الفنانون العرب ومعارضهم في صدارة المشهد في آرت بازل باريس
تاريخ النشر: 25th, October 2024 GMT
استضافت العاصمة الفرنسية أكبر معارض الفن المعاصر في العالم "آرت بازل باريس" داخل القصر الكبير التاريخي، في منظر بانورامي مبهر يضم 195 معرضا من كل أنحاء العالم.
وتحت هيكل قبة القصر الزجاجية الشهيرة، اكتشف عشاق وجامعو الفن المعاصر أعمال فنانين من 42 دولة، بما في ذلك 64 صالة عرض في فرنسا، لتوفير تجربة فريدة من نوعها في التميز الفني والتراث الثقافي للجمهور المحلي والدولي.
ويمثل الانتقال إلى القصر الكبير "غراند باليه" الذي تم ترميمه حديثا، الذي يعد أحد أكثر أماكن المعارض شهرة وتاريخية في العالم، احتفالا وتتويجا لارتباط "آرت بازل" العميق بالعاصمة الفرنسية ونظامها البيئي الثقافي الاستثنائي.
وقد أتاح هذا المعرض إمكانية توسيع نطاق استكشاف المشاهد والحركات الفنية الكبرى في رحلة ديناميكية ومحفزة للزوار، وتعزيز مكانة باريس كمركز أساسي لسوق الفن العالمي.
وفي هذا الإطار، أعرب مدير "آرت بازل" كليمان دو ليبين عن سعادته بالتمكن أخيرا من الانتقال إلى مبنى القصر الكبير لتقديم نسخة عام 2024، مشيرا إلى إضافة 41 معرضا وقطاعا مختلف المواضيع، حيث "ساهمت ممرات وشرفات المكان الأسطوري في خلق وجهة نظر مميزة للمعرض".
وأضاف دو ليبين في حديث للجزيرة نت "من واجبنا جعل الفن المعاصر أكثر شمولا من خلال تقديم أعمال لم تكن مرئية من قبل، ولم تحظَ بالتقدير الكافي لفترة طويلة أو حتى تم نسيانها".
وتمحور "آرب بازل" لهذا العام حول 3 قطاعات رئيسية، وهي "المعارض" و"الظهور" المخصص للفنانين الناشئين و"الفرضية"، وهو قطاع جديد يسلط الضوء على مقترحات تنظيمية غير نمطية، ويشمل إبداعات تعود إلى ما قبل عام 1900.
وعن المشاركة البارزة للفنانين والمعارض العربية، أكد مدير المعرض أن هذا الحضور "يتميز بمكانة كبيرة خلال هذه الطبعة، حيث تشارك صالة عرض مغربية لأول مرة من خلال أعمال محمد المليحي الأيقونة في فترة الستينيات، والذي له الفضل في جلب الرسام والنحات الأميركي الشهير فرانك ستيلا إلى المغرب".
وتابع "تكتمل المجموعة العربية بوجود صالتي عرض من لبنان، الأولى معرض المرفأ الواقع في مرفأ بيرون ومعرض صفيرـزملر الموجود في هامبورغ أيضا، فضلا عن معرض أثر السعودي".
وفي إشارة تليق بروعة المكان للفنون الجميلة، كان معرض هذا العام أكبر وأكثر شعبية من نسخة العام الماضي، إذ بلغ إجمالي الحضور أكثر من 65 ألف زائر، كما بيع عدد من الأعمال الفنية بأسعار خرافية، مثل منحوتة لويز لورجوا "سبايدر" لعام 1995 بمبلغ قدره 20 مليون دولار.
خطاب عالميوقد حاز الفنان محمد المليحي، الذي يعتبر من رواد فن الحداثة في المغرب، ومن مؤسسي مدرسة مدينة الدار البيضاء للفنون، على اهتمام خاص خلال هذا المعرض، ويضم الجناح المغربي أعمالا فنية من عام 1958 إلى عام 2012 تسترجع أهم الفترات التي ميزت مسيرة الفنان المهنية.
وتعليقا على هذه المشاركة، أوضحت المؤسِسة المشاركة لمعرض "لوفت" للفنون ياسمين برادة أن المشهد الفني المغربي المعاصر غني بعناصره "نرى اليوم إقبالا أكبر من الفنانين المغاربة على الفن المعاصر، وقد أثبتوا تفوقهم ومكانتهم المرموقة على المستوى الدولي".
وأضافت برادة، في حديثها للجزيرة نت، "نحن سعداء بالمشاركة كأول معرض مغربي في أكبر معرض للفن المعاصر في العالم، وفخورون أيضا بتمثيل المملكة المغربية التي تتميز بموقعها الجغرافي، الذي يساهم في خلق جسر لبلورة الحوار بين كل دول العالم، وملتقى طرق بين القارة الأفريقية والغرب".
وبعد أن كان سوق الفن المغربي محليا بشكل كبير قبل 15 عاما، أصبح اليوم أكثر انفتاحا مع تزايد اهتمام العديد من جامعي الفنون الأجانب لشراء الأعمال الفنية في المملكة.
وترى ياسمين برادة أن "هذه مجرد بداية لسنوات مقبلة ستكون أكثر نجاحا وتميزا، لأننا نعتمد على تراثنا وجذورنا وحرفيتنا ومعرفتنا على مستوى التخصصات الأخرى كالأدب والمسرح، وما إلى ذلك، وكل ما يمثل الثقافة المغربية في خطاب يستقطب العالم بأكمله".
من جانبها، أكدت الأمينة العامة لمعرض "أثر" في المملكة العربية السعودية داريو كازانوفا أن "الفن والثقافة طريقة فعالة لإبراز جزء آخر من الحقيقة من خلال مشهد فني فريد من نوعه، لأننا ندرك أن صورة البلاد تتم صياغتها من قِبل وسائل الإعلام والأخبار السيئة".
وعن مشاركة هذا المعرض السعودي، ذكرت كازانوفا، في حديث للجزيرة نت، أن الفنانين الشباب، مثل محمد الفرج ومحمد شونو وسارة عبده وأسماء باخمين، يتميزون باستخدام مواد معينة في أعمالهم الفنية، مثل تركيب من الصابون على الحائط ومنحوتة رملية وأخرى من أشجار النخيل.
رسائل وألوان عربيةوقد برز معرض "صفيرـزملر" اللبناني بشكل لافت ضمن معارض "آرت بازل"، خاصة من خلال جدار السيراميك المذهل للفنانة اللبنانية إيتيل عدنان ولوحات الفنان وليد رعد وعارف الريس الذي يعلق في لوحاته على الحرب الأهلية في لبنان بطريقته الفريدة.
ولفتت مالكة المعرض أندريه صفير زملر إلى استقطابها الفنانين العرب من مختلف الدول، قائلة "نعرض أعمال يتو براده من المغرب وأعمالا مهمة للفنانة الفلسطينية سامية حلبي المستقرة اليوم في الولايات المتحدة، والفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي الذي يعرض لوحات تمثل لقطات من الشاشة تعكس ما يحدث في غزة".
وتعتبر صفير زملر، في حديث للجزيرة نت، أن جذب الانتباه إلى الفنانين الذي ركزوا على حقوق الإنسان مهم للغاية في ظل الوضع السياسي المعقد، ولهذا "نفعل ما بوسعنا لإبقاء النور مضاء وجعل فنانينا أضواء منيرة في الظلام، وقد تمكنا بالفعل من بيع أعمالهم في مجموعات كبيرة في متاحف مهمة للغاية بفضل جودتها الفنية والرسالة التي تقدمها".
وفي سياق متصل، أكدت الأمينة العامة لمعرض "أثر" السعودي أن "الثقافة العربية معاصرة وليست عالقة في القرن العاشر أو في المنمنمات الفارسية العائدة إلى القرن الخامس عشر، إذ تتطور هذه الثقافة جنبا إلى جنب مع المجتمع".
كما أوضحت أن الأعمال المعروضة لها طابع استثنائي بفضل وجود آثار لأشكال الفن التقليدية، وإشارات القرآن وكتب التقاليد الإسلامية، وهي عناصر جعلتها تحظى باهتمام كبير من قِبل الجمهور الأجنبي.
وفي ظل الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي، أضافت أندريه صفير زملر "بيروت أصبحت مدينة جريحة والفن هو تعبير عن حرية الفكر والقضايا السياسية لسرد التاريخ وترك شهادة فنية، وبالإضافة إلى معرضنا في مدينة هامبورغ، يمتد معرضنا في بيروت على مساحة 1400 متر مربع، لتوفير مكان للتواصل والتنفس للزوار، وبمثابة واحة للفكر والحديث في أوقات الحرب".
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الفن المعاصر للجزیرة نت من خلال
إقرأ أيضاً:
سيناريوهات المشهد السياسي العراقي في ظل مقاطعة الصدر للانتخابات
بغداد- ثار جدل واسع في الأوساط السياسية والشعبية العراقية، إثر قرار زعيم التيار الوطني الشيعي "الصدري سابقا"، مقتدى الصدر، يوم 27 مارس/آذار الماضي مقاطعة الانتخابات المقبلة، بسبب مشاركة من وصفهم بـ"الفاسدين"، خاصة بعد دعوته أنصاره في فبراير/شباط الماضي لتحديث سجّلاتهم الانتخابية، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل العملية السياسية في البلاد.
وبدأت سلسلة اعتزال الصدر للعمل السياسي عام 2013، حين لوَّح بالانسحاب من الحكومة والبرلمان، واصفا الأخير بالهزيل، ثم اعتزل رسميا بعد 5 أشهر، لكنه تراجع بعد شهر واحد، وعام 2014، انسحب مجددا وحل التيار، لكنه عاد للمشاركة في الانتخابات.
وعام 2016، جمّد كتلة الأحرار البرلمانية، ثم أمر بإخلاء مكاتب التيار، وأنهى -في العام نفسه- مقاطعته لاجتماعات التحالف الوطني، ليعلن بعد عامين عدم ترشيح أي وزير من تياره للحكومة. وفي 2019، أمر بإغلاق مؤسسات التيار لمدة عام، ليعلن في 2021 انسحابه من الانتخابات، ثم عاد للمشاركة فيها، وعام 2022، أعلن انسحابه من السياسة، ثم اقترح تنحي الأحزاب، وأعلن اعتزاله النهائي وأغلق مؤسسات تياره أواخر أغسطس/آب 2022.
pic.twitter.com/tI9XmUvbCh
— وزير القائد - صالح محمد العراقي (@salih_m_iraqi) March 27, 2025
إعلان سبب الامتناعمن جهته، يقول رافد العطواني -المقرب من التيار الوطني الشيعي- إن قرار الصدر بمقاطعة الانتخابات المقبلة له تأثيرات عدة على المشهد السياسي العراقي، أولها: تقليل حظوظ البيت الشيعي في الحصول على مقاعد إضافية بالمناطق المختلطة، وتأثيره سلبا على نسبة المشاركة في الانتخابات بشكل عام.
ويوضح العطواني -للجزيرة نت- أن الصدر يعتقد أن العملية الانتخابية الحالية لا جدوى منها، وأنها ستصب في مصلحة "الفساد والفاسدين"، وأن القوى السياسية مستمرة في اتباع نهج المحاصصة الذي يعوق أي تغيير حقيقي.
وأضاف أن نسبة المشاركة بالانتخابات ستنخفض بشكل كبير، إذ قد يمتنع نحو 1.5 مليون ناخب من التيار الصدري عن ذلك، وربما دعوات أخرى للمقاطعة قد تشجع آخرين على عدم الانتخاب.
كما أن تراجع الصدر عن قراره -حسب العطواني- وارد في عالم السياسة، وذلك بطلب من قوى سياسية مختلفة أو بتدخل شخصيات شيعية نافذة للتأثير عليه، أو قد يصدر الإطار التنسيقي بيانا أو وثيقة تدعوه للعدول عن قراره، أو تحدث متغيرات قبل الانتخابات تُغِّير موقفه.
من جانبها، استبعدت القيادية في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ريزان شيخ دلير، تأثير مقاطعة الصدر على نتائج انتخابات 2025 أو موعد إجرائها.
وقالت شيخ دلير للجزيرة نت إن مقاطعة الصدر للانتخابات متوقعة، نظرا لنهجه الإصلاحي وعدم توافقه مع الأحزاب السياسية الحالية، مشيرة إلى تجاربه السابقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، التي لم تحقق هدفه بتشكيل الحكومة.
وأضافت أن الصدر، الذي يتبنى رؤية مغايرة ويسعى لإصلاح الوضع العراقي، لجأ للمقاطعة لعدم قدرته على تحقيق برنامجه بمفرده أو بالتعاون مع أحزاب أخرى تتقاطع معه في الرؤى.
إعلانوعن مدى تأثير مقاطعة التيار الصدري على المشاركة في الانتخابات، أكدت شيخ دلير أن تجربة انتخابات مجالس المحافظات -التي قاطعها التيار الصدري- أثبتت أن بقية شرائح المجتمع شاركت بشكل طبيعي، ورأت أن بعض الأحزاب قد تتمنى مقاطعة جماهير الجهات الأخرى لضمان حصولها على أصوات ومقاعد أكثر من خلال قواعدها الجماهيرية.
دعوة للعودة
أما عضو المكتب السياسي لكتلة "صادقون" -الجناح السياسي لعصائب أهل الحق– يسرى المسعودي فرأت أن قرار الصدر بمقاطعة الانتخابات لن يؤثر على المشهد السياسي بشكل عام، وأمِلَت أن يكون التيار الصدري حاضرا في العملية السياسية، لما يمثله من أهمية تثري التنوع السياسي.
وأوضحت المسعودي للجزيرة نت أن القرار جاء عن قناعة شخصية تحظى بالاحترام، مشيرة إلى أن كل مشروع سياسي يستند إلى قراءة خاصة للمشهد السياسي، وأن الصدر يحمل مشروعا يرى أنه لا ينسجم مع المشاريع المطروحة حاليا، وهذا "حق سياسي مكفول لجميع الأحزاب".
وأكدت أن المشهد السياسي بشكل عام لن يتأثر بمقاطعة التيار الصدري، مستشهدة بتجارب سابقة لم تؤثر فيها مقاطعة أي طرف سياسي على سير العملية الانتخابية.
وبيَّنت أن كل طرف سياسي يمتلك قاعدة جماهيرية، وأن للتيار الصدري جماهيره، التي لها الحق بالمشاركة أو المقاطعة، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن نسب المشاركة لا تتأثر بمقاطعة أي حزب سياسي، وأن الانتخابات تمضي بنتائجها بغض النظر عن ذلك.
واختتمت المسعودي بتأكيدها أن كتلة صادقون، بصفتها شريكا سياسيا، تحترم قرار الصدر، وتأمل عودته للمشاركة بالعملية السياسية بالمستقبل.
المقاطعة فجوةمن جهته، رجَّح الأكاديمي والباحث السياسي، أحمد المياحي، مشاركة عديد من أتباع التيار الصدري بالانتخابات المقبلة، رغم دعوة زعيمهم للمقاطعة.
وأوضح أن دعوة الصدر للمقاطعة قد تكون في جوهرها وسيلة ضغط على الإطار التنسيقي والكتل السياسية المشكلة للحكومة، بهدف تغيير سياساتها الاقتصادية، ومعالجة ملف السلاح المنفلت، وتوفير حماية حقيقية للمواطنين العراقيين.
إعلانوأضاف المياحي للجزيرة نت أن المقاطعة بحد ذاتها ليست "خيارا إيجابيا" في العملية السياسية، بل "خطوة سلبية" رغم أنها مكفولة دستوريا، وأكد أن المشاركة بالانتخابات هي "الخيار الأمثل"، إذ يمكن للتيار الصدري أن يُشكل كتلة معارضة قوية داخل البرلمان، قادرة على التأثير في القرارات والقوانين التي تخدم مصلحة البلاد.
وحذَّر من أن عدم المشاركة في العملية السياسية سيؤدي لقطع العلاقة بين القيادة والقاعدة الشعبية، مما قد يُحدِث فجوة تستغلها قوى خارجية ذات أذرع داخلية.
وبين أن الخاسر الأكبر من المقاطعة سيكون المكون الشيعي، إذ قد يؤدي غيابه لتمدد الكتل السنية على حساب المقاعد المخصصة للمكون الشيعي، محذرا من أن بعض القوى السياسية قد تستغل المخاوف من عودة "البعث" للسلطة، لتعبئة الشارع الشيعي ودفعهم للمشاركة بالانتخابات.
وختم المياحي أن عديدا من أتباع التيار الصدري سيشاركون بالانتخابات، رغم دعوة زعيمهم للمقاطعة، لأنهم يدركون أن عدم المشاركة في الحكومة سيهمشهم ويحرمهم الحصول على المناصب والمكاسب.