المرأة العمانية في قطاع الأعمال
تاريخ النشر: 12th, October 2024 GMT
تعد مشاركة المرأة في التنمية أحد أهم منطلقات الاستدامة والنمو المتوازن والشامل، الذي تدعو إليه الدول الحديثة وتتأسَّس عليه، ولهذا كانت سياسات تحفيز إدماجها إلى القطاعات التنموية المختلفة التي يمكن أن تقدِّم خلالها المعرفة والخبرة والمشاركة في الإنتاج والتنمية، فتمكين المرأة خاصة في القطاعات الإنتاجية له أثر بارز في النمو الاقتصادي المستدام والتنمية الاجتماعية التي تُحسِّن المستوى المعيشي للأُسر، وتُحقِّق أهداف الرفاه الاجتماعي.
ولقد كانت عُمان من أوائل الدول التي طبَّقت أنظمة المساواة بين الجنسين وتكافؤ الفرص باعتبارهما أحد أهم الأُسس التي تقوم عليها الدولة؛ فحظيت المرأة بفُرص متساوية للتعليم والتدريب والعمل، وعزَّزت حضورها ومشاركتها في القطاعات التنموية كلها، كما حظيت بالدعم الدائم من لدن الحكومة، ولهذا فهي اليوم تتقلَّد العديد من المناصب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والدبلوماسية والعسكرية وغيرها، فبرز بذلك دورها التنموي في المجتمع والفرص الكثيرة التي يمكنها المنافسة عليها.
ولأن عُمان تؤمن بقدرات المرأة وأهمية إدماجها وتمكينها، فقد اعتنت بها عناية فائقة؛ إذ كفلت لها الحماية وضمان الحصول على الحقوق الكاملة التي تحفظ لها مكانتها في المجتمع، وتُسهم في فتح الفرص أمامها من أجل الانخراط في التعليم والتدريب والالتحاق بسوق الأعمال؛ فمنذ بداية النهضة الحديثة والمرأة العمانية تشارك بفاعلية في كافة القطاعات، ويأتي القطاع الاقتصادي باعتباره أساس التمكين الاقتصادي للمرأة ضمن أهم تلك القطاعات التي اهتمت بها الدولة.
ولقد أسهمت الرؤية الوطنية 2024، في توجيه الاهتمام إلى أهمية التمكين الاقتصادي للمرأة أيا كان وضعها الاجتماعي، الأمر الذي انعكس على تلك التشريعات الحديثة خاصة قانون (الحماية الاجتماعية)، وما منحه للمرأة من حقوق وفرص لذلك التمكين، إضافة إلى اللوائح والسياسات التي تشجِّع ريادة الأعمال وتيسِّر إجراءاتها، وتلك المبادرات والخدمات الاستشارية والتمويلية التي تعزِّز التنافسية مثل حاضنات الأعمال، وبرنامج (الجاهزية) وغيرها، الأمر الذي نجده بشكل واضح في تزايد أعداد مشروعات ريادة الأعمال التي تقودها المرأة العمانية، إضافة إلى انخراطها في سوق العمل في مؤسسات هذا القطاع خاصة في الشركات.
إن المرأة العمانية اليوم تحظى بالرعاية والتمكين والقدرة على المنافسة في القطاع الاقتصادي والمالي؛ وليس أدَّل ذلك من تلك الشركات الكبرى باختصاصاتها المختلفة التي تديرها المرأة العمانية بكل اقتدار، إضافة إلى رئاستها وعضوياتها لمجالس إدارة القطاع المصرفي والمالي، فالمرأة العمانية نجدها حاضرة في هذا القطاع باعتبارها أحد أركان هذا المجتمع الفتي؛ إذ تسهم مع الرجل في التنمية الاقتصادية وتقدِّم خبرتها ومعرفتها من أجل تعزيزه ورفده.
يخبرنا تقرير (المرأة وأنشطة الأعمال والقانون) للعام 2024، الصادر عن البنك الدولي أن (النساء يتمتعن بالقدرة على زيادة الاقتصاد العالمي)، على الرغم من أن بعض القوانين في الأنظمة العالمية ما زالت تميل إلى إبقائهن على الهامش، عن طريق العديد من الممارسات الخاصة بالأجور، والحوافز وغيرها، إضافة إلى تلك التعقيدات التي تواجه المرأة في ريادة الأعمال، مما يؤدي إلى زيادة الفجوة بين الجنسين في مجالات الأعمال والاقتصاد، الأمر الذي دفع التقرير إلى التوصية بالمساهمة في سد هذه الفجوة أو تضيقها من خلال التوظيف وريادة الأعمال، والاهتمام بتيسير مشاركة المرأة في القطاعات الصناعية والتجارية، مما سيُسهم في (مضاعفة معدل النمو العالمي الحالي).
وعلى الرغم من أن بلدان العالم تحرز تقدما في سن القوانين الداعمة للحقوق الاقتصادية للمرأة، إلاَّ أن (3.9 مليار امرأة في جميع أنحاء العالم تواجه صعوبات قانونية تؤثر على مشاركتهن الاقتصادية)- حسب التقرير-، الأمر الذي ينعكس على انخراطها في سوق الأعمال الاقتصادية، وإمكانات الاستفادة من قدراتها ومشاركتها الفاعلة في هذا القطاع الحيوي المهم، الذي يمس المستوى المعيشي للأسرة بشكل مباشر، الأمر الذي يؤكده أيضا تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين 2024، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يجعل من الأبعاد الاقتصادية والسياسية أكثر الركائز التي تعاني من اتساع الفجوة بين الجنسين.
ولهذا فإن الدول التي تهدف إلى تضييق هذه الفجوة عليها أن تتخذ الوسائل والتدابير اللازمة لضمان حصول المرأة (دون قيد على الموارد والفرص ومناصب صنع القرار)، إضافة إلى أهمية تعزيز الظروف المواتية للأعمال التجارية والمجتمع المدني وإيجاد الشراكة الفاعلة التي تدعم انخراط المرأة في ريادة الأعمال بكافة أنواعها، لتشكيل اقتصادات قائمة على أولويات المجتمع وحاجاته لتأسيس مجتمع مزدهر ومرن ومنصف.
إن التمكين الاقتصادي للمرأة يؤثِّر على التنمية الاجتماعية، وتحقيق أهداف الرفاه، لذا فإن الاهتمام بتوفير السياسات والبرامج الوطنية الداعمة لهذا التمكين، وحصر التحديات ومحاولة إيجاد الحلول، سيوفِّر بيئة محفزة للمرأة لولوج عالم الأعمال، والأمر هنا لا يتعلَّق بالمشروعات التي تديرها المرأة، بل أيضا بأنواع تلك المشروعات وآفاق استدامتها بوصفها مشروعات تؤسِّس لأعمال ذات مساهمة وطنية مستدامة؛ فالتمكين الاقتصادي وفتح الفرص للأعمال التي تقوم بها المرأة بدءا من المشروعات المنزلية ومشروعات المرأة الريفية وليس انتهاء بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كلها أنماط عليها أن تتبنى خططا إنمائية قادرة على النمو والاستدامة.
إن هذا التمكين يأتي وفق مقتضيات تنموية قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية، التي يأتي على رأسها تحقيق المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وهي أهداف تعمل الدولة على العمل بها في كافة المجالات. إن الأمر هنا لا يتعلَّق بالتشريعات والسياسات وحسب بل بأهمية وعي المجتمع عموما والمرأة بشكل خاص بتلك الحقوق والواجبات، وقدرتها على المشاركة الفاعلة وفق ما تتطلَّبه تلك المشاركة، خاصة في المجالات السياسية والاقتصادية، التي تُعد من أبرز القطاعات التي تعبِّر عن ذلك الوعي.
ولعل احتفالنا بيوم المرأة العمانية في السابع عشر من أكتوبر، فرصة لمراجعة ما تم تقديمه للمرأة وفق مقتضيات الواقع، وما تتطلَّبه المرحلة التنموية من عمر الدولة، وما نطمح إليه جميعا من أهداف للرؤية الوطنية 2040، وهي مراجعة تتطلَّب توحيد الجهود وترسيخ ما يسمى بـ (التكافؤ الاقتصادي)، الذي يُعزِّز دور المرأة في التنمية الاقتصادية ويجعلها ممكَّنة اقتصاديا، قادرة على المشاركة في الإنتاج والابتكار والنمو، خاصة المرأة المعيلة باعتبارها أولوية.
إن سياسات تكافؤ الفرص التي تعمل بها الدولة تقتضي الوعي التام من قبل المؤسسات والمجتمع؛ لأنها الأساس الذي يفتح المجال للمرأة لولوج سوق الأعمال وريادته، وفق آفاق قادرة على المنافسة، والأمر هنا يتطلَّب وعي المرأة أيضا بالفرص الاستثمارية الواعدة التي يمكنها الاستثمار فيها والعمل بإبداع وابتكار، بحيث لا تكون ريادة الأعمال للمرأة مقتصرة على أنماط مكرورة (البخور، والعطور، والأزياء النسائية)، بل أنماط جديدة قائمة على الابتكار.
لذا فإن الوعي بالفرص والتحديات من ناحية، وامتلاك مهارات الإبداع والابتكار أو الاستعانة بهما في ناحية أخرى، يشكِّل الأساس الذي يمكن من خلاله تحقيق ريادة أعمال مستدامة ومرنة ومنافسة، قادرة على التجديد، وملهِمة للمجتمع، ومساهمة في تحقيق الأهداف الوطنية وتضييق الفجوة بين الجنسين في مجال الأعمال والاقتصاد، فالأمر هنا لا يتطلَّب زيادة أعداد النساء اللواتي يعملن في القطاع، بقدر ما هو إبراز تأثيرهن الإيجابي في هذا القطاع التنموي. إن يوم المرأة العمانية يأتي ليذكِّرنا بأهمية تعزيز دورنا الفاعل في المجتمع، وقدرتنا على المساهمة في كافة القطاعات؛ فالمرأة أساس المجتمعات ودروها شامل ومتنوِّع، وفكرها مستنير، ومهاراتها متجددة؛ فكل عام والمرأة العمانية واعدة في مجتمعها، قادرة على تحقيق ما تصبو إليه، وفيَّة مخلصة لوطنها الغالي.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: التمکین الاقتصادی المرأة العمانیة ریادة الأعمال بین الجنسین هذا القطاع الأمر الذی إضافة إلى فی القطاع قادرة على الأمر هنا المرأة فی
إقرأ أيضاً:
اللهم نصرك الذي وعدت ورحمتك التي بها اتصفت
اللهم نصرك الذي وعدت ورحمتك التي بها اتصفت
بقلم د. مصطفى يوسف #اللداوي
أيها السادة في كل مكان، أيها العالم الحر وبني الإنسان، يا أصحاب الضمائر الحية والنفوس الأبية، ويا #دعاة_الحرية و #حقوق_الإنسان، أيها المنادون بالكرامة و #العدل و #المساواة، أيها المتحضرون المتمدنون، الحداثيون العصريون، يا من تدعون أنكم بشراً وترفضون بينكم شرعة الغاب وحياة الضواري والوحوش البرية، يا أصحاب القلوب الرحيمة والأحاسيس المرهفة، أيها الرقيقون العاطفيون، البكاؤون اللطيفون، ألا ترون ما يجري حولكم وما يدور في محيطكم، ألكم آذانٌ تسمعون بها، وعيونٌ ترون بها، وقلوب تعون بها، أم على قلوبٍ أقفالها، وقد طمست عيونكم وختم على قلوبكم وصمت آذانكم، فلم تعودوا ترون وتسمعون، وتشعرون وتعقلون.
إن غزة تدمر وأهلها يقتلون، وشعبها يباد، والحياة فيها تعدم، والأمل فيها يموت، ولا شيء فيها أصبح صالحاً للحياة أو ينفع للبقاء، إنهم يقتلون من قتلوا، وينبشون قبور من دفنوا، ويعيدون زهق الأرواح التي خنقوا والنفوس التي أفنوا، ويفجرون الأرض تحت أقدامهم، ويشعلون النار فيهم ومن حولهم، يقصفونهم بأعتى الصواريخ وأكثرها فتكاً فتتطاير في السماء أجسادهم وتتفرق على الأرض أشلاؤهم، ويدفنون أحياءهم تحت الأرض، ويهيلون عليهم الرمال بجرافاتهم ويحكمون عليهم بالموت خنقاً، والعالم يرى ويسمع، لكنه يصمت ويسكت، ولا يحرك ساكناً ولا يستنكر سياسةً أو يشجب عملاً.
مقالات ذات صلة نور على نور 2025/04/06الأنفاس في غزة باتت معدودة ومحدودة، وهي تخنق وتزهق، ويقتل من بقي فيها يقف على قدميه ويتنفس، وباتت أعداد أهلها تقل وأسماؤهم من سجلاتها المدنية تشطب، إنهم لا يريدون لنا الحياة، ولا يتمنون لنا البقاء، وهم عملاً بتوراتهم يعملون السيف فينا ويثخنون فينا ويقتلوننا، ويحرقون أرضنا ويقتلون أطفالنا، ولا يستثنون من آلة القتل حيواناتنا، ويعدون بحثاً عن أحياء بيننا أو ممن نجا من قصفهم فيغيرون عليهم من جديد، أملاً في قتل من بقي، والإجهاز على من أصيب من قبل وجرح.
أيها الناس …. عرباً ومسلمين، مسيحيين وبوذيين، مؤمنين ووثنيين، ألا من ناصرٍ ينصرنا، ألا من حرٍ يكرُ معنا، ألا من غيورٍ يغضب لنا، ألا من أصواتٍ ترتفع لأجلنا، وتصرخ في وجه إسرائيل وأمريكا معنا، ألا ترون أن إسرائيل تجرم وتبالغ في إجرامها، وتنهك كل القوانين وتخرق كل الأعراف ولا تخاف من بطش أو ردعٍ، فالولايات المتحدة الأمريكية، راعية الظلم والإرهاب في العالم، تقف معها وتؤيدها، وتنصرها وتناصرها، وتمدها بالسلاح والعتاد، وتدافع عنها بالقوة وتقاتل معها بالحديد والنار.
أيها العرب أين عروبتكم وأين نخوتكم، أين قيمكم وأين هي أصالتكم، أينكم من ضادٍ مع فلسطين تجمعكم، ولسانٍ يوحدكم، وأينكم من أرضٍ بهم تقلكم وسماءٍ تظلكم، ألا تغضبون لما يتعرض له أهلكم في قطاع غزة خاصةً وفي فلسطين عامةً، ألا ترفعون الصوت عالياً ليحترمكم العالم ويحسب حسابكم، ألا ترون أنكم تفقدون احترامكم وتخسرون مكانتكم، ولا يبقى من يقدركم ويحفظ مقامكم، فإن من يهون يسهل الهوان عليه، ومن يعز نفسه ويكرم أهله يصعب على غيره أن يذله وعلى عدوٍ أن يهينه.
أيها المسلمون أين هي عقيدتكم مما يجري لنا ويلحق بنا، ألا تقرأون كتاب ربكم وتعقلون قرآنكم الذي يقول بأنكم رحماء بينكم، وأشداء على عدوكم، أما سمعتم قول رسولكم الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أنه إذا أصيب منكم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فأين أنتم أيها المسلمون مما نتعرض له في غزة وفلسطين من مذابح ومجازر وحروب إبادة، ألا تعلمون أن التاريخ لن يرحمكم ولن ينساكم، وأنه سيكون سبةً في جبينكم وعاراً يلاحقكم ويلوث صفائحكم، وأن اللعنة التي لاحقت ملوك الطوائف ستلاحقهم، وما أصابهم سيصيبكم.
أيها العالم المشغول بحروب التجارة وقوانين الاقتصاد ورسوم ترامب الجمركية، ألا ترون الدماء التي تسفك، والأرواح البريئة التي تزهق، والأطفال الذين يقتلون، والنساء التي تحرق، والأجساد التي تتطاير، ألا تسمعون عن الحصار المفروض على ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة، وعن جوعهم وعطشهم، وفقرهم وعوزهم، ومرضهم وشكواهم، ومعاناتهم وألمهم، ألا تسمعون بغزة وما يجري بها ولها، وما أصاب أهلها ولحق بسكانها، ألا ترون مشاهد الأرض المحروقة، والبيوت المدمرة، والشوارع المحروثة، والكلاب الضالة التي تنهش أجساد الشهداء، وتخرج من جوف الأرض بقايا أجسامهم.
أيها البشر إن كنتم بشراً ألا تثورون للعدل، ألا تنتفضون للقيم الإنسانية والمعاني السماوية، فهذه إسرائيل تقتل بصمتكم، وتقتلنا بعجزكم، وتبيدنا بأسلحتكم، وتتبجح بتأييدكم، وهي ماضية في جرائمها، ومستمرة في عدوانها، ولا تخشى من عقاب، ولا تقلق من سؤال، فهل تتركونها تمضي في جريمتها التي لا مثيل لها في التاريخ، ولا ما يشبهها في البلاد، ألا تنتصرون لضعفنا، وتهبون لنجدتنا، وتعترضون على قتلنا، وتقفون في وجه عدونا، وتصدون آلته العسكرية، الأمريكية والأوروبية، وتمنعونه من قتل الأبرياء وإبادة الشعب، وترفضون سياساته وأمريكا الداعية إلى طردهم وإخراجهم من أرضهم، وحرمانهم من حقوقهم في وطنهم وبلادهم.
بيروت في 6/4/2025
moustafa.leddawi@gmail.com