ثورة أكتوبر والديمقراطية في السودان: انكسارات وآمال
تاريخ النشر: 23rd, October 2024 GMT
دكتور هشام عثمان
تمثل ثورة أكتوبر 1964 حدثًا تاريخيًا هامًا في السودان، حيث كانت أول انتفاضة شعبية تطيح بنظام عسكري في إفريقيا والعالم العربي، مما جعلها نموذجًا للتحركات الشعبية من أجل الديمقراطية. على الرغم من الزخم الكبير الذي أحدثته هذه الثورة، فإن التحديات التي واجهتها التجربة الديمقراطية في السودان بعد الثورة كانت معقدة ومتعددة.
ثورة أكتوبر: الدوافع والخلفيات
جاءت ثورة أكتوبر كرد فعل شعبي على السياسات القمعية للنظام العسكري بقيادة إبراهيم عبود، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 1958. واجه هذا النظام معارضة شعبية واسعة بسبب تهميش القوى السياسية، القمع الأمني، والتعامل العنيف مع الأزمات الوطنية الكبرى، مثل قضية جنوب السودان. تراكمت تلك العوامل لتؤدي إلى انتفاضة شاملة قادتها قوى المجتمع المدني، لا سيما النقابات، الطلاب، والمثقفين.
الثورة كانت نتاجًا لتفاعل مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك ضعف البنية السياسية للدولة، والتهميش المتزايد للأطراف الاجتماعية والسياسية في السودان. كان لهذه العوامل تأثير مباشر على اندلاع الثورة وتوجيه مسارها.
تأثير ثورة أكتوبر على النسيج الاجتماعي السوداني
دور الطبقة الوسطى والمثقفين
برزت الطبقة الوسطى والمثقفون كقوة محورية في ثورة أكتوبر. كانت هذه الفئة، التي تضم النقابات والطلاب والمهنيين، هي التي قادت الحراك الشعبي ضد النظام العسكري. من خلال تنظيمهم للمظاهرات والإضرابات، تمكنت هذه الفئة من تشكيل قاعدة ثورية قوية، كما نجحت في جذب قطاعات واسعة من المجتمع للانضمام إلى الثورة.
لم يكن هذا الدور مجرد فعل سياسي، بل كان له تأثير عميق على النسيج الاجتماعي للسودان. فالطبقة الوسطى برزت كلاعب رئيسي في المجال العام، وهو ما شكل تحولاً في ديناميات السلطة والمشاركة الشعبية. كما أدى هذا إلى زيادة الوعي السياسي بين فئات أوسع من المجتمع، وساهم في تعزيز دور المجتمع المدني.
العلاقة بين المركز والهامش
على الرغم من الزخم الذي أحدثته الثورة، إلا أنها لم تتمكن من معالجة التفاوتات العميقة بين المركز والهامش. فبينما كانت الثورة تتركز في المدن الكبرى مثل الخرطوم، ظل الهامش السوداني، بما في ذلك الجنوب وغرب السودان، مهمشًا. هذا التفاوت بين المركز والهامش كان أحد العوامل التي أسهمت في اندلاع الصراعات الداخلية في السودان لاحقًا.
تاريخيًا، كانت علاقات القوة في السودان تُبنى على أساس تفاوت جغرافي واجتماعي عميق، حيث كان المركز يتمتع بالنفوذ السياسي والاقتصادي، بينما كانت الأطراف تعاني من التهميش. ثورة أكتوبر لم تتمكن من تقديم حلول جوهرية لهذه المشكلة، مما أدى إلى استمرار التوترات والصراعات الإقليمية بعد ذلك.
دور المرأة في الثورة
لعبت المرأة السودانية دورًا بارزًا في ثورة أكتوبر، حيث شاركت في المظاهرات والنقابات وكانت جزءًا أساسيًا من الحراك الشعبي. الثورة منحت النساء فرصة للتعبير عن أنفسهن والمطالبة بمزيد من الحقوق والمشاركة السياسية. وقد أدى هذا الدور إلى بروز حركات نسوية لاحقًا سعت لتعزيز حقوق المرأة في المجتمع السوداني.
مشاركة النساء في ثورة أكتوبر لم تكن مجرد رمزًا للتمكين، بل كانت تمثل بداية لتحولات أعمق في المجتمع السوداني. وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها هذه الحركات، إلا أن دور المرأة في الثورة شكّل نقطة تحول في النضال من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية.
تحليل انكسارات الديمقراطية بعد ثورة أكتوبر
التنافس الحزبي والانقسامات الداخلية
بعد نجاح ثورة أكتوبر في إسقاط النظام العسكري، دخل السودان في مرحلة ديمقراطية، ولكنها كانت قصيرة الأمد. التنافس الحزبي والصراع على السلطة بين القوى السياسية المختلفة، لا سيما بين الأحزاب التقليدية مثل حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، والأحزاب اليسارية مثل الحزب الشيوعي السوداني، أدى إلى عدم استقرار الحكومات المتعاقبة.
هذا الصراع الداخلي أدى إلى فشل النظام الديمقراطي في تقديم حلول فعالة للمشكلات السياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد. انقسمت الأحزاب حول قضايا رئيسية مثل الحكم الذاتي لجنوب السودان، والإصلاحات الاقتصادية، مما جعلها غير قادرة على تحقيق الاستقرار المطلوب.
التدخلات العسكرية والانقلابات
ضعف النظام الديمقراطي، إلى جانب التدخلات العسكرية المستمرة، أدى إلى انكسار التجربة الديمقراطية في السودان. انقلاب 1969 بقيادة جعفر نميري كان نتيجة مباشرة لهذا الفشل في إدارة شؤون البلاد. نميري نجح في السيطرة على السلطة بدعم من القوات المسلحة، وقمع الأحزاب السياسية والنقابات، مما أنهى تجربة الديمقراطية الوليدة.
كان للجيش دور مركزي في تقويض الديمقراطية، حيث اعتبر نفسه الحارس الوحيد للأمن والاستقرار في البلاد. هذا الوضع أدى إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية التي كرست السلطة في يد النخب العسكرية على حساب القوى الديمقراطية.
ضعف المؤسسات الديمقراطية
على الرغم من تحقيق الديمقراطية بعد ثورة أكتوبر، إلا أن المؤسسات الديمقراطية كانت ضعيفة وغير قادرة على مواجهة التحديات. الأحزاب السياسية افتقرت إلى البرامج الواضحة والرؤية المستقبلية، كما أن المؤسسات التشريعية والتنفيذية كانت تعاني من الفساد وعدم الكفاءة. هذا الضعف المؤسسي جعل من الصعب إدارة البلاد بشكل مستدام، ما أدى إلى فقدان الثقة في النظام الديمقراطي.
آمال الديمقراطية في السودان: نحو مستقبل مستدام
النظام الفيدرالي كحل للنزاعات
استمرار التوترات بين المركز والهامش بعد ثورة أكتوبر أظهر الحاجة إلى نظام سياسي يعترف بالتنوع الإثني والجغرافي في السودان. النظام الفيدرالي قد يكون الحل الأمثل لتوزيع السلطة والثروة بشكل أكثر عدالة بين الأقاليم. الفيدرالية تتيح لكل إقليم حكم نفسه بشكل يناسب احتياجاته وتطلعاته، مما يقلل من التوترات الداخلية ويساهم في تعزيز الوحدة الوطنية.
تعزيز الثقافة الديمقراطية
إن بناء نظام ديمقراطي مستدام يتطلب تعزيز الثقافة الديمقراطية بين المواطنين. لا يمكن تحقيق الديمقراطية الحقيقية دون أن يكون لدى الشعب وعي كامل بحقوقه وواجباته السياسية. يجب على السودان الاستثمار في التعليم السياسي وتشجيع الحوار المجتمعي المفتوح، حيث يُمكن للمواطنين مناقشة قضاياهم بحرية وشفافية.
المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة
المصالحة الوطنية هي خطوة أساسية نحو تحقيق الديمقراطية المستدامة في السودان. بعد سنوات من الصراعات الداخلية والانقسامات الإثنية، يجب أن تعمل الأطراف المختلفة على بناء جسور الثقة وإعادة اللحمة الوطنية. هذه المصالحة يجب أن تشمل جميع الفئات المتضررة من الحروب والنزاعات، وتعمل على تحقيق العدالة الانتقالية لضمان حقوق الضحايا.
إشراك الشباب والنساء في العملية السياسية
كما كان للشباب والنساء دورٌ بارزٌ في ثورة أكتوبر، فإن إشراكهم في العملية السياسية المستقبلية أمر بالغ الأهمية. يشكل الشباب والنساء أغلبية السكان، ويجب أن يكون لهم دور فعال في صنع القرار وتشكيل السياسات. تمكين الشباب والنساء في السياسة يساهم في تجديد النخب السياسية ويعزز من ديناميكية النظام الديمقراطي.
ثورة أكتوبر 1964 لم تكن مجرد انتفاضة ضد نظام عسكري، بل كانت حدثًا مفصليًا أعاد تعريف العلاقة بين القوى السياسية والاجتماعية في السودان. ورغم الانكسارات التي واجهتها الديمقراطية السودانية بعد الثورة، فإن الآمال في تحقيق نظام ديمقراطي مستدام لم تنطفئ. إن الحلول التي تشمل تعزيز النظام الفيدرالي، وبناء ثقافة ديمقراطية حقيقية، وتحقيق المصالحة الوطنية، تمثل الأسس التي يمكن أن يُبنى عليها مستقبل ديمقراطي أكثر استدامة في السودان.
hishamosman315@gmail.com
د. هشام عثمان
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الدیمقراطیة فی السودان تحقیق الدیمقراطیة النظام الدیمقراطی فی ثورة أکتوبر التی واجهتها على الرغم من أدى إلى
إقرأ أيضاً:
هل يطلق ترامب ثورة في التجارة العالمية؟
رأى أندرو لايثام، أستاذ العلاقات الدولية في كلية ماكاليستر، أن الجولة الأخيرة من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب ستلحق ضرراً باقتصاد الولايات المتحدة، وتزعزع استقرار النظام الاقتصادي العالمي على المدى القصير.
ما قد تحدثه هذه الرسوم، بشكل غير مقصود، هو إيقاظ العالم
هذا أمر مؤكد، كما كتب في موقع "1945"، مضيفاً أن هذه الرسوم الجمركية التي تستهدف السيارات الكهربائية الصينية والصلب الأوروبي ومجموعة من مكونات التكنولوجيا النظيفة ستؤدي إلى رفع التكاليف بشكل عام، وستجعل المدخلات أكثر كلفة على المصنعين الأمريكيين وتجعل سلاسل التوريد المرهقة أصلاً أكثر سوءاً وترفع الأسعار على المستهلكين، في الوقت الذي تبدأ فيه الضغوط التضخمية بالانحسار. وفكرة أن الرسوم الجمركية بطريقة ما ستدر أموالاً على الولايات المتحدة تسيء فهم آلية عمل تلك التعريفات، وليس الأجانب هم من يدفعونها، بل المستوردون والمصنعون والمستهلكون.
Liberation Day is a bicameral Actual & Narrative deployment whose net effects are operating on multiple layers of the mindscape, reality and even time simultaneously.
Let me take a crack at explaining how:
First, from an Actual perspective, Trump’s Tariffs are set to visit… pic.twitter.com/p52GPvekhg
بالرغم من آثارها المدمرة على المدى القصير، قد تطلق رسوم ترامب الجمركية، عن غير قصد، عملية إعادة تقييم لنظام التجارة العالمي، وهو نظام بقي لأكثر من عقد منحرفاً عن مساره. تجبر تعريفاته الجمركية على طرح سؤال لم يرغب أحد في واشنطن بطرحه: إذا لم يعد النظام التجاري القديم يخدم الاستقرار الاستراتيجي، فماذا بعد؟
حقبة جديدة
ليس لأن لدى ترامب رؤية – هو لا يملكها – ولكن لأن حمائيته التجارية الفظة تجبر الآخرين على الاعتراف بالفراغ. من المحتمل، عبر استجابتها لغرائزه في الحرب التجارية، أن يجبر ترامب شركاء أمريكا الاقتصاديين على الدفاع عما كانوا يعتبرونه أمراً مسلماً به في السابق: القيمة الاستراتيجية والاقتصادية للأسواق المفتوحة القائمة على القواعد – ليس بصفتها ضرورات أخلاقية، بل ضرورات وظيفية في عالم متصدع ومتعدد الأقطاب.
لا يعني هذا العودة إلى نموذج منظمة التجارة العالمية أو التظاهر بأن التسعينات لم تنته قط. لقد ولت تلك الحقبة وللأفضل. لكن أسس التجارة المفتوحة – المعاملة بالمثل والشفافية والقدرة على التنبؤ – لا تزال مهمة. بدونها، يصبح الاقتصاد العالمي لعبة تحوط وإكراه مستمرين. والمفارقة هي أن تعريفات ترامب الجمركية، بجعلها ذلك العالم أكثر وضوحاً، قد تحفز الآخرين على بناء شيء أفضل.
بدأت تظهر البوادر
تسرع اليابان والاتحاد الأوروبي جهودهما لتقليل الاعتماد على المواد الخام الصينية. واتفاقيات التجارة الثنائية والإقليمية الجديدة التي تركز على مرونة سلاسل التوريد بدلاً من النقاء الآيديولوجي تكتسب زخماً. لم تعد فكرة أن الحلفاء يجب أن يتاجروا مع بعضهم البعض في المقام الأول، حتى لو مع بعض الأكلاف، مجرد رأي متخصص. بل أصبحت رأياً ممأسساً.
Prices on imported goods are likely to surge, a recession is possible, and far-reaching ripples in international economics and diplomacy are a certainty.
Trump, in disregarding those recommendations, touched the hot stove, knowing he risks getting burned. https://t.co/ukOXl5xt6p
لا شيء من هذا يحدث لأن ترامب كان مصيباً. بل يحدث لأنه أخطأ خطأ فادحاً إلى درجة أن الآخرين مجبرون على التفكير بشكل أكثر وضوحاً. مع ذلك، لا شيء من هذا يعفي من التكلفة الاقتصادية. ستضر هذه الرسوم الجمركية بالعمال الأمريكيين أكثر مما تفيدهم. وستلحق الضرر بصدقية الولايات المتحدة كشريك اقتصادي مستقر وقابل للتنبؤ بسلوكه.
وهذا مهم، ليس لأن واشنطن هي الوصي على نظام تجاري أخلاقي ما، لكن لأن الثقة والاستقرار في العالم الحقيقي أصلان استراتيجيان. وإذا ما أضعفا أكثر من اللازم، فسيبدأ الحلفاء في التحوط وستتغير سلاسل التوريد ويجف الاستثمار.
بعد آخر
ثمة أيضاً بعد أمني هنا يتجاهله معظم الخبراء. ليست التجارة عرضاً جانبياً للاستراتيجية، بل هي استراتيجية بحد ذاتها. الوصول إلى الأسواق والسيطرة على طرق الإمداد وهيمنة المعايير والتقنيات هي روافع القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. تدرك الصين هذا.
ولذلك، تنشئ بكين بدائل للمؤسسات التي يقودها الغرب وتصدر معاييرها الرقمية والصناعية الخاصة من خلال مشاريع تشبه مبادرة الحزام والطريق. على النقيض من ذلك، أمضت الولايات المتحدة العقد الماضي في محاولة فصل التجارة عن الاستراتيجية – أولاً بالإهمال، والآن بالإفراط في التصحيح.
ما ينقص بحسب الكاتب هو سياسة تجارية جادة قائمة على الواقعية الاقتصادية والانضباط الجيوسياسي. يمكن أن تكون التعريفات الجمركية أدوات إذا استخدمت بشكل انتقائي وتكتيكي وبالتنسيق مع الحلفاء. لكن نهج ترامب ليس أياً من هذه الأشياء. إنه بمثابة كرة هدم موجهة إلى منزل يحترق أساساً.
نهضة غريبة؟
مع ذلك، بتدمير ما تبقى من القديم، قد يسرع ترامب عن غير قصد بناء الجديد. ليس لأنه ينوي ذلك. ليس لأنه يُدرك المخاطر. لكن لأن حمائيته تجعل تكاليف التقاعس واضحة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها.
من هذا المنطلق، قد لا تشير رسوم هذا الأسبوع إلى نهاية التجارة العالمية، بل إلى نهضتها الغريبة – نهضة أكثر صرامة وضيقاً وإقليمية، لكنها ترتكز على شيء يتجاوز مجرد ليبرالية ساذجة. وسواء أكان ذلك بصيص أمل، أم مجرد مفارقة أخرى لعالم ينحرف عن مساره، فهذا أمر لا يعلمه أحد.
رأى لايثام أخيراً أن ما قد تحدثه هذه الرسوم، بشكل غير مقصود، هو إيقاظ العالم. إذا سارت الأمور على ما يرام في المدى البعيد، فقد يستحق الأمر كل هذا العناء على المدى القصير.