إيران بين خيارات الرد على الهجوم الإسرائيلي ومخاطر التصعيد
تاريخ النشر: 28th, October 2024 GMT
لندن – تشهد منطقة الشرق الأوسط توترا متزايدا مع الهجوم الجوي الإسرائيلي الأخير على إيران، الذي وضع القيادة الإيرانية أمام خيارين مصيريين: إما الرد العسكري وإما التريث، مما سيحدد ما إذا كانت المنطقة ستنزلق إلى حرب شاملة أم ستبقى على مستوى العنف المدمر والمزعزع للاستقرار الحالي.
وبحسب سانام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز أبحاث تشاتام هاوس بلندن، فإن إيران قد تتجنب التصعيد العسكري بسبب القيود العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها، فضلا عن الغموض المحيط بالانتخابات الأميركية المقبلة وتأثيرها على السياسة الأميركية.
وقالت فاكيل إن القيادة الإيرانية قد تكون “محصورة” بهذه القيود، خاصة وأن مثل هذا الرد قد يكشف عن نقاط ضعف لديها.
وأكد الجيش الإيراني في بيان أهمية وقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، مما اعتبره البعض إشارة على نية طهران عدم التصعيد في الوقت الحالي. وكان المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي متحفظا في أول تصريح له بعد الهجوم، إذ أكد على ضرورة التوازن وعدم الاستعجال في اتخاذ أي إجراء.
واستهدفت الهجمات الإسرائيلية يوم السبت الماضي بطاريات الدفاع الجوي ومنشآت إنتاج الصواريخ الإيرانية، وفقا للجيش الإسرائيلي. وتشير صور الأقمار الصناعية -بحسب وكالة أسوشيتد برس- إلى أن الضربات تسببت في أضرار في قاعدة بارشين العسكرية جنوب شرق طهران، المعروفة بارتباطها ببرنامج إيران النووي سابقا، وفي قاعدة أخرى تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي أكد عبر منصة “إكس” أن المواقع النووية الإيرانية لا تزال سليمة.
وقال يوئيل جوزانسكي، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إن اختيار إسرائيل لأهدافها يعكس جزئيا قدراتها، إذ من غير المرجح أن تكون قادرة على تدمير المنشآت النووية الإيرانية بمفردها دون مساعدة الولايات المتحدة.
ورجح توماس جونو أستاذ الشؤون الإيرانية في جامعة أوتاوا أن إيران قد تتجنب التصعيد، وأن ردها سيكون محدودا. وأوضح أن الإعلام الإيراني قلل في البداية من شأن الهجمات، في إشارة إلى رغبة طهران في عدم الاندفاع نحو مزيد من التصعيد.
ووفقا لجونو، تواجه إيران معضلة صعبة، إما الرد الذي قد يزيد من خسائرها، وإما عدم الرد الذي سيظهرها بموقف ضعيف أمام شعبها وحلفائها.
كما توقع مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي فايز أن “أي محاولة إيرانية للرد ستضطرها للتعامل مع حقيقة أن حزب الله، حليفها الأهم ضد إسرائيل، قد تم إضعافه بشكل كبير، وأن أنظمة أسلحته التقليدية تم صدها إلى حد كبير مرتين”.
وأضاف فايز أن كلا الجانبين قام بقياس خطوات التصعيد بعناية، لكنهما الآن في منطقة جديدة تماما، حيث أصبحت الحدود المرسومة حديثا غير واضحة مع تلاشي الخطوط الحمراء السابقة إلى حد كبير.
وتتفق فاكيل على أن رد إيران سيكون محدودا، وأن الضربات الإسرائيلية كانت مصممة لتقليل احتمالات التصعيد، “لقد أظهرت إسرائيل مرة أخرى أن دقتها وقدراتها العسكرية تتفوق على قدرات إيران”.
ومنذ سبتمبر/أيلول الماضي شرعت إسرائيل في تصعيد نوعي ضد عناصر حركة الفصائل اللبنانية وبنيتها التحتية، بدءا من تفجيرات أجهزة البيجر والراديو، إلى اغتيال بعض قادة الخط الأول في الحركة، ثم اغتيال الأمين العام حسن نصر الله نفسه، مرورا باستهداف الضاحية الجنوبية بالقصف والتدمير، وأخيرا محاولات الاجتياح البري المستمرة حتى الآن.
المصدر : أسوشيتد برسالمصدر: صحيفة المرصد الليبية
إقرأ أيضاً:
إيران وإسرائيل.. عودة إلى مساحات الظل أم وقفة على شفا الحرب؟
طهران- نفذت إسرائيل، السبت الماضي، هجوما عسكريا على إيران واستهدفت عدة محافظات، تقول إيران إنها طهران وخوزستان (الأهواز) وإيلام، وتضيف تل أبيب إليها فارس وخراسان وأصفهان وكردستان. ويعد هذا الهجوم الأول من نوعه على إيران منذ انتهاء حربها مع العراق عام 1988، حيث قامت إسرائيل سابقا بعمليات أمنية وتخريبية واغتيالات.
وتحدث الإعلام الإيراني عن إحباط العملية وإفشالها، وكانت التوقعات تتجه نحو توقف دوامة الرد والرد المضاد بين الطرفين، وبالتالي توقف التصعيد بينهما منذ عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بيد أن الجيش الإيراني أعلن عن "استشهاد 4 من عناصره ومدني واحد"، فضلا عن الأضرار في المواقع العسكرية التي لا توجد حولها معلومات كثيرة مما زاد المشهد تعقيدا، ولم يعد الهجوم نظيفا، وتصاعد الحديث عن ملامح المرحلة المقبلة بين طهران وإسرائيل.
تكاليف باهظة
يرى أستاذ دراسات الشرق الأوسط علي أكبر داريني أن غاية إسرائيل من الهجوم على إيران هي استعادة مكانتها بعد عملية "الوعد الصادق 2" حيث لم تتمكن من الصمت وعدم الرد في إطار ردعها.
ويتابع -للجزيرة نت- أنه بطلب من واشنطن وبناء على ما هو موجود على أرض الواقع، لم تتمكن إسرائيل من الهجوم على المواقع النووية أو الحيوية، لأن ذلك يحمّلها تكاليف باهظة. ووفقا له، ليس لدى إسرائيل عمق إستراتيجي، حيث إن جغرافيتها صغيرة جدا وبالتالي هي "هشة جدا وهي تعلم ذلك جيدا".
وأظهر عبور صواريخ إيران من منظومات دفاعية متعددة الطبقات تابعة لتل أبيب والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن ومحاولات تصديهم لصواريخ طهران، برأيه، أنه في حال قررت إيران استهداف مواقع حيوية في إسرائيل بدلا من مواقع عسكرية "ستنهار إسرائيل".
ويردف أن ما يجري الآن بين الجانبين تخطى مرحلة الردع، وأصبحا على حافة الحرب وفي مرحلة الصراع، وتخطط إسرائيل إلى التصعيد بدعم أميركي، ولكونها تمتلك سلاحا نوويا ترى أنه على إيران أن تتراجع.
وحسب أستاذ دراسات الشرق الأوسط، فنظرا إلى هشاشة إسرائيل البالغة، فإنها لا تريد حربا شاملة مع إيران لكنها تريد حربا إقليمية من أجل جر أميركا إلى المنطقة وهي "أمنية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو"، لكن إذا قررت واشنطن عدم التدخل المباشر في حرب الشرق الأوسط فإسرائيل لا تريدها.
ويؤكد أن طهران سترد على إسرائيل، لأنها كسرت الخط الأحمر بشأن عدم الهجوم عليها بل أسالت دماء، لكن موعد وكيفية الرد يتعلقان بتقييم وحسابات عسكرية لقادة إيران العسكريين والإستراتيجيين. وأوضح أنها لن تتسرع وإنما سترد سواء عسكريا أو أمنيا أو بطريقة أخرى.
ويرى داريني أن دعم واشنطن الشامل لإسرائيل عسكريا أو اقتصاديا يمنحها المجال للتصعيد، في حين تدعي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أنها لا تريد حربا إقليمية في المنطقة. كما يعتقد أنه إذا قررت إيران عدم القيام برد عسكري، فإن الطريق الوحيد إلى ذلك هو الهدنة الدائمة في غزة ولبنان.
ضغطمن جانبه، يرى أستاذ السياسة المتخصص بالقضايا الإسرائيلية منصور براتي أن الإسرائيليين كانوا تحت ضغط من عدة جوانب قبل تنفيذ عمليتهم الأخيرة التي أطلقوا عليها اسم "أيام القصاص"، حيث أظهرت عملية "الوعد الصادق 2" أن طهران ستواصل التقدم في مسار المواجهة، وبعد هجومين صاروخيين، من المحتمل أن تكرر إيران هذا النوع من العمليات في المستقبل.
وهكذا، يبدو أن إسرائيل حددت هدفين رئيسيين في عمليتها ضد إيران، وهما إلحاق الضرر بمنظومات الدفاع الجوي وإيقاع خسائر بشرية، كما يقول للجزيرة نت.
ويضيف براتي أن إسرائيل تسعى إلى استعادة قوة الردع في مواجهة طهران، ويمكن اعتبار تقليل القوة العسكرية لإيران وقطع نفوذها الإقليمي وإضعاف تحالفاتها مع أجزاء من محور المقاومة، من بين أهداف هذا الهجوم.
وبخصوص المرحلة الجديدة، يعتقد أستاذ السياسة أن المواجهة بين إيران وإسرائيل حاليا تشمل عدة أبعاد هي:
المواجهة المباشرة. تداعيات الحرب في لبنان وغزة. المفاوضات بين إيران والقوى الغربية. هيكل الأمن المستقبلي لمنطقة الشرق الأوسط ومكانة إيران ومحور المقاومة فيه.وبرأيه، تُلاحظ -حاليا- حركة في 3 من الأبعاد الأربعة على الأقل في مجال المواجهة المباشرة إلى جانب الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، ومن المتوقع أن تتصاعد هجمات حزب الله ضد إسرائيل، مع تكثيف إيران دعم الحزب في نزاعه مع الاحتلال.
ومع ذلك، يبدو أن تطورات الجبهات هي البعد الأهم حاليا، حيث إن المواجهة المباشرة بينهما لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، ويمكن أن يؤدي وقف أو تصعيد الحرب في لبنان إلى الركود أو التصعيد نحو حرب شاملة، وفق المحلل براتي.
وإذا توقفت الآلة العسكرية الإسرائيلية في الوضع الحالي، وحلت المفاوضات والمبادرات السياسية محل الخيار العسكري حتى وإن كان بثمن انسحاب حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، فإن العامل الرئيسي الذي قد يؤدي إلى استمرار وتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل سيختفي، مما يسمح بتجميد المواجهة المباشرة مؤقتا، لكن لا توجد حاليا مؤشرات جادة على وجود أو تأثير مثل هذه المبادرات، حسب رأيه.
قضية دوليةويردف المحلل براتي أنه في مجال المفاوضات بين طهران والقوى الغربية لا يوجد حاليا تطور مهم، فالتصعيد بين إيران وإسرائيل ونقل المعركة إلى لبنان أدى إلى تراجع أهميتها بعد "المناورات السياسية" الأولية للحكومة الإيرانية الجديدة بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان.
وختم أنه لا يمكن الحديث -بشكل جاد حتى الآن- عن إعادة تشكيل هيكل الأمن في الشرق الأوسط، فإذا استمر تراجع قوة محور المقاومة، "فقد نشهد في مرحلة ما بعد الحرب ترتيبات جديدة في المنطقة، ربما تتضمن تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب".
بدوره، يرى أستاذ السياسة برهام بور رمضان أن قضية إيران وإسرائيل لم تعد إقليمية، بل أصبحت دولية، حيث هناك دول "دخيلة" فيها مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين.
ويوضح للجزيرة نت أنه عندما تغيرت الحكومة في إيران تقرر أن تكون هناك تغييرات في الخطابات وتقليل من حدة التصعيد، وأن تكون هناك مفاوضات مع الغرب في الملف النووي، وقال إن إسرائيل تحاول عرقلة ذلك، حيث إن الاتفاق النووي يضر مصالحها في المنطقة وبالمقابل تحاول أن تحصل على دعم من خلال التطبيع.
وفي هذه المرحلة، يضيف بور رمضان أن إسرائيل تحاول أن تضعف إيران وحلفاءها بالمنطقة، وبدورها أوصلت طهران -من خلال عمليتيها العسكريتين- رسالة إلى تل أبيب مفادها "أنك ربما تتمكنين من إضعاف محور المقاومة إلى حد ما ولكن لا تستطيعين إضعافي".
كما يعتقد أن مرحلة الرد والرد المضاد انتهت، حيث إن إيران أثبتت ردعها وبينت عقيدتها الأمنية الدفاعية، وأن استخدام الإستراتيجية العسكرية أكثر من هذا الحد غير مجدٍ، خاصة وأن طهران دائما في حالة دفاع ولا تبدأ بالحرب. ويرى أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين تظهر أن المرحلة الجديدة عبارة عن حرب باردة بين إيران وإسرائيل وعودة قواعد الاشتباك إلى مساحات الظل.