#سواليف

يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت كتائب القسام -الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)- أن مقاتليها هاجموا مقر قيادة العملية العسكرية الإسرائيلية شمال قطاع غزة، وأوقعوا أفرادها بين قتيل وجريح. وأضافت الكتائب أن الهجوم الذي تم قرب نادي معسكر جباليا نُفذ باستخدام بقذيفة “تي بي جي” مضادة للتحصينات.

بعد ذلك، اشتبك مقاتلو القسام داخل المقر مع قوة إسرائيلية، مستخدمين الرشاشات المتوسطة والخفيفة، وأعلنت القسام أنها أوقعت أفراد القوة الإسرائيلية بين قتيل وجريح.

وقبلها بأيام قليلة، وتحديدا يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، ووسط الحصار الإسرائيلي الثالث لجباليا شمالي غزة، أعلن جيش الاحتلال عن مقتل قائد اللواء 401 العقيد إحسان دقسة، إثر استهدافه بعبوة ناسفة أثناء وجوده بجوار دبابة في منطقة العمليات، كما أصيب معه قائد كتيبة وضابطان آخران.

مقالات ذات صلة بدء التسجيل للدورة الشتوية 2025 لامتحان الشهادة الجامعية المتوسطة (الشامل) 2024/10/24

دقسة هو أعلى رتبة عسكرية إسرائيلية يجري استهدافها منذ بداية العملية البرية في قطاع غزة، وهو قائد واحد من أهم ألوية النخبة في الجيش، والذي كان له الدور الأبرز في الكثير من العمليات الهجومية الواسعة في مناطق الشفاء، والزيتون، وبيت حانون، وجباليا، ورفح.

هذا النوع من العمليات التي تندرج تحت مفهوم “الاغتيالات عالية القيمة”، تتطلب قدرا من التنسيق بين مجهود استخباري، واستطلاع ميداني، ووحدات نشر العبوات، فضلا عن التوثيق المصور متعدد الزوايا التي اعتادت عليه المقاومة، مما يؤشر إلى أن ثمة منظومة للقيادة والتحكم (C2) لا تزال فعالة وتعمل بقدر من الكفاءة حتى في واحدة من أكثر نقاط تركيز المجهود الحربي الإسرائيلي، وبعد مرور أكثر من عام على الحرب.

الأهم أن تلك العملية ليست الأولى من نوعها التي تؤكد هذه الفرضية، فقبل أسبوع تقريبا، بثت المقاومة شريطا مصورا لإيقاع سرية مشاة ميكانيكية مصحوبة بالآليات مكونة من 12 مركبة وشاحنة في كمين مركب، ربما يتطلب قدرا أعلى من التنسيق والتحكم.

فكيف يمكن فهم قدرة المقاومة على الاحتفاظ بهذا القدر من التماسك الجيد نسبيا والقدرة على تخطيط وتنفيذ مثل هذا النوع من العمليات المعقدة رغم الضغط الهائل الذي تعرضت له على مدى أكثر من عام، فقدت خلاله العديد من القيادات الميدانية والسياسية؟

ومع أنه لا يمكن، بطبيعة الحال، أن نختزل جملة العوامل، المادية والمعنوية واللوجستية، التي تكسب المقاومة هذه المقدرة المهمة ولا أن نردها إلى عنصر واحد، إلا أن أحد أهم تلك العوامل هو أن القوات المقاتلة (كتائب القسام في هذه الحالة) في نطاق الحرب غير النظامية، عادة ما تتبع هيكل قيادة منتظما، لكنه أقرب للامركزية وأبعد عن نمط الجيوش التقليدية.

تكتيك العقد.. درس من خبرة الألمان

لفهم الأمر بعمق؛ دعنا نرجع إلى الوراء زمنيا، إلى مايو/أيار 1940، حين كان الاستيلاء على حصن “إيبن إميل”، الذي يقع بين لياج وماستريخت على الحدود البلجيكية الهولندية، مهمّا للغاية لنجاح الحملة التي شنها الفيرماخت على فرنسا. قد تتصور أن مهمة بهذه الحساسية عُهدت إلى قائد كبير في الجيش، لكن الحقيقة أن من خطط لها ونفذها وأدارها كان ملازم أول من سلاح المظلات يسمى رودولف فيتسيغ، ولم يكن تحت تصرفه سوى 77 جنديا.

لم تمر العملية بسلام، واضطر قائد هذه الفرقة الصغيرة، إلى الهبوط اضطراريا في حقل على بعد حوالي 100 كيلومتر من الهدف، وفي أثناء رحلته إلى “إيبن إميل” للسيطرة عليه اضطر لاتخاذ قرارات حاسمة بمفرده، كانت تتطلب في الظروف العادية الرجوع إلى القيادة المركزية قبل تنفيذها.

ما حدث في “إيبن إميل” هو مثال جيد على “تكتيك العقد”، بالألمانية: “الأوفتراجيستاكتيك” (Auftragstaktik)، وهو أحد منهجيات القيادة والتحكم، الذي مارسته القوات المسلحة الألمانية لمدة 200 عام، وتأصّلت في نظريات الجنرال البروسي الألماني والمنظر العسكري البارز، كارل فون كلاوزفيتز، وكانت ابتكارا فعالا بشكل استثنائي.

وكان أحد أهم العوامل التي جعلت “الأوفتراجيستاكتيك” ناجحا هو التركيز على خفض عتبات القرار، من خلال السماح لقادة الفرق والرتب الميدانية بالتصرف من دون طلب الإذن. وقد زاد ذلك من سرعة دورة القرار التكتيكي لدى الألمان بعد أن شعرت القيادات الأصغر أن بإمكانها التصرف بدرجة أكبر من الحرية، استنادا فقط للإستراتيجية المركزية والعقيدة القتالية التي درستها جيدا.

وبشكل عام؛ يمكن أن نتصور قيادة وإدارة المهام العسكرية على أنها مصفوفة خيارات متعددة واصلة بين ضدين، الأول هو المركزية الكاملة بحيث يمكن لمركز قيادي واحد فقط أن يتحكم في سير كل خطوط العمليات في الجيش، والثاني هو لامركزية كاملة، حيث يغيب المركز تماما وتعمل كل وحدة بحسب رؤيتها الخاصة وتكيفها مع سياقها الذاتي. وبين هاتين النقطتين الأكثر تطرفا، ثمة درجات متعددة ومتباينة بحسب القرب أو البعد عن أي من النقطتين.

وبهذا المقياس؛ يمكن اعتبار العمليات سالفة الذكر في جانب منظومة المركزية، لكنها ليست متطرفة تماما إلى نمط المركزية الكاملة.

كيف تدير حماس الميدان؟

بصورة أكثر تعميما من عمليات جباليا، من المهم أن نتساءل أين تقف هيكلة كتائب القسام ومنظومة القيادة والتحكم فيها بين مصفوفة المركزية واللامركزية؟ نلاحظ أن هناك غيابا للإجماع حول تحليل المنهجية التي تتبعها حماس في هيكلة تنظيمها العسكري وهندسة منظومة القيادة والتحكم وإدارة المستوى العملياتي من الحرب.

فمثلا في ورقة بحثية نُشرت في يوليو/تموز 2024 في دورية “جورنال الدراسات الفلسطينية” (Journal of Palestinian Studies)، تخلص النتائج أن حماس بشكل عام، سياسيا وعسكريا، تغلب عليها سمات اللامركزية أكثر من سمات المنظمة المركزية الهرمية، وتفسر ذلك بأن القمع الإسرائيلي المتزايد واستهداف القادة بشكل متكرر، قد دفع قيادتها إلى هذا النمط من اللامركزية و”القيادة المُوزَّعة”، لتجنب الصدمات الناتجة عن الفقدان المفاجئ لبعض القادة ورفع درجة المرونة والقابلية للتكيف.

ويتفق مع هذا الرأي بلال صعب، وهو زميل مشارك في مؤسسة تشاتام هاوس البحثية في لندن، حينما يقول في تصريحات لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية إن حماس تستخدم مزيجا من نمط القوات التقليدية والهجينة وإن عملياتها “لامركزية للغاية، وهناك نوع من الهيكل العسكري الخلوي، حيث تعمل كل فرقة بمفردها”.

أما “معهد دراسة الحرب” في الولايات المتحدة، في تقرير نُشر في ديسمبر/كانون الأول 2023، فيختلف مع الرؤى السابقة ولكن ليس كليا، إذ يرى أن حماس تتشابه في تنظيمها، إلى حد بعيد، مع الهياكل العسكرية الرسمية، حيث تنظم كتائب القسام نفسها في مستويات من الفرقة وحتى مستوى اللواء تماما كما تفعل الجيوش التقليدية، ومن ثم لا يمكن تصورها كما المنظمة السرية التي تدير خلايا مترابطة لامركزية بشكل مطلق.

ولكن إلى جانب ذلك، تشير الدراسة إلى امتلاكها درجة أعلى من المرونة تظهر في تسلسل قيادي مرن وموزع الصلاحيات بغية تسهيل التعافي في مواجهة فقدان القادة أو عناصر الوحدات.
استهداف مجاهدي كتائب القسام لجنود العدو وآلياته في محاور القتال بمدينة رفح جنوب القطاع

ورغم الاختلاف الظاهر في هذه التقييمات لمنهجية القسام، إلا أن ثمة نقطة اتفاق مشتركة بينها، هي أن عمليات القتل المستهدفة وحدها لن تؤدي إلى إضعاف حماس أو تدميرها بشكل دائم. ومن المرجح أن تحتفظ حماس بقاعدة عميقة من القادة العسكريين ذوي الخبرة والردفاء، والذين سيكون معظمهم مستعدين لإعادة بناء المنظمة وتدريب قادة جدد على المستوى العملياتي والتكتيكي.

في ضوء ذلك، يخلص بيتر كونشاك، الضابط في الجيش الأميركي والباحث من مؤسسة “لايبر” البحثية، في ورقة نشرت في أغسطس/آب الماضي، أن هزيمة حماس لن تتحقق فقط في استنزاف أفراد الخط الأمامي وعزل قوات حماس القتالية النظامية عن مصادر التعزيز والإمداد، مؤكدا أن هزيمة الحركة تتطلب تفتيت كل الوصلات بين شبكة وحدات المقاتلين، وصولا إلى المجموعات الأصغر التي تعمل كخلايا مكتفية ذاتيا إلى حد كبير، ولا حاجة لها في بعض الأحيان إلى التواصل مع القيادة لأجل تنفيذ القرار.

انطلاقا من هذا المنظور؛ يمكن لنا تصور كتائب القسام في شكلها الذي دخلت به السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في صورة هجينة تمتلك بعض سمات القوات غير النظامية، وفي جانب آخر تحوز صفات القوات المسلحة التقليدية، ويسمح لها ذلك بالاحتفاظ بتماسك الهيكلة ووحدة القيادة والخطة الإستراتيجية، ولكن مع السماح للوحدات الأصغر باتخاذ قرارات في مستوى أقل من الإستراتيجي بصلاحية أوسع كثيرا من تلك التي تعتمدها أغلب الجيوش النظامية.

وفي حالة الحرب؛ كلما أصبحت الأمور أعقد وأصعب توجهت تلك الوحدات بصورة أكبر إلى النمط اللامركزي، للحفاظ على وتيرة القتال والاشتباك. بمعنى أوضح، في حال انقطاع الاتصال مع أي من نقاط القيادة، سواء العليا أو المحلية أو حتى قيادة الفرق، أو فقدان القدرة على الوصول إلى الإمدادات، فإن جنود الوحدات الأصغر مدربون على التعامل بشكل مستقل تماما، لتحقيق الأهداف الإستراتيجية للحرب.
لماذا تفعل حماس ذلك؟

فقدان القادة ليس السبب الوحيد الذي يدفع المقاومة للتمسك ببعض سمات القيادة اللامركزية، بل ثمة أسباب أخرى تجعل التنظيمات التي تمتلك عددا أقل من الجنود وكمًّا أقل تطورا من العتاد تتجه بصورة أوسع نحو اللامركزية عندما تواجه جيشا نظاميا. أول تلك الأسباب يتعلق بأفضل استثمار للموارد وهو ما يتطلب العمل بشكل مستقل من دون انتظار أوامر من قيادة مركزية باستغلال الفرص، والتكيف مع الظروف المتغيرة، والاستجابة للتهديدات في الوقت المناسب.

كما أن طبيعة الحروب غير المتماثلة تفرض على المقاومة التصرف بسرعة في سياق ما هو متاح لديها من بيانات وأدوات، لأن الهدف هو التحكم في بدء العمليات الخاطفة وإنهائها، وهذا هو بالأساس جوهر الحرب غير النظامية، حيث تتمكن القوة الأضعف نسبيا من تحقيق أفضل استثمار ممكن فيما هو متاح من أدوات لإيقاع الخسائر في صفوف القوة الأقوى تقنيا، من دون الاضطرار لمواجهات مباشرة مع تقنيات أعلى كفاءة، كالدبابات والطائرات.

ولنأخذ مثالا من أرض الواقع، وهو الهجمات التي تندرج تحت مفهوم “الكمين والإغارة”، وهو التكتيك العسكري الذي تتبعه أغلب عمليات المقاومة بعد الشهور الأولى من الاجتياح البري، فرغم أن هجمات كتائب القسام من هذا النوع باتت أكثر تطورا وتعقيدا وتركيبا، من حيث استخدامها لأسلحة متنوعة وتعدد جهات الاشتباك، إلا أنها تظل معتمدة بشكل كبير على قيام مجموعة صغيرة من المقاتلين ببناء خطة سريعة لاستهداف فرقة تمر في هذا المكان أو ذاك في لحظة محددة.

ولا تنتهي الأمور عند هذا الحد، فبمجرد أن ترفع كتائب القسام من معدلات هذا النوع من العمليات فسوف يتكيف الاحتلال بالتبعية مع ذلك عبر زيادة عدد دوريات المراقبة والاستطلاع في مناطق التوغل والارتكاز، ومن ثم تتكيف الكتائب مجددا عبر تحويل تكتيكاتها ناحية خطوط الإمداد، وإذا أعاد الاحتلال التكيف مع ذلك بزيادة حراسة خطوط الإمداد، يكون قرار المقاومة بالتحول بينهما حسب المعطيات الميدانية، وبالتالي تفيد اللامركزية بشكل أكبر في هذه الحالة، وتنتج درجة أعلى من إرهاق قوات العدو وتشتيتها.

إلى جانب ذلك، تستطيع الوحدات الصغيرة المستقلة أن تبتكر وتستخدم تكتيكات فريدة ومحلية مصممة كي تناسب بيئات محددة أو تستهدف نقاط ضعف العدو التي ظهرت في سياق حدث بعينه، مما يجعلها أقل قابلية للتنبؤ من طرف العدو.

ويحدث هذا عندما تدرك قيادة المقاومة أن قواتها المحلية تتمتع بفهم أفضل للتضاريس والسكان وديناميات البيئة الخاصة بها، وهو أمر بالغ الأهمية في الحرب غير النظامية ويمثل مركز ثقل الطرف الأقل عددا وقوة، والواقع أن الحرب الحضرية تخدم المقاوم دائما فهو أدرى بالمنطقة من المهاجم المحتل، وبالتالي يمكنه توجيه المعارك إلى حيث يريد، في منطقة قد تمثل بحد ذاتها تحديا لقوات الاحتلال، خاصة مع اعتماد المقاومة لتكتيك الأنفاق، كتكتيك مساعد في عمليات الإغارة والكمائن، مما يعطي طبقة إضافية من تعقيدات التضاريس ويمنح المقاومة مقدرة هجومية دفاعية وقدرة على الانسحاب السريع.

في غضون ذلك، تقنيات الاتصالات الحديثة تسمح لهذه الوحدات الأصغر بالبقاء على اتصال مع بعضها البعض، وتنسيق الحملات الأكبر بالتوازي مع الاستمرار العمل بشكل مستقل، وهنا يمكن أن تستخدم الوحدات اللامركزية مبدأ آخر من مبادئ التكتيك العسكري هو “التحشيد”، حيث تتقارب المجموعات الصغيرة من مواقع مختلفة تجاه هدف واحد.

والمحصلة؛ أن هذه المنهجية تزيد من احتمالية النجاح مع تشتيت الوحدات المهاجمة، وتصعب على الخصم التنبؤ بمسار العمليات مما يحرمه فرصة تركيز جهوده الدفاعية. ولنأخذ مثالا من الرياضيات؛ في إطار نظرية الاحتمالات، إذا كانت هناك عملة واحدة فاحتمال أن تصبح “صورة” أو “كتابة” هو 50%، لكن إن كانت هناك عملتان فإن احتمالية أن تنتج كلتاهما معا “صورة” أو “كتابة” تنخفض إلى 25%، وإذا زاد عدد العملات ستنخفض النسبة أكثر، كذلك فإن القوات الصغيرة المُهاجمة من اتجاهات متعددة ترفع من نسبة عدم اليقين، ما يتسبب في الضغط على العدو حتى مع وجود فارق قوة لصالحه.

جبهات متعددة

في ورقة تحليلية صدرت عن مؤسسة “أكليد” (ACLED) المختصة بدراسة بيانات مناطق الحرب، تبين أنه حتى أغسطس/آب 2024 كانت كتائب القسام تدير 17 جبهة قتال ضد جيش الاحتلال في مناطق متفرقة من غزة، ما بين الشمال والجنوب، ورغم أن قدرة المقاومة قد انخفضت من ناحية عدد العمليات والقدرة على صد التوغل، إلا أنها رغم ذلك حققت عددا من النتائج النوعية، بسبب التحول الواضح نحو تكتيكات حرب العصابات منذ منتصف 2024.

ظهر ذلك في تركيز المقاومة، بصورة أساسية، على نصب الكمائن وتفجير الألغام الأرضية والمباني وفتحات الأنفاق عندما اقترب الجنود الإسرائيليون من المواقع المستهدفة. وترجح الورقة أن شبكة الأنفاق لا تزال تعمل في العديد من المناطق وقد لعبت دورا مهما في تمكين مقاتلي المقاومة من الكر والفر.

بدورها، رصدت صحيفة وول ستريت جورنال، في تقرير نُشر في مايو/أيار الماضي، نقاط ومحاور الاشتباك التي لا تزال تبدي فيها قوى المقاومة في غزة فاعلية ميدانية، ويوضح التقرير أن مقاتلي القسام باتوا يميلون لاستخدام تكتيكات حرب العصابات مقابل التكتيكات النظامية بدءا من منتصف عام 2024، كما أن الانتشار الواسع لوحداتهم في غزة يجعل شبكة القتال الخاصة بهم كبيرة ومتعددة العقد، ولا تزال نشطة على مساحة ليست قليلة.

هذا من شأنه، بحسب الصحيفة، أن يحيل حرب إسرائيل في غزة إلى “حرب أبدية” لا تقف أبدا، لأنه ببساطة لا يمكن قطع رأس النمر إذا لم يكن له رأس، وحتى مع نجاح الاحتلال في السيطرة على منطقة ما، سيضطره ذلك لخفض المجهود الحربي في مناطق أخرى، وسيسمح ذلك بالتبعية بظهور مقاتلي المقاومة مرة ثانية واستمرارهم في تنفيذ المهام المنوطة بهم، حتى مع عدم القدرة على التواصل مع الرفاق أو القيادة في مناطق أخرى، وفي أثناء ذلك سيبدون تكيفا أعلى مع البيئة المتغيرة جدا في محيطهم، ما يجعل إسرائيل تعلق في مستنقع الحرب من دون أفق للنهاية.

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: سواليف غیر النظامیة کتائب القسام من العملیات هذا النوع فی الجیش فی مناطق لا تزال من دون إلا أن

إقرأ أيضاً:

على وقع تراجع أصوات التحرير.. مفارقة قاتلة: الطبقة السياسية تستنجد بالأمريكان لا تتركونا

بغداد اليوم - خاص

لا أحد في بغداد ينام حقًا. فحتى حين تهدأ الضوضاء في الشوارع، ويُطفأ ضوء آخر مكتب حكومي، يبقى القلق مستيقظًا. وبينما يبدو المشهد السياسي العراقي ساكنًا على السطح، تغلي تحته براكين من الاحتمالات، ليس أولها استمرار التواجد الأمريكي، وليس آخرها خشية الدولة من عقوبات لا تأتي بصيغة تهديد، بل تُفرض كأنها قَدَر سياسي لا مفر منه. منذ سقوط نظام صدام وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تكن العلاقة بين بغداد وواشنطن سوى قصة طويلة من الخوف المقنّع بالتحالف، والتبعية المتزيّنة بمساحيق السيادة. وإذا كانت القوات الأمريكية قد خرجت رسميًا عام 2011، فإنها عادت بعدها بثلاث سنوات، لا بقرارٍ من البيت الأبيض فحسب، بل بطلب يائس من عراقٍ كان يتفكك تحت ضربات داعش، ويبحث عن قشة في بحره الغارق.

لكن القشة ذاتها تحوّلت إلى حبل يُمسك بخناق القرار العراقي، لا يُفلت، ولا يسمح له بالتنفس. اليوم، لا تتحدث واشنطن عن انسحاب، ليس لأنها تخشى العودة إلى نقطة الصفر، بل لأنها تدرك أن العراق بات هو النقطة التي تبدأ منها كل خرائط المنطقة الجديدة. والبقاء الأمريكي، كما يقول أحمد الشريفي، "أمر وارد جداً"، بل قد يكون، وهنا تكمن المفارقة، خيارًا عراقيًا بامتياز، حين تتحول السيادة إلى مجاز، والخوف من المجهول إلى عقيدة سياسية، والمصلحة الوطنية إلى ملفّ مؤجل إلى إشعار آخر. السؤال لم يعد: "هل ستخرج أمريكا؟"، بل: "هل يستطيع العراق أن يعيش من دونها؟"، والإجابة المضمَرة بين السطور، هي: لا، أو على الأقل، ليس الآن، ولا بهذه الطبقة السياسية التي تخشى العقوبات أكثر من احتلال القرار.


الانسحاب المؤجل... أم البقاء بطلب عراقي؟

في زمن أصبحت فيه مفردات السيادة تُوزن بميزان الذهب السياسي، لا يبدو "الانسحاب الأمريكي" من العراق خيارًا مطروحًا على الطاولة بجدية، حتى لو رُفع كيافطة في بعض الخطابات الرنانة. فالميدان يقول شيئًا آخر، يقول إن الأمريكيين باقون، وإن الدولة العراقية – بتركيبتها المرتجفة – لم تعد تملك ترف الاستغناء عنهم. وهنا لا نتحدث عن الاحتلال بمعناه الكلاسيكي، بل عن نوع جديد من الحضور: حضور بالطلب، ووجود بالرضا، وتمدّد بالصمت. تلك المفارقة عبّر عنها بوضوح الخبير العسكري والاستراتيجي أحمد الشريفي، حين قال: "حتى الساعة لا يوجد أي تأكيد أمريكي رسمي يؤكد بأن هناك نية حقيقية للانسحاب من العراق، خاصة في ظل التطورات الأخيرة، وخاصة في الساحة السورية، ولهذا بقاء الأمريكان لفترة أطول في العراق أمر وارد جداً، وربما البقاء يكون بطلب عراقي."

وهنا تكمن المفارقة القاتلة: أن الحكومة التي طالما تباهت بأنها تعمل على إنهاء "الوجود الأجنبي"، قد تكون نفسها من يطلب بقاءه، ليس حبًا في الدبابة الأمريكية، بل خوفًا مما قد تجرّه الفوضى التي تحوم كطائر جارح فوق سماء العراق. في حسابات الواقعية السياسية، الانسحاب يعني إعادة خلط الأوراق؛ يعني تَحرُّك الفصائل بحرية، واندفاع الخصوم الإقليميين لسد الفراغ، وانكشاف القرار العراقي أمام شمس العقوبات الدولية. ولهذا، ما يُحكى في العلن لا يعكس ما يُهمس به في أروقة الدولة، حيث تُدار المعادلات وفق ميزان الخسارة الأقل، لا الربح الأكبر. وهكذا، تتحوّل السيادة من حقّ دستوري إلى ورقة تفاوضية، وتتحوّل الجيوش الأجنبية من "قوة احتلال" إلى "حاجة مؤقتة" تتجدد كلما خاف القرار السياسي من مصيره.


الصوت الذي خفت... حين تصبح المقاومة عبئًا

لم تعد المطالبات بإخراج القوات الأمريكية تصدح كما كانت، ولا تعلو كما كانت تصدح أيام التظاهرات المليونية والخطابات النارية التي تُلقَى من على منصات حديدية متهالكة. الآن، انكفأ الصوت، وتراجعت الحناجر، كأن المقاومة نفسها باتت غير مرغوب بها في خريطة توازنات جديدة، أكثر هشاشة، وأشد تعقيدًا. لم تعد المسألة مجرّد "رفض احتلال"، بل تحوّلت إلى سؤال خائف: "ماذا لو خرجوا؟ من سيحمينا من الضغوط؟ من سيفصل بين بغداد وواشنطن الغاضبة؟". وهنا تنكشف هشاشة القرار الوطني حين يصبح رهينة لردود الفعل الخارجية.

الخبير العسكري أحمد الشريفي، وضع إصبعه على هذه النقطة الحرجة حين قال: "الجانب العراقي الحكومي وكذلك السياسي يخشى في ظل هذه الأوضاع الانسحاب الأمريكي، خاصة أن هذا الانسحاب قد يعجّل في فرض العقوبات على العراق كدولة، والشخصيات السياسية والفصائل، ولهذا نرى هناك تراجع في الأصوات التي كانت تطالب بإخراج الأمريكان سابقاً."

بهذا المعنى، صار الأمريكي هو الغطاء غير المُعلن للطبقة السياسية التي تدرك أن خروجه قد يجرّ معها انكشافًا خطيرًا: سياسيًا، واقتصاديًا، وربما قانونيًا. فالعقوبات لم تعد سيفًا مسلطًا على "دول مارقة"، بل أصبحت وسيلة ضبط حتى للحلفاء. وبين نظام مصرفي هش، ودولة تعتمد في خزينتها على رضا الدولار، يصبح الكلام عن السيادة مجرّد قناع يُلبس في المؤتمرات، ويُخلع خلف الأبواب المغلقة. 

لذلك تراجعت أصوات "التحرير"، لا لأنها اقتنعت بضرورة الوجود الأمريكي، بل لأنها باتت تخشى اليوم ما كانت تريده بالأمس، حين أدركت أن التوازن في العراق لا يُصنع على الأرض فقط، بل على ورق العقوبات، وفي تقارير وزارة الخزانة، وبين سطور المبعوثين الدوليين الذين يكتبون بلغة القوة، لا البلاغة.


إيران التي انسحبت بصمت... وتركَت ظلها يتنقّل وحيدًا

ذات يوم، كانت طهران تتنفس من رئة بغداد، وتحرّك أوراق الشام من كواليس كربلاء، وترسل إشاراتها إلى الضاحية الجنوبية من قلب البصرة. لكنها اليوم لم تعد تلك القوة المتحفزة العابرة للحدود، بل تبدو وكأنها تنسحب إلى داخلها، تنكمش على همومها، وتطفئ جبهات الخارج واحدة تلو الأخرى. إيران التي كانت تهندس السياسة في العراق بالمجسات، وتراقب حركة القوات الأمريكية بالنبضات، باتت اليوم تنظر إلى الخارطة بنظارات داخلية... مرهقة، مثقلة، ومحمّلة بكمٍّ من الخسارات لا يُخفى.

الخبير العسكري أحمد الشريفي اختصر هذا التحوّل العميق بجملة تكشف ما خلف الستار، حين قال: "إيران لن يكون لها أي رأي بهذا الأمر، خاصة وهي الآن تتعرض إلى ضغوطات وتهديدات أمريكية كبيرة، خاصة بعد رسالة ترامب الأخيرة لها، ولهذا هي ستكون منشغلة في وضعها الداخلي أكثر من وضع نفوذها في العراق وباقي دول المنطقة، التي خسرته في سوريا ولبنان."

ولعل في هذا التصريح ما يتجاوز التوصيف، ليبلغ مستوى التحذير: إيران التي انسحبت من شوارع دمشق، وغابت عن نقاشات بيروت، وارتبكت في ساحات بغداد، لم تعد الشريك الثقيل الذي يخشاه الغرب، بل الحليف الذي يُرثى له. ومع كل ضغط مالي، وعقوبة اقتصادية، ورسالة تحذير من واشنطن، تنكمش الأذرع الإيرانية أكثر فأكثر، وتتحول من مشروع إقليمي طموح إلى دولة تحاول النجاة من الغرق داخل حدودها. وفي ظل هذا التراجع، يبقى العراق بلا مظلة إقليمية حقيقية، مكشوفًا على قراراته، محاطًا بالأعداء، ومربوطًا بقيد أمريكي لا يُرى، لكنه يُحَسّ كاختناق في حلق القرار السياسي. لم يعد لإيران ما يكفي من القوة لتفرض رأيًا، ولا ما يكفي من النفوذ لتمنع الانهيار، وهي تدرك – قبل غيرها – أنها خسرت كثيرًا، وأن البقاء في العراق لم يعد مشروعًا استراتيجيًا، بل عبئًا إضافيًا على جسدها المنهك.


العراق بين مفترقين... والقرار يُصنع خارج الحدود

العراق، ذلك البلد الذي كان يصدر قراراته يومًا تحت قباب ملوكية وأروقة إمبراطورية، أصبح اليوم يترقب مصيره من على حافة هاتف خارجي أو تقرير من وزارة دفاع لا تعرف الجغرافيا بقدر ما تعرف المصالح. الوجود الأمريكي فيه لم يعد مجرّد حالة أمنية أو ضرورة عسكرية، بل تحوّل إلى معادلة وجودية، تكشف هشاشة البنية السياسية، وتعرّي التصورات الرومانسية عن "الاستقلال الوطني". فالعراق، كما يبدو، لا يستطيع أن يبقى معهم، ولا يملك أدوات البقاء بدونهم، وكأنه واقع في مساحة رمادية يتحكم بها الجميع، إلّا هو.

في هذا التناقض القاتل، تُصبح الدولة العراقية كأنها سفينة مشروخة تسير في بحرٍ هائج، لا تملك بوصلة، ولا تملك قرار العودة إلى الشاطئ. كل محاولة للانسحاب الأمريكي تعني زعزعة للتوازن الهش، وكل محاولة للبقاء تعني تجذيرًا لوصاية مرفوضة على الورق، مقبولة بحذر في الواقع. واشنطن تعرف هذه الحقيقة، وتدير اللعبة بحسابات دقيقة: لا انسحاب كامل، ولا التزام طويل الأمد… فقط وجود كافٍ لردع الخصوم، وضغط يكفي للهيمنة. أما بغداد، فهي العالق الأبدي في المنتصف، تنظر إلى طهران المُنهكة فلا تجد سندًا، وإلى واشنطن المتحفّظة فلا تجد حليفًا، وإلى الشارع المتذمّر فلا تملك له جوابًا.

والبقاء الأمريكي لم يُعلن، لكنه يتحقّق يوميًا بصمتٍ ثقيل، بين خوف سياسي من العقوبات، وتراجع إيراني عن الدعم، وعجز تام عن تخيّل عراق بلا ظلّ أمريكي يتمدد فوق أرضه، من البرلمان إلى غرفة العمليات.

هكذا يُختصر الموقف: القرار الأمريكي لم يُحسم، لكن القرار العراقي محسوم سلفًا... "ليس بيده".


المصدر: بغداد اليوم + وكالات

مقالات مشابهة

  • في 105 ثوان.. مانويل توريس يسحق دوبر بلكمات قاتلة تفقده الوعي (شاهد)
  • “حماس” تفنّد مزاعم إسرائيل بشأن مجزرة عيادة “الأونروا” في جباليا بقطاع غزة
  • انتقد حماس بمظاهرة.. تفاصيل مروعة عن مصير شاب في غزة شارك بمظاهرات ضد الحركة تكشفها عائلته
  • على وقع تراجع أصوات التحرير.. مفارقة قاتلة: الطبقة السياسية تستنجد بالأمريكان لا تتركونا
  • كتائب القسام تعلن تفجير دبابة إسرائيلي جنوب قطاع غزة
  • كتائب القسام تعلن عن أول عمليه لها والأزمة السياسية تتفاقم في إسرائيل
  • كتائب القسام تعلن تفجير دبابة إسرائيلية بعبوة ناسفة شرق خانيونس
  • كتائب القسام تعلن تفجير دبابة إسرائيلية شرق خانيونس
  • من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية
  • نتنياهو يضع شروطا لإنهاء وجود الفلسطينيين في غزة.. وحماس ترد