نضال الليبيين ضد الاستعمار في روايتين
تاريخ النشر: 19th, October 2024 GMT
تحدثتُ فـي مقال الأسبوع الماضي عن وجوب الإشارة إلى الرواية التخييلية عند توظيف فكرتها الفريدة أو الاستفادة منها، وضربتُ مثالًا بإشارة ماركيز فـي مقدمة روايته «ذاكرة غانياتي الحزينات» إلى رواية «الجميلات النائمات» للروائي الياباني ياسوناري كاواباتا، وفـي المقابل رأيتُ عدم وجوب ذلك تجاه الرواية المقتبِسة أحداثَها من التاريخ، ووعدتُ أن أتحدث فـي مقال اليوم عن روايتَيْن عربيّتيْن صدرتا فـي السنوات الأخيرة وتناولتا موضوعًا تاريخيًّا واحدًا، لكن إحداهما اتُّهِمتْ بتدوير فكرة الرواية الأخرى، متجاهِلًا -مَن اتهمها بذلك- أن الروايتَيْن اعتمدتا المصادر التاريخية نفسها.
وفـي تفاصيل الحكاية، فإن الروائي الليبي صالح السنوسي كتب على صفحته فـي فـيسبوك قبل نحو عام ونصف أن قراءً تواصلوا معه يخبرونه أن فـي رواية «صندوق الرمل» للروائية (الليبية أيضا) عائشة إبراهيم تقليدا وتدويرا لفكرة رواية السنوسي «الهروب من جزيرة أوستيكا». كلتا الروايتين تستلهم التاريخ الليبي الحديث، فـ«الهروب من جزيرة أوستيكا» تسلط الضوء على فترة نضال الليبيين ضد الاستعمار الإيطالي وترحيل المجاهدين الليبيين إلى جزيرة أوستيكا، من خلال قصة سالم البراني، مدرس ليبي من مدينة درنة، يقع فـي حب فتاة إيطالية تُدعى لورينزا، تعمل فـي سجن الجزيرة. رغم قسوة السجن وصرامة الحراس، تنشأ علاقة حب سرية بينهما، ما يخلق توازنًا بين قسوة الحياة فـي السجن وأمل الحب والحرية. تتوازى هذه القصة مع تعاطف السجناء الليبيين مع السجناء السياسيين الإيطاليين المعارِضين للفاشية، ما يكسر القالب النمطي للمحتلّ، ويُظهِر أن الفاشية ليست عدوّة الليبيين فقط، بل هي أيضًا عدوّة الشعب الإيطالي. تنتهي الرواية بمحاولة فاشلة لهروب سالم ولورينزا، حيث يُقتل سالم برصاص قناص، إلا أن أمل الحرية يستمر مع نجاة لورينزا وحملها بطفلِ سالم، ما يعكس استمرارية النضال ضد الظلم والحلم بمستقبل أفضل.
أما رواية «صندوق الرمل» للكاتبة عائشة إبراهيم فتدور حول ساندرو كومباريتي، صحفـي إيطالي شاب يُجَنَّد فـي الحملة الإيطالية على ليبيا عام 1911. وبالرغم من قناعاته بالسلام وحبه للموسيقى والحرية، يجد ساندرو نفسه جزءًا من آلة الحرب التي سحقت أحلامه. خلال وجوده فـي طرابلس، يقع فـي حب بائعة حليب ليبية اسمها حليمة، ولكن سرعان ما تنقلب الأمور عندما يتسبب، من خلال مشاركته فـي الحرب، بمقتل عائلتها. الرواية تستعرض بشاعة الحرب من منظور الجنود المستعمِرين، وهذه أيضًا زاوية تناول غير نمطية، وتُبرِز التناقضات التي يعيشها هؤلاء الجنود بين الشعارات الحماسية والحقيقة المريرة فـي الميدان. يحاول ساندرو التكفـير عن خطاياه عبر البحث عن محبوبته وإيصال صوتها ومعاناتها للعالم. إنها رواية تسلط الضوء على معاناة النساء الليبيات فـي السجون الإيطالية بأسلوب سردي مميز يمزج بين الحقائق التاريخية والأبعاد الإنسانية.
أعود إلى منشور صالح السنوسي الذي يبدو منه أنه لم يقرأ رواية عائشة إبراهيم، إذْ يكتب: «إذا كانت الروائية قد أشارت فـي مقدمة روايتها إلى هذا التأثير فهذا أمر مقبول مهما كان حجم التدوير لأنه سبق للروائي الأوروجوياني كارلوس ليسكانو أن كتب فـي مقدمة روايته «ذكريات الحرب الأخيرة» أنه قرأ رواية الروائي الإيطاليّ دينو بوتزاتي «صحراء التتار» عندما كان فـي السجن، وأنه مدين له بذلك، أما إذا صح ما تقولونه ولم تُشِر الروائية إلى ذلك فإننا نكون أمام تدوير للفكرة وإنكار ذلك فـي الوقت نفسه»، منهِيًا منشوره بالإشارة إلى أن روايته صدرت عام 2018، فـي حين صدرت «صندوق الرمل» عام 2022، داعيًا النقاد -خصوصا الليبيين منهم- أن يقرأوا «صندوق الرمل» ويصدروا حُكْما موضوعيًّا.
استجابت الناقدة الليبية أحلام العيدودي لدعوة السنوسي ونشرت مقالًا بعنوان «صندوق الرمل.. والهروب من جزيرة أوستيكا.. بين المحاكاة وإعادة تدوير الفكرة» ناقشت فـيه التشابه بين الروايتين مستعرِضةً أمثلة مقارِنة بين الروايتين لتوضيح أوجه التشابه، مثل تصوير نفـي الشخصيات إلى المنفى فـي جزيرة أوستيكا وأساليب السجن والظروف القاسية التي تعرضوا لها، ويبدو أنها خَلُصتْ فـي نهاية مقالها إلا أن الرواية المتأخرة أعادت تدوير المتقدمة، ورغم أنها ترى أن إعادة تدوير الأفكار ظاهرة أدبية مشروعة، لكنها أكدت فـي الوقتِ نفسه أهمية أن يُشارَ إلى التأثر بشكل صريح، متخذة من روايتَيْ ليسكانو وبوتزاتي اللتين استشهد بهما السنوسي مثالًا!
وفـي تصوُّري أن اشتراط كلٍّ من السنوسي والعيدودي إشارةَ «صندوق الرمل» إلى الرواية التي سبقتْها هو اشتراط فـي غير محلّه، فنحن هنا إزاء عمَلَين يمتحان من التاريخ نفسه، وما رصدته أحلام من نقاط تشابه بين الروايتين، وهي باختصار: اقتياد المعتقلين إلى مركب فـي البحر، والسير بهم إلى مكان مظلم يُفضي إلى قاع مجهول، ونزع ملابسهم وتركهم عرايا رجالًا ونساءً، ووجود مترجِم لهم إلى العربية، ومحاولات بعضهم الهروب من سجن الجزيرة، كل هذه التفاصيل التي اشتركت الروايتان فـي إيرادها ضمن نسيج الحكاية، وردتْ أيضًا فـي وثائق ليبية وثقت مأساة هؤلاء المساجين، أذكر منها كتاب «المنفـيون الليبيون إلى سجون الجزر الإيطالية: وثائق أرقام، أسماء صور» الصادر عن مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية عام 1991، و«موسوعة روايات الجهاد: جزء خاص بالمنفـيين» الصادرة عام 1988م. إن الاعتماد على المصدر التاريخي نفسه هنا لا يُعدّ انتحالًا أو تدويرًا للفكرة، حتى لو تشابهت التفاصيل. ما يحدد الانتحال هو أخذ الأسلوب الأدبي أو الإضافات الخيالية أو المعالجة المتميزة التي أضافها الكاتب الأول. لذلك، المهم هو كيفـية استخدام المصدر التاريخي وليس التشابه فـي المعلومات المستنِدة إلى هذا المصدر.
أما استشهاد كلّ من السنوسي والعيدودي بأن الأوروجوياني كارلوس ليسكانو أشار فـي مقدمة روايته «ذكريات الحرب الأخيرة» إلى تأثره برواية الإيطالي دينو بوتزاتي فهو أيضًا فـي غير محله، فـ«صحراء التتار» رواية تخييلية، ولا علاقة لها بالتاريخ، لذا فإن المتأثر بها -وهو هنا ليسكانو- كان عليه أن يُشير إليها بالفعل، لأنها ألهمته فـي سرد تجربة الانتظار والعبث، التي عايشها خلال سنوات اعتقاله فـي سجون المجلس العسكري فـي أوروجواي. وجد ليسكانو فـي «صحراء التتار» انعكاسًا لحالته، فكما انتظر الجندي دروغو غزوًا من التتار لم يحدث، عاش هو فـي انتظار حربٍ لم تبدأ. بوتزاتي، الذي كان كتابه موجودًا فـي مكتبة السجن، أصبح رفـيقًا روحيًّا لليسكانو، ما دفعه لكتابة روايته تكريمًا لهذا التأثير الأدبي والمعنوي الكبير، تماما مثلما ألقى ماركيز تحيته على كاواباتا.
خلاصة القول إن روايتَيْ «الهروب من جزيرة أوستيكا» و«صندوق الرمل» روايتان جميلتان تحدثتا عن النضال الليبي ضد الاستعمار الإيطالي، من زاويتَي تناول غير تقليديَّتَيْن، استحقتا عليه الإعجاب والتقدير، وليس من الحصافة القول إن إحداهما انتحلتْ أو تأثرتْ بالأخرى.
سليمان المعمري كاتب وروائي عماني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: تدویر ا
إقرأ أيضاً:
“نيويورك تايمز” تنشر فيديو لاستشهاد عمال الإغاثة في غزة مارس الماضي وتدحض الرواية الإسرائيلية
#سواليف
نشرت صحيفة ” #نيويورك_تايمز ” مقطع فيديو يظهر استشهاد #عمال_إغاثة في #غزة تحت وابل من #النيران، وأضواء #سيارات_الإسعاف مضاءة، في دحض للرواية الإسرائيلية.
ويظهر تسجيل فيديو، عثر عليه على هاتف أحد المسعفين الذين عثر عليهم مع 14 عامل إغاثة آخرين في مقبرة جماعية بمدينة رفح بغزة أواخر مارس، أن #سيارات_الإسعاف وشاحنة الإطفاء التي كانوا يستقلونها كانت تحمل علامات واضحة، وكانت أضواء #الطوارئ مضاءة عندما أطلقت #القوات_الإسرائيلية وابلا من النيران عليها.
نيويورك تايمز تنشر المشاهد الاخيرة لطواقم الدفاع المدني و الإسعاف في رفح قبل استشهادهم يوم 23 مارس .
المشاهد تظهر ان جنود جيش الاحتلال نصبوا كمين لطواقم الاسعاف وانتظروا نزولهم من المركبات و اعدموهم … pic.twitter.com/6KzjPdMWXc
وقال مسؤولون من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في مؤتمر صحفي عقد يوم الجمعة في الأمم المتحدة، أداره الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، بأنهم قدموا التسجيل، الذي تبلغ مدته قرابة سبع دقائق، إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ولفتت الصحيفة الأمريكية إلى أن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، المقدم نداف شوشاني، قال في وقت سابق من هذا الأسبوع إن القوات الإسرائيلية لم “تهاجم سيارة إسعاف عشوائيا”، ولكن تم رصد عدة سيارات “تتقدم بشكل مثير للريبة” دون مصابيح أمامية أو إشارات طوارئ باتجاه القوات الإسرائيلية، مما دفعها إلى إطلاق النار. وقال العقيد شوشاني في وقت سابق من هذا الأسبوع إن تسعة من القتلى كانوا مسلحين فلسطينيين.
لكن صحيفة التايمز حصلت على الفيديو من دبلوماسي رفيع المستوى في الأمم المتحدة، وقد تم تصويره من الجزء الأمامي الداخلي لمركبة متحركة، ويظهر قافلة من سيارات الإسعاف وسيارة إطفاء، تحمل علامات واضحة، بمصابيح أمامية وأضواء وامضة مضاءة، تسير جنوبا على طريق شمال رفح في الصباح الباكر.
وشوهد عمال الإنقاذ، اثنان منهم على الأقل يرتديان زيا رسميا، يخرجون من سيارة إطفاء وسيارة إسعاف تحملان شعار الهلال الأحمر.
ثم دوى إطلاق نار كثيف، ويرى ويسمع في الفيديو وابل من الطلقات النارية يصيب القافلة.
يسمع في الفيديو صوت المسعف وهو يصور وهو يردد، مرارا وتكرارا، “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”. يستغفر الله ويقول إنه يعلم أنه سيموت.
وقال: “سامحيني يا أمي. هذا هو الطريق الذي اخترته – مساعدة الناس”. قال: “الله أكبر”.
في الخلفية، تسمع ضجة من أصوات عمال الإغاثة والجنود المذهولين وهم يصرخون بالأوامر باللغة العبرية. لم يكن واضحا ما كانوا يقولونه بالضبط.
وصرحت نبال فرسخ، المتحدثة باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، بأن المسعف الذي صور الفيديو عثر عليه لاحقا مصابا برصاصة في رأسه في المقبرة الجماعية. ولم يكشف عن اسمه بعد نظرا لقلق أقاربه المقيمين في غزة من رد إسرائيلي، وفقا للدبلوماسي الأممي.
في المؤتمر الصحفي الذي عقد في مقر الأمم المتحدة، أكد رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الدكتور يونس الخطيب، ونائبه، مروان الجيلاني، للصحفيين بأن الأدلة التي جمعتها الجمعية – بما في ذلك تسجيلات الفيديو والصوت من الحادثة، وفحص الطب الشرعي للجثث – تتناقض مع الرواية الإسرائيلية للأحداث.
وقد أثار مقتل عمال الإغاثة، الذين فقدوا لأول مرة في 23 مارس، إدانة دولية، وأكدت الأمم المتحدة والهلال الأحمر الفلسطيني أن عمال الإغاثة لم يكونوا يحملون أسلحة ولم يشكلوا أي تهديد.
وقال الدكتور الخطيب: “لقد استهدفوا من مسافة قريبة جدا”، مضيفا أن إسرائيل لم تقدم معلومات عن مكان وجود المسعفين المفقودين لأيام. وأضاف: “كانوا يعرفون مكانهم بالضبط لأنهم قتلوهم”. كان زملاؤهم في حالة من العذاب، وعائلاتهم في حالة من الألم. لقد أبقونا في الظلام لمدة ثمانية أيام.
استغرق الأمر 5 أيام بعد تعرض سيارات الإنقاذ للهجوم وتوقفها عن العمل، حتى تفاوضت الأمم المتحدة والهلال الأحمر مع الجيش الإسرائيلي لتوفير ممر آمن للبحث عن المفقودين. يوم الأحد، عثرت فرق الإنقاذ على 15 جثة، معظمها في مقبرة جماعية ضحلة، إلى جانب سيارات الإسعاف المحطمة ومركبة تحمل شعار الأمم المتحدة.
وقال الدكتور الخطيب إن أحد أفراد الهلال الأحمر الفلسطيني لا يزال مفقودا، ولم تعلن إسرائيل ما إذا كان معتقلا أم قتل.
وقال الدكتور أحمد ضهير، الطبيب الشرعي الذي فحص بعض الجثث في مستشفى ناصر بغزة، إن 4 من أصل 5 عمال إغاثة فحصهم قتلوا بطلقات نارية متعددة، بما في ذلك جروح في الرأس والجذع والصدر والمفاصل. وقالت الأمم المتحدة وجمعية الهلال الأحمر إن أحد مسعفي الهلال الأحمر المشاركين في القافلة احتجزه الجيش الإسرائيلي ثم أطلق سراحه، وقدم رواية شهود عيان حول إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على سيارات الإسعاف.
ووصف ديلان ويندر، ممثل الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لدى الأمم المتحدة، الحادث بأنه فاضح، وقال إنه يمثل أعنف هجوم على عمال الصليب الأحمر والهلال الأحمر في العالم منذ عام 2017.
وأبلغ فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، المجلس بضرورة إجراء تحقيق مستقل في مقتل عمال الإغاثة على يد إسرائيل، وأن الحادث يثير “مزيدا من المخاوف بشأن ارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب”.