لجريدة عمان:
2025-04-06@02:24:36 GMT

العربُ وتاريخهم

تاريخ النشر: 29th, October 2024 GMT

لقد أدركت من تجربتي العميقة والطويلة في التدريس في مختلف مراحله، وفي بِقَاعٍ من العالم مختلفة، أنّ الأجيال الصاعدة في اغتراب وغُربة مع تاريخها وحضارتها، لا تعلم هذه الأجيال، وأجيال من قبلها، ما هي المصادر الكبرى في تاريخنا التي لا يجب ألاّ نكون على علم بها.

نكتب الكتب وندرِّس المحاضرات، ولكن لا وجود لعقيدة جاذبة ولا لرغبة جامحة في تحصيل معرفةٍ عن هذا التراث العميق، ومن جانبٍ آخر، فإنَّا نحن القائمون على تعليم هذه الأجيال وتمكينها من وسائل المعرفة والدراية لم نقم بما يجعل هذا الموروث التاريخي المعرفي الحضاري نقطة انطلاقٍ وموقع ارتكاز نستقي منه نماذج مضيئة وأعلامًا تنير سُبُل اللاّحقين.

ما زالت شعوب الأرض على اختلاف منابتها وألوانها ومواقعها تسعى إلى الانشداد إلى لحظات منيرة في تاريخها، حتّى أمريكا التي لا تاريخ لها صنعت لها تاريخا قريبًا من الحريّة والبناء، وصنعت رموزها التي تتفاخر بها أمام أجيالها اللاّحقة أوَّلا وأمام العالم ثانيًا، حتّى الكيان الإسرائيلي المغتصب، الذي تفوقه جدّتي سنًّا وتاريخًا، صنع له في تاريخه الدموي الحديث رموزًا ووقائع يفخر بها، وتهتدي بها الأجيال في حلّها وترحالها.

ونحن العرب الذين لدينا تاريخ ضارب في القِدَم إن فكَّرنا اليوم في شخصيّة غير دينيَّة يُمكن أن تمثّل هدى وهدْيًا لأبنائنا ولنا نحن أيضًا، كثر الهرج والمرجُ والخلاف، وفي النهاية انفرط كلّ قُطْرٍ يُمجِّد في تاريخه الخاص، ويُعلي من شأنه في الكتب المدرسيّة، في حصّتين ينفُر منهما الطلبة، ويمقتون من يدرّسهما، وهما التاريخ واللّغة العربيّة. لا بد أن تكون مادّة التاريخ في الوطن العربي مادة مقدَّسة يقوم عليها مدرّسون مُختارون، يتقنون فنّ الحكاية والرواية، لا محض جامعي معلومات، يؤدّون الدور بكلّ برودٍ ومقْتٍ، حصّةُ التاريخ جوهرٌ وجوديّ وبُعدٌ قوميٌّ وعقديٌّ، ومنها تنشأ أجيالٌ مهما تفرَّعت تخصّصاتها تبقى منشدَّة إلى نماذجها، مفتخرة بأصولها، رافعةً رأسها أمام الأمم.

مَن مِن أجيالنا يقف على عظمةِ شخصيّة تُمثِّل بُعْدًا موحِّدًا، ومتَّفقًا عليه؟ كيف يُمكن أن نُحوِّل شخصيّات التاريخ إلى نماذج مُزْهرة، يؤمن بها الطلبة ويتعلّق بها أطفال المدارس وشباب الكليّات؟ نحتاج إلى شخصيّات من التاريخ جامعة، لا تُفرِّقُ، وفي الآن ذاته لها وقعٌ وأثرٌ في العلم أو الثقافة أو السياسة.

هل يعرف طلبتُنا «صقر قريش» عبدالرحمن الداخل، وهل استطعنا أن ننطلق من وقائعه وفتوحاته وأخلاقه الحميدة لصناعة صُورة بطل يؤمُّ مختلف التوجّهات، ويفخر به أبناؤنا، كما يفخر الغرب بنابليون أو بيوليوس قيصر؟ هل أقمنا جسورًا للتواصل بين الحاضر والماضي، وعرَّفنا بعلمائنا الذين نفخر بهم وكان لهم عميق الأثر في ثقافة الغرب، أين ابن سينا وابن الهيثم وابن البيطار وجابر بن حيّان وابن رشد والفارابي؟ هل استطعنا أن نُخْرجهم من عقم صفحات التاريخ إلى عمق الواقع؟ إنّ هذا الأمر يحتاج إلى فكرة، وهي صناعة أرضيّة طويلة المدى لبناء شعب متأصِّلٍ، يتحرّك وفق مرجعيّة تاريخيّة ضاربة بجذورها في العمق، يُخرج شخصيّات تاريخه من ظلام الكتب وغبار رفوف الأرشيف لبَعْثِها حيَّةً، حييَّةً، نابِضةً، تقتدي بها أجيالٌ وأجيالٌ. خلاصَةُ الرأي، كم نحنُ في حاجةٍ إلى تصوُّر يُعيد التفكير جديًّا في مُخرجات التعليم لنتمكّن من بناء جيل صالحٍ، يبدأ رحلته بالافتخار بتاريخه العربيّ الإسلاميّ، ويعرف نماذجه المنيرة، وتعلق نفسه بحوادث التاريخ. يبدأ بناء هذا التصوّر بوجود فكرةٍ، اعتقادٍ، يبني ويعي ما يبني، لا تُساقُ الأجيالُ بدون فكرةٍ، بلا اعتقادٍ.

ما نلاحظه في أنظمتنا التعليميّة العربيّة كاملة أنّها تضرب خبْطَ عشواء، تفكّر في مخرجات معرفيّة علميّة هي غير متحقّقة، وتهمل صناعة الإنسان، مِنْ بين سلبيّات مخرجات التعليم في بلادنا أنَّ منظورًا سلبيًّا سائدًا تكرَّس وانغرس حول العلوم الإنسانيّة، التي هي بوّابةُ تطوّر الشعوب، لا بدّ من إعادة النظر في برمجة العلوم الإنسانيّة في المدارس والكليّات، فهي القاطرة التي تقود بقيّة المعارف والعلوم.

وعليه، فإنّا نحلم يومًا بأن نرى مدرِّسًا للتاريخ يتسابق الطلبة لدخول محاضراته، ويذكره التلاميذ في بيوتهم بكلّ حبّ وتقدير، وأن نرى مدرّس اللّغة العربيّة مُرَغِّيًا، يحبّ التلاميذ حصّته، ولا ينفرون منها، المدرِّسُ أو الأستاذُ أو الدكتور الجامعيّ هو مركزٌ مهمّ في إنجاح العمليّة التعليميّة، وبعْثِ جيلٍ مؤمنٍ بتاريخه، فخور بلغته، له نماذج في تاريخه يفخر بها.

أمَّا في واقع الحال، فإنّ الطلبة يُلقّنُون التاريخ، حفظًا وإعادةً، دون فهمٍ أحيانًا، ولا يتمتّعون بهذه المادّة، في حين أنّ الشعوب المتقدّمة تتخيَّر للتاريخ أستاذا حكّاءً، وهو يجتهد في شدّ الطلبة إليه، وبالتالي في ترغيبهم في شخصيّات التاريخ التي اختارها الوعي العامّ نماذج اختلاقًا أو وجودًا حقًّا. لماذا عمل اليهود في العالم على تجريم مَن يُشكّك في المحرقة النازية؟ ليحتفظوا بتاريخٍ يُفْرَضُ على العالم بأسْره، وليصْنعوا نماذج من الضحايَا يتعاطَف معها الكون، وقد حُوكمت شخصيّات عالمة، عارفة، بعلَّة التشكيك في المحرقة، ونحن عاجزون عن الاتّفاق على شخصيَّةٍ تاريخيّة واحدة، تجمعنا، وتكون نموذجًا مقدَّسًا نحتمي بها في ظلّ التصادم التاريخيّ العنيف الذي يعيشه الكون!

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی تاریخه

إقرأ أيضاً:

رئيس جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا لـ «الاتحاد»: مناهج جديدة متطورة العام المقبل

دينا جوني (أبوظبي) 
تشهد جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا تحولاً أكاديمياً نوعياً يقوم على منظومة متكاملة في التعلّم التعاوني. ومن أهم سمات هذا التحوّل تغيير المناهج الأكاديمية وإدخال تعديلات جوهرية عليها، وإعادة تصميم آلية الاختبارات وتقييم الدارسين، بهدف تعزيز التعلم التعاوني وتزويد الطلبة بالمهارات التي تؤهلهم لقيادة مستقبل الابتكار وريادة الأعمال. 
وقال الدكتور إبراهيم سعيد الحجري، رئيس جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، في حوار مع «الاتحاد»، إن هذه التحولات تأتي استجابة لمتطلبات العصر الحديث، حيث لم تعد الأساليب التقليدية في التعليم والتقييم كافية لإعداد طلبة قادرين على مواجهة تحديات المستقبل.

أخبار ذات صلة «الشؤون الإسلامية» تعزز التعاون مع «الإدارة الدينية لمسلمي روسيا» 7.6 مليون درهم مساعدات إنسانية لنزلاء المؤسسات الإصلاحية في دبي

أوضح الحجري، أن جامعة خليفة تؤمن بأن التعليم يجب أن يكون ديناميكياً، يواكب التغيرات السريعة في سوق العمل والتطورات التقنية المتلاحقة. لذلك، أعادت الجامعة صياغة المناهج الدراسية، مستبدلة الحشو الزائد بمقررات تركز على مهارات البحث العلمي وريادة الأعمال، مما يعزز قدرة الطلبة على التعلم المستمر واكتساب أدوات التفكير النقدي والابتكار. 
المناهج المطورة 
وأشار إلى أن الجامعة أطلقت مبادرة لإعادة هيكلة المناهج، حيث يبدأ الطلبة الجدد في دراسة المناهج المطورة اعتباراً من العام الأكاديمي المقبل. كما أكد أن الجامعة تسعى إلى تحويل الأبحاث العلمية إلى مشاريع ذات تأثير مجتمعي ملموس، بدلاً من الاكتفاء بالنشر الأكاديمي.
وأضاف، أن الجامعة لم تكتفِ بإعادة هيكلة المناهج، بل أحدثت أيضاً نقلة نوعية في آلية التقييم، حيث تم استبدال الاختبارات التقليدية الفردية بأساليب تقييم جماعية، تماشياً مع مفهوم التعلم التعاوني. 
وأوضح قائلاً: «نريد أن نُخرج جيلاً قادراً على العمل بروح الفريق، والتفكير الجماعي، واتخاذ القرارات في بيئات عمل تنافسية. لذلك، أصبح الطالب مطالباً بمراجعة المادة العلمية قبل المحاضرة، حيث تعتمد الفصول الدراسية في الجامعة على النقاش التفاعلي بين الطلبة، الذين يعملون ضمن مجموعات لاستخلاص المفاهيم الأساسية وتطبيقها عملياً». ولفت إلى أن الاختبار لم يعد مجرد وسيلة لقياس التحصيل الفردي، بل أصبح تجربة تعاونية تعزز الفهم العميق للمادة العلمية.
«المعلم الذكي»
وأشار الحجري إلى أن الجامعة تبنت أيضاً تقنيات متقدمة لدعم العملية التعليمية، ومن أبرزها مشروع «المعلم الذكي»، الذي يتيح للطلبة التعلم في أي وقت وأي مكان، من دون التقيد بالمحاضرات التقليدية. وقال: «يمنح هذا النظام الطلبة مرونة غير مسبوقة في إدارة تعليمهم، كما يتيح لنا كإدارة أكاديمية متابعة تطورهم بشكل دقيق وتقديم الدعم المطلوب في الوقت المناسب. فبدلاً من الاعتماد على اختبارات فصلية قليلة لقياس الأداء، أصبح لدينا أدوات تكنولوجية قادرة على تقييم الطالب بشكل يومي، مما يمكننا من التدخل الفوري لمعالجة أي فجوات أو صعوبات تعليمية».
وفيما يتعلق برؤية الجامعة لمستقبل خريجيها، أكد دكتور الحجري، أن الهدف الأساسي هو إعداد طلبة قادرين على خلق فرص العمل، وليس فقط البحث عنها. وقال: «في الإمارات، هناك أكثر من 70 جامعة، ولا نريد أن يكون خريجونا مجرد أرقام في سوق العمل، بل نريدهم أن يكونوا رواد أعمال قادرين على إطلاق مشاريعهم الخاصة. لذلك، أطلقنا مبادرة داخلية لإعادة هيكلة المناهج، بحيث يتعلم الطالب كيفية تحويل أفكاره إلى مشاريع قابلة للتنفيذ».
وأضاف: «حرصنا على أن تكون مشاريع التخرج أكثر ارتباطاً بالواقع العملي. فبدلاً من تقديم تقرير أكاديمي تقليدي، أصبح على الطلبة إعداد عرض احترافي لإقناع المستثمرين بجدوى مشاريعهم. ولضمان استمرارية هذه المشاريع بعد التخرج، أسست الجامعة شركة مملوكة لها بالكامل، توفر دعماً استثمارياً أولياً للخريجين، لمساعدتهم في تطوير أفكارهم وتحويلها إلى شركات ناشئة».
تفاعلية
اعتبر  الحجري أن جامعة خليفة لا تهدف فقط إلى تقديم تعليم أكاديمي متميز، بل تعمل على بناء بيئة تعليمية تفاعلية تتيح للطلبة التفكير والإبداع والابتكار. 
وأشار إلى أن هذه التغييرات التي أجريت ليست مجرد تعديلات أكاديمية، بل هي جزء من رؤية أوسع تهدف إلى إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة مسيرة التنمية والابتكار في دولة الإمارات والعالم.

مقالات مشابهة

  • رئيس جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا لـ «الاتحاد»: مناهج جديدة متطورة العام المقبل
  • جامعة طرابلس بعد سقوط قذيفة على الطلبة: الدراسة مستمرة
  • ظاهرة غياب الطلبة قبل الإجازات والامتحانات
  • برنامج «آفاق» الجامعي.. ماذا يقدم للطلبة العمانيين والدوليين؟
  • لماذا تشتري «ميتا» البقرة إذا كان الحليب مجانًا!
  • شكراً ابننا وتلميذنا محمد علي جمال فقد وضعت وساما علي شخصي الضعيف
  • تبرئة مفتي سوريا السابق بعد التحقيق والشرع يتولى رعايته شخصيًا
  • كيف نتجاوز معضلة القلق عند الطلبة؟
  • ثوار الجبل وثوار السهل: عن أن اتحاد الطلبة كلية كسائر كليات الجامعة
  • الطلبة ينجحون بعبور الحدود بسهولة في دوري النجوم