الإسلاموفوبيا.. ظاهرة عرضية أم خطة استراتيجية؟ الجذور والتداعيات
تاريخ النشر: 25th, October 2024 GMT
أضحت موضوعة الإسلاموفوبيا اليوم مادة دسمة يخوض فيها الجميع ساسة وإعلاميون ومثقفون وكتاب وباحثون في علم الاجتماع وعلم النفس والقانون والتاريخ والحضارة والأديان فضلا عن مدوني الشبكة الاجتماعية التواصلية ومرتاديها.
وقد تحولت في السنوات الأخيرة إلى أداة سياسية لصناعة الرأي العام وتوظيفه في الحياة السياسية من قبل بعض الأحزاب والمنظمات في معظم المجتمعات الغربية.
فهل الإسلاموفوبيا ظاهرة عرضية أم خطة استراتيجية وأداة جيو سياسية لإدارة الصراع التاريخي المزمن بين الإسلام والغرب؟ أي هل هي نتيجة طبيعية للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية ذات العلاقة بالإسلام والتفاعلات التي تنجم عن كل ذلك؟ أم هي مزيج بين الظاهرة العرضية والخطة الاستراتيجية، بناءً على السياق والظروف المحيطة بها؟.
السياق التاريخي للمفهوم
لئن كان مصطلح "الإسلاموفوبيا" بالمعنى المتداول في العالم الغربي اليوم يعتبر مصطلحا حديثا يعود أساسا إلى بداية القرن الجديد الواحد والعشرين إثر انهيار المنظومة الاشتراكية (الخطر الأحمر) والغريم السابق لليبرالية الغربية وتزامنا مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حيث تم ترشيح الإسلام وكل ما يمت اليه بصلة من مجموعات وأفكار وثقافة وعقيدة الى اعتباره العدو الأول والجديد (الخطر الأخضر) للمنظومة والثقافة الغربية، إلا أن الإسلاموفوبيا (Islamophobia) كمفهوم بالمضمون الفكري الذي يختزنه، يعود إلى بدايات القرن العشرين حيث تم استخدامه من قبل مؤرخي الحقبة الاستعمارية ليعبر عن كل سلوك أو تصرف يعكس حالة من الكراهية للإسلام أو "رُهاب الإسلام" أو الخوف المرضي من الإسلام. وقد تناول هذا الجانب الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في مؤلفه "الإسلاموفوبيا: لماذا يخافون الإسلام؟" متوخيا منهج التحليل الفلسفي والثقافي لظاهرة الإسلاموفوبيا في السياق الغربي. ومركزا على كيفيات تشويه صورة الإسلام في الغرب وتأثيراتها على المسلمين.
هل الإسلاموفوبيا ظاهرة عرضية أم خطة استراتيجية وأداة جيو سياسية لإدارة الصراع التاريخي المزمن بين الإسلام والغرب؟ أي هل هي نتيجة طبيعية للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية ذات العلاقة بالإسلام والتفاعلات التي تنجم عن كل ذلك؟ أم هي مزيج بين الظاهرة العرضية والخطة الاستراتيجية، بناءً على السياق والظروف المحيطة بها؟.كما أن هناك من المؤرخين من يعيد المفهوم الى أبعد من كل ذلك، ليستدعي التاريخ الطويل من العلاقات المتوترة بين المسيحية والإسلام منذ العصور الوسطى ونشوب الحروب الصليبية الأولى التي غذّاها الخطاب البابوي المشحون بالعداء اللاهوتي القديم للدين والعقيدة الإسلامية في إطار الصراع التاريخي بين الحضارتين الإسلامية والغربية. بل هناك من يعتبر أن الجذور التاريخية للمفهوم تمتد إلى ما قبل الإسلام حيث كان العداء الغربي للشرق والثقافة الشرقية حتى المسيحية منها وسعي الغرب لاحتواء الشرق والهيمنة عليه ونهب ثرواته وتحويله الى تابع للمركزية الغربية، كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد عمارة في كتابه "ظاهرة الاسلاموفوبيا: الجذور التاريخية والنهايات المنتظرة".
ويمكن إجمالا رصد ثلاث محطات تاريخية مرت بها هذه الظاهرة التي تقوم على العداء والكراهية والتحيز ضد الإسلام والمسلمين بشكل عام وهو ما يتجلى أكثر اليوم في التهميش الدولي لبلدان العالم الإسلامي ومنع نهضتهم وفي المعاناة المتفاقمة التي يعيشها الوجود الإسلامي في الغرب.
ـ المحطة التاريخية الأولى تعود إلى الفترة الممتدة من بداية العصور الوسطى (ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر) إلى حدود ما يعرف بعصر النهضة الذي ساد في أوروبا (من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر): شهد الشق الأول من هذه الفترة اندلاع الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي (1095 ـ 1291) التي مثّلت ما يمكن عدّه الوجه المادي العسكري للإسلاموفوبيا وهو ما يعكس أشدّ درجات العداوة للإسلام باعتباره الدين الزاحف من الشرق أمام تراجع الكنيسة وهزيمتها في العديد من مراكزها التاريخية.
أما الشق الثاني أي عصر النهضة يمكن اعتباره الوجه الفكري الثقافي للاسلاموفوبيا من خلال الحملات والكتابات الاستشراقية المكثفة التي ليست في حقيقة الامر سوى استمرارا للحملات الصليبية الأولى، وزادت من تأجيج الكراهية والعداء الغربي المسيحي للإسلام والمسلمين بالرغم من الاهتمام الملحوظ والدقيق لبعض الكتابات التي تعمقت في دراسة الإسلام وما يزخر به من ثروة فكرية وفقهية آنذاك استفاد منها الفكر الغربي لاحقا. إلا أن الكثير من الكتابات الأوروبية ظلت معادية ومليئة بالأحكام المسبقة، حيث كان يُنظر إلى الإسلام على أنه تهديد للغرب ونسف للديانة المسيحية.
ـ المحطة الثانية تشمل مرحلة الاستعمار الأوروبي لمعظم دول العالم الإسلامي ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث زادت ظاهرة الإسلاموفوبيا بسبب التوسع الأوروبي في البلدان الإسلامية. واتسمت هذه المرحلة ببسط الهيمنة والنفوذ للقوى الاستعمارية على الصعيدين السياسي والثقافي، وتم تشويه الإسلام وتصويره كدين رجعي مناهض للتقدم ومعيق للتنوير، وهو ما يبرر الفكرة الاستعمارية ذاتها. كما تم استغلال التصورات السلبية عن المسلمين لتعزيز أهداف الاستعمار، حيث تم تصويرهم بأنهم "غير قادرين" على حكم أنفسهم، مما يتطلب تدخل القوى الغربية.
ـ المحطة الثالثة وتمتد من تاريخ ما بعد الاستعمار المباشر إلى يومنا هذا: وقد شهدت هذه الفترة مباشرة مع انتهاء الاستعمار موجات متتالية من هجرة المسلمين إلى أوروبا وأمريكا الشمالية مما عزّز الوجود الإسلامي في الغرب وفرض الاحتكاك المباشر معه معادلة جديدة تحتاج إلى تكيف مع الواقع حيث انتقل المسلمون المقيمون في تلك البلدان من صفة مهاجرين إلى صفة مواطنين وإن كانوا لا يزالون مواطنين من درجة ثانية من حيث التمتع بحقوقهم الاقتصادية والسياسية في أغلب الدول الغربية. وفي العقود الأخيرة، زاد انتشار الإسلاموفوبيا خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. التي ساهمت في تكريس الصور النمطية السلبية تجاه المسلمين، وربط الإسلام بالإرهاب في معظم وسائل الإعلام الغربية. كما تزايدت كذلك الإسلاموفوبيا بسبب الأحداث السياسية في العالم الإسلامي، مثل الحروب في الشرق الأوسط وتصاعد التيارات المتطرفة، مما جعل الإسلام والمسلمين في مرمى العداء في بعض الدول الغربية. في هذا السياق يرصد سعيد شحاتة في كتابه "الإسلاموفوبيا والعولمة" انتشار الإسلاموفوبيا في اطار العولمة وتأثير العلاقات الدولية على تصاعد هذه الظاهرة، وانعكاساتها على الوجود الإسلامي في الغرب.
التجليات أو الأحداث البارزة
يمكن القول إن ازدهار ظاهرة الإسلاموفوبيا المعاصرة انطلق مع أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة التي شكلت صدمة كبرى للعالم بأسره وتم توظيفها إعلاميا على أكبر نطاق وتوجيه سهام الاتهام ليس إلى من قام بتنفيذها ـ وهو أمر لم يعد اليوم لغزا ولا طلسما ـ وإنما إلى الإسلام برمته وإلى المسلمين أجمعين. وشكلت بالتالي شحنة جديدة لتغذية الإسلاموفوبيا وتأجيج منسوب الحقد والكراهية ووصمه بكل النعوت الوحشية والبربرية وما إلى ذلك. ولم تفوت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الفرصة الذهبية لإعلان الحرب على الإسلام وتنفيذ هجمات لا تقل بشاعة عما جرى في تلك الاحداث وأبيد الملايين من شعوب المنطقة سواء كان في أفغانستان أو العراق تحت عنوان مقاومة الإرهاب وملاحقة جماعاته التي بينت الأحداث اللاحقة تورط الاستخبارات الدولية والأمريكية تحديدا اختراقها لتلك الجماعات بل وضلوعها في تكوينها منذ البداية وتوجيهها ضمن أجندة لا يمكن إلا أن تندرج في خانة تغذية الإسلاموفوبيا وملاحقة الإسلام.
في هذا السياق تتالت الاحداث التي تستهدف الوجود الإسلامي في الغرب والتضييق عليه ومحاصرة رموزه مثل سن قانون حظر الرموز الدينية في فرنسا عام 2004 والذي شمل الحجاب الإسلامي ودشّنت مرحلة جديدة من الاحداث الإرهابية على غرار الهجمات على النساء المحجبات في فرنسا عام 2013 والهجوم ضد الصحيفة الساخرة من نبي الإسلام عليه الصلاة و السلام "شارلي هيبدو" في باريس عام 2015، واحداث القتل في كيبك بكندا عام 2017 وحرق المركز الإسلامي في تكساس بأمريكا وهجوم لندن في نفس العام واحداث المسجدين في نيوزلندا 2019 واحداث المانيا عام 2020 والنرويج عام 2022 وغيرها.
وقد لعب الإعلام إلى جانب التحريض دورًا مهمًا في تضخيم الاحداث التي تساعد على تغذية ظاهرة الإسلاموفوبيا، والصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين بشكل متكرر كمصدر للتهديد. ويعتبر الكاتب الفلسطيني ادوارد سعيد من الأوائل الذين درسوا هذا الدور في كتابه "تغطية الإسلام" ( Covering Islam ) حيث قدم تحليلاً عميقاً لكيفية تغطية الإعلام الغربي للإسلام، وهو جهد ضروري ومهم لفهم جذور الإسلاموفوبيا في الخطاب الغربي. كما ساهم صعود الحركات السياسية اليمينية في أوروبا وأمريكا الشمالية، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية، في زيادة الإسلاموفوبيا، حيث أصبحت الهجرة والمجتمعات الإسلامية هدفًا للخطاب السياسي الشعبوي لتلك التيارات.
العرضي والاستراتيجي من الظاهرة
يلحظ الراصد لتطور ظاهرة الإسلاموفوبيا المعاصرة جمعها بين الطابع العرضي الذي قد يبدو أحيانا والخط الاستراتيجي على المدى الطويل الذي لا تخطئه العين البصيرة الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى ترسيخ كراهية الإسلام في عقول الناس وعدم تفويت أي فرصة تتاح أو أي حادث عرضي لتجذير ذلك وإعادة تدويره بهدف صناعة رأي عام متحيز ضد الإسلام والمسلمين ومتوتر إزاء الحظوة المتزايدة التي يلقاها لدى الجمهور الغربي ولا سيما الشبابي منه وتنامي الإقبال عليه كدين جاذب للأفكار والارواح أمام التراجع الملحوظ للفكر الكنسي وانغلاق الفكر التلمودي.
إن ازدهار ظاهرة الإسلاموفوبيا المعاصرة انطلق مع أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة التي شكلت صدمة كبرى للعالم بأسره وتم توظيفها إعلاميا على أكبر نطاق وتوجيه سهام الاتهام ليس إلى من قام بتنفيذها ـ وهو أمر لم يعد اليوم لغزا ولا طلسما ـ وإنما إلى الإسلام برمته وإلى المسلمين أجمعين.قد تبدو أحداث العنف المنسوبة حقا أو باطلا لبعض المسلمين سببا عارضا لتزايد الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية وهي أحداث موسمية طارئة تبدو وكأنها نتيجة طبيعية للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية كتلك التي نجمت اثر صدور كتاب "الآيات الشيطانية" عام 1988 الذي تطاول فيه كاتبه البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي على نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، أو الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول في الدانمارك عام 2005 أو في فرنسا عام 2015. قد تكون كل تلك الأحداث وغيرها ظاهرة عرضية نتجت كردود أفعال عن سلسة الاستفزازات والإساءات المتكررة عمدا ضد الإسلام ورموزه، ولكن ذلك لا يمكن أن يحجب الخيط الناظم للملاحقة الإعلامية والفكرية والثقافية التي تنتهجها القوى اليمينية المتطرفة الرافضة للوجود الإسلامي والمتحفزة ضد مقبولية الإسلام في النخب والأوساط الاجتماعية الغربية. فالإسلاموفوبيا بهذه الصورة ليست رُهاب الإسلام أو الخوف من الإسلام كما يروج البعض من المحللين للظاهرة وانما هو التخويف من الإسلام وزرع بذور الكراهية ضده ضمن خطة استراتيجية محكمة لم تنقطع حلقاتها منذ عهد الاستشراق الأول وما أورثته الحروب الصليبية في العصور الوسطى من حقد دفين. فلم تعد هذه الخطة مخفية أو تدار حلقاتها في الظلام ولكنها أضحت مكشوفة للعيان وأمام مرأى الجميع. ويكفي التوقف عند التصريحات المثيرة لرؤساء دول غربية كبرى كالرئيس الفرنسي ماكرون وسلفه ساركوزي والرئيس الأمريكي السابق ترمب التي أثارت ضجة إعلامية دولية للتدليل على هذه الحقيقة.
من حسن حظ الوجود الإسلامي في الغرب أن هذه التصريحات والمواقف النشاز لا تعبر إلا عن جزء من المجتمع الغربي المشحون عبر وسائل الاعلام ودورها التضليلي ضد الإسلام والمسلمين وأن هناك جزءا آخر معتبرا لا يحمل مشاعر الإسلاموفوبيا ويقف موقفا موضوعيا بعيدا عن التحيز والكراهية. ولا أدل على ذلك من التحركات التضامنية المشرفة التي قام بها طلاب الجامعات الغربية مساندة لغزة التي تتعرض لأكبر إبادة جماعية في التاريخ الحديث على يد الصهيونية العالمية.
كشفت هذه الأحداث الكبرى عن الوجه الحقيقي لظاهرة الإسلاموفوبيا حيث كونها تنم عن خطة استراتيجية للأحزاب اليمينية الصاعدة تستخدم كأداة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية محددة، وخصوصًا في الحملات الانتخابية، حيث تستغل تلك الأحزاب والحركات السياسية الإسلاموفوبيا لكسب دعم الناخبين عبر تصوير الإسلام على أنه تهديد للأمن القومي أو للهوية الوطنية مما يساعد في تعزيز القاعدة الشعبية لهذه الأحزاب.
كما أن بعض الدراسات تشير إلى وجود صناعة قائمة حول الإسلاموفوبيا، حيث توجد مؤسسات إعلامية ومنظمات تنشر عن عمد معلومات مضللة أو مشوهة حول الإسلام لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية. وهذا يشمل تمويل بعض مراكز الأبحاث والمنظمات التي تتبنى خطابًا معاديًا للإسلام وتروج لسياسات تمييزية. وتستخدم الإسلاموفوبيا كذلك كأداة استراتيجية في السياسات الخارجية لبعض الدول، حيث يُوظف الخوف من الإسلام لتبرير التدخل العسكري أو السيطرة الاقتصادية على دول إسلامية وهو ما يمكن من خلاله من تبرير الحروب أو التدخلات العسكرية ضد تلك الدول ذات الأغلبية المسلمة على أساس محاربة "التطرف" أو "الإرهاب"، مما يعزز أجندات استراتيجية معينة.
خاتمة
يحيلنا الربط بين العرضي والاستراتيجي في فهم ظاهرة الإسلاموفوبيا وتطورها التاريخي إلى بعض الخلاصات والاستنتاجات المهمة:
ـ أولها أن الإسلاموفوبيا باعتبارها مسارا وخطة استراتيجية يشتغل عليها أصحابها منذ زمن بعيد ليست بمعزل عن مقولة صدام الحضارات التي طرحها الأمريكي صامويل هنتغتون في نظرته لإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد هذا النظام الذي أصبح مطلبا لا مفر منه لإنقاذ العالم والبشرية من براثن الليبرالية الجديدة الأكثر توحشا في التاريخ. فالعلاقة بين الظاهرة والمقولة علاقة جدلية مترابطة يخدم كل منهما الاخر. فالاستثمار في الإسلاموفوبيا يفضي الى اسعاف نظرية صدام الحضارات خصوصا وأن صاحبها بوّأ الإسلام والحضارة الإسلامية مكانة الصدارة في هذا الصدام المنتظر. كما أن تحقق التنبؤ بصدام الحضارات يحتاج إلى أدوات لتهيئة المناخات التي تمهد لهذا الصدام، ولا شك أن الإسلاموفوبيا هي احدى تلك الأدوات.
ـ الثاني العلاقة بين العرضي والاستراتيجي هي أيضا علاقة جدلية يصب كل منهما في رصيد الآخر، حيث أن الاحداث العارضة والطارئة التي تفرزها التوترات الإقليمية والدولية وتقود الى سلوكيات عدائية ضد الإسلام والمسلمين تخدم الاهداف الاستراتيجية للاسلاموفوبيا التي تراهن على الفعل التراكمي. كما أن تلك الأهداف الاستراتيجية لا يمكن تحقيقها مرة واحدة وإنما من خلال توظيف الاحداث والظواهر العرضية من أجل بناء نسق استراتيجي يعزز المسار ويخدم الخطة على المديين المتوسط والطويل.
ـ الثالث يتعلق بمستقبل هذه الظاهرة في ظل الصراع الدولي الدائر على قيادة النظام الدولي الجديد والذي دشن مرحلته الأولى بالتعددية القطبية مع بروز مجموعة البريكس وتوسعها إلى البريكس+ لتضم دولا من العالم الإسلامي كإيران ومصر والسعودية والإمارات، وهو ما يعكس نزوعا ضمنيا من هذه الدول إلى تنويع علاقاتها الخارجية وعدم الارتهان إلى المنظومة الغربية التقليدية التي تعتبر الوعاء الثقافي والحضاري للإسلاموفوبيا.
ـ الرابع يتعلق بمستقبل الوجود الإسلامي في الغرب في ظل تصاعد الإسلاموفوبيا على يد الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ما فتئت تكتسح الركح في معظم البلدان الغربية وبالخصوص الأوروبية منها حيث تستخدم هذه الأحزاب الإسلاموفوبيا كأداة سياسية للصعود الى الحكم من جهة وتمرير سياسات تمييزية أكثر ضد الوجود الإسلامي عندما تكون في الحكم من جهة أخرى بما في ذلك ممارسة المزيد من المضايقات على المساجد والمراكز والمؤسسات الإسلامية واستهداف الرموز الدينية وفرض المزيد من القيود على الهجرة.
لكن من يدري فالشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده. ربما يدفع تصاعد الإسلاموفوبيا بشكل غير مسبوق إلى ردة فعل غير محسوبة من قبل الشعوب والمجتمعات الغربية التي بدأ جزء هام منها يستفيق على وقع طوفان الأقصى.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير الرأي الغربية العلاقات المسلمون علاقات الغرب مسلمون رأي أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ضد الإسلام والمسلمین ظاهرة الإسلاموفوبیا الولایات المتحدة الإسلاموفوبیا فی العالم الإسلامی خطة استراتیجیة هذه الظاهرة من الإسلام کما أن وهو ما
إقرأ أيضاً:
غاز العدو احتلال: السُّلطة إذ تُحوّل المُعارضة إلى ظاهرةٍ صوتيّة بلا قيمة سياسيّة
لطالما اعتبرت الغالبيّة الساحقة من الأردنيين "إسرائيل" مشروعا استعماريّا استيطانيّا مُعاديا، ونظرت إلى التعامل مع هذا المشروع باعتباره اختراقا خطيرا وتهديدا ينبغي مواجهته، وبقي التطبيع -على المستوى الشعبيّ، وعلى الدّوام- أمرا مرفوضا ومُدانا؛ ليس أدلّ على هذا خفوت صوت المطبّعين وخجلهم، وتخفّي المبادرات التطبيعيّة والقائمين عليها عن أعين الرأي العامّ، والصعود الكاسح لموجات مقاطعة منتجات الشركات الداعمة لـ"إسرائيل" في الأحداث الكبرى، كما حدث أثناء الإبادة الجماعية التي نُفّذت في غزة أخيرا.
نشوء حركة مقاومة التطبيع في الأردن.. وعجزها عن تحقيق أهدافها
لم يكن ممكنا لهذا الموقف الشعبي العام -الصائب والأخلاقيّ- أن يُترجم فعليّا وسياسيّا بأفعال ماديّة تحوّله إلى واقع ملموس دون روافع تنظيميّة، تنقل الشّعار من دائرة الخطابة البلاغيّة إلى مربّع البرنامج التنفيذيّ، ولهذا نشأت في الأردن، ومنذ توقيع اتفاقيّة السلام مع "إسرائيل" في وادي عربة عام 1994، عدّة أطر، يحسب لها أنها أبقت مشاعر وخطاب مقاومة التطبيع الشعبيّة متأجّجة، لكنّها فشلت جميعها فيما هو فوق ذلك، وعلى رأس عناوين هذا الفشل تنفيذ الشعار المركزيّ والأول لحركة مقاومة التطبيع في الأردن: إسقاط معاهدة وادي عربة وإلغائها، وهي التي مرّت ذكراها الثلاثون يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
نشأت في الأردن، ومنذ توقيع اتفاقيّة السلام مع "إسرائيل" في وادي عربة عام 1994، عدّة أطر، يحسب لها أنها أبقت مشاعر وخطاب مقاومة التطبيع الشعبيّة متأجّجة، لكنّها فشلت جميعها فيما هو فوق ذلك، وعلى رأس عناوين هذا الفشل تنفيذ الشعار المركزيّ والأول لحركة مقاومة التطبيع في الأردن: إسقاط معاهدة وادي عربة وإلغائها
ليس هذا فقط، بل إن الحركة المنظّمة لمقاومة التطبيع، والمتمثلة في أجسام ثلاثة انبثقت في الفترة المحيطة بمعاهدة السلام، هي اللجنة التنفيذية العليا لحماية الوطن ومجابهة التطبيع (الممثلة بشكل رئيسي لائتلاف أحزاب المعارضة الأردنيّة بجميع ألوانها الإسلاميّة والقوميّة واليساريّة)، ولجنة مقاومة التطبيع النقابيّة (المنبثقة عن النقابات المهنيّة الأردنيّة، وهي -سابقا- أنشط هذه الهيئات وأكثرها تأثيرا)، وجمعية مناهضة الصهيونية والعنصريّة (التي أسّسها وترأسها في بداياتها المعارض الأردنيّ البارز ليث شبيلات)، قد ضعفت وفقدت فاعليّتها منذ عام 2009، وهو العام الذي تخلّصت فيه النقابات المهنيّة من صداع مجموعة النشطاء الرئيسيّين والمبدئيّين الذين قامت عليهم اللجنة النقابيّة (وكنت أحدهم في ذلك الوقت، شاغلا موقع مقرّر اللجنة)، مستبدلة إياهم بلجنة أضعف، خفتت رويدا رويدا إلى أن اختفت اليوم من الوجود تماما.
انقسام المعارضة على نفسها إثر الانتفاضات العربيّة (2010-2013)
فاقم هذا الضعف والخفوت الانقسام التناحريّ الذي حصل في صفوف المعارضة الأردنيّة التي كانت موحّدة بجميع أطيافها حول مجموعة من القضايا المركزيّة (مثل الحريّات العامة، ومقاومة التطبيع، وإسناد فلسطين)، لتتحوّل إلى مواجهة بعضها البعض إثر اندلاع الانتفاضات العربيّة (2010-2013)، خصوصا الانتفاضة السوريّة، فكان الخلاف حول هذه الأخيرة، وانحياز غالبيّة القوى القوميّة واليساريّة إلى جانب الإجرام الدمويّ المتمثّل بمجموعة الأسد الحاكمة، وتخوينها من خالفها هذا التوجّه، المسمار الأخير في نعش التنسيق المشترك ووحدة العمل في القضايا المركزيّة الكبرى، والطلاق بين تلك القوى وبين الحركة الإسلاميّة التي أخذت -عموما- جانب المُنتفضين وعارضت السلطات السياسيّة لتلك البلدان (فيما عدا السّودان)، فكانت تلك نهاية المساحة الصغيرة التي من خلالها استطاعت هذه القوى التحرّك جماعيّا وإحداث بعض الضغط والتأثير على السّلطة وتوجّهاتها.
مثّل عام 2014 علامة بارزة وصلت فيها قوى المعارضة إلى قمّة الضعف بتجذّر التناحر البينيّ والتخوين على قاعدة "الموقف من سوريّا"، وتفاقم التفتّت بانخراط بعض قوى الحراك الأردنيّ "الإصلاحيّة" وممثّليها كوزراء ونوّاب وأعيان ورؤساء هيئات وأعضاء لجان داخل أطر السّلطة التي كانوا يعارضونها ويريدون "إصلاحها"، وصعود نزعات هويّاتيّة-وطنيّة انقساميّة إقصائيّة أخذت شكل تنظير سياسيّ واسع على قاعدة "الأصول والمنابت" كان قبلها من المحرّمات.
تسارع التطبيع وانتقاله نوعيّا إلى التطبيع العضويّ العميق
ضمن تلك الأجواء وذلك الضّعف، تسارع التطبيع بمعناه العضويّ العميق، أي الذي يبغي أن يحقّق ما فشلت فيه المبادرات الطوعيّة والسياسيّة والثقافية السطحيّة، بالغصب والقوّة، وعبر تمكين التطبيع من قطاعات أساسيّة واحتياجات حيويّة يصعب الفكاك منها، يقيّد لا السلطات السياسيّة مباشرة بالمشروع الاستعماريّ الاستيطاني الصهيونيّ فقط، بل يكبّل أيضا عامّة الناس، ويجعلهم خاضعين، دون موافقة منهم، لـ"إسرائيل"، ومموّلين لها في آنٍ معا، فتمّ في شباط/ فبراير من ذلك العام توقيع أوّل اتفاقيّة لاستيراد ما اصطلح شعبيّا على تسميته بـ"الغاز الفلسطينيّ المسروق" من قبل شركة البوتاس العربيّة، وهي شركة تمثّل أحد أعمدة اقتصاد الأردن، لتتحوّل، بعد حفل توقيع شارك فيه آموس هوكشتاين، العرّاب الأمريكيّ لدمج "إسرائيل" في المنطقة العربيّة من خلال الطاقة، إلى الاعتماد بشكل شبه كليّ على إمدادات الغاز من "إسرائيل" من أجل تشغيل منشآتها، لتدفع فوقها 700 مليون دولار لائتلاف شركات أمريكيّة إسرائيلية كثمن لهذه التبعيّة.
لم تثر هذه الصفقة التي تمثّل نقلة نوعيّة غير مسبوقة في التطبيع والاختراق الإسرائيليّ للأردن سوى القليل من الجدل، ما شجّع أصحاب القرار إلى المضيّ قدما بالخطوة الأخطر، وهي توليد الكهرباء في الأردن بأكمله بإمدادات الغاز من "إسرائيل"، فوقّعت شركة الكهرباء الوطنيّة، منتصف أيلول من العام نفسه، رسالة نوايا غير ملزمة كمقدمة لاتفاقية تستورد بموجبها هذه الشركة المملوكة بالكامل للحكومة الأردنية (أي للمال العام)، ولخمسة عشر عاما تُحسب من لحظة ابتداء التزويد، غازا قُدرت قيمته حينها بـ15 مليار دولار.
كانت رسالة النوايا هذه هي نقطة الانطلاق لحراك شعبيّ أراد منع هذه الاتفاقية، ووجد وسيلته الأنجع بإعادة إحياء تقاليد الوحدة في القضايا المصيريّة المشتركة، وترك الخلافات الأخرى قائمة لكن خارج الإطار المشترك، فعمل هذا الحراك على تشكيل ائتلاف من الأحزاب والنقابات والهيئات والحراكات ونوّاب البرلمان، تبلور في "الحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتفاقيّة الغاز مع الكيان الصهيوني" (المعروفة باسمها المختصر: "غاز العدو احتلال")، ووضع مؤسسوها نصب أعينهم تجاوز الهنات في آليّات عمل تنظيمات مقاومة التطبيع الأسبق، والاستفادة من الإيجابيّات، فاعتمدوا على شرعنة وجود الحملة ذاتيّا لا رسميّا، استنادا إلى عدالة قضّيتها وتحرّكها المنظّم في الشارع والوضعية الاعتبارية لائتلاف الهيئات المشكّلة لها. واستفادوا من تجربة النقابات المهنيّة السابقة والقاضية بعدم ضرورة إبلاغ السلطات الرسميّة أو طلب الإذن منها لإقامة الأنشطة والفعاليات والمسيرات، على اعتبار أن الإعلان العلنيّ للفعالية هو بمثابة الإشعار.
وأعادت الحملة فكرة تنسيق القوى السياسية المعارضة الإسلامية والقومية واليسارية وغيرها باعتبارها أمرا مركزيّا وضروريّا للنجاح، فكانت الحملة المكان الوحيد الذي تجتمع فيه جميع القوى على طاولة واحدة، واعتمدت في نطاق عملها على المعلومات المبنيّة على الدلائل، والبحث العلميّ الموثّق، بل إن بيانات الحملة كانت تصدر مُدعّمة بالهوامش والمراجع، واتّبعت الحملة نسق "مجموعات الضغط" على مجلس النواب، واستطاعت أن تستصدر قرارين (اعتبرتهما الحكومة غير مُلزمين) صوّت فيهما المجلس -مرّة بالأغلبية الساحقة وأخرى بالإجماع- اعتبرا الاتفاقية ومقدّماتها لاغية ومعدومة.
كما نجحت الحملة بابتكار ومساندة حملات احتجاجيّة نوعيّة مثل المحاكمة الشعبيّة، وتنزيل القاطع، واليافطات العملاقة، وإعلانات الصفحة الكاملة في الصحف اليوميّة، وتنفيذ سلسلة من الإنذارات العدليّة والإبلاغات القانونية ضد رؤساء وزارات ووزراء ومسؤولين آخرين عن هذه الاتفاقيّات. كما وسّعت الحملة نطاق تواصلها وأنشطتها لتشمل المحافظات شمالا وجنوبا، وعقدت الندوات والورشات والفعاليات التوعويّة، وقدّمت الدّراسات والبدائل، وأقامت عشرات المسيرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، مثلما ربطت قضايا أخرى ماسّة بمعيش المواطنين، مثل البطالة، وتعطيل تنمية الاقتصاد المحلّي، وعدم تطوير مصادر الطاقة السياديّة، بهذا الموضوع، مبيّنة تفضيل أصحاب القرار في الأردن تنمية الاقتصاد وقطاع الطاقة الصهيونيّين وتوفير فرص العمل للمستوطنين، على تطوير اقتصاد بلدهم ورفاه ومصالح مواطنيهم.
لكن، رغم كلّ ذلك، سار ملفّ ربط الأردن بالغاز المستورد من "إسرائيل" على قدم وساق ودون تأثّر، فبعد أن استدخل الغاز المستورد من "إسرائيل" شركة البوتاس العربيّة باتفاقية وقّعت عام 2014، تم التوقيع الفعلي والمُلزم لاستيراد شركة الكهرباء الوطنيّة الغاز من "إسرائيل" عام 2016، بعد سنتين من نشاط مكثف للحملة على خلفية رسالة النوايا غير الملزمة الموقّعة قبلها، تبع ذلك، إثر استمرار الاحتجاجات المُعارضة لسنوات أخرى، بدء ضخ الغاز إلى الأردن عام 2020، واضعا نسبة خطيرة من كهربائه (70-98 في المئة بحسب الخبراء) بيد "إسرائيل" التي كثيرا ما هدّد مسؤولوها بقطع الماء عن البلاد، فأضيفت الكهرباء إلى دائرة التهديد هذه.
عام 2021 وقّع الأردن مع "إسرائيل" (بشراكة إماراتيّة ومباركة أمريكيّة) إعلان النوايا الخاص باتفاقيّة "الماء مقابل الكهرباء"، والذي يُفترض، كنتيجة له، أن يستورد الأردن نسبة وازنة من مائه من محطات تحلية "إسرائيلية"، مقابل نسبة ضئيلة إسرائيليّا من الكهرباء المولدّة في الأردن من الطاقة الشمسيّة. أما عام 2022 فبدأ تصدير الغاز إلى مصر عبر الأردن ومن خلال خط الغاز العربي الذي عُكست مضخّاته، وتحوّل، بعد أن كان مشروعا للتكامل العربيّ عنوانه ضخّ الغاز من مصر (صاحبة أكبر احتياطيّات للغاز شرق المتوسّط) إلى الأردن وسوريّا ولبنان، إلى مشروع للاختراق والإلحاق الصهيونيّ يَضُخّ غازا من المستعمرة الإسرائيليّة ليتم تسييله في مصر وتصديره بالبواخر إلى أوروبا.
تدلّ مآلات ومصائر الحملة، وأطر مقاومة التطبيع السابقة عليها، على الكيفيّة التي يُفقِد بها الفاعلون السياسيّون أنفسهم الفاعليّة السياسيّة الحقيقيّة القادرة على معارضة واستبدال نهج التبعيّة التي تقوم عليه سلطات بلادهم، مُتحوّلين إلى ظواهر صوتيّة قد تُزعج لكنّها لا تُعطّل، مثلما تدلّ على الكيفيّة التي تعمل بها المجموعات الحاكمة العربيّة لاحتواء وتفريغ أطر المعارضة الداخليّة في سياق بقائها في السلطة واحتكارها التامّ لها
إذا، ورغم عودة ملفّ التطبيع ومواجهته إلى صدارة الملفّات الأردنيّة بفضل حملة "غاز العدو احتلال" ونشاطها الواسع، إلا أن تلك العودة، وما ترتّب عنها من معارضة شعبيّة ونيابيّة كبيرة، لم توقف عربة التطبيع الرسميّ العضويّ العميق قيد أنملة، لا بل تفاقم ذلك التطبيع إلى مستويات غير مسبوقة، وبنفاذٍ مباشر إلى الناس في مسائل تمسّ أمنهم وحياتهم (الماء والكهرباء والطاقة)، مع وضع الجانب الرسميّ الأردني نقاط ضعف وابتزاز تخصّ الأمن الاستراتيجي للبلاد، والاحتياجات الأساسيّة للناس، بيد مشروع استعماريّ استيطاني قائم على التمدّد والقتل والإبادة الجماعيّة، ومن خلال حكومة تمثل قمّة من قمم التطرّف والإجرام سواء بشخص رئيسها الموجود في السلطة بشكل شبه مستمر منذ عام 2009، أو بطاقم وزرائها الذين دخلوا لاحقا مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
كيف يُفقد الفاعلون السياسيّون أنفسهم إمكانيّة التأثير
تدلّ مآلات ومصائر الحملة، وأطر مقاومة التطبيع السابقة عليها، على الكيفيّة التي يُفقِد بها الفاعلون السياسيّون أنفسهم الفاعليّة السياسيّة الحقيقيّة القادرة على معارضة واستبدال نهج التبعيّة التي تقوم عليه سلطات بلادهم، مُتحوّلين إلى ظواهر صوتيّة قد تُزعج لكنّها لا تُعطّل، مثلما تدلّ على الكيفيّة التي تعمل بها المجموعات الحاكمة العربيّة لاحتواء وتفريغ أطر المعارضة الداخليّة في سياق بقائها في السلطة واحتكارها التامّ لها، ضمن معادلة وظيفيّة تأخذ فيها العوامل الخارجية أهميّة أكبر بكثير من العوامل الداخليّة، فيما تستمّر (بتباطؤ أو بتسارع) مسيرتها نفسها دون تغيير.
ففيما يتعلّق بالكيفيّة الأولى، آخذين حركة مقاومة التطبيع في الأردن نموذجا، نجد أنها، ومنذ انطلاقتها، تعاملت مع الواقع من منطلق ردّ الفعل، لا المبادرة، تنتظر حدوث التطبيع ابتداء لتُقاومه (فبدون الفعل تنتفي ضرورة مقاومته)، وتقوم بعمليّة استبدالٍ تُخفّف المهمة باختيار مقارعة النتيجة عوضا عن السّبب الذي ولّدها وأنتجها، فيُترك المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ نفسه، وتُترك المجموعات الحاكمة التي ألحقت نفسها به وشرعنته وفرضت تطبيعه، ويُترك الجذر الاستعماري الذي أنشأ هذه الظواهر ورعاها، ليُقارَع العَرَض النّاتج عنها.
هكذا يظلّ ردّ الفعل ناقصا دائما، مُتأخّرا دائما، لأن الفعل سبقه في الوجود، وأسّس -بالتالي- الأرضيّة التي سيقف عليها رد الفعل. مشكلة أخرى ترتبط بالاستبدال هي الاستقواء على البردعة (المُطبّعون الصّغار القلائل من التجّار والمهنيّين والإعلاميين وغيرهم من الأفراد أو المبادرات محدودة الحجم والتأثير)؛ كبديلٍ قليل الكلفة عن الاشتباك مع المُطبّع الأوّل والأكبر، أي السلطة السياسيّة التي وقّعت المعاهدات وافتتحت السّفارات وتبادلت السّفراء وجذّرت العلاقات الاقتصاديّة والأمنيّة، وأسّست وفتحت الباب لكلّ الظواهر التطبيعيّة التالية. هذه النقطة تحديدا حاولت حملة "غاز العدو احتلال" معالجتها، فلم تبنِ جُمَلَها للمجهول، وسَمَّت الفاعل دائما، وحمّلت السّلطة السياسيّة المسؤولية، خصوصا وأن الملف الذي حملته كان ذا طابع استراتيجيّ يرتبط مباشرة بها وبحكوماتها ووزاراتها والشركات المملوكة كليّا أو جزئيّا لها. لكن الحملة فشلت في نقل هذا الخطاب المحدّد والواضح إلى شركائها المؤسسين، بل -وعلى مدار سنوات عمل الحملة- انسحب منها، أو جمّد عمله أو خفّض نشاطه فيها، نتيجة لعوامل ذاتيّة أو ضغوط أمنيّة، العديد من الأحزاب والنقابات والهيئات، كاتحاد المرأة، ونقابة المهندسين، والحزب الشيوعي، وحزب الحركة القومية، والحزب الديمقراطي الاجتماعي، وغيرها من الهيئات، كنتيجة مباشرة لمحاولات الحملة تجنّب أخطاء سابقيها، واتباع نهج الوضوح وتسمية الأمور بمسمّياتها، واجتراح نهج تنظيمي يجنح إلى التوافق لا إلى التصويت، لمنع خلق أقليّات معزولة داخل الحملة، وردع إمكانيّات الاستحواذ عليها من طرف دون الآخرين.
بل حاول البعض تعطيل عمل الحملة وعرقلة مسيرتها وتخريب أنشطتها من باب أنها تنافس نفوذها الآفل (مثلما فعلت لجنة مقاومة التطبيع النقابية التي اجتهدت أواخر أيّامها لمنع الحملة من استخدام قاعات مجمّع النقابات المهنيّة، وحرّضت النقابات ضدّها)، أو من باب أنها تضمّ في صفوفها حزب جبهة العمل الإسلامي (مثلما فعل عضوان في الحزب الشيوعي في مسيرتين مختلفتين هتفا خلالهما بهتافات خارجة عن إجماع الحملة وأهدافها بغرض إحداث شرخ فيها، وهو ما تحقّق جزئيّا في كلا المناسبتين). ورغم أن الحملة لم تستطع أن تخرج من إشكاليّة "ردّ الفعل" لأنّها تأسست عليه (باعتبارها حملة ظهرت كنتيجة لفعل سبقها هو توقيع اتفاقيّات الغاز مع "إسرائيل")، وتعرّضت في مرّات عديدة للقمع والمضايقات الأمنيّة والحصار الإعلاميّ، إلا أن الإضعاف الداخليّ كان له النصيب الأكبر، والأثر الأعمق، خصوصا بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين انفضّ جهد من بقي من مكوّنات الحملة ليتركّز في أطرهم الخاصة التي هدفت -برأيي- إلى إشغال الجمهور والحفاظ على الكوادر والأنصار، بدلا من الضغط السياسيّ الحقيقيّ على السلطة لفك الارتباط بـ"إسرائيل"، ودعم غزّة بالفعل لا بالقول، لكن هذا حديث آخر سأتناوله في مقالة أخرى قادمة.
وضعت 7 أكتوبر وما تلاها من أحداث حملة "غاز العدو احتلال"، ومجمل حركة مقاومة التطبيع، في أزمة عميقة، فلا هي كانت بقادرة على التأثير المباشر، ولا استطاعت دفع القوى السياسيّة التي انفضّت عنها وفعّلت أطرها الائتلافيّة الخاصّة إلى تحويل الشّعارات التي حملها الجميع (إلغاء معاهدة وادي عربة وإنهاء التمثيل الدبلوماسي وإغلاق السفارات، إلغاء اتفاقيات الغاز ووقف تمويل "إسرائيل" من خلالها، وقف تصدير الغاز من "إسرائيل" إلى مصر عبر الأردن من خلال خط الغاز العربي، وقف خط الإمداد البريّ لـ"إسرائيل" من المرور عبر الأردن قادما من موانئ دبيّ عبورا بالسعوديّة؛ إثر العمليّات العسكريّة اليمنيّة على الملاحة المتجهة إلى "إسرائيل" في البحر الأحمر، إنهاء العمل باتفاقية الدفاع المشترك الأمريكية الأردنية التي أتاحت وجود قواعد عسكرية أمريكيّة في البلاد باعتبار الولايات المتحدة هي الشريك الأوّل لـ"إسرائيل" في الإبادة الجماعية في غزّة)؛ إلى برنامج عمل تُحمّل من خلاله المسؤوليّات ويتمثّل في خطوات عمليّة ومهمّات واضحة ومحدّدة. كان 7 أكتوبر لحظة كاشفة على الصعد كافة، وعلى الرأس منها عجز المشهد السياسيّ المعارض في الأردن وتنظيماته، خصوصا المجموعات التي تتمحور حول مقاومة التطبيع، وآخر العاجزين منهم (وأكثرهم نشاطا حتى تلك اللحظة) حملة "غاز العدو احتلال".
كيف تحتوي المجموعات الحاكمة العربيّة وتُفرّغ أطر المعارضة الداخليّة؟
أما فيما يتعلّق بالكيفيّة الثانيّة: تعمل المجموعات الحاكمة في المنطقة العربيّة على إضعاف واحتواء، وأحيانا تدمير، ما يسميّه أنطونيو جرامشي "المجتمع المدنيّ"، أي الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية والمنظمات الشعبيّة والصحافة؛ أدوات الوجود السياسيّ المُعيّن لعموم الناس، والتي تمكّنهم من المشاركة والتأثير في السياسة، على النقيض من الدولة التي تقوم عند جرامشي على: أ. تضافر وتلاصق وتشابك المُجتمعين المدنيّ (المذكور سابقا) والسياسيّ (الإخضاعيّ، المتمثّل بالجيش والشرطة) لإنتاج؛ ب. "الهيمنة" التي هي (بتبسيط مخلّ) مزيج من القناعة الداخليّة بأهميّة الدولة للمجتمع، والإكراه على قبولها، في حين تُشكّل؛ ج. مؤسّسات الحُكم وآليّات عمل المنظومة في هذا النموذج (البرلمان، القضاء، قدسية الدستور والقوانين) نوعا من الصمغ اللاصق لقطاعات المجتمع المتباينة وميسّر التسويات بينها.
التطوّر التاريخيّ الذي مرّ به نموذج جرامشي لنشوء الدولة (الأورو-أمريكيّة تحديدا) ليس هو المسار الذي مرّت بها الكيانات السياسيّة في منطقتنا، والذي أسميّه: مسار النشوء والتطور الاستعماريّ. نتيجة للشرط الاستعماريّ وتأثيراته المستمرة والمستدامة، قامت المجموعات الحاكمة في المقام الأوّل على الشرعية الاستعماريّة الخارجيّة لا المجتمعيّة الداخليّة، وتطوَّر مجتمعها السياسيّ (الإكراهيّ) بهدف البقاء واحتكار السلطة في المقام الأول، لا من أجل الهيمنة التي تتطلّب، إلى جوار الإكراه، قوّة الإقناع والمصلحة المجتمعيّة في بقاء الدولة. وهذه الأخيرة يتولّاها المجتمع المدنيّ، وتشكل مصدر قوّة وصلابة الجبهة الداخليّة للدول.
وجدت المجموعات الحاكمة العربيّة الناشئة بعد الاستعمار في المجتمع المدنيّ خطرا إن تطوّر وقويت من خلاله شوكة المواطنين -بالتجمّع والتنظيم والتأثير- يهدد احتكارها للسلطة، وبالتالي بقاءها. بتفكيك المجتمع المدنيّ ومنع تطوّره، وتشجيع الانقسامات الداخليّة (الطائفيّة والإثنية والعشائرية والمناطقيّة)، تضمن المجموعات الحاكمة بقاءها الطويل بتحويل المجتمع إلى كتل زبائنية متنافسة، وتحويل نفسها إلى ضامنٍ لعدم انفجار هذه الكتل في وجه بعضها البعض. بهذا أفقدت المجموعات الحاكمة مواطنيها أدوات التأثير السياسي، وفتّتهم إلى مجموعات بدلا من توحيدهم في مجتمع، لكن الأثر الجانبيّ الخطير لهذا الفعل هو إضعاف الجبهة الداخلية، وإخضاع المجموعات الحاكمة (أكثر فأكثر) لابتزاز القوى الخارجيّة الإقليمية والدوليّة التي تملك (بالمساعدات والقروض والمؤسسات المانحة والتأثير السياسي والقوة الاقتصاديّة والعسكريّة) مدّ هيمنتها إلى خارج حدودها، وتقويض الجبهة الداخلية للكيانات السياسية الوظيفيّة الناشئة ما بعد الاستعمار، بعد أن جهّزتها لذلك وأضعفتها المجموعات الحاكمة، وبهذا تنغلق الدائرة الخبيثة للمجموعات الحاكمة والكيانات التي تحكمها.
الدائرة الخبيثة التي تُحوّل المعارضة إلى ديكور
على القوى الشعبيّة التي تبغي كسر هذه الحلقة المفرغة، أن تخرج، مرّة وللأبد، من دائرة التبعيّة الوظيفيّة الخبيثة، وأن تشتقّ شرعيّتها من نفسها ومن حقّها في التغيير والفعل السياسيّ وصناعة المستقبل الأفضل وإحقاق العدالة، وأن تصنع لحركتها حيّزا سياسيّا خارج إطار الحيّز الذي تسيطر عليه المجموعات الحاكمة بالقمع والإغواء والاحتواء
مشكلة التيّارات والقوى السياسيّة الرئيسية في المنطقة العربيّة، والتنظيمات والمجموعات التي تريد المساهمة والتأثير في المشهد، أنها تفعل ذلك من داخل البنية الوظيفيّة المابعد استعماريّة، وبمحدّدات تلك البنية وقواعدها، متحوّلة -شيئا فشيئا- إلى مجموعة وظيفيّة داخل الكيان الوظيفي، تخدم أدوارا صوتيّة، ديكوريّة، تنفيسيّة، وهي تعلم سلفا ومسبقا أنّها غير مؤثرة، إذ أنها في اللحظة التي ستتحوّل فيها إلى التأثير الفعّال، ستدخل في صدام وجوديّ مع السّلطة الحاكمة، وهي من الضعف إلى الدرجة التي لن تتحمّل فيها تبعات هذا الصّدام بعد أن حاصرت نفسها داخل الإطار الوظيفيّ ما بعد الاستعماريّ، وهنا تنغلق الدائرة الخبيثة للقوى السياسية (المعارضة منها والموالية) العاملة داخل الكيانات الوظيفيّة المابعد استعماريّة التي حشرت منظورها بها.
كان هذا مآل حملة "غاز العدو احتلال"؛ استوعبناه بعد 7 أكتوبر والتداعيات الخطيرة التالية المستمرّة حتى اليوم، وهو نفسه مآل حركة مقاومة التطبيع في الأردن بتنويعاتها المتعددة، ومآل القوى السياسية التي تتقيّد جميعها بحالة أدائيّة-روتينيّة متّفق عليها ضمنا ولا يجب تجاوزها، فالتظاهر -مثلا- مسموح هنا، وممنوع هناك، والمسيرة تنتهي هنا، في هذا الموقع بالضبط، وليس بعده، وفي الساعة المحدّدة بالذات، والساحة تلك ممنوع أن يصل إليها أحد، والكلّ ينضبط في هذا البرنامج الأدائيّ-الروتينيّ المُفرغ من السياسة، والذي يحيل مباشرة إلى نمور زكريّا تامر في يومها العاشر.
على القوى الشعبيّة التي تبغي كسر هذه الحلقة المفرغة، أن تخرج، مرّة وللأبد، من دائرة التبعيّة الوظيفيّة الخبيثة، وأن تشتقّ شرعيّتها من نفسها ومن حقّها في التغيير والفعل السياسيّ وصناعة المستقبل الأفضل وإحقاق العدالة، وأن تصنع لحركتها حيّزا سياسيّا خارج إطار الحيّز الذي تسيطر عليه المجموعات الحاكمة بالقمع والإغواء والاحتواء، مستخدمة في سبيل ذلك منظومات دستوريّة-قانونيّة غير ثابتة، تُطبّق وتُفصّل ويُعاد تكييفها انتقائيّا، وأن تركّز على ما نفتقده حقّا كحركات شعبيّة: التنظيم، والمعرفة التي لا تنفصل عن الممارسة عبر ديناميّة تغذية متبادلة تلغي الحاجز بين النظريّة والفعل، وتجعل الأوّل يجوّد الثاني ويوسّع مداركه، والثاني يُعلّم الأوّل ويُحدّثه.