مؤشرات تتنبأ بالطرف المنتصر في الحرب
تاريخ النشر: 15th, October 2024 GMT
في الشهور الأخيرة، تبلورت في مراكز العصف الذهني الغربية نقاشات حول معنى مفهومَي الهزيمة والنصر في الحروب المعاصرة. بدأ هذا النقاش مع انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان، وعودة طالبان إلى الحكم. فهل كان ذلك هزيمة لأميركا ونصرًا لطالبان؟
في حقيقة الأمر، لكل طرف سرديته التي يوثّق بها رؤيته. لكن عودة طالبان، التي أرادت أميركا محوها بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، تؤكد أن النصر المؤقت الكاسح قد يخفي في داخله هزيمة غير مرئية، يشاهدها من يحلل الوضع على المدى البعيد.
في الحروب المعاصرة، النصر والهزيمة لهما معانٍ تختلف عن معاني الماضي. قديمًا وحتى الحرب العالمية الثانية، كان اكتساح الجيوش في الحروب التقليدية كفيلًا بحسم الحرب وإعلان الانتصار. والآن، تشير سردية الحروب في العقود الأخيرة إلى مقاتلين أقل تقنية قد يدمّرون جيوشًا ذات تقنية وإمكانات أعلى. فلم يعد السلاح وقوته التدميرية كافيَين لحسم الحرب.
هذا ما يجعل النقاش حادًا حول كلفة الحرب ونتائجها. ففي حرب غزة الأخيرة، تعاملت إسرائيل مع حماس بنفس المفهوم القديم، فأعلنت لجمهورها وأنصارها على الصعيد الدولي، أهدافًا للحرب تنصّ على إنهاء سيطرة حماس على غزة واستعادة الرهائن الإسرائيليين. لكن كلا الهدفَين لن يتحققا بالحرب. صحيح أن إسرائيل سيطرت على غزة حتى خط حدودها مع مصر، لكن حماس ظلت تعمل على الأرض، مستنزفة الجيش الإسرائيلي الذي يضعف يومًا بعد يوم.
ورغم أن الخسائر البشرية في غزة صعبة ومؤلمة، فإن الفلسطينيين لم يتركوا أرضهم تحت ضغط الحرب، مخالفين بذلك ما اعتادته إسرائيل في حروبها السابقة. فقد أصبحت الأرض لدى الفلسطينيين موازية للحياة. من جهة أخرى، نجحت حماس في شيطنة إسرائيل إعلاميًا، مما أفقد الأخيرة قدرتها على لعب دور الضحية كما في الحروب السابقة. كما عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، مع الاعتراف دوليًا بأن احتلال إسرائيل لغزة لم يعد مقبولًا.
لا تدرك إسرائيل بعدُ أن احتلالها غزة سيؤدي إلى تنامي بيئة أكثر شراسة وعداءً لها على المدى البعيد، حيث لن يتسامح أي غزيّ معها، وأن إغلاق المجال السياسي وتشديد العنف في الحرب يمثلان "قبلة حياة" مستدامة لحماس. وعلى هذا المنوال، فالاعتقاد بأن جنوب إسرائيل سيكون في مأمن بعد هذه الحرب هو مجرد وهم؛ إذ ستظل هذه الجبهة مصدر استنزاف دائم لها.
ربما يكون اجتياح غزة نوعًا من النصر العسكري، لكن الهزيمة الإستراتيجية لإسرائيل ستتمثل في فقدانها عددًا من داعميها التقليديين. فالوعي الغربي أصبح قلقًا من العنف الذي تمارسه، وصورتها التقليدية باتت في مهب الريح.
ومع انتهاء الحرب، ستواجه إسرائيل مشاهد صادمة على الصعيد الداخلي، تبدأ من أزمة اقتصادية طاحنة؛ حيث يتم التعتيم على الخسائر الاقتصادية في ظلّ ضجيج الحرب. خسائر المصانع والمزارع وقطاع التكنولوجيا كبيرة، وتزايدت منذ بداية الحرب.
تُضاف إلى ذلك الخسائر البشرية الكبيرة، حيث سيخرج المواطن الإسرائيلي من الحرب وهو يعاني معاناة غير مسبوقة. هذه الواحة المدعومة غربيًا لم يعد لدى داعميها القدرة على الاستمرار في مساندتها بلا حدود، خاصة مع الإنهاك الذي يعانيه الغرب؛ بسبب الحرب الأوكرانية الروسية.
وتجسد الحرب في أوكرانيا مفهوم النصر والهزيمة المعقد. فلا روسيا حققت انتصارًا حاسمًا، ولا الغرب وصل إلى أهدافه. لكن روسيا نجحت في استنزاف الغرب اقتصاديًا، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم. وخسرت اقتصادات أوروبا كثيرًا؛ نتيجة دعمها غير المحدود لأوكرانيا، بينما يعاني الأوكرانيون من الاستنزاف البشري، وهو تكلفة عالية بالنسبة لهم، لا نعلم إلى متى سيظلون قادرين على تحمّلها.
تتزايد الهجرة من أوكرانيا، وقد لا تعود أعداد كبيرة من المهاجرين؛ بسبب طول أمد الحرب واستقرارهم في دول المهجر. تخوض أوكرانيا حربًا تقليدية تعتمد على الدبابات والمدافع، بينما تجمع روسيا بين الحرب التقليدية والهجمات السيبرانية. جعلت روسيا من الطائرات المسيرة وتحطيم مراكز المعلومات والبنية التحتية والوقود الأوكرانية هدفًا دائمًا.
صحيح أن روسيا واجهت إخفاقات واستُنزفت اقتصاديًا، لكن الغرب لم يستطع قياس قدرة موسكو على تحمل العقوبات الاقتصادية بشكل جيد. في ظل هذه الظروف، قد يكون دفع شركات السلاح الأميركية نحو استمرار الحرب لتعظيم أرباحها كارثة على الجميع.
ستخرج روسيا من هذه الحرب بخسائر ومكاسب متوازنة، لكنها ستبقى دولة يُخشى جانبها، بعد أن ظن الغرب لعقود أن الحروب الكبرى أصبحت بعيدة عن أبوابه. ومع ذلك، فإن الرابح الأكبر من هذه الحروب هي الصين.
استغلت الصين تراجع قوة الغرب وانشغاله بحربين منهكتين (غزة وأوكرانيا)، لتوسّع نفوذها السياسي والاقتصادي. في أفغانستان، تضخ الصين استثمارات وتبني مصالحها في إطار ملء الفراغ الذي تركه الحصار الغربي. وفي أفريقيا، تمدّ نفوذها – ومعها روسيا – على حساب الغرب، وخاصة فرنسا التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية.
"من المنتصر ومن المهزوم في الحروب الحديثة؟" أصبح أمرًا محل نقاش. فالحروب الحالية لا تنهي الخصم، لكنها تضعفه وتحد من خطورته لفترة زمنية. حتى المهزوم يمكنه أن يلحق أضرارًا بالغة بالطرف الآخر، تهدد أمنه ووجوده.
هذا ما يحدث في غزة وأوكرانيا؛ إذ تحاول إسرائيل تحقيق نصر بأي ثمن، لكنها قد تدفع ثمنًا باهظًا على المدى البعيد. وفي أوكرانيا، ستحقق روسيا انتصارًا عسكريًا محدودًا، لكن الجراح الاقتصادية والبشرية ستكون مؤلمة، وذلك رغم ما توقعه في أوكرانيا من خسائر فادحة تشمل الخسائر البشرية والاقتصادية.
في الحروب الحالية والقادمة، لن يوجد منتصر يرفع راية النصر، ولا مهزوم يرفع راية الاستسلام. نحن أمام أوضاع معقدة وصعبة، تتطلب خيالًا سياسيًا لحلّها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات فی الحروب
إقرأ أيضاً:
تركيا و«إسرائيل» وسوريا واليمن وتداعيات الحرب
– ليس موضوعنا مناقشة الفرضية اللبنانية بإمكانية تحقيق الأهداف الوطنية السيادية المعلن عنها في البيان الوزاري، بإنهاء الاحتلال والعدوان الإسرائيلي عن طريق الخيار الدبلوماسي، والرهان على الضغط الأمريكي على “إسرائيل”، إذ يكفي لتظهير فشل هذه الفرضية انتقال أصحابها إلى طرح مستقبل سلاح المقاومة بصورة مقلوبة لجدول الأعمال المفترض المبني على الاستقواء بنجاح الحل الدبلوماسي بفرض احترام القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار على الاحتلال، لمخاطبة المقاومة من موقع قوة حول مستقبل السلاح. وقد بات أصحاب الفرضية على يقين بالفشل فارتأى بعضهم الهروب إلى الأمام وتحميل المقاومة وسلاحها مسؤولية فشلهم، وهم يعلمون أن المثال السوري أمامهم يكفي للفهم بأن التعري أمام “إسرائيل” من كل عناصر القوة لا يؤدي إلى احترامها سيادة البلد، لأن حكومة سوريا الجديدة التي تستطيع القول إنها حققت لـ”إسرائيل” ما كان حلماً مثل قطع خط إمداد المقاومة في لبنان عبر سوريا وإخراجها وإخراج إيران من سوريا، وترك الاحتلال يدمر كل مقدرات الجيش السوري. ورغم أن سوريا تعرت حتى من خطاب الاعتراض بوجه التمادي الإسرائيلي في التوغل والعدوان، ورغم أن تركيا وقطر هما راعيتا الحكم الجديد في سوريا، فإن واشنطن ملتزمة مع تل أبيب ولا تقيم حساباً في رفع العقوبات إلا لما ترغبه تل أبيب بربط ذلك بمستقبل الطلبات الإسرائيلية.
– موضوعنا هو أن في المنطقة حرباً واحدة، هي حرب شعوب المنطقة ومقاوماتها مع كيان الاحتلال، وكل حروب المنطقة التي لا تبدو كذلك هي متفرعات لهذه الحرب. وهكذا كانت حرب سوريا لأكثر من عشرة أعوام، وهكذا هي نتيجة الحرب اليوم، والسعي لتحويلها إلى حرب لإنشاء مناطق استراتيجية ثالثة ليست لـ”إسرائيل” ولا للمقاومة محكومة بالفشل، كما يظهر مثال سوريا ومثال لبنان، ففي سورية انسحب نظام الرئيس بشار الأسد من المشهد، بعدما كان وجوده العنوان الظاهر للحرب، وقد نجح صناع الحرب في إنهاك الشعب والجيش والعبث بعناصر القوة حتى سقطت كل عناصر القوة، وانتهى الأمر بانسحاب الرئيس دون قتال، وحاول الأتراك قيادة فكرة إنشاء منطقة ثالثة ليست إسرائيلية ولا مقاومة، وها هي النتيجة أمامنا، ليس بسبب قوة وتعطيل وممانعة المقاومة التي كان الرئيس بشار الأسد جزءاً من جبهتها، بل بسبب ممانعة وتعطيل وقوة “إسرائيل” وأمريكا، وهذا ما يحدث في لبنان بالتمام والكمال.
– كل ما يجري يدور حول نتائج الحرب التي لم تنته، ولذلك نشهد ما نراه من تداعيات بنيوية تتصدع معها حالة الاستقرار السياسي، وربما الأمني في تركيا، لأن تركيا وضعت كل أوراقها في رهانها السوري، رهانها الاقتصادي مرتبط برفع العقوبات الأمريكية عن سوريا وتدفقات تمويل إعادة الإعمار باعتبار ذلك فرصة استثنائية لنهوض الاقتصاد التركي عبر دور محوري للشركات التركية في إعادة الإعمار، والرهان الأمني مرتبط بإنهاء الوضع القائم شمال شرق سورية لصالح الجماعات الكردية المسلحة، ولم ينته. والرهان السياسي مرتبط ببناء الحجر الأساس لمنظومة العثمانية الجديدة من بوابة نجاح النموذج السوري، واحترام واشنطن وتل أبيب للعباءة التركية لهذا النموذج وتعافيه الاقتصادي والسياسي، وكل ذلك لم يحدث، بل أدى الفشل إلى تصدع النموذج وجاءت مجازر الساحل تعبيراً عن هذا التصدع لتترك آثارها على النسيج الاجتماعي المماثل بتكوينه الطائفي للنسيج السوري. وها هو الفالق يشق تركيا ويضعها في المجهول.
– داخل كيان الاحتلال بنى بنيامين نتنياهو رهانه على استثمار صورة نصر افتراضي في لبنان وغزة وسوريا، بالتمادي في عمليات التدمير والقتل والتوغل، لإحكام قبضته مع حلفائه على القرار السياسي والأمني والقضائي، والمضي قدماً بحسم الصراع الذي نشب قبل حرب الطوفان بين “إسرائيل” القديمة التي بات يمثلها اليوم رئيس الشاباك والمستشارة القانونية للحكومة والمحكمة العليا وأهالي الأسرى، و”إسرائيل” الجديدة ويمثلها تحالف ايتمار بن غفير بتسلئيل سموتريتش، ولأن النصر ليس حقيقياً، كما تقول ممانعة النازحين من الشمال والجنوب بالعودة، وكما يقول الفشل في الجبهات البرية لغزة ولبنان، وكما يقول فشل القبة الحديدية في تأمين حماية الجبهة الداخلية، يفشل نتنياهو في إحكام السيطرة ويندلع الصراع الذي يفتح باب الحرب الأهلية، كما تقول تصريحات نتنياهو نفسه ورئيس الكيان حول خطر الانزلاق إلى حرب أهلية.
– يفشل بنيامين نتنياهو لأنه يزور نصراً في الحرب الحقيقية ليربح في حرب أخرى، ويجد أن عليه المضي في الحرب الرئيسية أملاً في تغيير وجهة الحرب الداخلية، لأنه دون نصر حقيقي فيها لا مكان للنصر في سواها، ويفشل رجب أردوغان لأنه حاول صناعة نصر فرعي بالهروب من خوض غمار الحرب الرئيسية،، وتوهم صناعة مكان محايد فيها، ولهذا تذهب “إسرائيل” وتركيا إلى أزمات كبرى، وفشلت سوريا لأن محاولة نقلها إلى مكان ثالث في حرب شديدة الاستقطاب ليس فيها مكان للحياد فاكتشفت أن لا مكان ثالث وأنها تقف في الفراغ، لكن اليمن وحده ينجح لأنه منذ البداية عرف الحرب الرئيسية وحدد موقعه فيها وقاتل بشعب موحد وقوات مسلحة واضحة الخيار، وتحمل التبعات والتضحيات، ومَن يستطيع أن ينكر اليوم أن في المنطقة قوتين إقليميتين تتقاتلان هما مقاومة غزة وكيان الاحتلال، وقوتان دوليتان من خلفهما، اليمن خلف غزة، وأمريكا خلف “إسرائيل”، ورغم فوارق القوة تستمر الحرب لسنة ونصف ولا تسقط غزة ولا يسقط اليمن.
– ببساطة اطرحوا السؤال، مَن الأقوى إقليمياً اليمن أم تركيا؟
* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية