تعد قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن جماعة وتكرارها ثلاثا، من الأمور التي تشغل أذهان الكثيرين، فهل يجوز قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن جماعة وتكرارها ثلاثًا. 

قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن جماعة وتكرارها ثلاثا

وقالت الإفتاء في بيان: ما حكم قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن في جماعة، وما مدى جواز تكرارها ثلاثًا بعد الختم؟ إن قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن في جماعة أمر جائز شرعًا عملًا بالخبر الصحيح الوارد في كونها تعدل ثُلُثَ القرآن، وهو ما جرت عليه عادة الناس ومضى عليه عملهم، والفقهاء على استحباب تكرارها ثلاثًا بعد الختم لجبر أي نقص يكون قد دخل في قراءة بعض الختمة.

وأوضحت: العلماء متفقون على أن قراءة سورة الإخلاص بعد ختم القرآن في جماعة جائز في أصله؛ عملًا بالخبر الصحيح الوارد في كونها تعدل ثُلُثَ القرآن؛ فقد روي الإمام البخاري في "صحيحه" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ».

آراء الفقهاء في حكم تكرار قراءة سورة الإخلاص ثلاثًا عند الختم

لكنهم اختلفوا في استحباب تكرارها ثلاثًا عند الختم، مع نصهم على أن تكرارها هو الذي جرت عليه عادة الناس ومضى عليه عملهم، واختلفوا أيضًا هل تكرر إذا كان الختم في الصلاة:

عند الحنفية في استحسان تكرارها ثلاثًا عند الختم خارج الصلاة قولان، والاستحسان هو قول الأكثر، غير أنهم لم يستحسنوا تكرارها إذا كان الختم في الصلاة المكتوبة؛ جاء في "الفتاوى الهندية" (5/ 317، ط. دار الفكر): [قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات عَقِيبَ الختم لم يستحسنها بعض المشايخ، واستحسنها أكثر المشايخ لجبر نقصان دخل في قراءة البعض، إلّا أن يكون ختم القرآن في الصلاة المكتوبة فلا يزيد على مرة واحدة؛ كذا في "الغرائب"، ولا بأس باجتماعهم على قراءة الإخلاص جهرًا عند ختم القرآن، ولو قرأ واحد واستمع الباقون فهو أولى؛ كذا في "القنية"] اهـ.

وفي "فتاوى قاضي خان" (1/ 164، ط. المطبعة الأميرية ببولاق، بهامش "الفتاوى الهندية"): [وقراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات عند ختم القرآن يستحسنه مشايخ العراق رحمهم الله تعالى، إلَّا أن يكون الختم في المكتوبة فلا يكرر سورة الإخلاص] اهـ.

وقال العلّامة الكمال بن الهمام في "شرح فتح القدير" (1/ 343، ط. دار الفكر): [وقراءتها ثلاثًا عند الختم خارج الصلاة اختلف المشايخ في استحبابه، واستحسنه مشايخ العراق، وفي المكتوبة لا يزيد على مرة] اهـ.

بينما الشافعية يستحسنون تكرارها عند الختم؛ قال الإمام التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (10/ 285-286، ط. هجر): [حضرت الوالد رحمه الله -يعني الإمام تقي الدين السبكي شيخ الشافعية في زمنه- مرة في ختمة وقد وصل القُرّاء إلى سورة الإخلاص؛ فقرؤوها ثلاث مرات على العادة، وكان على يمينه قاضي القضاة عماد الدين علي بن أحمد الطرسوسي الحنفي، فالتفت إلى الشيخ الإمام وقال: في خاطري دائمًا أن أسأل عن الحكمة في إطباق الناس على تكريرها ثلاثًا.

فقال له الشيخ الإمام: لأنه قد ورد أنها تعدل ثلث القرآن فتحصل بذلك ختمة.
فقال القاضي عماد الدين: فلم لا يقرؤونها ثلاثًا بعد الواحدة التي تضمنتها الختمة ليحصل ختمتان؟

فقال الشيخ الإمام: مقصود الناس تحقيق ختمة واحدة؛ فإن القارئ إذا وصل إليها فقرأها ثم أعادها مرتين كان على يقين من حصول ختمة: إما التي قرأها من الفاتحة إلى آخر القرآن، وإمّا ثوابها بقراءة الإخلاص ثلاثًا. وليس المقصود ختمة أخرى. وهذا معنى مليح] اهـ.

ما سبب نزول سورة الناس ومكانها؟.. 7 أسرار مخفية وبركات ينبغي معرفتها من فاتته قراءة سورة الكهف يوم الجمعة.. لديه فرصة حتى بعد العشاء


وقال الإمام الزركشي في "البرهان في علوم القرآن" (1/ 473-474، ط. دار إحياء الكتب العربية): [مما جرت به العادة من تكرير سورة الإخلاص عند الختم نص الإمام أحمد على المنع، ولكن عمل الناس على خلافه] اهـ.

ونحوه للعلامة ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الحديثية" (ص: 233، ط. مصطفى الحلبي).

والمعتمد عند الشافعية أن تكرار سورة الإخلاص عند الختم في الصلاة خلافُ الأَوْلى فقط، وليس سُنّةً ولا مكروهًا؛ لأنه لم يَرِدْ فيه نهي مخصوص:

جاء في "الفتاوى الفقهية الكبرى" للعلامة ابن حجر الهيتمي (1/ 184، ط. دار الفكر): [وسئل نفع الله تعالى به عن تكرير سورة الإخلاص في التراويح: هل يُسَنُّ؟ وإذا قلتم "لا" فهل يُكْرَه أم لا؟ وقد رأيت في "المعلمات" لابن شهبة: أن تكرير سورة الإخلاص في التراويح ثلاثًا كرهها بعض السلف، قال: لمخالفتها المعهود عمن تقدم؛ ولأنها في المصحف مرة فلتكن في التلاوة مرة اهـ فهل كلامه مقرَّرٌ معتمد أم لا؟ بينوا ذلك وأوضحوه لا عدمكم المسلمون.

فأجاب فسح الله في مدته بقوله: تكرير قراءة سورة الإخلاص أو غيرها في ركعة أو كل ركعة من التراويح ليس بسنة، ولا يقال مكروه على قواعدنا؛ لأنه لم يرد فيه نهي مخصوص] اهـ.

قال العلامة أبو بكر شطا الدمياطي في "حاشية إعانة الطالبين" (1/ 307، ط. دار الفكر) تعقيبًا على فتوى العلامة ابن حجر: [الذي فيها أن قراءة القرآن في جميع الشهر أولى وأفضل، وأن تكرير سورة الإخلاص أو غيرها في ركعةٍ ما خلافُ الأَوْلى فقط، وليس بسنة ولا بمكروه] اهـ.


وعند الحنابلة رأيان: فنقلوا عن الإمام أحمد المنع من ذلك، ولكن المذكور في كتبهم أنه إن فُعِل فلا بأس به؛ حملًا للمنع على عدم الاستحباب، أو على أن المقصود به تكرارها داخل الصلاة؛ قال العلّامة ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (2/ 296): [وإذا قرأ سورة الإخلاص مع غيرها قرأها مرة واحدة ولا يكرر ثلاثًا؛ نص عليه، وقال ابن تميم: منع أحمد القارئ من تكرار سورة الإخلاص ثلاثًا إذا وصل إليها] اهـ.
وقال الشيخ الرحيباني الحنبلي في "مطالب أولي النهى في شرح المنتهى" (1/ 605، ط. المكتب الإسلامي): [(ولا يكرر سورة الصمد..)؛ لأنه لم يبلغه فيه أثر صحيح، (فإن فعل) ذلك (فلا بأس)، لكن تركه أولى] اهـ.
غير أن مِن محققي الحنابلة مَن استحب تكرارها على كل حال؛ في الختم وغيره، وحكى الخلاف في تكرارها في الصلاة؛ قال العلّامة نجم الدين الطوفي الحنبلي في رسالته "إيضاح البيان عن معنى أم القرآن" (مطبوعة بتحقيق: علي حسين البواب، ضمن "مجلة البحوث الإسلامية" الصادرة عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالسعودية، عدد: 36، ص: 356): [ينبَغي لِمَن تَلا هذه السُّوَر الثلاثَ (يعني: الزلزلة، والإخلاص، والكافرون) مُنفرِدَةً، أو في جُملةِ القُرآنِ، بادِئًا مِن أوَّلِه، أو مِن آخره، في غيرِ الصَّلاة: أنْ يُكَرّرَ سُورَةَ "الزلزلة" مَرّتين، وسُورَةَ "الإخلاصِ" ثلاثًا، وسُورَةَ "الكافرونَ" أربَعًا؛ لِيستَكمِل بِذلكَ ثَلاثَ خَتَماتٍ. أما في الصلاة ففي تكرار السورة خلاف مشهور، وتفصيل بين الفرض والنفل] اهـ.
والتحقيق أن النهي عن التكرار محمول على نفي كونه مِن سُنّة القراءة المُتَّبَعة التي تُؤخَذ بالتلقي عن السلف؛ وخشية أن يُظَنَّ أنها كذلك في المصحف؛ فهو من الفقه الذرائعي الذي يزول بزوال سببه ولا يُتَوَسَّع فيه، وقد بيَّن أهل القراءة والأداء أن تكرار سورة الإخلاص ليس من سُنّة التلقي وعرض القراءة، وأنه شيء لم يُقرَأْ به في أسانيد الرواية في القراءة:
يقول الإمام ابن الجزري في "طيبة النشر في القراءات العشر" (2/ 451): [وأما ما يعتمده بعض القراء من تكرار قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عند الختم ثلاث مرات: فهو شيء لم نقرأ به، ولا أعلم أحدًا نص عليه من أصحابنا القراء، ولا الفقهاء سوى أبي الفخر حامد بن علي بن حسنويه القزويني في كتابه "حلية القراءة" فإنه قال فيه ما نصُّه: والقراء كلهم قرؤوا سورة الإخلاص مرة واحدة، غير الهرواني عن الأعشى؛ فإنه أخذ بإعادتها ثلاث دفعات، والمأثور دفعة واحدة. انتهى.
قلت: والهَرَواني هذا هو بفتح الهاء والراء، وهو القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين الجعفي الحنفي الكوفي، كان فقيهًا كبيرًا، قال الخطيب البغدادي: كان من عاصره بالكوفة يقول: لم يكن بالكوفة من زمن ابن مسعود إلى وقته أحد أفقه منه. انتهى. وقرأ برواية الأعشى على محمد بن الحسن بن يونس عن قراءته بها على أبي الحسن علي بن الحسن بن عبد الرحمن الكسائي الكوفي صاحب محمد بن غالب صاحب الأعشى، والظاهر أن ذلك كان اختيارًا من الهرواني؛ فإن هذا لم يُعْرَفْ في رواية الأعشى، ولا ذكره أحد من علمائنا عنه، بل الذين قرؤوا برواية الأعشى على الهرواني هذا -كأبي علي البغدادي صاحب "الروضة" وأبي علي غلام الهراس شيخ أبي العز وكالشرمقاني والعطار شيخي ابن سوار وكأبي الفضل الخزاعي- لم يذكر أحد منهم ذلك عن الهرواني، ولو ثبت عندهم روايةً لذكروه بلا شك؛ فلذلك قلنا: إنه يكون اختيارًا منه، والرجل كان فقيهًا عالمًا أهلًا للاختيار، فلعله رأى ذلك.
وصار العمل على هذا في أكثر البلاد عند الختم في غير الروايات. والصواب ما عليه السلف؛ لئلا يُعتَقَدَ أن ذلك سنة، ولهذا نص أئمةُ الحنابلة على أنه لا يكرر سورة الصمد، وقالوا: وعنه -يعنون عن أحمد- لا يجوز. والله الموفق] اهـ.

وشددت: الرواية المأخوذة عن أهل الأداء في تلقي القرآن هي عدم تكرار سورة الإخلاص، وإليهم المرجع في معرفة ذلك فلا يُقرَأُ بغيره في التلقي وعرض القراءة؛ لأن الرواية مبناها على التوقيف. وأما تكرارها في الختم فمسألة فقهية تتعلق بفهم الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها، وبابُ الدراية أوسع من باب الرواية؛ فليس كل ما جاز درايةً صح روايةً.

فإذا قُرِئَ بالتكرار في الختم لا على جهة العرض وتلقي الرواية، وأُمِن مع ذلك مِن إيهام تكرارها في المصحف: فذلك جائز شرعًا ولا حرج فيه. وعليه العمل في أمصار الإسلام.

بل إن تكرار سورة الإخلاص عند الختم كان معروفًا عند السلف، حتى قبل الهرواني والأعشى؛ فقد روى الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (3/ 374، ط. دار ابن حزم): [حدثنا عبيد بن إبراهيم الحربي؛ قال: سمعت سفيان يقول: صليت ببشر الحافي في شهر رمضان، فلما أردت أن أختم قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات، فقال لي بشر: عمن أخذت هذا؟ قلت: عن شيوخنا بخراسان، قال: إنما هي في المصحف مرة واحدة، وأنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة واحدة] اهـ.

وسفيان بن عيينة ولد سنة سبع ومائة وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة، وقد نقل تكرار سورة الإخلاص في الختم عن شيوخه بخراسان، وقد قرأ القرآن وهو ابن أربع عشرة سنة -كما في "تاريخ ابن أبي خيثمة" (3/ 267، ط. دار الفاروق)-، وأخذ القراءة عن حميد بن قيس الأعرج المتوفى سنة ثلاثين ومائة، وهذا كله يشير إلى أنَّ ذلك ممَّا جرى عليه العمل قديمًا، وإنما عاب عليه بشر رحمه الله تكرارها في الصلاة؛ بناءً على أنها مفردة في المصحف، ولا يخفى أن نزولها مرة واحدة وعدم تكرارها في كتاب الله لا ينفي استحباب تكرارها في غير الختم، فكذلك عند الختم.

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: سورة الإخلاص الإفتاء قراءة سورة الإخلاص ختم القرآن فی تکرارها فی مرة واحدة دار الفکر ثلاث مرات فی المصحف فی الصلاة الختم فی فی الختم لا یکرر على أن

إقرأ أيضاً:

3 دعوات مستجابة لا يردها الله أبدا.. علي جمعة: اغتنمها

لاشك أن الكثيرين إن لم يكن الجميع يبحث عن ثلاث دعوات مستجابة لا يردها الله أبدا  ، حيث إن فيها الحل لكل المشاكل والنهاية لكل الهموم والمنغصات الدنيوية وكذلك فإن معرفة ثلاث دعوات مستجابة لا يردها الله ابدا هي مفتاح بوابة النجاة من المهالك، لذا لا يمكن التغافل عنها أو تجاهلها ، فمن شأن ثلاث دعوات مستجابة لا يردها الله ابدا أن تبدل جحيمك جنة على الأرض قبل السماء ، حيث إن من شأن دعوة واحدة مستجابة أن تغير حياتك إلى الأفضل، فلا شيء يرد القضاء إلا الدعاء ، فما بال ثلاث دعوات مستجابة لا يردها الله ابدا  ، وهو ما يفسر تزايد البحث عن بوابة النجاة تلك والمتمثلة في ثلاث دعوات مستجابة .

دعاء للميت في العيد.. بـ12 كلمة تعايده الملائكة وتجعل عيده في الجنة أجملدعاء ثالث أيام العيد لقضاء الحاجة وفك الكرب والرزق.. اغتنمه بـ10 كلماتثلاث دعوات مستجابة

قال الدكتور علي جمعة ، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه فيما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن هناك ثلاث دعوات مستجابة لا يردها الله ابدا بلا ريب ، وهي : «دَعوةُ المظلومِ ، ودعوةُ المسافرِ ، ودعوةُ الوالدِ على ولدِهِ »، مستشهدًا بما أخرجه أبو داود (1536)، والترمذي (1905) واللفظ له، وابن ماجه (3862)، وأحمد (7501)، في صحيح الترمذي ، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : « ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٌ لا شَكَّ فيهِنَّ ؛ دَعوةُ المظلومِ ، ودعوةُ المسافرِ ، ودعوةُ الوالدِ على ولدِهِ ».

وأوضح «جمعة» عن ثلاث دعوات مستجابة لا يردها الله ابدا ، أن في هذا الحَديثِ بيانُ بَعضِ الدَّعواتِ المستجابةِ، حيثُ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ لا شَكَّ فيهِنَّ"، أي: إنَّ اللهَ يَسْتجيبُ لثلاثةِ أنواعٍ مِنَ الدَّعواتِ يقينًا ولا يَرُدُّها أبدًا؛ "دَعوةُ المظلومِ"، أي: الدَّعوةُ الأُوْلى التي يَسْتجيبُ اللهُ لها ولا يَرُدُّها أبدًا: إذا دعا المظلومُ على الذي ظَلَمَه فإنَّ اللهَ يَسْتجيبُ له ولا يَرُدُّه.

وأضاف : "ودعوةُ المسافرِ"، أي: والدَّعوةُ الثَّانيةُ التي يستجيبُ اللهُ لها ولا يَرُدُّها أبدًا دعوةُ المسافرِ، وهو في حالِ السَّفَرِ ولَمْ يَرْجِعْ بَعْدُ، بشَرْطِ أنْ يكونَ سَفَرُه ليس في أَمْرٍ مُحرَّمٍ "ودَعوةُ الوالِدِ على وَلَدِهِ"، أي: والدعوةُ الثَّالثةُ التي يَستجيبُ اللهُ لها ولا يَرُدُّها أبدًا إذا دعا الوالدِ على ولدِه بِحَقٍّ إذا عَقَّه أو ظَلَمَه أو لم يَبَرَّه ويُعْطِه حُقوقَ الوالدِ على وَلَدِهِ؛ فإنَّ اللهَ يَسْتجيبُ له ولا يَرُدُّ دَعوتَهُ أبدًا.

وتابع: وقوله: "الوالد" يشملُ الأم أيضًا؛ وقيل: لم تُذكَرِ الوالدةُ؛ لأنَّ حقَّها أعظمُ فدُعاؤُها أَوْلَى أن يُستجابَ له، وفي الحديثِ: التَّرغيبُ في إكثارِ الدُّعاءِ في السَّفرِ؛ لأنَّه مستجابٌ، وفيه: التَّحذيرُ مِن الظُّلمِ والعقوقِ.

شروط الدعاء المستجاب

ورد في الدعاء المستجاب عدة شروط يجب أن تتوافر في ليستجيب الله سبحانه وتعالى للعبد، منها: أن يدعو المسلم الله سبحانه وتعالى لا شريك له، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى بصدق وإخلاص، لأنّ الدّعاء يعدّ عبادةً، فال الله تعالى: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ» الآية 60 من سورة غافر، وفيما رواه مسلم في الحديث القدسي: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ».

وورد من شروط استجابة الدعاء أيضًا أن لا يدعو المسلم دعاءً فيه إثم أو قطيعة رحم، لما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدّعاء»، وكذلك من شروط استجابة الدعاء أن يدعو ربّه عز وجل بقلب حاضر، وأن يكون على يقين من الإجابة، وذلك لما رواه الترمذي والحاكم وحسّنه الألباني، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه».

استجابة الدعاء

قال الدكتور محمود شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن استجابة الدعاء قد تتأخر لأسباب متعددة، ولكن ذلك لا يعني عدم حب الله لعباده أو عدم استجابته لهم.

وأكد “ شلبي” ، على أهمية "حسن الظن بالله"، ويجب أن نثق تمامًا بأن الله يستجيب لدعائنا، وأنه يحب عباده الذين يدعونه بصدق، وضرورة تحقيق شروط الدعاء، مثل أن يكون "مطعم الشخص وشرابه من حلال" وأن يكون مؤمنًا بالله ويؤدي الطاعات، منوهًا بأنه من الضروري أيضًا عدم الاعتداء في الدعاء، بمعنى أن يكون الدعاء مقبولًا ومعقولًا.

وتابع: على سبيل المثال، الدعاء بتفريق بين الأزواج يعد تعديًا، مشيرًا إلى أهمية "التفاؤل والرجاء"، لافتًا إلى أن الشخص يجب أن يكون متفائلًا بأن دعاءه مقبول، وأن الصبر مهم في هذا السياق.

أسباب عدم استجابة الدعاء

1- أكل المال الحرام بيّن النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- أنّ الكسب الحرام من أسباب عدم إجابة الدُّعاء؛ كالتعامُل بالربا، أو أكل أموال النّاس بغير وجه حق؛ كالغش والخِداع والظُلم، فهذا كُلّه من المال الحرام، وهي من الذُنوب التي تمنع إجابة الدُّعاء وتحبسه.

وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مُسلم: (ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟)، فبيّن الحديث أنّ المطعم والمشرب والغذاء الحرام سببٌ لمنع استجابة الدُّعاء.

2- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر من الذُنوب التي تحبس الدُعاء وتمنع إجابته؛ وذلك لقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ، أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم)، حيث ذكر أهل العلم أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر سببٌ في إجابة الدُعاء، وتركه من أسباب رد الدُّعاء، وعدم استجابته.

3- التوجه لغير الله بالدعاء نهى الله -تعالى- عباده المؤمنين عن دُعاء غيره؛ لقوله -تعالى-: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ)، وذلك لأن دُعاء غيره هو من أنواع الشرك، وهو مُحبطٌ للعمل، كما أنّه من الذُنوب التي تحبس الدُعاء.

وبيّن النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- أن الدُعاء عبادة، ولا يجوز التوجه بالعبادة لغير الله -تعالى- أو إشراك أحد معه فيها، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (الدُّعاءُ هوَ العبادةُ ثمَّ قالَ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).

4- الدعاء بإثم ، فبينت عددٌ من الأحاديث أنّ من الأسباب المانعة لإجابة الدُعاء ما كان فيه إثم؛ كالدُّعاء على النّفس بالموت أو السُّوء، أو الدُّعاء على الآخرين؛ كالأولاد أو الأموال، أو تمنّي مُلاقاة الأعداء، وورد النهي عن هذه الأدعية في عددٍ من الأحاديث.

وقال النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- في الدُعاء على النفس بالموت أو غيره: (لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدٌ مِنْكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ به، فإنْ كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي).

ونهى النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- عن الدُّعاء على الأولاد أو الأموال بقوله: (لا تَدْعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ).

5- الدعاء بقطيعة رحم، حيث ذكر العُلماء أنّ من الأسباب التي تمنع إجابة الدُعاء ما كان فيه قطيعة الرحم، كأن يُقال في الدّعاء: اللهم فرّق بين فُلانٌ وأهله، أو فرّق بينه وبين أُمه أو أبيه، وقد يكون الدُّعاء بالقطيعة بين المُسلمين، كأن يقول: اللهم فرق بين المُسلمين، وفرق كلمتهم أو شملهم، ونحو ذلك من هذه الأدعية.

وورد النهي والتحذير من ذلك في قول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (ما مِن رجلٍ يَدعو اللَّهَ بدعاءٍ إلَّا استُجيبَ لَهُ، فإمَّا أن يعجَّلَ له في الدُّنيا، وإمَّا أن يُدَّخرَ لَهُ في الآخرةِ، وإمَّا أن يُكَفَّرَ عنهُ من ذنوبِهِ بقدرِ ما دعا، ما لم يَدعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رحمٍ أو يستعجِلْ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ وَكَيفَ يستَعجلُ؟ قالَ: يقولُ: دعوتُ ربِّي فما استجابَ لي).

6- تعجل الإجابة، فقد ذكر الإمامُ ابن القيم أنّ من الأسباب التي تحبس الدُعاء أن يتعجّل المُسلم الإجابة، أو يستبطئها؛ فيقوم بالتحسُّر والندم على دُعائه، وذلك كمن يقوم بالغرس أو الزرع ولكنه يستبطئ كماله، فيقوم بتركه وإهماله، وعلى المُسلم أن يثق بالله -تعالى- عند دُعائه. حيث إنّ شُروط الإجابة أن يكون المُسلم على ثقة بربّه، وبأنّه الوحيد القادر على إجابة دُعائه، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

وجاء في الحديث القُدسيّ الذي يُبين الله -تعالى- فيه كمال قُدرته ومُلكه، وأنّ خزائنه لا تنفد أو تنقُص بالإجابة والعطاء: (يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ).

مقالات مشابهة

  • 3 دعوات مستجابة لا يردها الله أبدا.. علي جمعة: اغتنمها
  • هل يجب صيام الست من شوال بشكل متواصل؟.. اعرف آراء الفقهاء
  • هل يجوز صيام الست من شوال قبل القضاء ؟ اعرف آراء الفقهاء
  • لماذا نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟ اعرف الأسباب .. وأفضل وقت لتلاوتها
  • لماذا نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟.. انتهز الفرصة فضلها عظيم
  • سنن مستحب فعلها يوم الجمعة.. التبكير إلى الصلاة وقراءة سورة الكهف
  • قراءة سورة الكهف .. هل تجزئ في ليلة الجمعة أم نهارها ؟
  • وقت قراءة سورة الكهف .. الإفتاء توضح
  • صلاة إذا صليتها تحققلك المعجزات؟
  • الإمام الكفيف بالأزهر: قبل الصلاة بكون في منتهى الرهبة وتزول فور قراءة القرآن