارقة والصينيين، التزاماً بفهم أعمق للمجتمعات والثقافات والأنظمة السياسية لكل منهما. وهذا التفاهم المتبادل أمر بالغ الأهمية في معالجة التحديات الجيوسياسية الأوسع وضمان جهود أكثر اتساقاً وتنسيقاً في المستقبل. ويتعين على الدول الإفريقية أن تواصل تعزيز قدرتها على التفاوض بفعالية، واتخاذ قرارات مستنيرة، وتعظيم فوائد مثل هذه الشراكات الاستراتيجية. بيد أن الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن الحكومات الإفريقية لم تعد تتوقع “شيكات ضخمة” من الصين. فضلاً عن ذلك فإن وزارة الخارجية الصينية سوف تسهم بدور بارز في مبادرة التنمية العالمية؛ وهو ما يعكس الطبيعة الدبلوماسية والسياسية المتزايدة لنهجها في التعامل مع المساعدات الإنمائية؛ يعني ذلك ببساطة شديدة بالنسبة للصين والحكومات الإفريقية على حد سواء أن محور الشراكة الجديدة سوف يتحول من المال إلى القوة الناعمة.

ختاماً، فإنه في عالم اليوم المتعدد الأقطاب، تجد إفريقيا نفسها في لحظة فاصلة. ففي حين تظل الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً، تُبقي الدول الإفريقية أبوابها مفتوحة لمجموعة أوسع من الفاعلين الدوليين؛ إذ يتنافس الشركاء القدامى مثل: الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على النفوذ جنباً إلى جنب مع القوى الصاعدة مثل: الهند وتركيا والبرازيل والدول العربية (التي تشكل طريقا ثالثاً يختلف عن الصين والقوى الغربية). ويمنح هذا التنوع في الخيارات القادة الأفارقة الفرصة لإعادة التفكير في استراتيجياتهم ورسم مسار يتماشى مع أهدافهم طويلة الأجل. ومع تطور المشهد العالمي، تتمتع إفريقيا بالقدرة على تشكيل مستقبلها بشروطها الخاصة.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

المدرسة الأميركية الجديدة للعلاقات الدولية

لم يتوقف الجدل حول الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته وسياساته منذ بدأ عهدته الجديدة. لم يقتصر الحديث على شخصيته غير المتوقعة، وسلوك رجل الأعمال الذي أحاط نفسه بعدد كبير منهم.

إذ يقدر عدد الذين عيّنهم في مواقع حكومية ودبلوماسية رفيعة بما يزيد على ثلاثة عشر مليارديرًا، غالبيتهم من المؤدلجين دينيًا وسياسيًا، بل تعداه للحديث عن أثر الرئيس وفريقه وفلسفته الجديدة في إدارة العلاقات الدولية، على النظام الدولي وشكل العلاقات الدولية، وما إذا كان سيقود إلى تفكيك النظام الدولي القائم، ويغيّر بشكل جذري بنيته وتحالفاته والقواعد المستقرّة فيه.

قد تكون "الترامبية" مدرسة أو نظرية جديدة في العلاقات الدولية، تختلف عن المدارس والنظريات الرئيسية التقليدية للعلاقات الدولية. وقد لا تتجاوز كونها نمطَ إدارة جديدًا للعلاقات الدولية، يهدف إلى تعزيز قوة ومكانة الولايات المتحدة بين الحلفاء والأعداء، ولن تحدث تغييرات جوهرية على النظام الدولي "الراسخ" بمؤسساته وتوازناته، وهو ما سيكشف عنه المستقبل القريب؛ نظرًا لأن الخطوات والمواقف التي اتخذتها الإدارة الأميركية حتى اللحظة، كبيرة، وتمسّ عددًا من الدول المؤثرة في البيئة الدولية.

مع ذلك فإن الوقوف على طبيعة وسمات هذه "المدرسة" أمر حيوي وذو أهمية كبيرة، لما للولايات المتحدة كقوة أولى في العالم من نفوذ وتأثير على مجمل القضايا الدولية، وبالذات قضايا الشرق الأوسط، والقضايا العربية.

السمات الأساسية للمنهج الجديد: 1- المال أولًا:

لا يخفي الرئيس الأميركي وفريقه أن المال هو الهدف الأوّل لعلاقاتهم الدولية، وأن دعم الاقتصاد الأميركي هو الأساس في بناء العلاقات، بمعزل عن طبيعة ومواقف الدول، لذلك فإن الدول التي تعتبر تاريخيًا حليفة للولايات المتحدة تتعرّض اليوم لما يمكن اعتباره حربًا اقتصادية، تهدف إلى جني أكبر مبلغ ممكن من المال.

إعلان

ولا يستثنَى من ذلك أحدٌ، فاليابان على سبيل المثال اضطر رئيس وزرائها إلى أن يقدم وعودًا باستثمارات في الولايات المتحدة تصل إلى تريليون دولار خلال السنوات الأربعة القادمة.

هذا الأمر ينطبق أيضًا على الاتحاد الأوروبي، وكندا وغيرها من الدول التي اشتبك معها ترامب مباشرة في موضوع التعريفات الجمركية.

وهو في ذات الوقت لا يكتفي بفتح ما يعتبر حربًا اقتصادية مع حلفائه في العالم، وإنما لذات الاعتبارات الاقتصادية الصرفة، يريد أن ينهي الحرب في أوكرانيا، ويسيطر على ثرواتها المعدنية، ويرتّب في ذات الوقت لعقد صفقات تجارية كبيرة في قطاع الطاقة مع روسيا التي اعتبرت من قبل الإدارة الأميركية السابقة والدول الأوروبية عدوًا وخصمًا ومعتديًا.

2- السلام من خلال القوة:

هذا المبدأ ليس جديدًا على العلاقات الأميركية، وقد استُخدم من قِبل أكثر من رئيس أميركي في السابق، من أبرزهم رونالد ريغان. وهو يهدف إلى الاستثمار بأقصى طاقة ممكنة في القوة والتفوق النوعي العسكري والاقتصادي الأميركي؛ بهدف إخضاع الآخرين وإجبارهم على القبول بما تعتبره الولايات المتحدة الأميركية "سلامًا".

شكّل السلوك الأميركي في الملفّ الأوكراني والملف الفلسطيني، أمثلة على محاولة فرض حلول غير عادلة، استنادًا للقوّة بأشكالها المختلفة، وحجم النفوذ الذي تتمتع به الولايات المتحدة في الملفَّين.

وفي الحالة الفلسطينية، فإن الرئيس الأميركي يريد، استنادًا لهذا المبدأ، تصفية القضية الفلسطينية، وأن يفرض على دول المنطقة التعاون معه في ذلك. وهي أفكار تتقاطع مع رؤية بنيامين نتنياهو، الذي يتحدث عن سلام الردع؛ السلام القائم على قدرة إسرائيل على ردع الدول في المنطقة مجتمعة.

يتغافل هذا المبدأ، عن الحقوق القومية وشرعية حركات التحرر، وحق الشعوب في الاستقلال، وتقرير المصير، والحرية والكرامة التي تعتبر قيمًا عالميةً.

إعلان 3- الاستثمار في الخصائص الشخصية للرئيس:

تعتمد هذه المدرسة على أداء الرئيس الأميركي بشكل خاصّ، فهو يملأ الإعلام بشكل يومي بتصريحات ومواقف ذات سقف مرتفع، إلى حد يبدو لا معقولًا، معتمدًا على كونه يرأس الدولة الأقوى في العالم.

وهو كثيرًا ما يذكّر العالم بهذه الحقيقة، ويمارس من خلال هذا الموقع ما يمكن اعتباره إهانة للأطراف التي يتعامل معها، محاولًا أن يفرض عليها أجواء من الخوف والارتباك. وهو بذلك يهيئ البيئة السياسية التي تساعد فرقه "السياسية والأمنية والاقتصادية" العاملة في الميدان لكي تنجز ما يعتقد أنه أهداف موضوعية.

حدث ذلك بشكل واضح مع أكثر من طرف، أبرزهم الرئيس الأوكراني زيلينسكي، إذ يعتقد كثيرون بأن ما حدث مع زيلينسكي في المكتب البيضاوي كان مقصودًا، ويهدف إلى ممارسة ضغط عليه، ولا ننسى مفاجأته للحكّام العرب بالحديث عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزّة وضرورة استقبال الأردن ومصر جزءًا منهم. تكرّر الأمر أيضًا مع أوروبا، وكندا، والمكسيك، وغيرها من الدول.

4- لا مكان للقيم والمبادئ:

في التعامل مع الآخر، لا اعتبار للقيم والأخلاق، ولا حتّى للباقة السياسية والدبلوماسية، وهي مشحونة بأيديولوجية يمينية فوقية تجاه العديد من الشعوب والقضايا، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي، وتبدي انحيازًا متطرّفًا للكيان الصهيوني.

كما أنّ حق الشعوب في تقرير المصير والسيادة على أرضها والحرية وغيرها من القيم لا تحظى بأهمية، كان هذا واضحًا في أوكرانيا، وفلسطين، وكندا، وغرينلاند، وغيرها من البلدان.

لم يقتصر ذلك على القضايا الدولية، بل انعكس أيضًا على العديد من السياسات الداخلية، وهو ما أدى إلى التعامل العنيف مع المهاجرين غير الشرعيين، وأنصار القضية الفلسطينية، والمدافعين عن حقوق الإنسان وحرية التعبير، وحتى المهتمّين بشؤون البيئة.

إعلان 5- أميركا أولًا ولا حاجة للحلفاء:

لا يوجد حلفاء دائمون أو محل اعتبار، ولا وجود للأعداء استنادًا للقيم والمبادئ أو المشاريع السياسية. المصالح الاقتصادية وحجم المال المتدفّق على الولايات المتحدة، وحجم الصفقات التي يمكن أن تعقدها أركان هذه الإدارة، هو المعيار الحاكم في العلاقة مع الدول.

مصلحة أميركا ومكاسبها مقدّمة على كل ما سواها فمبدأ "America First "، يدفع هذه الإدارة للتعامل مع روسيا، وكوريا الشمالية دون مراعاة لمواقف الحلفاء.

الولايات المتحدة ليست حليفًا لأحد، بل شركة حماية أمنية وعسكرية تعمل بالمقابل، ولا ينبغي لأحد أن يعتمد على الولايات المتحدة كحليف استنادًا لقيم أو مبادئ وأفكار.

6- التوسعيّة:

من أخطر سمات هذه المدرسة النزعة التوسعية المباشرة، وعدم الاقتصار على الهيمنة العسكرية والاقتصادية.

هذه الخطط التوسعيّة تشكّل خطرًا حقيقيًا على دول ذات سيادة، مثل الجارة الشمالية كندا، وغرينلاند التابعة للدانمارك. فالمطالبة بضمّ دولة بحجم كندا لتصبح الولاية الواحدة والخمسين، وكذلك السيطرة على مساحة شاسعة مثل غرينلاند، تعنيان أن الرغبة في التوسع الجغرافي وتحويل النفوذ العسكري والسياسي إلى امتداد إمبريالي توسعي، أمرٌ أصبح مطروحًا بشكل جادّ في الولايات المتحدة.

وهو ما يعني أنّ هذه الإمبراطورية بصدد الانتقال إلى السلوك الاستعماري الإمبريالي الكلاسيكي القديم القائم على التوسّع والسيطرة الجغرافية المباشرة، سواء لأهداف اقتصادية أو أمنية وعسكرية، وهو ما قد يدفع باتّجاه تحول كبير في بنية وشكل النظام الدولي الذي عرفه العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.

نجاح هذه المبادئ الجديدة مرهون بسلوك أطراف عديدة في العالم، وبالذات الدول التي لديها إمكانات عسكرية واقتصادية معتبرة، وكذلك الشعوب التي تدافع عن قضاياها العادلة وحقوقها الأصيلة المكفولة دوليًا وقانونيًا.

إعلان

وهو أيضًا مرتبطٌ بشكل حاسم بقدرة الرئيس الأميركي على السيطرة على المؤسسات السياسية والمالية والعسكرية والأمنية الأميركية، أو ما يعتبره الدولة العميقة، التي لا تنسجم بالضرورة مع كل هذه السياسات، بل وتعارض بعضها، وقد نجحت في لجم سلوك الرئيس وسياساته في دورته السابقة في بعض الملفات الدولية في الشرق الأوسط وغيره.

لكن إذا تمكّن ترامب وإدارته من إنفاذ هذه السياسات، فسنكون غالبًا أمام عالمٍ تحكمه قواعد وعلاقات وموازين قوى مختلفة، قد ينشأ عنها تحولات كبرى في العديد من الدول والتحالفات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • تداعيات رسوم ترامب على الاقتصاد المصري بين توقعات زيادة الصادرات وهبوط البورصة
  • خبير: الصين مستعدة لاتخاذ إجراءات ضد الرسوم الأمريكية الجديدة
  • القوى العظمى تتسابق في حيازة القوة الفتاكة
  • محمد أبو داود: الدراما هي القوة الناعمة.. وغياب العمل الوطني هذا العام لفت الأنظار
  • منى أحمد تكتب: القوة الناعمة
  • سفير مصر لدى الاتحاد الأوروبي والناتو: قوتنا الناعمة رأس الحربة في الدبلوماسية
  • دوري أبطال إفريقيا.. بيراميدز يحشد القوة الضاربة في رحلة المغرب لمواجهة الجيش الملكي
  • بعد ضرب ترامب للصين، هل ستغزو السلع الصينية الأسواق التركية.. خبراء أتراك يعلقون
  • المدرسة الأميركية الجديدة للعلاقات الدولية
  • السفارة الصينية في بغداد تهاجم الرسوم الأمريكية: “خرق لقواعد التجارة العالمية”