ماذا قصد السيسي برسالته غير المسبوقة إلى صندوق النقد؟
تاريخ النشر: 21st, October 2024 GMT
علامات استفهام أثيرت بشأن تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، التي أشار فيها إلى أنه يجب مراجعة الموقف المصري من الاتفاق حال تسبب برنامج الإصلاح الاقتصادي في "ضغط لا يتحمله الناس"، والتي وُصفت بأنها رسالة "غير مسبوقة".
وقررت مصر رفع أسعار الوقود الأسبوع الماضي، للمرة الثالثة هذا العام، مما تسبب في استياء شعبي، قابله رئيس الحكومة مصطفى مدبولي بالحديث عن أنه لن يكون هناك أي ارتفاع جديد في أسعار المحروقات قبل 6 أشهر.
وقال السيسي خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية، الأحد، إن مصر نجحت في برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 "ليس بما قمنا به فقط، بل أيضا باستقرار الأوضاع الإقليمية والدولية، مقارنة بالوضع الحالي".
وتابع أن البرنامج الذي يتم تطبيقه حاليًا "يتم في ظروف إقليمية ودولية وعالمية شديدة الصعوبة، لها تأثيرات سلبية للغاية في العالم أجمع، ويقال إنه سيكون هناك ركود اقتصادي خلال السنوات القليلة المقبلة".
وأكد السيسي أن البرنامج الاقتصادي الحالي الذي تقوم به مصر مع مؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي، "لو كان التحدي هيخلينا (سيجعلنا) نضغط على الرأي العام بشكل لا يتحمله الناس، لابد من مراجعة الموقف.. لا بد من مراجعة الموقف مع الصندوق (النقد الدولي)".
ماذا يقصد بـ"مراجعة الموقف"؟رأى أستاذ الاقتصاد، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، علي الإدريسي، أنه حينما تحدث السيسي عن "مراجعة الموقف" مع صندوق النقد الدولي، "ربما يكون المقصود هو إعادة تقييم بعض بنود أو متطلبات برنامج الإصلاح الاقتصادي المبرم مع الصندوق".
وأشار إلى أن ذلك "يمكن أن يشمل مرونة في بعض الشروط، أو التعديلات بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الداخلية أو الدولية، التي قد تتغير بمرور الوقت".
وتابع في تصريحات لموقع "الحرة"، أنه "من الناحية العملية، مراجعة الموقف مع الصندوق قد تشمل مناقشة تأجيل بعض الإصلاحات، أو إعادة ترتيب أولوياتها، مثل مراجعة توقيت خفض الدعم أو سياسات سعر الصرف. ويمكن أن يتضمن أيضًا تعديل أهداف البرنامج، أو المطالبة بمرونة أكبر فيما يتعلق بالتزامات الديون".
وقبل أيام، أعلنت مصر على لسان مدبولي، أنها قد تلجأ إلى "اقتصاد الحرب"، مما أثار تساؤلات بشأن التحديات التي تواجه البلاد، وسبل مواجهتها.
وحينها اعتبر الخبير الاقتصادي المصري، عبد النبي عبد المطلب، أن تصريحات رئيس الحكومة المصرية تعد "كارثية بكل معنى الكلمة على خطط البلاد الاستثمارية".
وأشار في تصريحات لـ"الحرة"، إلى أن وجود تهديدات مباشرة لا يعني اللجوء إلى ذلك السيناريو، مردفا: "أظن أن رئيس الوزراء خانه التعبير بشكل كبير جدا في المؤتمر الصحفي".
ولفت إلى أن مرد ذلك قد يكون إلى أن المراجعات مع صندوق النقد الدولي كان من المفترض أن تتم في سبتمبر الماضي، لكن جرى تأجيلها إلى نوفمبر المقبل، ومن الواضح أن هناك مفاوضات لتأجليها مرة أخرى إلى يناير".
صندوق النقد.. و"مرونة" الإصلاحمن جانبه، قال الباحث الاقتصادي الأردني، عامر الشوبكي، إنه عادة تكون برامج الإصلاحات الاقتصادية مع صندوق النقد الدولي "مرنة ويمكنها التأقلم والتغير وفق الظروف والمستجدات الاقتصادية، كما حدث خلال جائحة كورونا أو الحرب الأوكرانية وحتى الحرب الحالية في الشرق الأوسط".
وتابع لموقع الحرة: "برامج الإصلاح يمكنها التكيّف مع الصعوبات الاقتصادية غير المسبوقة في مصر، المتمثلة في انخفاض كبير بإيرادات قناة السويس، وتراجع إيرادات السياحة، والمشاكل الأخرى التي يعاني منها الاقتصاد المصري".
وأكد أن "الواقع الجيوسياسي والإقليمي يحتم على أن يبقى الوضع الداخلي في مصر مستقرا، وهو أمر يهم صندوق النقد الدولي بالتوازي مع تنفيذ برامجه الاقتصادية".
وهذا ما أكد عليه أيضا الإدريسي، بالقول إن التراجع عن نقاط معينة في البرنامج "قد يكون ممكنًا، لكنه يتطلب موافقة الصندوق، خاصة إذا كانت الظروف الاقتصادية الجديدة تبرر إعادة التفاوض على الشروط، لضمان تحقيق الأهداف الأساسية، دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي".
وكان صندوق النقد الدولي، قد كشف في نهاية أغسطس، أن السلطات في مصر ستتخلى "مؤقتا" عن زيادات أسعار الوقود الفصلية، التي كانت تتم كل 3 أشهر، مقابل "التزام حازم" برفع الأسعار إلى "مستويات استرداد التكلفة" بحلول نهاية عام 2025.
وقال في وثائق المراجعة التي سمحت موافقته عليها في يوليو الماضي بحصول مصر على 820 مليون دولار كشريحة ثالثة من القرض البالغ قيمته 8 مليارات دولار، إن استعادة أسعار الطاقة إلى مستويات استرداد التكاليف، بما في ذلك أسعار الوقود بحلول ديسمبر 2025، "أمر ضروري لتوافر الطاقة بشكل سلس للسكان، والحد من الاختلالات في القطاع".
تحذيرات من "خطوات خطيرة"وحذر الشوبكي من أن "الإسراع في تنفيذ برامج خطيرة، مثل التحرر الكامل من سعر الصرف، أو ما يطلق عليه التعويم الكامل، سينتج عنه تضخم إضافي، وارتفاع في أسعار السلع واختفاء بعضها، مما قد يقود إلى احتجاجات شعبية لا يريدها صندوق النقد الدولي بالتأكيد".
وأضاف أن الصندوق "حريص على تنفيذ المخرجات أو التوصيات، لكن دون أن يكون هناك تأثير قد يكون مدمرا على الدولة، بل يعمل على وجود واقع اقتصادي أفضل للدول".
كما شرح أن مثل هذه التغييرات تكون بالتفاوض، عبر لجنة صندوق النقد الدولي مع حكومات الدول.
وكان الرئيس المصري قد تحدث بنبرة مماثلة عن استبعاد "خفض قيمة الجنيه المصري"، في يونيو 2023، وألمح إلى أن من المستبعد القيام بتلك الخطوة التي من شأنها أن "تضر بالأمن القومي والمواطنين".
وحينها قال السيسي: "نحن مرنين فيه.. لكن عندما يتعرض الموضوع لأمن مصر القومي وأن الشعب المصري يضيع.. لا، لا، لا، لا". وجاء ذلك بعد خفض للعملة مطلع العام الماضي، وهي الخطوة التي لم تحدث مجددا منذ ذلك الحين.
ووقّعت مصر في مارس الماضي، حزمة دعم مالي قيمتها 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي، للمساعدة في السيطرة على سياسة نقدية تغذي التضخم، لكنها تستلزم زيادة في أسعار عدد كبير من المنتجات المحلية.
ورفعت الحكومة أسعار عدد من السلع المدعومة، للتصدي لعجز الموازنة الذي بلغ 505 مليارات جنيه مصري (10.3 مليار دولار) في السنة المالية المنتهية في 30 يونيو الفائت. كما خفضت قيمة الجنيه بشدّة قبل شهور.
وسبق أن حصلت مصر من صندوق النقد الدولي، بعد المراجعة الثالثة في نهاية يونيو، على شريحة قيمتها 820 مليون دولار.
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: مع صندوق النقد الدولی الرئیس المصری مراجعة الموقف یکون هناک إلى أن
إقرأ أيضاً:
النقد الجارح .. معول هدم للهمم
اذا كان وراء المثل العربي القديم: «من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالحجارة»، قصة عجيبة، فإنه أيضا يرمز إلى عمق كبير في المعنى الذي نريد الوصول إليه وهو أن الإنسان يجب أن يعرف إطار حياته الذي يعيش فيه بحرية دون أن ينتهك خصوصية الآخرين ويكيل له بمكيالين فيما تتهاوى أركان أسطح ملاذه في أي لحظة.
النظرة الدونية لعيوب الآخرين، والتقليل من شأنهم، واتهامهم بالباطل بما ليس فيهم، سلوكيات نراها كثيرا في حياتنا اليومية وفي محيط أعمالنا، البعض يدعي بأنه نابغة زمانه وحكيم عصره، وينتقد أعمال الآخرين وتصرفاتهم، ويحقر من شأنهم، بينما لا ينظر أبدا إلى ذاته، ليرى منابع الضعف التي يعاني منها.
وهنا نستذكر شيئا من قوافي الشعر التي أثرت الجانب الإنساني لدى العقلاء وهي أبيات شعرية من ديوان الإمام الشافعي يقول فيها:
«لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن
وعيناك إن أبدت إليك معايبا
فدعها وقل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
ودافع ولكن بالتي هي أحسن»
ولو تأملنا القيم التي تحملها تلك الأبيات للمسنا فيها عمقا ومعاني وقيما جميلة.. وبها رسالة واضحه تدعونا ألا نعيب ونذكر الصفات المذمومة للأشخاص. لأننا ببساطة لدينا عيوب كثيرة وصفات غير حميدة، فلا يوجد إنسان معصوم من الخطأ. ولأنه ببساطة أن للناس ألسنا يمكن أن تذمنا.
وإذا رأينا مساوئ الناس، فلنذكر دوما أنفسنا بأن الناس يرون عيوبنا أيضا.
تطورت الحياة وأصبح البعض يتباهى بما لديه من أشياء ليس في مجالسه أو لقاءاته مع الناس، ولكن أصبحت بعض وسائل التواصل الاجتماعي منابر لنقد ليس من أجل الفائدة وإنما من أجل السخرية من الآخرين والتقليل من شأنهم، والتحقير من أفعالهم.
يقول د.سعود بن شنين البدري في مقال نشره إلكترونيا منذ نحو 7 سنوات تقريبا بعنوان «تصيد الأخطاء.. واقع مرير»: «في الوقت الذي تنتشر فيه برامج التواصل في دنيا الناس حتى غدا العالم كقرية صغيرة، فقد أصبح الوضع الحالي لا يبشر بخير، ففي الوقت الذي بلغ بنا الحرص على اقتناء هذه التكنولوجيا والاستفادة منها، إلا أنها أبانت عن أخطار كبيرة لم تكن معروفة في السابق، فقد دخلت كل بيت، وأصبحت بيد كل شخص، والمجهول لا يعلمه إلا الله، لست بالناكر لفوائد التكنولوجيا، ولا أدعو إلى التخلي عنها كليا؛ بل أدعو إلى التنبه واليقظة لمخاطرها وكوارثها».
المغزى الذي ذهب إليه الكاتب هو أنه قد تنبأ في وقت سابق من الزمن بأمر مهم للغاية وهو أن التواصل الاجتماعي سيكون سلاحا لتصفية حساباتنا تجاه الغير، وأيضا مجالا حيويا للنيل ممن يخالفنا الرأي أو لا يأتي على هوانا، ولهذا أصبحنا لا نتعجب أن نرى بعض المنصات التواصلية التي يستخدمها الناس بشكل يومي عبارة عن «ساحة قتال يومية وحرب ضروس لا تأتي بخير»، وجزء من حملة التشهير والتكذيب والتعدي على الآخرين بقالب النصح والإرشاد أو كشف أخطاء الآخرين وزلاتهم على الملأ، وتتبع كل الثغرات التي ليس معصوما منها أحد على وجه الأرض.
البعض يظن بأنه قادر على إيذاء الآخرين من غير سبب سوى أنه يرى في نفسه أنه الشخص الذي به «الكمال والتمام كله» بينما هاتان الصفتان هما لله وحده فهو الكامل التام المتنزه عن الأخطاء.
في عالم الحكماء هناك قول رائع لم استدل إلى قائله رغم أنني بحثت طويلا، ومن شدة إعجابي به اقتبسه لروعته وهو «البعض يتفنن في انتقاد الآخرين، ولو نظرت لحاله احترت من أين تبدأ.»، وهذا القول هو دلالة فعلية على أن الإنسان ناقص بطبعه، ومهما أصابه الغرور والترفع والتنزه عن الأخطاء يظل بينه وبين نفسه يعرف قيمته، فالبعض يعتقد بأنه يستطيع إتقان كل شيء بينما يجهل الآخرون ذلك.
عندما نخطئ، علينا أن نتقبل النقد والتوضيح ولكن على الذي يعرفنا أخطاءنا أن لا يقصد التجريح أو إحداث نوع من الإحباط، لأن الحكمة تقول: «ليس كل مجتهد مصيبا» والنقد لا يكون خلف ظهور العباد بل يكون أمامهم وبشكل مهذب وعندما نريد أن نفتح هذا الأمر علينا أن نضع أمام أعيننا قولا دقيقا يقول: «لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فكلك عورات وللناس ألسن».
في هذا الزمن، تخصص بعض الناس في مراقبة الآخرين والبحث عن أخطائهم سواء في القول أو الفعل أو أي عمل يقومون به، ليس هدفه النصح والإرشاد بقدر ما هو مرض نفسي يتلذذ بالمجاهرة بأخطاء الآخرين والنيل من كرامتهم وآدميتهم.
هناك نصيحة أسداها أحد المفكرين للناس حينما قال: «لا تكن كمن يفتش عن أخطاء الآخرين وكأنه يبحث عن كنز!» وقال آخر: «التغافل عن أخطاء الآخرين أرقى شيم المكارم».
يقول أحد الفلاسفة: «عندما تدرك أخيرا أن سلوك الآخرين يرتبط بصراعاتهم الداخلية أكثر من كونه متعلقا بك، تتعلم الترفع والتسامح...».