لجريدة عمان:
2025-04-06@09:32:19 GMT

الصورةُ مَتحفا للموت

تاريخ النشر: 26th, October 2024 GMT

الصورة حدثٌ ميت مقفل في إطار، لكنه يحيا من خلال النظر فيه. وكثيرا ما كانت الصورةُ متهمة بالمبالغة الدعائية والإفراط في نقل الحقيقة أكثر مما يحتمل الواقع. بمعنى آخر تبدو لنا الصورة وكأنها عمل شيطاني موسوس، صمت مفتوح للتأويل وإعمالِ الخيال، مثار للغواية البصرية وأقرب إلى التضليل من قول المضمون الفعلي للأشياء ونقل الأحداث كما هي من غير «بهارات» بصرية تتجاوز التجريد إلى إضفاء لمسات التجميل أو التشويه، وخاصة حينما تُجهز الكاميرا على حدثٍ بلا شهود، أو حينما تنقض على ملامح شخص ميت لم يعد قادرا على الدفاع عن صورته أو تصويبها.

وفي التصوير، كما في الكتابة، يعتمد الأمر على الزاوية التي يختارها المصور لالتقاط صورته، قبل أن تبدأ العمليات الإخراجية التي تعمد إلى التلاعب بعناصر الصورة، من ضوء وظل وتباين لوني، وذلك من أجل توجيه المتلقي إلى معنى ما وتكريس إيحاءٍ معين حول مشهدٍ مُقتنصٍ في صورة ميتةٍ لا حول لها ولا قوة. ففي ذلك الانقطاع يعتمد المعنى النهائي للصورة على ذاكرة المتلقي، على إسقاطات الذاكرة التي يستبصر بها الرائي معالم المرئي المجففة تحت ومض الكاميرا الجارح، وعلى وعيه المسؤول عن بث الحياة في خلايا المرئي وإعادة تأويله ضمن سياقه المقتطف منه. ومن دون ذلك ستبقى الصورة اختزالا مُعدَما وقاسيا ينجرف نحو الموت.

لطالما كان القلق من الزمن وقدرته الرهيبة على المحو والطمس والنسيان هو الدافع الكامن خلف هوس الإنسان بالتصوير منذ القِدم. كان التصوير وما زال، منذ اكتشاف الأشعة الكاثودية حتى اختراع أحدث آلات التصوير الرقمي، من أنجع الوسائل التي تكشف عن شغف الإنسان بالخلود والبقاء شاهدا أو مشهودا لوقت أطول بعد الموت. وهكذا، عبر التصوير «يمسك الحي بالميت في صورة» كما يقول ريجيس دوبري في كتابه «حياة الصورة وموتها».

تعرض الصورة نفسها على أنها أثر، أثرٌ إما لشيء زائل أو لشيء مهدد بالزوال. إذن فالصورة بصرف النظر عن مضمونها وحياتها ليست أكثر من متحف للموت. فهلا تأملنا قليلا في الصور التي تحيط بنا في كل مكان؟ في الصور التي نحدق فيها كما تحدق فينا؟ سنرى بأن حياتنا عامرة بصور الموتى، سواء كانوا من الشخصيات العامة الأيقونية التي تتقاسمها ذاكرة الناس، أو كانوا من الأقرباء والأصدقاء الذين لن يتعرف أحد عليهم بعد الموت سوانا. إننا نتبادل النظر مع الموتى عبر الصور بلا انقطاع، دون أن ندرك بالضبط سر الفتنة الخفية التي تتلبسنا في هذه العملية، ساعةَ النظر.

صور الموتى على الجدران والرفوف وفي ظلام الأدراج وبين أوراق الكتب وفي صفحتنا على مواقع التواصل تستغيث بالأحياء. فلن تستنشق هذه الصور حياتها ولن تستعيد ألوانها إلا بالنظرة التي يمن بها الحي على الميت. وكأن النظر إلى صور الموتى ممارسةٌ تشبه إلى حد بعيد زيارة المقابر والوقوف على الأضرحة. تلك طريقة الأحياء في إحياء موتاهم؛ إهراق ماء النظرة الطويلة على صورهم كي لا يصيبها التبلد والجمود فيتضاعف موتها وتنطفئ إلى أبد الآبدين.

إنه حقا عالم من الصور، حيث يحتل الموتى مساحات متخيلة وغير متخيلة، ولا شك أنها أكبر بكثير من المساحات التي يحتلها الأحياء الذين لن يطول بهم الوقت حتى يشعروا بأن واقعهم بات يضيق بمزاحمة الموتى، معنويا وماديا، في الأفكار وعلى الأرض. وهي فكرة يضيؤها ريجيس دوبري في كتابه معللا علاقتها بالبصري: «لنتذكر أن مجتمعاتنا، إلى يومنا هذا، كانت واقعيا مكونة من الأموات أكثر من الأحياء. فخلال آلاف السنين ظل الماضي والغور في الزمن طافحا ومهددا الحقل البصري، وظل المخفي يمنح للظاهر قيمته».

ألذا نجد أن الأحياء كما يحيون بعض أمواتهم المفضلين، بالنظر والذكر، يسعون في نفس الوقت لاغتيال موتى آخرين، غير مرغوبين، ويتمنون لو يموتوا إلى الأبد بدءا بمحو صورهم أو أي تمثيل بصري معادل لهم؟ لكن عوالق الموتى وشواهدهم وأشياءَهم كثيرة لا تُحصى في عالمنا المُعاش. ويمكننا، من هذا المنطلق، أن نفسر الأخبار التي نسمعها بين حين وآخر عن تحطيم التماثيل وإزالة شواهد القبور ومحو المدافن بهدف تعمير حي سكني أو رصف شارع سريع، أو ربما بغية محو ذكرى رمز وطني انقلبت عليه دورة السلطة والمزاج السياسي الجديد.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عماني

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

عاشور: التحولات المتسارعة تتطلب إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي وتوظيف الذكاء الاصطناعي

أكد الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أن التحولات المتسارعة في مجال التعليم العالي تعكس ديناميكية جديدة تتطلب التكيف مع مستجدات التكنولوجيا والمجتمع المعرفي، مشيرًا إلى أن الإطار المرجعي الاسترشادي للتعليم العالي يولي اهتمامًا خاصًا بالتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها كوسائل فعالة للتعلم والبحث العلمي، موضحًا أن التطور الكبير في هذه الأدوات يستوجب إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي، بحيث يصبح التغيير محورًا رئيسيًا يضمن استدامة المؤسسة وتنافسيتها.

وأوضح الوزير أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا فاعلًا في التعليم الجامعي والبحث العلمي، لما يتمتع به من قدرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات، وتوفير رؤى تحليلية دقيقة، وتحسين جودة العملية التعليمية والبحثية، مما يفتح آفاقًا جديدة أمام المؤسسات الأكاديمية لتعزيز دورها في تنمية رأس المال البشري، وتأهيل الخريجين لسوق العمل بما يتماشى مع متطلبات العصر.

وأشار الدكتور عاشور إلى أن الإطار المرجعي يراعي التطورات المذهلة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، ويوجه للاستفادة من إمكاناته غير المسبوقة في استكشاف البيانات وتحليلها بطرق مبتكرة وفعالة، مستعرضًا أبرز أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في البحث العلمي مثل برامج التحليل الإحصائي والبياني، وأدوات معالجة النصوص اللغوية، وتقنيات التعلم الآلي والعميق، وأدوات التصور البياني والرؤية الحاسوبية، إلى جانب برامج إدارة المراجع الأكاديمية.

كما أكد الوزير أن الإطار المرجعي يشمل استعراض الآفاق الممكنة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التدريس الجامعي، وتقديم محتوى تعليمي تفاعلي يلبي الاحتياجات الفردية للطلاب، وتعزيز التعلم التعاوني باستخدام أدوات تنظيمية حديثة تسهل عملية التواصل وإدارة المشروعات الأكاديمية بفعالية.

وشدد الدكتور أيمن عاشور على ضرورة الالتزام بضوابط أخلاقية وقانونية تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي، بما يحفظ القيم العلمية ويحترم الملكية الفكرية، ويؤمن خصوصية البيانات الشخصية، مع أهمية تحديث أنظمة الحماية والتحقق من دقة البيانات والنتائج التي تقدمها هذه الأدوات، مؤكدًا ضرورة تجنب الاعتماد المفرط عليها، وضمان أن تكون مساعدة وليست بديلًا عن الجهد الأكاديمي لضمان الأصالة وتفادي الممارسات غير النزيهة.

من جانبه، أوضح الدكتور مصطفى رفعت، أمين المجلس الأعلى للجامعات، أن فلسفة الإطار المرجعي العام تعكس رؤية إستراتيجية متكاملة لتطوير منظومة التعليم العالي وضمان جودتها وفقًا للمعايير الدولية، مشيرًا إلى أن التكامل بين أدوات الذكاء الاصطناعي والمناهج الأكاديمية يسهم في تحسين جودة العملية التعليمية، ودعم قدرة المؤسسات الجامعية على تقديم محتوى دراسي متطور يواكب أحدث المستجدات العلمية والتكنولوجية، بما يتيح تجربة تعليمية منفتحة ومرنة، ويؤهل الطلاب لمواجهة التحديات المستقبلية بكفاءة.

كما أشار إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تسهم في تصميم المواد التعليمية، وإنشاء أسئلة الامتحانات، وتحليل أداء الطلاب بدقة، وتقديم خطط دعم أكاديمية متخصصة، فضلًا عن تعزيز أساليب التعلم الشخصي الذي يراعي الفروق الفردية ويمنح كل طالب فرصة التعلم حسب مستواه.

وأكد الدكتور مصطفى رفعت العمل على تطوير آليات توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن الإطار المرجعي بما يضمن الاستفادة منه دون الإخلال بالقيم البحثية، مع مواكبة التحديثات المستمرة للأدوات والبرمجيات الحديثة، وشدد على أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات والقطاعات التكنولوجية لضمان تحقيق أقصى استفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي بما يحقق تطورًا مستدامًا، ويعزز من فرص الابتكار والتطوير الأكاديمي.

مقالات مشابهة

  • دراسة تكشف علامات تحذيرية للموت القلبي المفاجئ بين الشباب
  • خبير علاقات دولية: تطابقً وجهات النظر بين مصر وفرنسا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية
  • نقل الأموال عبر سيارات الموتى ورشاوي ضخمة.. تفاصيل مثيرة جديدة في قضية بلدية إسطنبول
  • عاشور: التحولات المتسارعة تتطلب إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي وتوظيف الذكاء الاصطناعي
  • أبو عبيدة: نصف أسرى العدو الأحياء بمناطق طلب إخلاءها وقد أعذر من أنذر!!
  • «أبو عبيدة»: نصف المحتجزين الأحياء في مناطق طلب الجيش الإسرائيلي إخلاءها
  • مدعومة بالذكاء الاصطناعي.. تطوير جيل جديد من «النظارات الذكية»
  • خبير عسكري: إسرائيل تدفع الفلسطينيين للموت أو الهجرة القسرية
  • مصرع شخص صدمته سيارة بالشرقية
  • “Meta” تطور نظارات مزودة بالذكاء الاصطناعي