لجريدة عمان:
2025-04-05@05:36:08 GMT

جمال الغيطاني.. وليٌّ صالح في قاهرة المعز

تاريخ النشر: 16th, October 2024 GMT

جمال الغيطاني.. وليٌّ صالح في قاهرة المعز

رغم تحقُّق مشروع الروائي المصري جمال الغيطاني الكتابي، وترجمة أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، في كُبريات دور النشر الأوروبية والأمريكية والصينية وغيرها، وحصوله على عدد من الجوائز المرموقة مثل جائزة "العويس"، و"لورباتليون" الفرنسية، و"جرينزانا كافور" الإيطالية، والشيخ زايد، بالإضافة إلى وسام الاستحقاق الفرنسي من طبقة "فارس"، إلا أنه ظلَّ مقتنعاً حتى نهاية حياته بأنه صار معروفاً حينما اتَّجه إلى التلفزيون وقدَّم من خلاله برنامجه "تجليات" على قناة "دريم"، وأن الكاتب لا يمكن أن يعتمد على الأدب في أكل العيش ومصاريف البيت والأولاد إلا في حالات استثنائية ونادرة جداً.

اهتمَّ الغيطاني في هذا البرنامج بإطلاع الناس على عظمة الحضارة الإسلامية في القاهرة، وخصوصاً في منطقة المعز لدين الله الفاطمي والحسين والأزهر. نقل إليهم جمال المعمار، والتعاشيق، والخطوط العربية الجميلة، واهتمَّ بأن يشرح لهم فكرة التكامل بين المساجد والبيوت والأسبلة، فكل مبنى في تلك المنطقة لم ينشأ بمعزل عن المباني حوله، فإذا سرتَ مثلاً في شارع المعز لدين الله الفاطمي فإنَّ المساجد تفسح لك الطريق، وكلَّما تخيلتَ أن الشارع يضيق سرعان ما يتَّسع ويظهر البراح، أي أن المكان قد خضع لتصميم فني صارم نفذه معماريون وبناؤون عظام.

تحوَّل الغيطاني إلى وليٍّ صالحٍ في تلك المنطقة، وقد رأيتُ الناس يهرولون تجاهه إذا ظهر، بل إن بعضهم كان على وشك تقبيل يده، لولا أنه سحبها بسرعة. الناس البسطاء اعتقدوا، بما أنه يتحدث عن المساجد، وعظمة الحضارة الإسلامية، أنَّ فيه "حاجة لله"، أما سكَّان المنطقة أنفسهم فقد استحسنوا اهتمامه بهم، فهو لم يكن يتحدث عن الآثار بمعزل عن الحياة حولها، ونبَّه دائماً إلى ضرورة الاهتمام بالبيوت والآثار، ووصل صوته إلى المسؤولين فأدخلوا كثيراً من الخدمات الناقصة إلى المكان، وبالتالي استفاد الناس مما يقدمه صاحب "الزيني بركات".

ذهبتُ بصحبته ذات يوم إلى الأقصر، وبينما نجلس متجاوريْن في الطائرة ترك بعض الركاب مقاعدهم وجاءوا للحديث معه، معبِّرين له عن إعجابهم بما يقدمه على التلفزيون. مال على أذني قائلاً وهو يضحك: "الناس عرفوني بس لما اشتغلت في التلفزيون!"، لكنه كان يبالغ طبعاً، فهناك أجيال في مصر تعرف جيداً قيمته كمراسل حربي، حمل روحه على كفيه، لينقل بطولات الجيش المصري في حرب الاستنزاف، ويرسم بالكلمة تفاصيل خنق العدو الإسرائيلي وإلحاق خسائر فادحة بصفوفه وعتاده، متنبئاً بانتصار قريب، تحقق فعلاً في أكتوبر 73.

اقتناع الغيطاني بأن للتلفزيون تأثيراً كبيراً، جعله يقبل كثيراً من الدعوات للظهور في برامج مختلفة، سواء في مصر، أو أوروبا، كما أنه آمن بأن التلفزيون سيمكِّن ابنه محمد وابنته ماجدة من مشاهدته بعد رحيله، وهذا لا يعني قطعاً عدم اهتمامه بالأدب، أو عدم إيمانه بقيمته، بل إنه اهتم بتطوير نفسه وعالمه وتوسيع رقعة مشروعه السردي، بحيث يشمل إلى جانب الأعمال الروائية والقصصية تأملاتٍ فلسفية، ظهرت في كتابه "التجليات"، حيث تأمَّل فيها الحياة من خلال النوافذ المتعددة، كما تأمل "الاسم" وما يتركه من تأثيرٍ على صاحبه، وكذلك تأمَّل الموت والبعث وارتباطهما بالإنسان المصري من أول الحضارة الفرعونية وحتى اللحظة الحاضرة.

وعلى مستوى الكم تجاوز الغيطاني إنتاج صاحبه ومعلِّمه نجيب محفوظ، حيث ترك للمكتبة العربية أكثر من 70 كتاباً، بينما ترك محفوظ 55 عملاً منها ترجمته لكتاب البريطاني جيمس بيكي "مصر القديمة"، فقد شعر الغيطاني، طوال الوقت، بأنه في صراع مع ملاك الموت، وأراد أن ينجز أكبر قدر ممكن من الأعمال الجيدة، تخلد اسمه، قبل أن يستسلم له أخيراً ويغلق عينيه إلى الأبد في 18 أكتوبر 2015، لكنه كان مطمئناً غاية الاطمئنان إلى بقاء اسمه إلى الأبد.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الأوقاف: المساجد حضن تربوي للأطفال مع مراعاة الضوابط الشرعية

قالت وزارة الاوقاف المصرية، إن المساجد بيوت الله، وهي المكان الذي يملأ القلوب بالسكينة ويزود الأرواح بالهدى، ومن رحمة الإسلام أن جعل المساجد بيئة رحبة للكبار والصغار من الجنسين، حاضنة للأبناء؛ لتعزيز حبهم لها وارتباطهم بها منذ الصغر؛ فقد كان سيدنا النبي ﷺ قدوة في هذا المجال، إذ كان يُلاعب أحفاده داخل المسجد، ويحملهم في أثناء الصلاة؛ ويستقبل الوفود في المسجد، ويشهد "لعب الحبشة" (ما يشبه الفولكلور أو الفنون الشعبية في العصر الحديث)، وكل ذلك وغيره يؤكد التوازن بين الحفاظ على قدسية المسجد، وتعدد أدواره، ورعاية فطرة الطفل وحاجته للطاقة والحركة.

وأضافت الأوقاف، في منشور بيان لها، ففي حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: “رأيت النبي ﷺ يصلي بالناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها”، وهذا يوضح أن وجود الأطفال في المسجد وملاطفتهم لا يتعارض مع قدسيته، بل يعزز ارتباطهم به، ويزرع فيهم حب الصلاة، والإقبال على مجالس العلم، وتوقير بيوت الله وروادها، ومعرفة قدر العلماء والمربّين، وترسيخ فكرة الترويح المباح عن النفس، وتعليمهم كيفية ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وغير ذلك من الأهداف النبيلة. 

وفي حديث آخر عن شداد بن الهاد رضي الله عنه، قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة، فسجد أطال السجود". 

وهنا نجد أن النبي ﷺ لم يمنع الأطفال من المسجد حتى في أثناء الصلاة، بل كان يُظهر لهم الرقة والرحمة، بل كان يوجز التلاوة في الصلاة حرصًا على تلبية احتياجات الصغار كما ثبت من سنته الشريفة.

كما ورد في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: "كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه"؛ وهذا الموقف يؤكد أن وجود الأطفال في المسجد كان أمرًا مألوفًا -بل محببًا- في عهد سيدنا النبي ﷺ، وهو لا يتعارض مع الوقار، بل يعبر عن رحمة النبي بهم.

أما عن حديث عائشة رضي الله عنها، فقد قالت: "رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد... "، وهذا الحديث يوضح سماحة الإسلام في السماح ببعض اللعب داخل المسجد طالما أنه لا يخل بقدسيته ولا يؤثر في خشوع المصلين.

ومن المهم أن يكون اللعب والملاطفة في أوقات لا تعيق الصلاة أو تؤثر في خشوع المصلين، كما ينبغي إشراف الكبار على الأطفال من أجل مراعاة الآداب الشرعية في أي نشاط داخل المسجد، والأوقات المناسبة للهو المباح وكيفيته، مع تربيتهم على عدم المساس بقدسية المسجد أو التسبب في إزعاج المصلين، أو في إحداث أي ضرر بالمكان أو بمن هم فيه.

والمؤكد أن تربية الأطفال على احترام الأكوان بما ومن فيها -بما في ذلك حب المساجد- لا تقتصر على التلقين فحسب، بل ينبغي إشعارهم بالألفة والراحة في رحابها؛ والتلطف معهم فيها بالقول وبالفعل، وبالتعليم وبالإهداء، وبالترحيب وبالتوجيه الذي يأخذ بعلوم نفس الطفولة ويراعي متطلبات التنشئة السليمة والذكاء العاطفي، ولا مانع من ملاعبة الأطفال في المساجد بشرط أن يكون ذلك متفقًا مع الآداب الشرعية وألا يتسبب في أي مساس بالمسجد أو مكوناته أو رواده.

واللهَ نسأل الله أن يجعل بيوته عامرة بذكره، وأن يرزقنا تربية أجيالنا على طاعته وحب بيوته التي أذِن سبحانه أن تُرفَع ويُذكَرَ فيها اسمه.

مقالات مشابهة

  • «مصحف مسيدنا» باقة جديدة ضمن باقات «مساجد الفريج»
  • *«سخمت» نجمة يوم المخطوط العربي في متحف ملوي: رحلة عبر عظمة الحضارة المصرية القديمة
  • قاهرة المعز.. جوهرة التاريخ وسحر الحضارات
  • ضوابط تواجد الأطفال في بالمساجد.. الأوقاف توضحها
  • خبير: تطوير منطقة الأهرامات يخدم السياحة مع افتتاح المتحف المصري الكبير
  • ملكة جمال أوروبا تفارق الحياة في تركيا.. نهاية مروعة
  • الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة الإسلامية
  • عقاباً على دعم المعارضة..التلفزيون التركي يقيل ممثلة معروفة
  • الأوقاف: المساجد حضن تربوي للأطفال مع مراعاة الضوابط الشرعية
  • الوقف السني ينفي إعفاء خطيبين وإمامين من مهامهما في المساجد (وثيقة)