الذباب الإلكتروني والإخوان| استراتيجية جديدة لتقويض الاستقرار في مصر
تاريخ النشر: 28th, October 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في العصر الرقمي الذى نعيشه، أصبح الذباب الإلكتروني إحدى أخطر الأدوات التي تُستخدم للتلاعب بالرأى العام وتوجيه العقول. وبينما بدأت شبكات التواصل الاجتماعي كمنصات للتواصل الحر وتبادل الأفكار، وجدت بعض الجماعات، مثل جماعة الإخوان المسلمين، في هذه المنصات فرصة ذهبية لتعزيز أجندتها عبر ما يُعرف بـ"مزارع الذباب الإلكتروني".
تعتمد هذه الشبكات على حسابات وهمية تعمل بتناغم لنشر الشائعات والأخبار المضللة، وزرع الشكوك حول قرارات الدولة المصرية، وتشويه سمعة الشخصيات العامة، ما يُحدث تأثيرًا واضحًا على ثقة الشعب في المؤسسات ويزيد من الفُرقة داخل المجتمع.
ورغم تأثيراتها المدمرة، بدأت الدولة المصرية بالتصدي لهذا الخطر عبر استراتيجيات توعية وتعزيز للإعلام الرسمي، بجانب إجراءات قانونية وتقنية تهدف للحد من انتشار هذه الحسابات الوهمية، ليبقى السؤال: هل تنجح هذه الجهود في مواجهة هذا التهديد الصامت؟
مزارع الذباب الالكتروني
"مزارع الذباب الإلكتروني" هو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى مجموعات أو شبكات منظمة تعمل على نشر المعلومات المضللة والدعاية السياسية أو الاجتماعية على الإنترنت، وغالبًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
يُطلق عليها اسم "الذباب الإلكتروني" لأن هذه الحسابات المزيفة تعمل بشكل يشبه أسراب الذباب التي تهاجم بشكل مكثف لإيصال رسائل معينة أو نشر معلومات مضللة، سواء لدعم قضايا معينة أو لمهاجمة جهات وأشخاص بعينهم.
خصائص مزارع الذباب الإلكتروني
تتكون هذه الشبكات من عدد كبير من الحسابات المزيفة، يتم إدارتها من قبل أفراد أو جهات معينة.
تَعمَل هذه الحسابات بتناغم لنشر نفس الرسائل والمحتوى، بحيث يظهر وكأنه صادر من عدد كبير من الأشخاص. تُستخدم هذه الشبكات لشن هجمات على شخصيات عامة، أو لخلق رأى عام معين. تتعمد نشر أخبار كاذبة أو مضللة لخدمة أجندة معينة. تهدف إلى توجيه أو تضليل الرأي العام عن طريق المبالغة أو الترويج لأخبار محددة.
كيفية عملها
تستخدم هذه المزارع تقنيات مثل الروبوتات (البوتات) أو الأدوات البرمجية التي تسهم في التحكم بعدد كبير من الحسابات المزيفة، مما يجعل عملية نشر الرسائل تتم بشكل سريع وعلى نطاق واسع. ويُشرف على هذه الأنشطة أشخاص ذوو مهارات فى تقنيات المعلومات، ويمكنهم استخدام برامج متطورة لضمان عدم اكتشافها.
أهداف مزارع الذباب الإلكتروني
التأثير على نتائج الانتخابات أو لتشكيل صورة معينة عن سياسيين.
الترويج التجاري لمنتجات أو مهاجمة منتجات منافسة.
التحكم في السرد الإعلامي للسيطرة على التوجهات العامة حول أحداث معينة أو موضوعات حساسة.
ولهذا فمن المهم توعية المستخدمين حول كيفية التعامل مع مثل هذه الشبكات وتطوير القدرة على تمييز المعلومات الحقيقية من المضللة.
شباب الإخوان الإلكتروني
جماعة الإخوان المسلمين، كغيرها من الجماعات التي تسعى للتأثير على الرأي العام، تلجأ إلى استخدام مزارع الذباب الإلكتروني كأداة فعالة لنشر رسائلها وتوجيه الرأي العام، خاصة في بيئة مثل الإنترنت حيث يمكن إيصال الرسائل بسرعة وعلى نطاق واسع.
وتركز الجماعة على الاستفادة من هذه التقنيات في توجيه الرأي العام المصري من خلال عدة استراتيجيات:
١) نشر الإشاعات والمعلومات المضللة:
تستخدم الجماعة حسابات وهمية لنشر الأخبار المضللة والإشاعات حول الحكومة المصرية والسياسات العامة، بهدف زرع الشكوك والتشكيك فى جهود الدولة.
تعتمد أحيانًا على تضخيم أحداث معينة، مثل الأخطاء الحكومية أو الأزمات الاقتصادية، لتبدو الأمور أكثر سوءًا مما هى عليه فى الواقع، مما يُؤثر على ثقة المواطنين بالحكومة.
٢) استهداف شخصيات عامة وإعلامية:
تتبع الجماعة سياسة الهجوم على الشخصيات الإعلامية أو السياسية التى تُنتقدها أو تناهض أجندتها، باستخدام حسابات كثيرة تتحد فى نشر رسائل موحدة لهدم مصداقية هذه الشخصيات.
يستغلون مزارع الذباب الإلكترونى لخلق انطباع بأن الرأى العام المصرى يتفق معهم فى انتقاد هذه الشخصيات.
٣) الترويج لأجندة الجماعة:
تُستغل هذه الشبكات لنشر الرسائل التى تدعم رؤية وأفكار الجماعة، وترويج أن حلولهم هى الأفضل لمشاكل البلد.
يتم استغلال مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لمبادرات أو شخصيات تابعة للجماعة، مع التركيز على تحسين صورتها كبديل سياسي.
٤) التلاعب فى الأحداث الجارية:
عند وقوع أحداث كبيرة أو أزمات (مثل التظاهرات أو القرارات الاقتصادية)، تعمل حسابات الذباب الإلكتروني على توجيه النقاشات العامة تجاه رؤية الجماعة، ومحاولة توجيه الناس للنظر إلى الأحداث من زاوية معينة تعزز من موقف الجماعة وتضعف الموقف الرسمي.
٥) التلاعب فى نتائج استطلاعات الرأي:
أحيانًا، يتم استخدام الذباب الإلكتروني للتلاعب فى استطلاعات الرأي على الإنترنت التي تتناول قضايا حساسة، وذلك عبر التصويت المكثف لتوجيه النتائج بحيث تعكس توجهات الجماعة.
٦) التواجد في المجتمعات الإلكترونية:
يعتمدون على خلق مجموعات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تجمع المهتمين بقضايا معينة، حيث يتم نشر رسائل داعمة لأفكارهم، ومع الوقت تتسرب هذه الرسائل بشكل غير مباشر إلى المتابعين.
أهداف هذه الاستراتيجيات
تسعى جماعة الإخوان المسلمين من خلال هذه الأنشطة إلى التأثير على استقرار النظام الحاكم في مصر، وتحفيز الرأي العام ضد سياسات الحكومة، مع الإيحاء بأن الجماعة هي الخيار الأمثل لمستقبل البلاد.
استخدام جماعة الإخوان لمزارع الذباب الإلكتروني له تأثيرات سلبية على الشعب والدولة المصرية، ويؤدى إلى تحديات متعددة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. وفى المقابل، تعتمد الدولة على عدة استراتيجيات لمواجهة هذا التهديد.
أثر هذا على الشعب والدولة المصرية:
١) زيادة الفُرقة والاستقطاب المجتمعي:
يُساهم نشر الإشاعات والمعلومات المضللة في تقسيم الشعب، حيث تتفاقم النزاعات بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها، مما يزيد من الاستقطاب داخل المجتمع ويضعف الوحدة الوطنية.
قد تنشأ حالة من عدم الثقة بين فئات الشعب، ما يُضعف النسيج الاجتماعي ويجعل المجتمع أكثر عُرضة للتأثيرات الخارجية.
٢) التأثير على الاستقرار السياسي والاقتصادي:
تنتشر الشائعات حول الوضع الاقتصادي والأمني في مصر بهدف زعزعة الثقة في الدولة، مما يُسبب قلقًا عامًّا ويُضعف الثقة بين الحكومة والشعب.
يؤدى هذا إلى تعطيل بعض مشاريع التنمية، وتأثير سلبى على استثمارات القطاع الخاص والسياحة، ما قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد.
٣) زرع الشك وعدم الثقة فى الإعلام الرسمي:
يُستخدم الذباب الإلكترونى لتشويه سمعة الإعلام الرسمى والرسائل الحكومية، مما يدفع بعض الأفراد للجوء إلى مصادر غير موثوقة بحثًا عن معلومات بديلة.
هذا يخلق بيئة إعلامية مضطربة ويجعل من الصعب على الشعب التمييز بين الأخبار الحقيقية والمضللة.
٤) التشكيك في جهود الدولة ومشاريعها:
تعمل الجماعة على نشر أفكار تقلل من قيمة مشاريع التنمية الوطنية، ما قد يُثنى المواطنين عن دعمها ويُضعف الروح الوطنية اللازمة للنجاح في هذه المشاريع.
كيفية مواجهة الدولة والمجتمع لمزارع الذباب الإلكتروني؟:
١) التوعية الإعلامية:
يجب على الدولة تعزيز حملات التوعية لتوضيح خطورة الذباب الإلكترونى وكيفية عمله، وتثقيف المواطنين حول كيفية التمييز بين المعلومات الحقيقية والمضللة.
يتم تشجيع الأفراد على الاعتماد على المصادر الرسمية للمعلومات وعدم الانسياق وراء الأخبار التي لا مصدر لها أو غير موثوقة.
٢) تعزيز دور الإعلام الرسمي والمستقل:
تعزيز الإعلام الوطني ليصبح أكثر شفافية ومصداقية في نقل الأخبار، مما يجعل من الصعب على الشائعات التأثير فى الرأي العام.
تشجيع الصحافة المستقلة والمحايدة التي تُساهم في خلق بيئة إعلامية متوازنة.
٣) التشريعات والقوانين:
تطوير قوانين تجرّم نشر الأخبار الكاذبة وإدارة حسابات وهمية، مع فرض عقوبات صارمة على من يثبت تورطهم فى نشر الشائعات.
التعاون مع شركات التواصل الاجتماعى لتحديد وإغلاق الحسابات المزيفة التى تُمارس هذه الأنشطة.
٤) تطوير قدرات تقنية للمراقبة والرد:
تستثمر الدولة فى تطوير تقنيات لرصد الذباب الإلكتروني وتحليل نشاطه فى الوقت الحقيقي، والتعرف على الحسابات الوهمية وإيقافها.
بناء فريق متخصص للرد بشكل سريع على الشائعات وتوضيح الحقائق فور انتشار أي أخبار كاذبة.
٥) تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأفراد:
من المهم أن يتعلم المواطنون كيفية تحليل الأخبار بشكل نقدى وتجنب الوقوع فى فخاخ التضليل. يمكن تحقيق ذلك عبر إدخال مواد تعليمية في المدارس والجامعات تهدف إلى تعزيز التفكير النقدي والوعى المعلوماتي.
٦) التعاون الدولي:
يمكن للدولة التعاون مع دول أخرى لمكافحة ظاهرة الذباب الإلكتروني، خاصة مع تزايد تهديد الشبكات العالمية التى تسعى للتأثير على السياسات المحلية.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: جماعة الإخوان الذباب الالكتروني التواصل الاجتماعی الحسابات المزیفة الدولة المصریة الرأی العام هذه الشبکات التى ت التی ت
إقرأ أيضاً:
البيان الأخير لجماعة الإخوان.. بين المقاومة الأيديولوجية والتوظيف السياسي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
جاء البيان الصادر عن ما يُعرف بـ"المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين – تيار التغيير" في القاهرة، تعليقًا على قرار السلطات الأردنية حظر نشاط الجماعة، ليكشف مرة أخرى عن السمة الأبرز في خطاب الإخوان السياسي: تلك المفارقة الصارخة بين الشعارات المرفوعة والمواقف الفعلية. ففي الوقت الذي يُقدَّم فيه البيان بوصفه دفاعًا عن "المقاومة" و"قضايا الأمة"، يتبيّن عند التمحيص أنه خطاب محض تنظيمي، يستخدم لغة المواجهة والتعبئة للتغطية على أزمات داخلية وفقدان للشرعية، لا سيما بعد تراجع نفوذ الجماعة في معظم العواصم العربية، وافتقادها للعمق الشعبي والسياسي الذي طالما تباهت به.
الأهم من ذلك أن البيان يعيد إنتاج ازدواجية اللغة التي باتت ملازمة للخطاب الإخواني في العقد الأخير: لغة تدّعي التحدث باسم الشعوب وتضع التنظيم في موقع "قائد الأمة"، بينما تُمارس في الوقت ذاته نوعًا من الابتزاز الرمزي لقضايا كبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. إذ لا يتردد "تيار التغيير" في تصوير قرار سياسي سيادي كحظر جماعة غير مرخصة، على أنه تآمر ضد المقاومة، بل يذهب بعيدًا في خلط الأوراق، محاولًا تلبيس المشروع التنظيمي عباءة "الممانعة"، رغم أن هذه الجماعة – تاريخيًا – لم تكن يومًا على قلب واحد مع المشروع الوطني الفلسطيني، وإنما على وفاق دائم مع مصلحة التنظيم، أيًا كان الثمن.
الشعب لا الجماعة: خلط المقاماتيسعى البيان من السطور الأولى، إلى ربط قرار السلطات الأردنية بحظر جماعة الإخوان بتصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وكأن الدولة الأردنية تتحرك بتنسيق مباشر مع "المشروع الصهيوني" لضرب "المقاومة". هذا الربط ليس جديدًا في خطاب الإخوان، بل يعكس استراتيجية خطابية مألوفة لديهم تقوم على توظيف القضايا العادلة – وعلى رأسها فلسطين – كستار لتمرير أجندات تنظيمية داخلية، ودرع رمزية لحماية وجود الجماعة من أي محاسبة قانونية أو سياسية على أراضي الدول التي تحتضنهم أو كانت تفعل.
الخلط المتعمَّد بين الجماعة والشعب، وبين القرار الإداري والمواجهة الوجودية، هو جوهر هذا البيان، الذي يسعى إلى إيهام المتلقي بأن أي إجراء قانوني ضد جماعة الإخوان – في أي بلد – لا يمكن تفسيره إلا بوصفه امتدادًا لخطة دولية لضرب "قوى الأمة الحية"، وفقًا لتعبير البيان. وبهذا التعميم، تُختزل الأمة كلها في تنظيم سياسي واحد، وتُصبح الجماعة بقدرة لغوية خطابية هي "المقاومة"، بل تصبح صوت الشعوب وضميرها، وكأنها الكيان الوحيد المخوّل بالحديث باسم القضايا الكبرى.
لكن هذه المقاربة تتجاهل عمدًا السياق السياسي والتاريخي الذي يحيط بعلاقة الدولة الأردنية بجماعة الإخوان. فالأردن، على عكس ما يصوّره البيان، كان من أوائل الدول التي شرعنت وجود الإخوان ومنحتهم مساحة واسعة من العمل الدعوي والسياسي لعقود طويلة، بل إن الجماعة كانت شريكًا فعليًا في منظومة الحكم لسنوات، وحازت على تمثيل نيابي وبلدي واسع. العلاقة لم تكن يومًا علاقة قمع أحادي، بل علاقة تواطؤ مرحلي وتنسيق عميق، تعرّض لاحقًا لاختلالات حادة نتيجة تحوّل الجماعة إلى لاعب إقليمي يتجاوز الساحة الأردنية، وتحولها في نظر الدولة إلى تهديد للأمن الوطني، خاصة في ظل استغلالها للقضية الفلسطينية كرافعة للتحشيد السياسي.
من هنا، فإن تصوير حظر الجماعة وكأنه استهداف مباشر لفلسطين أو للمقاومة، لا يعدو كونه محاولة لتأميم الشعور القومي وتجييره لصالح مشروع تنظيمي خاص. بل إن هذا الخطاب – في جوهره – يُفرغ التضامن الحقيقي مع فلسطين من مضمونه، حين يُراد له أن يُختزل في الولاء لتنظيم بعينه، وكأن دعم القضية لا يكون إلا عبر الإخوان. وهذا تزييف خطير للوعي السياسي الجمعي، لا يقل ضررًا عن التواطؤ مع الاحتلال، لأنه يستبدل فلسطين الحقيقية بفلسطين الرمزية التي تستخدم في معارك الجماعة مع خصومها، لا أكثر.
شيطنة الدولة وتبرئة الجماعةيتبنى البيان خطابًا يقوم على سردية مؤامراتية مغلقة، ترفض الاعتراف بأي مسؤولية ذاتية للجماعة في ما آلت إليه الأمور، وتُسقِط اللوم كاملًا على الدولة الأردنية، بل وعلى "منظومة الأنظمة القمعية" كما يسميها. إذ يصف البيان القرار الأردني بأنه "خيانة للقضية" و"تفكيك لخنادق المقاومة"، وهي تهم سياسية كبرى تُطلق بلا سند واقعي أو تحليل موضوعي، وتغلب عليها اللغة التعبوية الانفعالية، التي تهدف في جوهرها إلى شيطنة الدولة الأردنية وتبرئة الجماعة من أي مساءلة أو نقد.
هذه السردية لا تأخذ في الحسبان السياق الداخلي في الأردن، ولا مواقف الجماعة الأخيرة التي أثارت حفيظة الدولة والمجتمع معًا، لا سيما بعد الربيع العربي وتحوّلات المنطقة. فالخطاب الإخواني بات يُقرأ – سياسيًا وأمنيًا – كخطاب متقاطع مع أجندات خارجية، ويتقاطع أحيانًا مع مشاريع الفوضى لا مشاريع الإصلاح، ما دفع العديد من الدول، ومنها الأردن، إلى إعادة النظر في تموضع الجماعة وشرعيتها السياسية. تجاهل هذه التحوّلات والرد عليها بمنطق المؤامرة لا يُنتج فهمًا، بل يعمّق القطيعة بين الجماعة والواقع.
الأدهى أن البيان يُقدّم الجماعة وكأنها حارسة للمقاومة وممثلة عن فلسطين، من دون أن يراجع سجلها العملي في هذا الشأن. فالجماعة – عبر تاريخها وفروعها المختلفة – لم تطرح يومًا مشروعًا وطنيًا شاملًا لتحرير الأرض أو لمواجهة الاحتلال، بل اكتفت بتقديم نفسها كبديل للنظام السياسي القائم، لا كشريك في مشروع تحرري أو تنموي جامع. وبهذا، كان هدفها الأول هو السلطة، لا التحرير، والشرعية التنظيمية، لا الشرعية الشعبية.
وحين دعمت الجماعة فصائل المقاومة الفلسطينية – كحركة حماس – فإن هذا الدعم لم يكن خارج الحسابات التنظيمية المغلقة، بل كان مشروطًا وموجّهًا لخدمة صورة الجماعة ومكاسبها السياسية في العالم العربي والإسلامي. لم يكن دعمًا نابعًا من موقع جماهيري عام، أو من موقع المسؤولية الوطنية، بل من موقع المنافسة على تمثيل القضية والاستحواذ على رمزية المقاومة. وهذا يفسر الانزعاج الإخواني من أي فاعل عربي أو إسلامي يشارك في دعم فلسطين من خارج مظلتهم، لأنهم يرون في المقاومة وسيلة لتعزيز حضورهم، لا قضية جامعة لكل أبناء الأمة.
المقاومة كغطاء أيديولوجييُلاحظ في البيان الإفراط المقصود في استخدام مفردة "المقاومة"، حيث تتكرر بشكل شعاراتي أشبه بالتعويذة السياسية، من دون أي تحديد دقيق لماهية هذه المقاومة أو طبيعة مشروعها وأدواتها. فالمقاومة، بحسب الخطاب الإخواني الوارد في البيان، لا تُفهم بوصفها فعلًا تحرريًا واسع الأفق ومتعدد المستويات، بل تُقدَّم كمجرد غطاء أيديولوجي لتبرير وجود الجماعة ومراكمة الشرعية السياسية لها، حتى في وجه قرارات قانونية سيادية تتعلق بتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، لا يبدو أن البيان حريص فعليًا على نصرة الفلسطينيين أو دعمهم، بقدر ما يُستخدم "خط الدفاع عن المقاومة" كأداة لغسل السمعة السياسية للجماعة في الداخل الأردني والمصري، والتغطية على فشلها في بناء مشروع وطني حقيقي. فالدفاع عن فلسطين لا يكون بشيطنة الدولة الأردنية أو بإثارة الغضب الشعبي من داخل المجتمعات العربية، بل بالعمل على تعزيز التماسك الداخلي وتوفير بيئة مستقرة تُشكّل سندًا فعليًا لأي جهد تحرري.
بل إن أخطر ما في هذا الخطاب هو اختزال "المقاومة" في شخص الجماعة وهيكلها التنظيمي، بحيث تُصبح كل مقاومة لا تمر عبر بوابات الإخوان إما غير شرعية أو مشكوكًا في صدقيتها. هذا الاحتكار المفاهيمي يُفرغ القضية الفلسطينية من بعدها الجامع، ويحوّلها إلى ملف تتاجر به الجماعة في وجه خصومها، بدل أن يكون ميدانًا مفتوحًا أمام كل من يملك الإرادة والموقف لدعمه، سواء كان إسلاميًا أو قوميًّا أو وطنيًا أو حتى مستقلًا.
إلى ذلك، فإن توظيف المقاومة بهذا الشكل لا يخلو من ارتباطات مشبوهة بحسابات إقليمية عابرة للحدود، تستثمر في الفوضى والانقسام وتغذّي الصراعات الداخلية في الدول العربية تحت راية "نصرة فلسطين". وهي علاقات سبق أن ثبت توظيفها لخدمة تحالفات معقدة مع قوى إقليمية تستخدم الجماعة كورقة ضغط أو ذراع نفوذ، لا كفاعل مبدئي في معادلة التحرير. وهنا تصبح المقاومة مجرد بند في لعبة توازنات أكبر، لا قيمة جوهرية له إلا بمقدار ما يخدم أجندات سياسية خارجية، لا القضية ذاتها.
الدعوة إلى المواجهة: لغة خطيرةأخطر ما تضمنه البيان الصادر عن "المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين – تيار التغيير" هو اللغة التحريضية الصريحة التي تعتمد مفردات المواجهة والتصعيد، وتُصور القرار الأردني السيادي باعتباره نقطة فاصلة تستوجب "الحسم"، وليس مجرد إجراء قانوني ضمن منظومة دولة. هذا التصعيد اللفظي لا يعبّر عن موقف سياسي متزن أو احتجاج مشروع، بل يكشف عن ذهنية تنظيمية لا ترى في الدولة الوطنية شريكًا أو إطارًا ناظمًا للعمل العام، بل خصمًا يجب التمرد عليه وتحديه، بل والانقلاب عليه إن لزم الأمر.
البيان لا يكتفي بإعلان الرفض، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يطالب بـ"مواجهة الأنظمة" باعتبارها "ضرورة استراتيجية"، وهو تعبير يتجاوز بكثير حدود العمل السياسي السلمي أو الدعوة إلى الإصلاح. إن الدعوة إلى المواجهة بهذه الصيغة تفتح الباب أمام استنساخ تجارب الفوضى والانقسام والعنف التي شهدناها في بلدان عربية عدة، حين تماهت الشعارات الكبرى مع أجندات تنظيمية مغلقة، وارتفعت راية "المقاومة" في الداخل، بينما كانت النتيجة تدمير المجتمعات من الداخل.
ثمّة خطورة أكبر في نبرة التحريض المباشر التي يتوجه بها البيان إلى "شباب الحركات الإسلامية" في الأردن، واصفًا إياهم بـ"سلاح الأمة"، وهي عبارة ذات دلالات تعبويّة تتقاطع مع خطاب الجماعات الراديكالية التي لطالما وظّفت الشباب في معارك خاسرة، تحت عناوين فضفاضة مثل "تحرير الأقصى" أو "مواجهة الاستبداد". مثل هذه اللغة تضع الشباب في مواجهة مفتوحة مع مؤسسات الدولة، وتحوّلهم إلى وقود محتمل لصراعات لا تخدم لا فلسطين، ولا المجتمعات التي ينتمون إليها.
والواقع أن هذا النمط من الخطاب، الذي يخلط بين المقاومة والتحريض، وبين الأمة والدولة، وبين القانون والمؤامرة، يعكس أزمة عميقة في العقل السياسي الإخواني الذي لم ينجح في مغادرة منطق الجماعة المغلقة نحو أفق العمل الوطني المشترك. بل هو خطاب يعيد إنتاج مناخات ما بعد 2011، حين تحوّل الغضب إلى رافعة للدمار، واستُبدلت الشعارات الإصلاحية بالدعوات إلى "الحسم"، فانتهى الأمر إلى تقويض الأوطان باسم الدفاع عنها.
استثمار لحظة غزة: ما بعد الطوفان؟يستخدم البيان الصادر عن "المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين – تيار التغيير" ما يُسمّى بـ"طوفان الأقصى" كذريعة للربط بين الأحداث الراهنة في فلسطين وبين الحراك السياسي للجماعة في الدول العربية. وهذا الربط يبدو في جوهره محاولة لاستثمار اللحظة العاطفية العميقة التي يعيشها الشارع العربي جراء التصعيد الصهيوني في غزة، بهدف إعادة تلميع صورة الجماعة وتحسين موقعها في المشهد السياسي العربي. إذ يسعى البيان إلى استثمار مشاعر التضامن مع القضية الفلسطينية ليس فقط في سياق الدعم الشعبي لفلسطين، بل أيضًا في سياق تحشيد الأنصار في الداخل العربي، وهو ما يُظهر نوعًا من الاستغلال السياسي لهذه اللحظة العاطفية بدلًا من أن يكون مبدئيًا وواقعيًا.
لكن هذا الربط بين الأحداث الجارية و"حراك الجماعة" على المستوى الداخلي يطرح سؤالًا جوهريًا عن مواقف الفصائل المقاومة في فلسطين نفسها. فالفصائل التي تقاتل على الأرض، سواء كانت حماس أو غيرها من الحركات، لم تُفوّض الإخوان ولا غيرهم للحديث باسمها أو فرض أجندات سياسية تنظيمية. في الواقع، على الرغم من تاريخ طويل للجماعة في دعم المقاومة الفلسطينية، فإن الجماهير العربية تدرك أن الواقع لا يجب أن يتحول إلى فرصة لتنفيذ أجندة إخوانية ضيقة. بدلًا من أن يكون هناك تكامل في الجهود، يتم استثمار القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب سياسية تخص الجماعة، وهو ما يمكن أن يساهم في إضعاف المسار الوطني العام.
الأكثر أهمية هنا هو أن الجمهور العربي، خاصة في لحظات التحول الوطني الكبرى، يعي تمامًا أن "ما بعد الطوفان" لا يجب أن يكون مشروعًا إخوانيًا مغلّفًا بخطاب ديني ثوري، كما يُحاول البيان تقديمه. إن هذه اللحظة تتطلب مشروعًا وطنيًا تحرريًا جامعًا، لا تقتصر فيه الأولوية على الأجندات التنظيمية أو السياسية الضيقة، بل على توحيد الجهود الوطنية والدولية لدعم القضية الفلسطينية، والارتقاء بالخطاب العربي إلى مستوى التحديات الحقيقية التي يواجهها، دون تلاعب بالشعارات لمصالح ضيقة.
وفي هذا السياق، يبرز الخطاب الإخواني الموجه من خلال البيان كخطاب استثماري أكثر منه نابعًا من رؤية استراتيجية واضحة. إذ يُحاول القائمون على البيان تصوير "طوفان الأقصى" كمرحلة تحوّل تتطلب دعمًا لأجندتهم التنظيمية، في الوقت الذي تُظهر فيه المعادلات السياسية والجماهيرية في العالم العربي ضرورة إعادة بناء الخطاب الوطني حول القضية الفلسطينية بعيدًا عن الاستغلال الأيديولوجي.
خاتمة:
البيان الصادر عن "تيار التغيير" في جماعة الإخوان المسلمين لا يقدم جديدًا على صعيد الفكر أو الاستراتيجية، بل يعكس استمرار الجماعة في محاولة تبرير أزمتها البنيوية عبر أسلوب التلبيس الأيديولوجي. بدلًا من أن يكون هناك تقييم نقدي أو مراجعة داخلية، يُستمر استخدام الخطاب الشعبوي المرتبط بالقضية الفلسطينية كوسيلة للتغطية على العجز التنظيمي والسياسي الذي تعيشه الجماعة منذ سنوات. فالبيان يعكس، في النهاية، رغبة في العودة إلى مربعات الماضي، بعيدًا عن ضرورة تجديد الخطاب وتطوير الآليات السياسية التي تواكب التحولات الحالية.
ما تحتاجه الأمة في الوقت الراهن ليس تنظيرات جديدة متكئة على لغة قديمة تقتصر على الصراع الأيديولوجي، بل حاجة ماسة إلى مقاومة واعية ومدروسة، قادرة على التفريق بين مفاهيم أساسية يجب أن تُفصل بوضوح. أولًا، التفريق بين "الدولة" و"النظام"؛ فالأمة العربية بحاجة إلى خطاب يميز بين مؤسسات الدولة الوطنية التي ينبغي الدفاع عنها من جهة، وبين الأنظمة التي قد تكون مشوهة أو مستبدة من جهة أخرى. يجب أن تُفهم المقاومة على أنها مشروع يهدف إلى الإصلاح والبناء، وليس مجرد التصعيد ضد الأنظمة الحالية دون اعتبار للمآلات أو العواقب.
ثانيًا، لا بد من التفريق بين "التنظيم" و"الحركة الشعبية". ففيما يسعى التنظيم إلى استغلال قضايا كبرى لصالح أجندته الخاصة، تبقى الحركة الشعبية هي الأداة الفعالة لتحقيق التغيير الشامل والمستدام. الجماعات يجب أن تدرك أن التحولات التي تمر بها المنطقة تتطلب مشاركة شعبية واسعة ومستدامة، لا تقتصر على الجهود التنظيمية الضيقة التي لا تستطيع أن تمثل الأمة ككل أو تواكب متطلبات المرحلة.
أخيرًا، يجب أن يُفصل بين "تحرير الأرض" و"قفز الجماعات على دماء الشعوب". إن ما يحدث في فلسطين، كما في بقية الأقطار العربية، ليس مجرد معركة تحرير أرض، بل هو صراع طويل من أجل كرامة الشعوب وحريتها. وفي هذا السياق، يجب أن تكون المقاومة شاملة وعادلة، دون أن تستغلها الجماعات لتحقيق مصالحها السياسية. لن تكون الفوضى أو العنف الطريق إلى التحرير، بل التوحد الوطني والاستراتيجية الواضحة التي تُفرّق بين التحرير الحقيقي وبين محاولات احتكار النضال باسم الشعب.