نزار الحديثي عالم كبير في التاريخ الإسلامي.. فقدانه خسارة لا تعوض
تاريخ النشر: 13th, October 2024 GMT
فقد الوسط الأكاديمي والثقافي في عالمنا العربي واحداً من أبرز أعمدته، وأنصع وجوهه وهو المؤرخ والمفكر العروبي العراقي الكبير/ نزار عبداللطيف سعود ناصر الحديثي، نعم خسرناه جميعاً كعنصر فاعل، وباحث رصين، ومفكر قومي فذ، في عدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية العربية.
ففي شهر يوليو 2024م فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها عزّ وجل في مدينته العراقية التي عشقها حدالثمالة، وهي مدينة كل العرب بغداد حاضرة العلم والثقافة والتاريخ والفكر العروبي والإنساني في عالمنا العربي والإسلامي.
تعرفت عن قرب على أستاذنا/ نزار الحديثي في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، حينما تكررت زيارتنا كوفد من جامعة عدن إلى جمهورية العراق الشقيقة لزيارة عدد من الجامعات العراقية ومؤسساتها البحثية والسياحية ومراقدها الطاهرة، لأن تُربة العراق تحوي كوكبة من خيرة قادة الأمة الإسلامية والعربية.
زرناه مِراراً إلى المكتبه العامر في عمادة كلية الآداب جامعة بغداد أنا وأخي وصديقي الفقيد المرحوم أ.د/ صالح علي عمر باصرة رئيس جامعة عدن- رحمة الله عليه- مع صديقنا الدكتور/ محمد أحمد فلهوم، وفي كل زيارة جديدة نشعر بأن المكان والزمان يتجددان بشيء حديث وجديد، لأن روح فقيدنا الحديثي هي من تجدد محيطنا المكاني والزماني، تلك الأرواح الجميلة النادرة لا تتكرر في بني الإنسان إلا لنوع نادر من البشر، ونزار الحديثي أحد هؤلاء النادرين الاستثنائيين في الحياة، رحمة الله عليه وأسكنه الجنة الواسعة.
نزار الحديثي معلم وأستاذ جامعي لعدد كبير من الأجيال في العراق الشقيق وفي اليمن بطبيعة الحال، فهم الأقدر على وصفه ووصف سلوكه وقدراته العلمية والثقافية والإنسانية، ولهذا فهم يتحدثون بتوسع عنه، وقد قابلت عدداً لا يستهان منهم وبعددهم من طلابه العراقيين واليمنيين على حدٍ سواء، وقد ترك انطباعاً إيجابياً وجميلاً لدى طلابه في مسيرة عطائه الثرية الطويلة، حتى أن البعض يتذكر دائماً في محاضراته، مفرداته اللُغوية اللافتة وسيل معارفه ومداركه العلمية، والثراء الواسع بعلوم التاريخ ومحطاته وأناقته في الملبس والهندام.
هذا هو النموذج للمعلم التربوي والعلمي والسياسي للإنسان الجميل والجاد والمؤثر الذي ينقش اسمه وذكراه في عقول ووجدان من تعلموا على يديه والتقوا به وعملوا معه وعاشروه في حلِّه وترحاله.
لقد كان المعلم البروفيسور/ نزار الحديثي محباً لتاريخ الأمة العربية كلها، لكنه كان يعشق حد الجنون التاريخ الإسلامي لليمن، وأهل اليمن وعلماء اليمن وفقه اليمن وإسهامات اليمانيين في التاريخ الإسلامي، وكان يكرر في أحاديثه لنا بأنه لا توجد حملة علمية أو عسكرية أو أي مدد في تاريخنا الإسلامي إلا وكان لليمنيين دور كبير فيها، ولا يوجد قُطر أو بلد إسلامي حديث النشأة في وصول الإسلام إليه، إلا وكان القادة والعلماء والفقهاء اليمنيون موجودين وحاضرين هناك، وقد حدثني قبل مغادرته الأخيرة للعاصمة صنعاء في وداع – كان هو الأخير للأسف – بأن لديه مشروعاً واسعاً جمع فيه معظم تاريخ علماء اليمن من عصر النبوة حتى عصرنا الحديث وأنه على مشارف الانتهاء منه، وسيكون في عدد من المجلدات، ويتمنى أن يجد من يُساهم في طباعة تلك الموسوعة من اليمن أو من العراق أو من أي قُطر عربي أو أجنبي آخر، وهنا انتهى لقاؤنا الجسدي به وودعناه على أمل أن نلتقي مرة أخرى، لكن هي مشيئة الله سبحانه وتعالى أن تكون تلك الرحلة هي رحلته الأخيرة لليمن، نسأل الله له الرحمة والمغفرة وأن يجد أقاربه وأصدقاؤه الوقت والإمكانات المناسبة لطباعة تلك الموسوعة الثمينة الغالية.
ولديه أيضاً مقالات وأبحاث وكتب عديدة عن تاريخ اليمن بشكلٍ خاص والتاريخ الإسلامي بشكلٍ عام، بعضها قد طُبع ونُشر والبعض الآخر لازال قيد الطبع، ندعو الله العلي القدير أن تُوفق الجهات الرسمية والأكاديمية في إنجاز طبعها ونشرها كي يتم الحفاظ على تاريخ الأمة العربية الإسلامية العظيمة.
أمثال المعلم البروفيسور/ الحديثي لا يموتون ولا يغيبون عن ذاكرة الأجيال مهما مر من زمان فراقه، هؤلاء النفر يظلون حاضرين يعيشون بيننا ومعنا في قاعة الدرس وقاعات المحاضرات وساحات الجوامع العامرة بذكر الله والعلوم، ومتواجدين فكراً وذكرى في مراكز الأبحاث وفي غيرها من حلقات الذكر والمناقشات والمجادلة العلمية، وبرغم حزننا الشديد على وفاته وفقدانه الجسدي وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه وعباده، إلا أنه سيبقى حياً خالداً في وعي وذاكرة الأجيال العربية وتحديداً العراقية واليمنية، وذكره يتكرر ويُذكر كما أسلفنا في جميع مراكز العلوم والتاريخ ومع طلابه النجباء الأوفياء.
إن من يعرف المعلم/ نزار الحديثي عن قُرب يعرف أن لديه هواية من أعظم الهوايات وهو اهتمامه بالزراعة وتحديداً زراعة وفرز فصائل النخيل العراقي ذائع الصيت والشهرة، وقبل مغادرته مدينة صنعاء اتصل بي هاتفياً، وقال لدي هدية عراقية ثمينة خصصتها لك، وفي الواقع فاجأني بهذا الخبر السار، وقال لدي مجموعة منتقاة ونوعية من فسائل العراق العظيم، أريدها هدية خاصة تزرعها في أرض أهلك في شبوة، وكانت الهدية عبارة عن أزيد من 200 فسيلة من أجود أنواع نخيل العراق، أخذتها منه ممنوناً شاكراً وبعثتها للأهل والأصدقاء ولي كي تزرع في مزارع محافظة شبوة، وكما أخبرني الأصدقاء بأن عدداً من تلك الفسائل قد أثمرت رطباً عراقياً جنياً ذا مذاق خاص، رحمة الله عليك يا صديقي العزيز/ نزار الحديثي حياً وميتاً وستبقى كما أنت مصدر الهام وحلماً للعديد من الطلاب والمفكرين وحتى للبسطاء ممن وصلتهم إحدى فسائلك العراقية الراقية.
بسم الله الرحمن الرحيم ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي))
صدق الله العظيم.
رحم الله صديقنا وأستاذنا المعلم البروفيسور/ نزار عبداللطيف الحديثي وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وطلابه ومريديه ومحبيه الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
عضو المجلس السياسي الأعلى
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
تشييع يخلده التاريخ: تجديد العهد والتزام نهج التضحية
محمد عبدالمؤمن الشامي
في يوم من أيام المجد والشرف، احتشدت الأمة في وداع شهداء الوطن، الأمينين العامين لحزب الله، السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين. هذه اللحظات الخالدة تبرز شجاعة ورؤية قادة عظماء شكلوا تاريخ الأمة بإيمانهم وتضحياتهم.
عندما بدأ التشييع، تلاشى الحزن أمام العزيمة والإرادة القوية التي جسّدها القائدان. لم يكن هذا اليوم مُجَـرّد وداع، بل تأكيدًا على أن الأبطال الحقيقيين يخلدهم التاريخ، وأن الإرث الذي تركوه سيظل نبراسًا للأجيال القادمة.
كان هذا التشييع استثنائيًّا بكل المقاييس، حَيثُ اجتمعت الحشود من مختلف الأقطار لتوديع القائدين. لم يكن هذا الحدث مُجَـرّد جنازة عادية، بل كان بمثابة ملحمة وطنية تعبر عن حجم الحب والاحترام الذي حظي به السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين.
السيد حسن نصر الله، الذي قاد الأمة نحو العزة والكرامة، لم يكن مُجَـرّد زعيم، بل كان رمزًا للمقاومة والإصرار. كان صوته يهز عروش الظالمين، ويمنح المستضعفين أملًا في نصر قادم. واليوم، حين يودعه الأحرار، فَــإنَّهم لا يبكون قائدًا فحسب، بل يبكون ابنًا لكل بيت، وأخًا لكل مقاوم، وأبًا لكل من سار على طريق العزة.
أما السيد هاشم صفي الدين، فقد كان شريكًا في هذه المسيرة البطولية، حمل همّ الأمة على كتفيه، وساهم في بناء قوة لا تُقهر. فقده لم يكن خسارة لفرد، بل كان خسارة للأمة بأسرها. إن روحه ستظل حية تلهم الأجيال القادمة، وتضيء طريق السائرين على درب المقاومة.
هذا التشييع المهيب لم يكن مُجَـرّد حدث محلي، بل حضره وفود من مختلف أقطار العالم، جاءت لتقدم واجب العزاء وتعبر عن تضامنها مع الأمة في مصابها الجلل. وكان هذا الحضور رسالة قوية للأحرار في جميع أنحاء العالم تؤكد بقائهم على العهد مع محور المقاومة ضد قوى الطغيان والاستكبار العالمي، وتؤكد التزامهم نهج وطريق التضحية الذي جسده الشهيدين العظيمين على طريق القدس. هذا الحضور هو تأكيدٌ على أن العهد مُستمرّ والنهج باقي.
دموع الأحرار في هذا اليوم ليست دموع ضعف، بل هي دموع الوفاء والعهد بأن المقاومة لن تتوقف، وأن الراية التي حملها هؤلاء القادة ستظل مرفوعة، وأن نهجهم سيبقى حيًّا في القلوب.
رحل الجسد، ولكن الروح باقية، والصوت الذي دوّى في ساحات العزة لن يُمحى من ذاكرة الأحرار. سيرتهم ستظل منارة يهتدي بها المقاومون، وستبقى دماؤهم وقودًا يُشعل جذوة النضال حتى تتحقّق الأماني التي أفنوا حياتهم من أجلها. إن هذا اليوم ليس مُجَـرّد وداع لرموزٍ خالدة، بل هو تجديد لعهدٍ لا يُنكث، وإحياء لمسيرةٍ لا تنطفئ، وتأصيل لنهجٍ صنع من الضعف قوة، ومن الألم صمودًا.
سلامٌ على الأرواح الطاهرة، وسلامٌ على من كانوا رمزًا للشرف والصمود. إن نصر الله وصفي الدين ليسا مُجَـرّد اسمين يُذكران، بل هما قضيةٌ باقية، ومسيرةٌ لا تتوقف، وعهدٌ لا يُنكث. وإنّا على العهد.