لجريدة عمان:
2025-04-05@23:39:07 GMT

سِن لك بر طفيلون

تاريخ النشر: 30th, October 2024 GMT

سِن لك بر طفيلون

«من خرج من صلبي سيخرج معي» قال بر طفيلون.

والتفت إلى أبنائه واحدا واحدا، فلم يرفع أحد بصره عن هاتفه، ولم يرفع أحدهم من عزيمة أبيه..

سكت ثم التفت إلى زوجته واستعار نظرة من اللامبالاة، ورمقها بها.

«وأنتِ؟»

«كما ترى، سألازم البيت مع بنتك النفساء».

نهض من جلسته بإزار بين السرة والركبة، وجسد مصبوغ بالنيلة الداكنة، وخرقة كانت ذات لون نيلي في بكارتها، ثم غشاها السواد، وخنجر على الجانب الأيمن للسرة.

وحبل من الجلد كفت به الشعر المجعد عن مداعبة الريح، وسيف هندي يرافق العصا في مواضع الاستواء على المناكب.

اتجه إلى معطن الإبل، نادى على جمله الأسحم. «هط هط هط هط هط». فخرج من القطيع ومد رأسه إلى أحضانه.

قال بر طفيلون في نفسه:

«أعرفهم سيتخلون عني جميعا»

امتطى الجمل (تيغون)، وترنم بالحدا وحث الإبل على السير نحو الوِهاد الخضيرة التي تتنفس عبق التربة الرطب الممسوح بقبلات السحب وستر الضباب.

انتظم القطيع في الطريق المؤدي إلى (شعبون) ينظمه الجمل (تيغون) المُدرب على إعادة الهوامل إلى القطيع، وعلى ظهره بر طفيلون في آخر الركب، يفلي الذكريات التي تعيدها الأمكنة إلى المشهد حين تظهر أمامه شقاوة الشباب وتنافسهم على حذق آيات الرعاة المنزوين في ظلال الفقدان أو المقيدين بسطوة العجز والاستسلام، فمنهم من غادر الدنيا ومنهم من أقعده العُمر عن ممارسة الطقوس الخالدة في حياة الرعاة الإبليين.

ولّى وجهه نحو المغيب حاملا وصية جده، بألا يواجه الشمس عند الرحيل؛ لأن مواجهتها تكابد الإنسان شقاءً وبخسًا في الصحة.

«املُك ما لا يملكك ولا يؤلمك». كانت تلك وصية جده الملقب بعزيمة النمر، الذي انتقل مع نوقه في البوادي والصحاري والجبال دون كلل أو ملل. تزوج مرة واحدة وأنجب والد بر طفيلون، وحينما طلبت زوجته منه الاستقرار، طلّقها وارتحل مع نوقه.

«الاستقرار موت أيتها المرأة»

قالها وترك المرأة مع أهلها ولديها ما يعينها على إيجاد القوت.

واستعاد الوصية المغروسة في ذهنه كالوشم:

«إذا ثبتّ في مكانك ينهشك الموت بتلذذ، أما في الانتقال وتبديل المنامات فلن يعثر عليك بسهولة، وإذا وجدك فإنه سيبلغك وهو خائر القوى ومنهك. أعد نفسك لمواجهة الهرم أقسى الأعداء وأشدهم بأسا، واثبت أمامه وجها لوجه كإنسان اختار نهايته بكل يقين».

هكذا كان عزيمة النمر، في حله وترحاله، يبيت بلا بيت، ينتقل كالهارب من قدره بين الأودية والسهوب وأعالي المرتفعات، لا يترك خلفه إلا الرماد والذكريات.

أما حفيده بر طفيلون فقد كابد ما كابده دون أن يرف له طرف، حتى لوم نفسه الأخير، لام نفسه على إذعانه للناس واستماعه لنصيحتهم وموافقته على دخول أولاده إلى الكتاتيب. ورغم نصيحة (بر منينوت) له، فإنه لم يبال بها. كانت تلك المرة الوحيدة، التي لم يستمع فيها لصديقه وشريكه في الرعي والترحال على تواقيت المواسم.

(بر منينوت) راعي إبل أيضا، ومنذ استقلاله بقطيعه وهو في انتقال دؤوب لم يتزوج ولم يستقر في مكان لأكثر من شهر.

قال بر منينوت لبر طفيلون:

«إذا أردت تجربة لحظة التخلي فأدخِل أولادك إلى الكتاتيب، سيتعلمون العجز قبل كل شيء وبعدها لن يقدروا على التنقل».

وأضاف:

«المدارس خُلقت لتقييدنا ومنعنا من الانتقال، المستقرون الجدد سيحاولون إحالتنا إلى العجز أو إماتتنا. سيخربون الأبناء الذين يفترض بهم مواصلة حياتنا، وسيحبسونهم في المدارس والاستقرار والوظائف والمكوث في المدن. كل تلك المغريات ستحول الأجيال إلى أسرى الجدران والإذعان».

قال بر طفيلون:

«لن أمنع الزمن أن يفعل فعلته، دعهم يتعلمون».

«ماذا سيتعلمون؟!»

قال بر منينوت، وأضاف:

«لن يتعلموا شيئا من عندنا، لن يأخذوا عنا كما أخذنا ممن سبقنا، سيتعلمون ما لدى الغرباء، أما نحن فسيعرضوننا للسخرية والاستهزاء بما نفعل».

«لنر ما سيحصل» قال بر طفيلون.

رد بر منينوت

«حسنا، لكنك بعد الرؤية ستكون بلا حيلة ولا حول لتصحيح المسار».

حين أناخ بر طفيلون قطيعه عند انحسار العرق الجبلي (آطيق) في شعب (شعبون)، وأطل عليه الضياء من خلف قمة (مِصير)، نكش جمرات من بين ركام الرماد، وقص أظافره ودفنها تحت (المووشب) أحجار عتبة المبيت،

فقد وجد في الوصية أن الأظافر والشعر سر الإنسان لذا يتوجب إخفاء السر عن المتربصين والحساد.

بعد أن حلب بر طفيلون ناقته (ديركان)، وترك ضرعين لابنها، أيقظ الجمل (تيغون) النوق من المبرك وحثهن على الخروج إلى المراعي البكر في العروق المخضرة بأشجار (السغوت) و(الخفوت) و(الشقوف) وما دنا من شجيرات (الشبحيط) و(المخلي).

تلبس الجمل (تيغون) روح الراعي عزيمة النمر، فتيغون لا ينشغل بالأبكار التي يراودنه ويحمن حوله، حتى وإن بلغ الذروة في الغلمة إلا أنه لا يستسلم لنزواته إلا بعد التأكد من وجود كل النوق والحور في القطيع، يتفقدها ثلاث مرات في اليوم، مرة حين خروج القطيع من المبرك، ومرة في وسط النهار، ومرة ثالثة عند الإياب إلى المعطن.

الترحال طقس الرعاة السرمدي مثل الكون لو بقي الكون ثابتا لفسد كل شيء، لا الشمس مرغوبة على الدوام ولا القمر كذلك. في التنقل يجد الراعي طهارته حين يتخفف من سطوة النفس على التملك، أما الاستقرار فهو مفتاح الأنانية والتفكير في الاستحواذ واستغلال الآخرين.

هكذا يفكر بر طفيلون المتحالف مع أهل السر. يوزع عليهم من حليب نوقه وما توفر من الطعام قبل أن يأكل أو يشرب. وذات ليلة زارته الحمى ونسي أن يضع القليل من الحليب، وأن يتمتم بكلماته المعهودة:

«تركت لكم عن رضا وقناعة ما لدي، وتقاسمت معكم ما ظهر وما خفي، يزداد لكم ولا يتناقص».

فلما جن الليل أيقظته امرأة تهدهد طفلها الباكي، وقالت:

«ما بك بر طفيلون، هذه ليست عاداتك، تركت طفلي يبكي منذ الغبش».

فقام من نومه، حمل الوعاء وأيقظ الناقة (سمهور) الباركة حول الموقد وقطع اجترارها، مسد الضرع، رفع ركبته وثناها تحت (القُعلاء) وبدأ الشخب في ترتيل الهطول إلى الوعاء.

فرق الحليب يمنة ويسرة، وغسل يديه وعاد للنوم وفي الصباح قام كأنه لم يكن محموما بالأمس.

تصالح بر طفيلون مع أهل الخفاء منذ أن بلغ الحلم، كان يبحث عن ناقة داهمها المخاض، وحل عليه الليل، وحين نزل بوادي (طيشيشون)، رأى الغنم تعود إلى حظائرها وسمع أصواتا من الكهف، ونزل عندهم، وجد امرأة وطفلها. شعر بالقشعريرة حينما آوته المرأة تحت (الفيدات) مهد طفلها، وقالت:

«عليك الأمان، وعليك الحذر من الكلمات المنهي عنها»

ففهم أنه حل بسكن أهل الخفاء.

رجع الزوج ومعه رجال آخرون مستنكرين.

«من أين تنبعث رائحة الإنس النتنة؟!»

فقالت لهم المرأة: «من تتأففون منه في حمايتي»

قدموا له الحليب، رآه في البدء بلون الدم ثم تحول إلى لونه المعتاد فشرب منه، وقضى ليلته عندهم.

أخبرته المرأة بأنهم يختفون في الصباح، وأنه عند قيامه من النوم سيجد حليبا في الإناء، يشرب منه ما يكفيه ثم يدعه في مكانه.

في الصباح اختفى الناس والأغنام وكأن لم يكن بالأمس قوم وحيوانات وآثار في المكان، وجد بر طفيلون عند الأثافي الباركة على الرماد المطمور، وعاءً من الحليب. شرب منه على دفعات وحينما، مسح الرغوة من شفتيه، رأى ثعلبين أمامه ينتظران فراغه من الشرب لاسترجاع الإناء، ترك لهما (القعلاء) ومضى يبحث عن ناقته.

محمد الشحري قاص وروائي عماني

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الإمارات تستعرض جهودها في تمكين المرأة أمام لجنة الأمم المتحدة

ترأست سناء بنت محمد سهيل وزيرة الأسرة، وفد الإمارات إلى الدورة الـ69 للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة، والتي تركزت مناقشاتها حول مراجعة وتقييم تنفيذ إعلان ومنهاج عمل بكين، بالإضافة إلى نتائج الدورة الاستثنائية الـ23 للجمعية العامة بشأن التوازن والمساواة بين الجنسين والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين.

وضمّ وفد الإمارات كلاً من نورة السويدي الأمينة العامة للاتحاد النسائي العام، وريم الفلاسي الأمينة العامة للمجلس الأعلى للأمومة، والمقدم دانة المرزوقي المديرة العامة لمكتب الشؤون الدولية في وزارة الداخلية، وحنان أهلي مديرة المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، والدكتور محمد الكويتي رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات.

تمكين المرأة

وألقت سناء بنت محمد سهيل بيان الإمارات أمام لجنة وضع المرأة في دورتها الـ69، مسلّطة الضوء على التقدم المحرز طوال الثلاثين عاماً الماضية في مجال النهوض بالنساء والفتيات وتعزيز حقوقهن وحمايتهن حول العالم.
وقالت إنّه "ينبغي على المجتمع الدولي أكثر من أي وقت مضى، أن يواصل الوفاء بوعوده التي قطعها في بكين سابقاً وفي المستقبل".
كما شاركت في اجتماع المائدة المستديرة على المستوى الوزاري حول الآليات الوطنية المعنية بالتوازن والمساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات، حيث انخرط الوزراء في الحوار إزاء تبادل الخبرات والدروس المستفادة وأفضل الممارسات، مع التركيز على الاستراتيجيات والأولويات الأساسية لإنجاز المزيد من العمل ومعالجة الفجوات والتحديات.
وسلّطت سهيل الضوء خلال المناقشة على جهود الإمارات الرامية إلى تمكين المرأة اقتصادياً ومشاركتها الكاملة والفعالة والهادفة في جميع القطاعات.

اجتماعات ثنائية

وعقدت سهيل سلسلة من الاجتماعات الثنائية، إذ اجتمعت مع كل من الدكتورة ميمونة آل خليل أمين عام مجلس شؤون الأسرة في السعودية، والدكتورة كاترينا ليفتشينكو مفوضة الحكومة لسياسة النوع الاجتماعي في أوكرانيا.
وأطلقت الإمارات، ممثلة بوزارة الداخلية، على هامش الحدث في مقر الأمم المتحدة معرضاً بعنوان: "أم الإمارات" تكريماً للشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات” رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، واستعراضاً لمسيرة الدولة في النهوض بالنساء والفتيات باعتبارهن ركيزة أساسية من ركائز السلام والازدهار والأمن والتنمية المستدامة.
وفي سياق متصل، استضافت وزارة الداخلية والمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء فعالية جانبية بعنوان: "القيادة بالقدوة عبر الحدود: استراتيجيات لمكافحة العنف والعنف الرقمي ضد المرأة".
كما شهد هذا الحدث إطلاق تقرير حول "النموذج التنظيمي والوقائي للإمارات لمكافحة العنف الرقمي والعنف ضد النساء والفتيات"، والذي يعرض تفاصيل الأطر التنظيمية والتدابير الوقائية والمبادرات الاستراتيجية التي تبنتها الدولة لمكافحة العنف الرقمي وحماية النساء والفتيات.

مقالات مشابهة

  • ختان الإناث في اليمن ـ انتهاك جسد المرأة بمبرر الشرف والعفة
  • جعجع: القرار 1701 واضح جدًا واتفاق وقف النار أوضح
  • لمن ارتدت الحجاب في رمضان وخلعته بعده.. احذري 3 عقوبات
  • المرأة اليمنية.. صمود وثبات على مر العصور
  • “سربة التبوريدة”: مسرحية تبرز دور المرأة في الفروسية المغربية
  • الإمارات: ضمان المشاركة الكاملة والمتساوية للمرأة في المجتمع
  • وزيرة الأسرة: الإمارات مكنت المرأة وحققت مشاركتها بالمجتمع
  • استشاري صحة نفسية: المرأة في الدراما سلبية وشخصية مُنقادة
  • الإمارات تستعرض جهودها في تمكين المرأة أمام لجنة الأمم المتحدة
  • 6 سينمائيات في المكتب الفني لمهرجان أسوان لأفلام المرأة