المقاومة عقيدة والعقيدة لا تموت
تاريخ النشر: 26th, October 2024 GMT
اختصرَ مشهدُ استشهادِ القائد يحيى السنوار كلَ مفرداتِ المقاومة وعقيدتها الراسخة، وأيقن الكيانُ الصهيوني أنّ السنوار هزمهم حيًا وميتًا، وأنهم ارتكبوا حماقتين مع السنوار؛ فأولها إطلاق سراحه عام 2011م في صفقة تبادل مع حماس بعد مكوثه ما يقرب من 22 عامًا في سجون الاحتلال، وثانيها نشرهم لصور حادثة استشهاده ومشاهدها التي برهنت للعالم أجمع أن السنوار ينتمي إلى عقيدة لا تتنازل عن المقاومة، وهنا تتضح ملامح هذه العقيدة التي تتصل بمبدأ أن لا مساومة في حرية الوطن إلا بتحقيق النصر أو الشهادة، ولعقيدة المقاومة بعمومها مذاهب يتعلق بعضها بالأديان وبعضها بالثقافات الإنسانية؛ فنجد هذه العقيدة عند الياباني الذي يؤمن بمبدأ عقيدة المقاومة حتى النصر أو الموت في سبيل الوطن مثل الذي جسّده اليابانيون من بطولات واستماتة في الحرب العالمية الثانية، ووجدناها عند الفيتنامي الذي قاوم الاحتلال الأمريكي بكل بسالة وحنكة متخذًا من عقيدة المقاومة مبدأ يتلخّص في تحرير الوطن، ولكن عقيدة المقاومة التي خاضها السنوار واستشهد بسببها تتجاوز أطر الثقافات الإنسانية وتراثها المرتبط بحب الأرض وصون سيادتها؛ فتتسع لتشمل قبل كل شيء إيمان المقاوم واتصاله بربه الذي وعده بالنصر والتمكين والشهادة لمن يقتل في سبيله.
تتجلى من هذه المشاهد التي تلتحم فيها معاني المقاومة مجموعةٌ من المظاهر؛ فنجد أولها في رهان العدو الصهيوني وحلفائه في أن عمليات اغتيال القادة في حركات المقاومة سيفصل المقاومة عن مركزيتها ويجعلها بلا رأس وفقَ وصف إحدى الصحف العربية التي عبّرت عن فرحتها باستشهاد السنوار، ولكن هذا الرهان لم يتحقق؛ فنأخذ مثلا المقاومة اللبنانية التي فقدت جلّ قادتها بما فيهم أمينها العام؛ فأثبتت استطاعتها أن تعيد ترميم صفوفها وبناء هيكلها القيادي في غضون مدة قصيرة لم تتعدَ الأسبوعين؛ لتُظهِرَ مسارات هجومية متطورة ضد العدو الصهيوني لم تكن في حسبان الكيان وقيادته، وآخرها محاولة اغتيال نتنياهو، وكذلك الحالة بالنسبة للمقاومة الفلسطينية في غزة؛ فلم تتغير معادلة مقاومتها للعدو الصهيوني الذي لا يزال يتكبّد خسائر فادحة في قادته وجنوده على أرض المعارك في غزة، وتتمثل هنا عقيدة المقاومة التي لا يمكن أن تفقد وقودها وتموت بموت قائد أو رمز، بل تستمر وتواصل مسيرها؛ فقبل السنوار، اغتال الكيان الصهيوني مؤسس حركة حماس أحمد ياسين، وبعده مجموعة من القيادات الكبيرة في الحركة؛ فلم تضعف الحركة وتتراجع بل تضخّمت قوتها وترسانتها العسكرية، وباتت رقما صعبا بالنسبة للكيان الصهيوني الذي عقد العزم هذه المرة أن يجعل من حربه حربًا شاملةً يعتمد فيها سياسة الدمار الشامل والإبادة الجماعية التي يرمي بواسطتها إلى دفع الفلسطينيين في غزة إلى المغادرة، وبدأت وتيرة هذا المشروع تتضاعف بعملية ما تعرف بـ«خطة الجنرالات» التي يأمل الكيان عن طريقها واهمًا إلى إنجاح مخططه في تهجير سكان غزة وضم القطاع إلى كيانه الغاصب، وهذا ما يُلحظ أيضا عبر مخططاته العسكرية في كلٍ من لبنان وسوريا، ولعلّ دولا أخرى في قائمته تأتي تباعًا اندفاعًا إلى تحقيق أوهامه ببناء ما يسميه بـ«إسرائيل الكبرى». مع هذه المقاومة وعقيدتها التي لا تهزم ولا تموت؛ سيتضح للعدو وأركان كيانه أن مخططاته التوسّعيّة التي تصاحبها أكبر مجزرة عرفها التاريخ ستكون مغامرة فاشلة يخوضها نتنياهو مزهوا بقوته العسكرية والدعم الأمريكي والغربي، وأن الثمن سيكون باهظا، ولن يتحقق هذا المشروع الظالم، وستظل المقاومة سارية المفعول، لأن العقيدة تجري في دماء أصحاب الأرض وجيناتهم.
نحن على أعتاب مرحلة جديدة لا يُستبعد فيها حدوث تغييرات جذرية لعلّها تستحضر استشرافات المفكّر المصري عبدالوهاب المسيري والشيخ أحمد ياسين في أن الكيان الصهيوني يقترب من أجله المحتوم ونهايته التي سيسبقها صعود الوعي العربي والإسلامي خصوصا والعالمي عموما، وسيسبقه طغيان غير محسوب للكيان الصهيوني، ويتبعه تخلّي داعميه عنه تباعا؛ فينقطع وريده الذي يغذّيه ويمده بأسباب البقاء، وهذا ما نراه واقعًا في حاضرنا؛ فالكيان في أقصى حالات جبروته وظلمه، وتحدى العالم أجمع بما فيها الأمم المتحدة وأمينها العام، واستفز أقرب داعميه في الدول الغربية والولايات المتحدة، وأظهرت بعض الدول الغربية بما فيهن الدول الأكثر دعما له مثل فرنسا امتعاضها ورغبتها في قطع الدعم العسكري عنه، وهذه كلها مؤشرات تدل على اقتراب نهاية هذا الكيان الفاسد الذي لم يعرف التاريخ أقسى منه وأكثر إجراما.
لا يمكن أن نفقد الأمل في تحقق مستقبل أكثر استقرارا في هذه المنطقة؛ فالكيان بتخبّطه الأعمى وضربه بكل قوانين العالم والإنسانية عرض الحائط يسير إلى نهايته، وأثبتت هذه الحرب أن ما كان يعرف بمشروع السلام وإقامة الدولتين لم يكن إلا وهما سابق الكيان الصهيوني نفسه إلى نسفه والتملّص من وعود تحققه التي أُوهمَ -الأحرى توهّم- العربُ بأنها الحل الناجع الوحيد الذي سيخرج المنطقة من أزمتها، وأن تحقق هذا المشروع سيتبعه تطبيعٌ مع الكيان يعكس السلام المنشود، ولكن نعود ونؤكد أن الكيان نفسه لا يؤمن بأهمية هذا المشروع، وأن مخططاته التوراتية تشدّ الخطى لتحقيق توسّع جغرافي على حساب مجموعة من دول المنطقة، وحينها نكتشف أننا تعايشنا مع وهم وأحلام شجّعنا الغربُ على تخيّلها، وكانت في حقيقتها تؤكد على مشروع كبح أيّ نمو عربي يتعلق بالجوانب العلمية والفكرية والصناعية والعسكرية، وفي المقابل دعم الكيان الصهيوني ليتشكّل ماردا جبارا علمًا وصناعةً وقوةً عسكريةً، ولكن نظل مع الأمل الذي يرتبط وجوده بوجود العقيدة التي يحملها رجالات المقاومة، ولا نملك إلا أن نؤكد على حبنا للعدالة وحفظ الأوطان ومقاومة أيّ ظلم يحل عليها، وسيشهد التاريخ مواقف الدول التي ساءها حدوث الظلم، وأقرّت بكل وسائلها المتاحة دعمها لحرية الشعوب ومقاومتهم للاحتلال، ولا يمكن أن نحصر هذه الدول في نطاق المجموعات العربية والإسلامية، بل تشمل دولا أخرى في العالم أظهرت عقيدتها الإنسانية المؤيدة للمقاومة. ستظل المقاومة عقيدة لا تتزعزع، ولا تفقد أملها في دحر الاحتلال واجتثاثه، وستبقى عصا السنوار أيقونة لهذه المقاومة واستمرارها.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الکیان الصهیونی عقیدة المقاومة هذا المشروع
إقرأ أيضاً:
غزة بين نار الإبادة والفوضى: الاحتلال يراهن على كسر إرادة الصامدين
في مشهد دموي يلخص حقيقة ما يريد الاحتلال ترسيخه في غزة، اغتيل أحد رجال الشرطة بوحشية على يد مسلحين موتورين، بينما نفذ الاحتلال إعداما ميدانيا بحق ثمانية مسعفين كانوا يؤدون واجبهم الإنساني في إنقاذ الجرحى. وفي الوقت ذاته، تواصل قوات الاحتلال استهداف الصحفيين، حتى لا يبقى شاهد على الجريمة، ولا تصل صورة المجازر إلى العالم. إنهم يريدون محو الحقيقة كما يمحون البشر، حتى لا يبقى صوت يروي مأساة غزة الممتدة من شمالها إلى جنوبها، ومن جباليا التي تئن تحت الدمار، إلى رفح التي تحولت إلى "مقبرة مفتوحة".
إن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب، ولا مجرد عدوان عابر، بل هو إبادة منظمة، تطهير عرقي يتم بدم بارد، وتنفيذ ممنهج لمخطط محكم، يعمل الاحتلال على تحقيقه عبر عدة محاور، مستفيدا من الضوء الأخضر الأمريكي، والخذلان العربي، والتواطؤ الدولي المريب.
أولا: استمرار الإبادة الجماعية والتطهير العرقي
ما يجري اليوم ليس مجرد حرب، ولا مجرد عدوان عابر، بل هو إبادة منظمة، تطهير عرقي يتم بدم بارد، وتنفيذ ممنهج لمخطط محكم، يعمل الاحتلال على تحقيقه عبر عدة محاور، مستفيدا من الضوء الأخضر الأمريكي، والخذلان العربي، والتواطؤ الدولي المريب
غزة تُباد، والعدو لا يترك وسيلة إلا واستخدمها لاقتلاع الحياة منها. القصف يستهدف الأحياء السكنية، فتُهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ولا ينجو منها إلا الركام والرماد. المستشفيات تتعرض للقصف والتجويع، والمياه مقطوعة، والغذاء شحيح، وحتى هواء غزة أصبح ممزوجا برائحة البارود والمجازر.
في رفح، المدينة التي كانت الملاذ الأخير لمئات الآلاف الهاربين من الموت، أصبح الموت أكثر حضورا من أي وقت مضى. تحت الخيام المهترئة، يرقد الأطفال في العراء، ينتظرون قذيفة أخرى، أو مجزرة جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال أمام أعين العالم، دون رادع أو حساب.
ثانيا: نشر الفوضى واستهداف الشرطة
إلى جانب الإبادة المباشرة، يعمل الاحتلال على تفكيك النسيج الداخلي للمجتمع الغزِّي، عبر استهداف رجال الشرطة والقوى الأمنية، حتى يغرق القطاع في حالة من الفوضى والجريمة المنظمة. حين يغيب القانون يعمّ الخوف، وينتشر العنف، ويتحول المجتمع إلى ساحة صراع داخلي، وهو بالضبط ما يريده الاحتلال: إشغال الناس عن مقاومته، وجعلهم يقاتلون بعضهم البعض بدلا من التصدي لعدوانه.
إنهم يسعون إلى تحويل غزة إلى منطقة تنهشها العصابات، ليخرجوا للعالم بوجه المتظاهر بالبراءة، قائلين: "انظروا! لا حكومة هناك، لا نظام، لا دولة، فقط فوضى". ولكن أهل غزة، رغم الجراح، يعرفون هذه المؤامرة، ويعون أن الصمود في وجه العدوان لا يقتصر على مقاومة القصف، بل يشمل الحفاظ على الأمن الداخلي، ومنع الاحتلال من تحقيق هدفه في تفتيت المجتمع.
ثالثا: استهداف القطاع الصحي لإخفاء أعداد الشهداء
في أي حرب، يكون الأطباء والمستشفيات خطا أحمر، لكن في حرب الإبادة على غزة، بات المسعفون أهدافا مشروعة لآلة القتل الصهيونية. يُمنعون من الوصول إلى الجرحى، ويُقتلون أثناء أداء عملهم، وتُدمر سيارات الإسعاف والمراكز الطبية. الهدف واضح: لا علاج، لا أرقام دقيقة للشهداء، ولا شهود على الجريمة.
في رفح، المشافي تغرق في الدماء، لكنها لا تجد الدواء، الجرحى يموتون بسبب انعدام الإمكانيات، لا لأن جروحهم كانت مميتة. في المستشفيات شبه المنهارة، يرقد عشرات الأطفال المصابين، يعانون من آلام لا دواء لها، ينتظرون مصيرهم في عزلة، بينما يُمنع عنهم العالم.
رابعا: إسكات الإعلام وقتل الصحفيين
لا تكتمل الجريمة دون التستر عليها، ولهذا يسعى الاحتلال إلى إبادة الحقيقة جنبا إلى جنب مع إبادة البشر. الصحفيون مستهدفون كما المقاومين، لأن الكلمة في غزة باتت أخطر من الرصاص. عشرات الصحفيين سقطوا برصاص وقذائف الاحتلال، وآخرون اعتُقلوا أو طُردوا، حتى لا يبقى من يروي الحكاية.
ولكن، ورغم كل محاولات التعتيم، لم ينجح الاحتلال في إخماد الصوت الغزيّ، لأن كل رجل وامرأة وطفل في غزة أصبح صحفيا ينقل الحقيقة، كل بيت مدمَّر صار شهادة، وكل أم ثكلى صارت قصة تُخبر العالم بأن غزة تُباد والعالم يتفرج.
خامسا: الحرب النفسية والإعلامية لتشويه المقاومة
ليس السلاح وحده ما يستخدمه الاحتلال، فهناك أيضا حرب إعلامية ممنهجة تهدف إلى تشويه المقاومة، وتحميلها مسؤولية الكارثة، وعزلها عن حاضنتها الشعبية. وسائل الإعلام الموالية للاحتلال، ومعها أبواق التطبيع العربي، تحاول الترويج لخطاب استسلامي مخادع، يزعم أن غزة تدفع الثمن بسبب تمسكها بالمقاومة، وأن الحل الوحيد هو الرضوخ لشروط الاحتلال، وكأن القتل سيتوقف لو استسلم أهل غزة!
ولكن التاريخ يعلمنا أن الاستسلام لم يكن يوما ضمانا للبقاء، فلو رفع أهل غزة الراية البيضاء اليوم، لن يوقف الاحتلال جرائمه، بل سيكمل مشروعه التوسعي، وسيستمر بملاحقة الفلسطينيين لأنهم ببساطة يشكلون تهديدا وجوديا له. الاحتلال قلق، رغم كل بطشه، لأنه يدرك أن غزة لم تنكسر، ولن تنكسر، حتى لو أحرقت بالكامل.
الاحتلال يراهن على استنزاف أهل غزة حتى يتعبوا، وعلى خفوت زخم المظاهرات العالمية مع مرور الوقت، لكن غزة لن تتعب، ولن تسقط، ولن تستسلم. من وسط الركام، يخرج طفل ليحمل راية، ومن بين الأنقاض، تنطلق صيحة الله أكبر. في رفح، حيث تساقطت القذائف، لم يتراجع أهلها خطوة. في جباليا، حيث دُمرت المنازل، لم تنطفئ روح المقاومة
ماذا علينا أن نفعل؟
أمام هذا المشهد المروع، لا يكفي أن نرصد الجرائم ونسجل الانتهاكات، بل يجب أن نتحرك:
1- فضح المؤامرة بكل تفاصيلها، ورفع الصوت ضد جرائم الاحتلال في كل منبر إعلامي وسياسي.
2- رفض الفوضى الداخلية، وتشجيع أهل القطاع على التكاتف، وعدم الانجرار خلف محاولات الاحتلال لخلق الفوضى والانقسام.
3- ملاحقة الاحتلال قانونيا، وعدم السماح بمرور هذه الجرائم دون حساب في المحاكم الدولية.
4- تصعيد الحراك الشعبي عالميا، وتنظيم المسيرات، والضغط على الحكومات المتواطئة مع الاحتلال.
5- فضح المتآمرين والمروجين للرواية الصهيونية، الذين يحاولون تجميل وجه الاحتلال القبيح.
6- قيام المثقفين والإعلاميين بدورهم في كشف حقيقة الاحتلال، وتعريف العالم بتاريخه القائم على المجازر والتهجير، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية آنية.
لن يسقط الرهان على غزة
الاحتلال يراهن على استنزاف أهل غزة حتى يتعبوا، وعلى خفوت زخم المظاهرات العالمية مع مرور الوقت، لكن غزة لن تتعب، ولن تسقط، ولن تستسلم. من وسط الركام، يخرج طفل ليحمل راية، ومن بين الأنقاض، تنطلق صيحة الله أكبر. في رفح، حيث تساقطت القذائف، لم يتراجع أهلها خطوة. في جباليا، حيث دُمرت المنازل، لم تنطفئ روح المقاومة.
غزة لن تباد ما دام في العالم أحرارٌ يرفعون صوتهم، غزة لن تُهزم ما دام هناك من يرفض الصمت. ورغم أن العالم يتفرج، إلا أن المقاومة مستمرة، والثبات خيار لا رجعة فيه.