كتب أستاذ علوم سياسية مصري معروف، وعضو “معين غير منتخب” في مجلس الشورى المصري، ومن أبرز منظري الانقلاب العسكري في مصر، وهو مشهور بموقفه الواصف للتظاهرات مدفوعة الثمن التي قام بها ما كان يطلق عليهم بفلول مبارك بأنها “ثورة مضادة”، مقالا ميَّز فيه بين ما يسميه “الأذى”، وبين “المقاومة”، وأن الأذى أمر مؤقت، بينما المقاومة “استراتيجية طويلة البال، متعددة الأوجه، صريحة الهدف، قوية العقيدة، شدبدة المراس، خطوتها الأولى وحدة وطنية، وهو ما حققته حركات التحرر الوطني، مثل جبهة التحرير الجزائرية، وجبهة التحرير الفيتنامية”!
وبعيدا عن اللغة الانشائية التي استخدمها أستاذ العلوم السياسية الشهير لتوصيف المقاومة، والتي لا تحيل إلى معنى، سوى إدانة حماس فإن النموذجين اللذين استخدمهما يفضحان الرغبة في الخداع وليس التوضيح!
في الجزائر، وعقب انطلاق الثورة الجزائرية عام 1954، عمد مصالي الحاج، الذي كان يلقب بأبي الأمة وأبي الوطنية، في السنة نفسها الى تشكيل “الحركة الوطنية الجزائرية”، والتي اشتهرت شعبيا بعنوان “الحرْكة” (بتسكين الراء)، قاتلت ضد جبهة التحرير، وحظيت بدعم مباشر من الفرنسيين!
وقد شكلت الحركة قوة مسلحة تحت عنوان “الجيش الوطني الشعبي الجزائري” بقيادة محمد بلونيس، الذي عقد اتفاقا مع الفرنسيين في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1957، كان من أبرز فقراته: التأكيد على أن تبقى الجزائر مرتبطة بفرنسا، بصيغة استقلال ذاتي وإدماج تام، فضلا عن تعهد بالقضاء على جبهة التحرير الجزائرية!
وفي دراسة أكاديمية حول “الحركة الوطنية الجزائرية (المصالية) النشأة والموقف من الثورة والصراع مع جبهة التحرير الجزائرية 1954 ـ 1962” نقرأ ما يأتي: “إن الصراع بين الحركة الوطنية الجزائرية وجبهة التحرير الوطني كان عنيفا ومأساويا”! وتشير الدراسة الى أن مصالي الحاج وجه رسالة إلى الشعب الجزائري “يندد فيها بالحرب والقمع”، ويتهم جبهة التحرير بأنهم “مغامرون”!
أما في فيتنام، فلم يكن هناك شيء اسمه “وحدة وطنية” من الأصل؛ لأن الصراع كان قائما بين الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام الشيوعية “الفيت كونغ”، وبين الجيش الجمهوري الفيتنامي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية!
بالعودة إلى تنظير أستاذ العلوم السياسية هذا، نقرأ أيضا: “الأذى يوجد فقط للحاجة النفسية، أما المقاومة فهي استراتيجية لطرد مستعمر أو غاز أو طاغية، وثانيا وهو الأهم قيام الدولة المستقلة الواحدة لشعب بعينه، وهي عملية صبورة لا تقطعها “حماس” بعد توقيع اتفاقية أوسلو الذي أقام أول سلطة فلسطينية على الأرض الفلسطينية في التاريخ”، وأن “القيادة السياسية”، وهي هنا منظمة التحرير الفلسطينية حصرا من وجهة نظره، هي التي ” تمتلك استراتيجية الحرب والسلام، واستخدام الدبلوماسية للتفاوض أو السياسة لبناء التحالفات أو الحرب، شاملةً كانت أو جزئية، دائمةً أو مرحلية؛ لأن عليها أن تَقِيس توازنات القوى بدقة بين طرفَي الصراع”!
إن عبارة “دولة مستقلة واحدة لشعب بعينه” كتبت بقصدية واضحة هنا، وهي تعريض ضمني بحركة حماس، فهي تقول ضمنا بأن حماس، بصفتها حركة تنتمي إلى الإسلام السياسي، ليست “حركة تحرر وطني”، وبالتالي لا ينطبق عليها توصيف “المقاومة”! والواقع أنه خطاب مطروح كثيرا اليوم يتهم حماس بأنها قامت بتهجين خطابها الديني بآخر وطني واستخدمت مصطلحات المقاومة بديلا عن مصطلح الجهاد!
لا يمكن عزل هذا الخطاب عما اسميناه في مقالة سابقة “شيزوفرينيا الليبراليين العرب”، الذين يشيطنون الحركات الإسلامية وفقا لتحيزاتهم الشخصية المسبقة، أو وفقا لطبيعة الخطاب التي تتبناه دولهم كما في حالة أستاذ العلوم السياسية المصري الذي اتهم حماس في لقاء تلفزيوني جرى عام 2021، بأنها “تشكل عقبة رئيسية في قيام الدولة الفلسطينية” مع أن الحركة كانت قد أقرت في ميثاقها الجديد عام 2017 بقبولها بفكرة قيام دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلتها اسرائيل في حرب عام 1967!
المفارقة هنا أن هؤلاء (المتنورين) ينظرون حول “شرعية” الانقلاب الذي حصل في مصر ثم تونس، الذي أزاح “خصومهم الإسلاميين”، ولا يجدون حرجا في التناقض بين هذا الطرح وبين مفهوم الديمقراطية التي يبشرون بها!
إن هذا الربط المتعسف بين الايديولوجيا والمقاومة، لا علاقة له بالمقولات والمنهجيات المتعلقة بالمقاومة، بل إن هدفه سياسي بحت، فهم يسعون إلى صناعة “كتالوغ” ينفي عن حركات الإسلام السياسي صفة “المقاومة” أولا، ومن ثم ينفي حقها في “مقاومة الاحتلال”! وهي محاججة متحيزة لا تلتفت إلى فعل الاحتلال نفسه، أو الاحتلال الاستيطاني كما في الحالة الفلسطينية.
وهذا يعني أن “الحق في المقاومة” ليس حقا “أصيلا” للمواطن الواقع تحت الاحتلال، بل هو حق قابل للتحويل، وقابل للتجزيء، وغير متساو وتمييزي، وبالتالي يمكن تأويله تبعا للتحيزات، وتبعا لوجهات النظر الشخصية! وأن هذا الحق يرتبط بايديولوجيا المواطن نفسه؛ فالمواطن غير المنتمي إلى الإسلام السياسي لديه حق في “المقاومة”، فيما يسقط هذا الحق عن المنتمي للإسلام السياسي!
يؤكد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3103 الصادر في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1973 المتصل بالمبادئ الأساسية المتعلقة بالمركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية “أن استمرار الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره… يعد جريمة».
ويقرر في مادته الأولى على «أن كفاح الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية في سبيل إقرار حقها في تقرير المصير والاستقلال هو كفاح مشروع يتفق مع مبادئ القانون الدولي»، وأن «المنازعات المسلحة التي لها دخل بكفاح الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية تعتبر منازعات مسلحة دولية بالمعنى الوارد في اتفاقية جنيف لعام 1949، كما أن المركز القانوني المستهدف سريانه على المقاتلين في اتفاقية جنيف لعام 1949 وفي سائر الوثائق الدولية يعتبر ساريا على الأشخاص الضالعين بكفاح مسلح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية”.
وهذا التوصيف ينطبق بالكامل على الشعب الفلسطيني ككل، وعلى المقاتلين الفلسطينيين ككل، بمعزل عن الانتماءات الايديولوجية أو السياسية!
يمكن للمرء أن يكون له موقف معارض لحركات الإسلام السياسي بالمجمل، وأن يكون لديه اعتراضات موضوعية على سياسات حماس وسلوكها، لكن هذا لا يعطي الحق لأي شخص، كائنا من كان، أن ينزع عن حماس صفة المقاومة، أو أن يفرض نفسه وصيا على خيارات الفلسطينيين، أو أن يجعل تحيزاته الشخصية هي المعيار في الحكم على الأشياء!
القدس العربي
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه المقاومة حماس الاحتلال حماس غزة الاحتلال المقاومة مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإسلام السیاسی جبهة التحریر
إقرأ أيضاً:
“حرب نفسية ضد غزة: من “هربوا وتركوكم” إلى “أخرجوا حماس”
#سواليف
بين شعارين متناقضين، “قادة #حماس هربوا وتركوكم” في بداية العدوان على #غزة إلى “أخرجوا حماس من غزة” بعد نحو 17 شهرا من العدوان، تتكشف خيوط حملات إعلامية منظمة تشنها وحدات متخصصة في #جيش_الاحتلال الإسرائيلي. فالقادة الذين تنعتهم تلك الحملات بالهاربين، استشهد معظمهم في ميادين المعركة، ومحاولات النيل من الحركة عبر تأليب الشارع الغزي ضدها لا يبدو أنها ستجد صدىً واسعاً.
وشهد يوم أمس الثلاثاء خروج تظاهرات في غزة تطالب بوقف العدوان الإسرائيلي، بالتزامن مع احتجاجات طالبت حركة “حماس” بإنهاء إدارتها للقطاع. لكن خلف هذه التظاهرات، طُرحت تساؤلات عديدة حول احتمال تورط أجهزة أمن الاحتلال في تحريك حملة ممنهجة تستهدف المقاومة، عبر استغلال معاناة المدنيين لتأليب الحاضنة الشعبية عليها.
ورغم صدور بيانات عن عدد من مخاتير العشائر في وسط القطاع وشماله تؤكد دعمهم للمقاومة ورفضهم محاولات بث الفتنة، إلا أن الشعارات التي أُطلقت من بعض المشاركين ضد المقاومة و”حماس”، دفعت مراقبين إلى الاعتقاد بأن المشهد لم يكن عفويًا، بل ربما جرى التمهيد له مسبقًا.
مقالات ذات صلة شكوى في رومانيا ضد جندي إسرائيلي مشتبه بارتكاب جرائم حرب 2025/03/26ويؤكد المختص في الشؤون الإسرائيلية، محمد بدر، وجود وحدة متخصصة في شعبة #الاستخبارات #العسكرية #الإسرائيلية “أمان”، تُعرف باسم “ملات” (مركز العمليات النفسية). ويقول بدر: “تأسست هذه الوحدة في العام 2005 وقد بدأت بالعمل كوحدة تابعة للاستخبارات العسكرية قبل أن تبدأ العمل كوحدة مختصة في جيش الاحتلال”.
ويضيف بدر : “إن أردنا الحديث عن مهام وحدة (ملات)، فكما تشير العديد من المصادر الإسرائيلية، فإنّ دورها يتمثل في التأثير على مواقف ومشاعر وسلوك الجمهور المستهدف، مستخدمةً في ذلك وسائل متعددة، من بينها منشورات التواصل الاجتماعي والحملات الإلكترونية”.
ولا يستبعد بدر أن تكون هذه الوحدة أو غيرها قد لعبت دورًا في إطلاق الحملات الإلكترونية الأخيرة ضد المقاومة في غزة، بل وربما سبق ذلك. ويُعتقد أن “ملات” قد أعدت حملة إعلامية بإشراف مستشارين نفسيين، تضمنت رسائل مثل “قادة حماس هربوا وتركوكم” و”حماس تستخدم المدنيين كدروع بشرية وتسرق المساعدات الإنسانية”.
وتحدث بدر عن نشاط “ملات” خلال الحرب الجارية على قطاع غزة، موضحًا: “نشطت (ملات) بإرسال رسائلها وإعادة نشر رسائل من الجمهور المستهدف، حيث ينخرط بعض الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين، عن قصد أو بدونه، في هذه العمليات النفسية. ويظهر ذلك في انتقاداتهم لخيار المقاومة المسلحة، وتحميلهم الفصائل مسؤولية الدمار والمجازر التي يرتكبها الاحتلال”.
من جانبه، يشير الباحث في الشؤون الإسرائيلية، شادي الشرفا، إلى أن الاحتلال يعوّل على التجويع والحصار كأدوات ضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة في غزة.
ويقول الشرفا : “في ظل هذه الضغوط، من الطبيعي أن يطالب الناس بإنهاء الحرب، لكن استغلال هذا المطلب الإنساني لضرب الوحدة الوطنية واستهداف من يحمي الشعب الفلسطيني أمر يستوجب الحذر والمراجعة”.
ويتابع: “إذا راجعنا تغطية الصحافة العبرية لما جرى البارحة في غزة، نلاحظ أن المحللين الإسرائيليين يروجون لفكرة أن زيادة الضغط يؤدي إلى انقلاب الحاضنة الشعبية على المقاومة وحماس”.
ويضيف الشرفا: “القراءة الإسرائيلية للمشهد تؤكد أن الضغط ضرورة لتحقيق أهداف الاحتلال، ومن سيدفع الثمن في حال حدوث أي انقلاب على المقاومة، هي الحاضنة الشعبية ذاتها. فالشعب الفلسطيني هو المستهدف بالمقام الأول”.
ويختم بالقول: “حتى لو سلمت المقاومة سلاحها وتراجعت، فإن الاحتلال سيواصل عدوانه لتنفيذ مخططاته التهجيرية، كما يصرّح بها علنًا الائتلاف الحاكم”.
وفي السياق ذاته، يرى المختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أحمد مولانا، أن “في ظل المجازر وحرب الإبادة والخذلان، يصبح من الطبيعي أن يشعر أهالي غزة بالإرهاق ويتمنوا وقف الحرب، لكن الاحتلال وأعوانه يسعون لتحويل هذا التطلع الإنساني إلى أداة لتجريم المقاومة”.
ويؤكد مولانا على ثلاث استراتيجيات لمواجهة محاولات استغلال مطالب إنهاء الحرب في ضرب المقاومة: “تفهم احتياجات الناس، عدم القسوة عليهم، وتوجيه الغضب نحو الاحتلال عبر نقاشات مباشرة وخطاب إعلامي، إلى جانب التصدي لأدوات الاحتلال التي تغذي الفتنة”.
من جهتها، أعلنت منصة “خليك واعي” المتخصصة في رصد الحملات الإلكترونية المعادية، أنها رصدت حملة تحريض ممنهجة ضد المقاومة في قطاع غزة، عقب خرق الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار وشنه هجمات على منازل ومراكز إيواء، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الشهداء.
وأوضحت في بيان لها أن “من خلال تقنيات البحث والتحليل في الشبكات الاجتماعية، تبين أن حملة التحريض تُدار بشكل مركزي، حيث تصدر توجيهات عامة من جهة مركزية، ثم تُحوّل إلى محتوى تحريضي عبر وسائل إعلام وصحفيين ونشطاء، من خلال منشورات أو مقاطع فيديو أو تقارير في قنوات فضائية ومواقع إلكترونية”.