أردوغان يتحدث لغة المصالح ويتطلع لدور أكبر.. هل تفهمه أمريكا؟
تاريخ النشر: 13th, August 2023 GMT
منذ فوزه في مايو/ أيار الماضي بفترة رئاسية جديدة تستمر 5 سنوات، غَيَّرَ الرئيس التركي رجيب طيب أردوغان قواعد اللعبة في علاقات أنقرة الخارجية، وبات يعتمد بشدة على لغة المصالح، ويتطلع إلى أن تلعب بلاده، وهي "قوة عالمية متوسطة"، دورا أكبر على المستوى العالمي، ولذلك يجب أن يغير الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، طريقة تعامله مع تركيا.
ذلك ما خلصت إليه كل من الباحثة أسلي أيدينتاسباس وزميلها جيريمي شابيرو، في تحليل مطول بمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية (Foreign Affairs) ترجم "الخليج الجديد" أبرز ما جاء فيه.
ورجح الباحثان أن "أردوغان لن يتغير، ولن تكون "تركيا ما بعد الغرب" حليفا تقليديا عبر الأطلسي.. لتركيا مصالحها الخاصة، بعضها مشترك مع الولايات المتحدة والآخر غير مشترك، لكن لواشنطن علاقات مستقرة مع العديد من الشركاء الذين لا تتمتع معهم بتوافق كامل".
واعتبرا أن "العلاقات الأمريكية التركية يمكن أن تكون في مكان أفضل لصالح الاقتصاد التركي، وبما يساعد أنقرة على تحقيق التوازن ضد روسيا، ويمنح واشنطن مزيدا من الثقة مع تنامي نفوذ (منافستها الاستراتيجية) الصين في الشرق الأوسط".
وقالت أسلي وشابيرو إن "تركيا في عهد أردوغان تُعد نموذجا أوليا لنوع القوة (العالمية) المتوسطة التي يجب على واشنطن أن تتوقع ظهورها في أحيانا كثيرة في عصر المنافسة الجيوسياسية القادمة".
وأردفا أن "هذه القوى ليست أعداء ولا حلفاء، ولن تفهم صراع واشنطن مع بكين وموسكو من الناحية الأخلاقية أو الأيديولوجية، وتسعى إلى الحفاظ على استقلاليتها من جميع الجوانب".
وإنشاء الولايات المتحدة علاقة أكثر واقعية "مع تركيا ما بعد الغرب"، علاقة قائمة على المعاملات (المصالح) المفيدة للطرفين، سيكون بمثابة بداية جيدة لاستقرار العلاقات بين البلدين، بحسب الباحثين.
وأضافا أن المساومة الناجحة في قمة الناتو الأخيرة بفيلنيوس (في 11 و12 يوليو/ تموز الماضي) بشأن انضمام السويد إلى الناتو قد تكون نموذجا، ففي مقابل دعم محاولة ستوكهولم الانضمام إلى التحالف، طالبت تركيا بتنازلات ليس فقط من السويد، ولكن أيضا من الولايات المتحدة.
اقرأ أيضاً
ضوء تركيا الأخضر لعضوية السويد بالناتو.. ماذا يعني؟
قرن تركيا
أمام الآلاف من أنصاره خلال الانتخابات الأخير، كشف أردوغان، الذي يتولى الحكم منذ 20 عاما، عن شعار حملته الانتخابية "القرن التركي"، وتعهد بجعل بلاده "من بين (الدول) العشرة الأولى في العالم على مستوى السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية"، بحسب أسلي وشابيرو.
واعتبرا أن هدف "أردوغان كان توصيل رؤيته للجمهورية التركية في الذكرى المئوية لتأسيسها (عام 1923): قوة صاعدة على وشك تحقيق السلام والازدهار وخرجت منتصرة من معاركها العديدة مع الإمبرياليين، وأصبحت أخيرا جاهزة لتأخذ مكانها الصحيح كقوة عالمية".
وذهبا إلى أن "تركيا حسمت عملية بحث عن هويتها استمرت لعقود، وتعيش اليوم مرحلة "ما بعد الغرب"، فلم تعد تسعى إلى الحصول على موافقته ولا الاعتماد عليه ولا تطمح إلى المثل الليبرالية الغربية".
وتابعا أن "هويتها قبل أردوغان كانت قائمة على إرث مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وركيزته التوجه نحو الغرب والانتماء إليه، ما أدى إلى دفع من أعلى إلى أسفل نحو التحديث والتغريب على مدى عقود، أما الآن لا يكاد يوجد شخص في المجال العام يدافع عن الأفكار والمؤسسات الغربية".
وبالنسبة للولايات المتحدة، قالت أسلي وشابيرو إنها "نظرت إلى تركيا من منظور الحرب الباردة (بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي 1947-1991) كدولة حدودية مفيدة في الحرب ضد الشيوعية والنفوذ السوفيتي، لكن الصورة اليوم مختلفة تماما".
وزادا بأنه "منذ أن تولى (حزب) أردوغان (العدالة والتنمية) السلطة في 2002، وخاصة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة ضد حكومته في 2016، ساءت علاقة واشنطن مع أنقرة، وهي الآن أقل متانة من العلاقات التي تقيمها الولايات المتحدة مع العديد من أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)".
و"غالبا ما يصف السياسيون الأتراك، وبينهم أردوغان، الولايات المتحدة بالخصم وليس الشريك، وعندما فرضت واشنطن عقوبات على أنقرة في 2020 لشرائها أنظمة صواريخ أرض جو إس- 400 من موسكو، وصف أردوغان القرار الأمريكي بأنه هجوم صارخ على سيادة تركيا لعرقلة خطواتها في صناعة الدفاع كي تظل تابعة"، كما أضاف الباحثان.
وأردفا أنه في المقابل يشكك بعض صانعي السياسة الأمريكيين علانية في التزام أنقرة بـ"الناتو"، ويخشون أن تقترب من موسكو، لكن هذه الشكوك المتبادلة بدأت في التراجع مؤخرا إلى ما يشبه القبول بالآخر المختلف.
اقرأ أيضاً
أردوغان ينظر مجددا نحو الغرب.. ماذا يعني ذلك لبوتين؟
سياسة براجماتية
و"قد تكون أنقرة بعيدة عن كونها حليفا مثاليا، ولن تتأثر بمناشدات القيم المشتركة أو أهمية ما تعتبره واشنطن نظاما دوليا قائما على القواعد، لكن براجماتية أردوغان وطموحاته الإقليمية ومعاملاته تجعل العلاقة المثمرة ممكنة"، كما تابعت أسلي وشابيرو.
وأشادا بنهج الرئيس الأمريكي جو بايدن بقولهما إنه نجاح بشكل جيد في خفض التوقعات على كلا الجانبين وتغلب على الاختلافات بين واشنطن وأنقرة، وحافظت إدارته على روابط مع تركيا.
واستدركا: "لكن هذه الروابط كانت فقط في القضايا ذات الأهمية الفورية، مثل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في 2021 والاتفاق بين روسيا وأوكرانيا بشأن السماح بشحن الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، إذ لعب أردوغان دورا رئيسيا في الصفقة بإقناع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بها لمدة عام على الأقل".
وقالت أسلي وشابيرو إن "التعاون الأمريكي التركي بشأن التحديات الجيوسياسية الأوسع كان منخفضا أو غائبا، ولا تزال إدارة بايدن قلقة بشأن نهج تركيا الإقليمي الحازم (...)، لكن موقعها الاستراتيجي على البحر الأسود، الرابط بين روسيا والشرق الأوسط وأوروبا، يجعلها لاعبا مهما في جهود الغرب لاحتواء روسيا، وإذا بدأت مفاوضات بين كييف وموسكو، فقد تثبت علاقة أردوغان مع بوتين أنها رافعة مهمة للغرب".
وزادا بأن "أهمية تركيا بالنسبة لواشنطن وحلفائها تمتد إلى ما وراء منطقة البحر الأسود، إذ يمكن أن تساعد أيضا في الحفاظ على الاستقرار في القوقاز، حيث يمكنها دفع حلفائها الأذربيجانيين للتوصل إلى اتفاق سلام مع أرمينيا، وهو ما ينطبق كذلك على العراق وسوريا (جارتي تركيا)، حيث يساعد الوجود التركي واشنطن في الحفاظ على قدر ضئيل من النفوذ".
كما "تأمل واشنطن أن تتمكن تركيا من المساعدة في إنشاء بنية مستدامة لنقل الطاقة تسمح لأوروبا بأكملها بالاستفادة من الموارد الهائلة المحتملة في شرق البحر الأبيض المتوسط"، بحسب الباحثين.
اقرأ أيضاً
بعد إعادة انتخابه.. أردوغان يتجه إلى الغرب ويصلح علاقات تركيا المضطربة
قوة عظمى
أسلي وشابيرو تطرقا إلى العلاقات بين أنقرة وموسكو، إذ اعتبرا أنها "نجت حتى الآن من الامتحان الذي فرضه الغزو الروسي لأوكرانيا (منذ 24 فبراير/ شباط 2022)، إذ امتنع أردوغان عن أي انتقاد مباشر للفظائع الروسية". وتبرر موسكو هذه الحرب بأن خطط أوكرانيا للانضمام إلى "الناتو"، بقيادة واشنطن، تهدد الأمن القومي الروسي.
وضمن سياسة لافتة، ظلت تركيا وروسيا منافسين استراتيجيين، إذ تدعمان مثلا أطرافا متعارضة في حربين بالوكالة في ليبيا وسوريا، ورغم رفضه المشاركة في العقوبات الأمريكية على روسيا، إلا أن أردوغان وقف إلى جانب كييف في حربها ضد موسكو، وأقام علاقات صناعية دفاعية وثيقة مع أوكرانيا وزوّدها بالأسلحة، بل ودعم محاولتها الحصول على عضوية "الناتو"، كما أضافا الباحثان.
وفي عهد أردوغان، كما أردفت أسلي وشابيرو، تتصرف تركيا على أساس أن الغرب في "حالة انحدار"، وأن عالما متعدد الأقطاب آخذ في الظهور، ما يوفر فرصة لصعود تركيا من "قوة متوسطة" إلى مكانة "قوة عظمى".
وأوضحا أن "أنقرة لا تريد تغيير المعسكرات بالابتعاد عن الناتو والتوجه نحو منظمة شنجهاي للتعاون، وهي منظمة دفاع وأمن أوراسية شكلتها الصين وروسيا في 2001 في محاولة لمنافسة الناتو، بل ترغب في الحفاظ على قدم لها في كل معسكر، مع توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وقوتها الاقتصادية على نطاق واسع".
"لكن أردوغان (ذو الخلفية الإسلامية) يسعى إلى انفصال واضح عن الغرب عندما يتعلق الأمر بالأيديولوجيا والثقافة والهوية، ويحاول تنفيذ عملية توازن مدروسة بعناية بين القوى العظمى، على أمل إيجاد المزيد من الفرص التي يمكن لتركيا أن تمارس فيها نفوذها"، بحسب أسلي وشابيرو.
ورجحا أن "الولايات المتحدة لا تستطيع عكس مسار تدفق التاريخ وإعادة دمج تركيا في الغرب أو الاتحاد الأوروبي، فمحاولة أنقرة الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي ليست في حالة احتضار فحسب، بل ماتت".
اقرأ أيضاً
وساطة تركيا والسعودية.. حرب روسيا وأوكرانيا تعزز نفوذ "القوى الوسطى" عالميا
المصدر | أسلي أيدينتاسباس وجيريمي شابيرو/ فورين أفيرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديدالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: تركيا أردوغان الولايات المتحدة مصالح روسيا الصين الولایات المتحدة الحفاظ على اقرأ أیضا
إقرأ أيضاً:
من اليمن إلى أمريكا.. واشنطن أمام خيارين.. الانسحاب أو الاستنزاف!
لم يعد البحر الأحمر ممرًا آمنًا للأساطيل الأمريكية، ولم تعد واشنطن قادرةً على فرض هيمنتها العسكرية كما اعتادت. اليوم، يقف اليمن، بقوة ردعه وإرادته الصلبة، في قلب معركة استنزاف تُعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، فارضًا على الإدارة الأمريكية معادلة لم تكن تتوقعها: إما الانسحاب وتجرّع الهزيمة، أو البقاء في مستنقع استنزاف لا نهاية له.
تصعيد يمني يقلب الحسابات الأمريكية
في الساعات الأولى من فجر الاثنين، وجّهت القوات المسلحة اليمنية ضربةً قاسيةً لحاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس هاري ترومان في شمال البحر الأحمر، وذلك للمرة الثانية خلال 24 ساعة. العملية التي نفّذتها بصواريخ باليستية ومجنحة، إلى جانب طائرات مسيّرة، لم تكن مجرد هجوم تكتيكي، بل جزء من استراتيجية يمنية طويلة الأمد تهدف إلى شلّ قدرة العدو على المناورة وفرض واقع جديد في البحر الأحمر.
استمرار هذه الضربات الدقيقة أربك القيادات العسكرية الأمريكية، حيث استمرت الاشتباكات لساعات، وأجبرت الطائرات الحربية الأمريكية على التراجع دون تحقيق أي أهداف، ما يعكس فشلًا ذريعًا في تأمين أسطولها الحربي في واحدة من أهم الممرات البحرية العالمية.
واشنطن في مأزق.. لا انتصار ولا مخرج آمن
لم تعد واشنطن تمتلك رفاهية المناورة، فكل تحرك عسكري لها يُقابل بردّ يمني أكثر إيلامًا. لم يعد أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما:
1. الاستمرار في التصعيد، مما يعني مزيدًا من الخسائر العسكرية والاقتصادية، واستنزافًا طويل الأمد في مواجهة خصم يملك إرادة القتال ويفرض معادلاته على الأرض.
2. الانسحاب التدريجي، وهو ما يعني إقرارًا بفشل المشروع الأمريكي في فرض السيطرة على البحر الأحمر، وانكسار هيبة واشنطن أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.
اليمن.. لاعب إقليمي يرسم قواعد جديدة
لم يعد اليمن تلك البقعة التي يُنظر إليها من زاوية الصراعات الداخلية، بل بات قوةً إقليميةً تؤثر في معادلات البحر الأحمر والخليج العربي، وتُعيد رسم خرائط النفوذ. الاستراتيجية اليمنية ليست مجرد رد فعل، بل هي مشروع مقاومة متكامل يُعيد تشكيل التوازنات في المنطقة، ويثبت أن اليمنيين قادرون على مواجهة أعتى الجيوش بأدواتهم الخاصة.
ختامًا: هل تعترف واشنطن بالهزيمة؟
ما يجري اليوم في البحر الأحمر ليس مجرد مناوشات، بل هو معركة فاصلة في مسار النفوذ الأمريكي بالمنطقة. كل ضربة يمنية تُكلف واشنطن المزيد من الخسائر، وكل تراجع أمريكي يعني انتصارًا جديدًا لقوى المقاومة. فهل تتحمل واشنطن كلفة هذه المواجهة المفتوحة، أم أنها ستجد نفسها مضطرةً للاعتراف بأن البحر الأحمر لم يعد أمريكيًا؟
في كلتا الحالتين، اليمن منتصر… والمعتدون إلى زوال.