لجريدة عمان:
2025-01-19@17:05:29 GMT

تعلّم أن تبكي

تاريخ النشر: 22nd, October 2024 GMT

تعلّم أن تبكي

ثمة حياة تولد كلّ يوم من جديد. لكن الموت يسيطر على هذا المكان، على داخلي. رأيت مؤخرًا الكثير من الموت، من الناس الذين يرحلون، لدرجة أنني لم أعد أستطيع أن أشعر بأي فرح حيث يبدأ كل شيء من جديد. كأن الموت، مثل جرذ، أحدث ثقبا فـي قلبي الذي لا يمكن لأي شيء أن يمنعه من عيش الحرب، من تذكر الحروب الماضية، من التكهن بالحروب المقبلة.

سنون تنهار فجأة. العمر أيضا. مثل هذه المباني..

***

لساعات كاملة، شعرت بالخضوع التام لسحر ما نسميه الحرب الشاملة، التي أصبحت أمرا مألوفا فـي هذه المدينة؛ مشيت طيلة الصباح، فـي بعض حواري المدينة وشوارعها، حاملًا حقيبة على كتفـي. لا شيء فـي داخلها. فارغة. ولا شيء لأشتريه كي أضعه فـيها. كأنني أحسست باطمئنان ما، بأنه فـيما لو سقطت قذيفة، يمكن للمسعفـين أن يضعوا أشلائي داخلها.

المدينة أمامي فـي جميع الاتجاهات، جلست فـي أمكنة متفرقة، على رصيف، على كومة من رمال، من ركام، على حافة جدار حيث يمكنني أن ألقي نظرة واسعة على الدمار الذي يلف الناس، الناس الذين لم يعودوا قادرين على التغلب على هذا الدمار؛ نظرة تغوص فـي يأس البشر، فـي انحطاطهم، وفنائهم. طوال حياتي، قرأت كتبا حول هذه الضائقة الإنسانية التي حدثت فـي حروب أخرى، التي ستحدث فـي هذه المدينة أيضًا. ضائقة مخيفة، مثيرة للشفقة، وهذا ما لم يعد يعرفه أحد أو يريد أن يعرفه أحد بعد الآن؛ تعلمت ورأيت من خلالي مدى فظاعة الحياة. أكثر من كل الكتب. من وجودي أيضا، الذي يشير إلى مدى ضآلة قيمتنا، أو لنقل إلى لا قيمتنا كبشر. لا قيمة للبشر فـي أزمنة مماثلة.

***

يُصرّ البعض على اعتبار أن الكتابة هي حديث مع الآخر. هروب باتجاه الآخر. تحاول أن تفكر فـي هذا الأمر وأن تقنع نفسك به. وتكتشف أن لا أحد يجيبك مباشرة، حين تحدثه.

ربما الأمر الوحيد الذي يمكنك فعله أن تحاول البحث من خلالها عن رفقة: لكنها رفقة الذين غابوا. من هم على قيد الحياة، لديهم أشياء أخرى ليقوموا بها فـي هذه الحياة. تكتب وتحاول أن تتذكر. أن تبحث عن ذكرى. تكتشف أن الذكرى قد تكون بداية الكتابة، لكن الكتابة ليست ذكرى بالفعل، بل هي بداية الموت، بصفته كينونة مستقلة.

***

يشعر فـي هذا الصباح أن شيئا يشبه الموت يلمع أمام عينيه مثل برق أسود، ليضرب لذته غير المؤذية، ويحول شبابه إلى رماد، ويدفعه إلى حافة الأعماق الغامضة التي تفصل بين الأحياء والأموات.

يشعر بهذا القلق الخاص الذي كان يعاني منه بانتظام قبل أن تتغير حياته. يشعر أن خطرا جديدا، كالعيش مثلا، يهدده من جديد؛ أعظم خطر يمكن له أن يعترض كينونته، هو ذاك الذي كان هو نفسه يرغب فـيه بشدة: الحياة.

***

ماذا باستطاعة المرء أن يفعل حين لا تأتيه الكلمات على الرغم من محاولاته المتكررة؟ ماذا عليه أن يكتب حين لا يرى أمامه سوى هذا المشهد الكبير من الموت. هكذا بدت الصورة التي تفرض نفسها عليك، التي تسيطر على كل تفصيل من تفاصيلك الجسدية والروحية، حتى لتحيلك حطاما داخل هذا الحطام الذي يلف كلّ شيء، وتحيلك مِزقة من بين هذه المِزق التي يصير إليها كلّ شيء.

بالأحرى، لِمَ عليك أن تكتب، حين تعرف أن «كلّ شيء يفوق الوصف» وأنك مهما حاولت، ستبقى كلماتك مجرد كلمات، لا غير، وأنها لا تستطيع أن تبدل شيئا. كلّ ما تبدله فـي واقع الأمر، أنها تنزع عنك تأنيب الضمير -ضميرك الخاص- بأنك لم تصمت، بينما، فـي الواقع، كان من الأجدر عليك أن تصمت وأن لا تتحف أحدا بأي فكرة. من قال إن الكلمات تغلب الموت؟ من أعلن أن هذه الخرافة الجميلة -خرافة الكتابة- يمكن لها أن تفـيد بشيء، وبأنها تخفف الوطأة. ***

الموت هو فقط نتيجة للطريقة التي نعيش بها. نحن نعيش بين فكرة وأخرى، من شعور إلى آخر. مشاعرنا وأفكارنا، بدلًا من أن تتدفق كنهرٍ هادئ، «تمر عبر رؤوسنا»، «تغزونا» وتتركنا: إضاءات، ومضات، وتقاطعات. لو راقبت نفسك عن كثب، ستدرك أن الروح ليست مادة يتغير لونها من خلال التحولات الدقيقة، ولكن الأفكار تنبثق منها مثل الأرقام التي تخرج من ثقب أسود. لديك هذا الفكر، وهذا الشعور، وفجأة يحل مكانهما أمر آخر، يظهر من لا شيء. إذا كنت منتبهًا جدًا، فـيمكنك حتى التقاط لحظة اللون الأسود المطلق بين فكرتين. هذه اللحظة هي بالنسبة لنا، بمجرد اغتنامها، الموت بكل بساطة. حياتنا لا تتكون من شيء أكثر من تحديد معالم والقفز من واحدة إلى أخرى، وبالتالي عبور ألف وألف ثانية مميتة كل يوم. إلى حد ما، نحن لا نعيش إلا فـي هذه الوقفات بين قفزتين. ولهذا السبب نشعر بخوف فظيع فـي مواجهة الموت الأخير، وهو ما لم يعد بإمكاننا تحديده، الهاوية التي لا يمكن سبر غورها والتي نغرق فـيها. بالنسبة إلى طريقة العيش هذه، فهي حقًا إنكار مطلق. ولكن هذا فقط من هذا المنظور، فقط لأولئك الذين لم يتعلموا العيش إلا من لحظة إلى أخرى. يسمي الكاتب ذلك مرض القفز. ويكمن السر بأسره فـي هزيمته. يجب أن تتعلم تجربة حياتك كشريحة هادئة طويلة. وبحلول الوقت الذي نحقق فـيه ذلك، نكون قريبين من الموت كما اقتربنا من الحياة. لم نعد نعيش وفقًا لمعاييرنا المشتركة، لكن لم يعد بإمكاننا أن نموت، لأننا مع الحياة أيضًا علّقنا الموت. هذه هي لحظة الخلود، اللحظة التي تخرج فـيها روحنا من سجن الدماغ، وتدخل إلى حدائقه الرائعة.

الموت ليس غريبًا علينا كما تظن، فنحن نموت كل يوم فـي أعماق نوم بلا أحلام. ***

إذا كان هناك أي شيء يمكنك تعّلمه، فهو البكاء. لذا لا ينبغي عليك أن تخجل. لا تخجل من كونك رجلا يبكي أمام هذا الدمار. مهما كان الأمر، لتشعر به بعمق وحماس. لتشعر به مرة أخرى بمزيد من الحماس، ولتشعر به مرة أخرى بمزيد من العمق. لتشعر به لنفسك. لتشعر به من أجل الآخرين.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فـی هذه

إقرأ أيضاً:

من الذي انتصر في حرب غزة؟

التوصل الى اتفاق لإطلاق النار بين اسرائيل وحماس يعني أن نتنياهو فشل في تحقيق أي من أهداف الحرب التي أعلن عنها يوم الثامن من أكتوبر 2023، عندما قرر اجتياح قطاع غزة وخوض حربٍ برية وجوية وبحرية وإعلامية ونفسية ضد الفلسطينيين، محاولاً سحقهم بشكل تام.

رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن في اليوم التالي لعملية "طوفان الأقصى" إنه سيبدأ حرباً شاملة ضد قطاع غزة، وإنَّ لهذه الحرب أهدافٌ ثلاثة: استعادة الأسرى الاسرائيليين، القضاء التام على حركة حماس، وتأمين المستوطنات في محيط القطاع أو ما يُسمى "غلاف غزة".

وواقع الحال أنَّ اسرائيل خاضت أطول حربٍ في تاريخها على الإطلاق واستمرت 15 شهراً ضد القطاع لكنها فشلت في تحقيق أي من هذه الأهداف الثلاثة، واضطرت في نهاية المطاف الى البحث عن أسراها عبر "صفقة" وليس بالقوة، كما اعترفت ضمناً بأن القضاء على حركة حماس غير ممكن، وأن هزيمة شعبٍ يتمسك بأرضه هو ضربٌ من الخيال والمستحيل.

لمن يسألون من انتصر في هذه الحرب الدموية المدمرة فإننا نقول بأنَّ الحروب تُقاس بالمآلات وليس المسارات، أي إن الحروبَ تُقاس بنتائجها لا بتفاصيلها اليومية، وهذا ما انطبق وينطبق على كل الصراعات الكبرى في تاريخ البشر، ففي الحرب العالمية الأولى تكبدت قوات الحلفاء التي انتصرت خسائر أكبر بكثير من تلك التي تكبدتها دول المركز، وفقد المنتصرون ما مجموعه 22 مليون إنسان، بينما فقد الطرفُ الخاسر أقل بكثير: 16 مليوناً فقط.

في الحرب العالمية الثانية كان المشهدُ أكثر وضوحاً، فقد تكبد معسكر "الحلفاء" خسائر تزيد عن 61 مليون قتيل، بينما اقتصرت خسائر دول "المحور" على 12 مليون قتيل فقط، ورغم ذلك فان نتيجة الحرب كانت لصالح من تكبدوا خسائر أكبر.

المشهد ذاته كان في حرب فيتنام، وثورة الجزائر، وثورة جنوب أفريقيا، والأمثلة على ذلك كثيرة.. وهذا يعني بالضرورة أن الحروب تُقاس بنتائجها وليس بتفاصيلها اليومية، كما إنها ليست معادلة رياضيات نحسبُ فيها كل طرف ماذا خسر لنستنتج بأن صاحب الخسارة الأكبر هو المهزوم، إذ إن هذه الطريقة تصلح لمباريات كرة القدم وليس للحروب والصراعات الكبرى.

المهم أيضاً في هذا السياق أن وقف إطلاق النار يأتي وليس لدى اسرائيل أي سيناريو لليوم التالي، حيث لم ينجح الاسرائيليون في الاطاحة بحكم حركة حماس، ولم ينجحوا كذلك في خلق وضع جديد يخدم مصالحهم، وعلى مدار الشهور الـ15 للحرب فشلوا في إقناع أية دولة عربية بأن تتدخل عسكرياً في القطاع، كما فشلوا في إقناع السلطة الفلسطينية بأن تحل بديلاً لإدارة القطاع، وفشلوا أيضاً في خلق أي سيناريو بديل.

المؤكد اليوم أن هذه الحرب التي استمرت 15 شهراً، والتي هي أطول مواجهة عسكرية في تاريخ الطرفين، إنما هي انتهت الى تغيير المنطقة بأكملها، إذ إن اليوم التالي لهذه الحرب ليس كاليوم السابق لها، كما أنَّ الحسابات القادمة لأية مغامرة عسكرية اسرائيلية مستقبلية ستكون بكل تأكيد مختلفة تماماً عن الحسابات التي كانت لدى الاسرائليين سابقاً.

مقالات مشابهة

  • في منطقة نهر الموت... مطاردة وتبادل إطلاق نار وضبط كميّة كبيرة من المخدرات
  • من الذي انتصر في حرب غزة؟
  • نادين الراسي تبكي في حفل جوي أورد بالسعودية.. شاهد
  • بعد شائعات وفاته.. ردّ لاذع من عون
  • خاطرة (فكرة)
  • أمريكية تبكي بمرارة على منزلها الذي دمر بسبب الحرائق.. فيديو
  • الموت يفجع الفنانة ياسمين عبد العزيز
  • الصعود الى ما لا نهايه
  • كيف علّق برّي على اللقاء الذي جمعه بنواف سلام؟
  • الصخرة التي تتحطم عليها أقوى المبادئ