المقال الأسبوعي في صحيفة الشرق الاوسط
فيصل محمد صالح
دخلت الحرب في السودان مرحلة جديدة من العنف والقتل على الهوية، وانتقلت لمرحلة الاستنفار القبلي والاستنفار المضاد، وتحقق ما كان يتخوف منه معارضو الحرب منذ البداية، أن تتحول حرباً أهلية شاملة بين المجموعات القبلية والإثنية المختلفة، تتخفى وراءها المطامع السياسية والسلطوية لبعض المجموعات السياسية.
فقد شهدت منطقة سهل البطانة، شرق الجزيرة، عمليات قتل وتهجير ونهب وسلب طالت معظم القرى والمدن الصغيرة في هذه المنطقة، بعد انشقاق ابن المنطقة أبو عاقلة كيكل من «قوات الدعم السريع» وإعلان انضمامه إلى الجيش. ويبدو أن كل الأطراف المتورطة في الصراع لم تحسب خطواتها جيداً، ولم تستعد لهذه الخطوة، فقط أعلن جانب الجيش انشقاق «كيكل» عن «قوات الدعم السريع» وسط هياج إعلامي كبير، ثم اتضح أن الرجل الذي كان قائداً للمنطقة قد جاء بثلاث سيارات ومجموعة من حراسه، وترك باقي المنطقة لانتقام «قوات الدعم السريع».
ما أن تم الإعلان عن ذلك ودخول قوات الجيش لمدينة «تمبول» أكبر مدن المنطقة، حتى هاجمتها «قوات الدعم السريع» وطردت قوات الجيش، ثم نكّلت بالمواطنين المدنيين الذين احتفلوا بما ظنوه انتصاراً للجيش، في حين ظل الطيران الحكومي يقصف المواطنين بلا هدف وقتل العشرات منهم، بينما تكفلت «قوات الدعم السريع» بقتل وإصابة المئات وتهجيرهم من مناطقهم.
شنَّت «قوات الدعم السريع» حملة انتقام وترويع ضد كل سكان المنطقة وقراها المتعددة رداً على انشقاق وهروب «كيكل»، وصار كل المنتمين إلى قبائل المنطقة، خصوصاً قبيلة «الشكرية» هدفاً لهجماتها التتارية، وانتظم أبناء المنطقة في استنفار قبلي مضاد للدفاع عن أهاليهم، وبدا أن الجيش يفضّل دعم هذا الحشد القبلي ومساندته بخطابات التعبئة والتهييج بدلاً من دخوله في مواجهات مباشرة مع «الدعم السريع»، وتوفير قوته لجبهة سنار والنيل الأزرق التي حقق فيها نجاحات في مدن الدندر والسوكي التي استلمها من «قوات الدعم السريع».
أسئلة كثيرة تدور في الأذهان: لماذا لم يتحسب الجيش لنتائج انشقاق «كيكل» وانعكاسات ذلك على سكان المنطقة، ولم يضع أي خطة أو تصورات لردود فعل «قوات الدعم السريع» على ذلك...؟ لماذا جاء انشقاق «كيكل» وكأنه مجرد زوبعة إعلامية لم يتغير بعدها الميزان العسكري في منطقة البطانة، في حين كان الناس يتخيلون أن «كيكل» سينشق بكل قوات منطقة الجزيرة، شرقها وغربها... باعتبار أنه كان القائد العسكري لكل المنطقة؟ هل كان العائد من انشقاق «كيكل» يساوي الثمن الفادح الذي دفعه سكان منطقة شرق الجزيرة...؟
في المقابل، هناك أسئلة أخرى تدور حول تصرفات «الدعم السريع»، فإن كان انشقاق «كيكل» محدوداً ولم يغير الميزان العسكري، فلماذا قررت «قوات الدعم السريع» أن كل سكان المنطقة وقبائلها مسؤولة عن انشقاق «كيكل»...؟ ولماذا شنّت هذه الحملة الترويعية عليهم فلم تفرّق بين رجل أو امرأة أو طفل، ولماذا تعمَّدت تهجيرهم من قراهم ومطاردتهم...؟
كلها أسئلة تبعث على الحيرة وتبحث عن إجابات، لكن ما يجمع بينها هو أن الطرفين لم يضعا حياة إنسان المنطقة في حساباتهما، فالجيش لم يدافع عن سكان المنطقة وتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم، و«قوات الدعم السريع» يبدو أنها زهدت في وجودها في المنطقة فشنَّت حملتها الانتقامية ولا يظنن أحد أن هذه القوات ستبقى في المنطقة لفترة طويلة.
لقد حلت لعنة «كيكل» على المنطقة؛ فالاستهداف لكل سكان المنطقة وقبائلها أدى، كما قلنا، إلى حشد قبلي وجهوي مضاد، وهو لا يزال في حالة تصاعد، ومن الممكن أن يجعل مجموعات عسكرية أخرى في المنطقة كانت تقاتل في صفوف «الدعم السريع» تراجع مواقفها وتنأى بنفسها عن القتال، أو تنضم أيضاً للجيش.
النتيجة النهائية لهذه المعارك ستكون خروج «قوات الدعم السريع» من المنطقة بعد أن فقدت أي قبول لوجودها، وثبت عدم وجود أي مشروع سياسي لها، وربما تخرج من كامل منطقة وسط السودان بما فيها ولايتا الجزيرة وسنار. وستنضم القوات المنسحبة إلى الوجود الأكبر لـ«قوات الدعم السريع» في ولايات دارفور وكردفان، فيتحقق بشكل عملي تقسيم السودان على أساس قبلي وإثني، مناطق الوسط والشمال في يد تحالف سياسي عسكري بين الجيش والميليشيات والقوى السياسية المتحالفة معه، ومناطق دارفور وكردفان في يد تحالف قبلي وإثني يقوده «الدعم السريع». وسواء قامت حكومات في هذه المناطق، أو لم يتم إعلان ذلك بشكل رسمي فإن التقسيم سيبقى أمراً واقعاً مثلما حدث في بلاد قريبة من السودان.
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: قوات الدعم السریع سکان المنطقة
إقرأ أيضاً:
لترجيح كفتهم ضد الجيش.. السودان يتهم دولا بتزويد “الدعم السريع” بصواريخ
الجديد برس|
اتهم متحدث باسم الحكومة السودانية دولا (لم يسمها) بتوفير صواريخ مضادة للطيران لفرض حصار جوي على الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، فيما أبدت حركات مسلحة استعدادها لإجلاء سكان محاصرين.
وشنت قوات الدعم السريع، صباح السبت، قصفا مدفعيا على مخيم زمزم الواقع على بعد 12 كيلومترا جنوب غرب الفاشر.
وقال المتحدث باسم الحكومة خالد الأعيسر في بيان إن “بعض الدول تورطت في تزويد الدعم السريع بالأسلحة والصواريخ المضادة للطيران مؤخرا، في محاولة لتشديد الحصار البري على الفاشر ليصبح بريا وجويا”.
وأشار إلى أن الحكومة قامت بإسقاط مساعدات غذائية وطبية عبر الجو إلى الفاشر، منتقدا صمت وتقاعس الأمم المتحدة وعدم اتخاذها خطوات فعالة وجادة لوقف الجرائم ضد المدنيين ومنع وصول المساعدات إلى الفاشر.
وفي 13 يونيو الماضي طالب مجلس الأمن الدولي “قوات الدعم السريع” برفع الحصار الذي تفرضه على الفاشر.
وخلال العام 2025، شددت الدعم السريع الحصار على الفاشر بعد تهجير سكان قرى جنوب وغرب وشمال المدينة وتدمير مصادر المياه، مما تسبب في شح السلع وانعدام بعضها.
وأعلنت القوات ذاتها يوم الخميس إسقاط طائرة حربية بينما كانت تلقي براميل متفجرة على المدنيين، فيما قال ناشطون إنها كانت تسقط مواد غذائية لسكان الفاشر المحاصرين.
من جهتها أعلنت القوة المحايدة لحماية المدنيين في دارفور عن فتح ممرات آمنة لنقل المدنيين في الفاشر ومخيم زمزم من جحيم النزاع إلى قرى تحتضنهم بالأمان بالتنسيق مع الدعم السريع.
ودعا المدنيين في الفاشر ومخيمات أبو شوك وزمزم وأبوجا والمناطق المحيطة بهم إلى إخلاء مواقع التماس العسكري والعملياتي بصورة مؤقتة والتوجه إلى المحليات والمناطق الآمنة في شمال دارفور أو خارجها.
وفر 605 آلاف شخص من ديارهم في مناطق شمال دارفور خلال الفترة من 1 أبريل 2024 إلى 31 يناير 2025، نتيجة للاشتباكات العسكرية واجتياح قوات الدعم السريع لقرى شمال كتم وشمال وغرب الفاشر.