بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
طفولتنا في أقاليم السودان المختلفة لم تكن محرومة ومعزولة عن ما يجري من أخبار وثقافة تصل إلى كل بيت صغير أو كبير ، لا فرق ، من وراء البحار من قارات بعيدة مثل أروبا وأميريكا ذلك بفضل وجود صندوق المذياع الصغير الذي نفسه كان قبل ظهور التيلفزيون و الريكوردرات عبارة عن تحفة يتحلق حولها الناس مستمعين ومستمتعين وهو يجمل أركان البيوت أو المقاهي في أسواق المدن المختلفة من السودان.
واليوم وأنا هنا في هذه الأماكن فقد شاء الله أن يكون لي فيها نصيب من رزق وعمل يرضي طموحاتي و طموحات كل من يحب أن يتسلق سلم المجد بسلاح العلم والكسب الحلال . وأنا اتجول في شوارعها صرت أعرفها كمعرفتي لشوارع وحارات الخرطوم أو اتبرا أو مدينة بربر. كثيرا ما كنت اتعجب و أسأل نفسي "هل كنت يوما في طفولتي وأنا استمع إلى رنين ساعة بيغ بين أن تخيلت أكون يوما من زوار أو قاطني تلك المدينة عاصمة الضباب ذات الإرسال الإذاعي الذي يطرق أبواب بيوت الملايين في العالم هاتفا بقوة "هنا لندن"؟. لكن سبحان الله لقد شاء الله ذلك فقد جذبني ذلك الهاتف القوي عبر الأثير من قلب لندن حتى إنني صرت أحد مواطنيها أدفع ضريبة إرسال البيبسي و ألبس ما يلبسون وأركب ما يركبون من وسائل مواصلات برية كانت أم جوية بل أقدم لهم العلاج ومؤاساتهم عند موت ذويهم. سبحان الله، لكن الحياة في لندن ليست جنة فردوس كما يظن البعض بالعكس إنها جداً صعبة "تقصر العمر" وسيتضح لاحقاً ما أعنيه عبر هذه السطور
في محطات الحياة المختلفة انتظمت في دراسة الطب بجامعة بغداد العريقة و أذكر أنه قد تم فرض زي جامعي موحد وطبق على كل الجامعات العراقية آنذاك وهو عبارة عن سترة زرقاء (نيفي - بلوو) وبنطال أغبش رمادي اللون. قماش الجاكيت والبنطلون لا يختلف عند طالب و آخر والسبب من وراء ذلك القرار أن غالبية سكان العراق محدودي الدخل وأنه كانت توجد على النقيض أسر عراقية ذات ثراء فاحش والزملاء من أبنائهم و شقراواتهم المزهرات كانوا يتفاخرون بعرض ازيائهم وأحذيتهم اللندنية الراقية وبعضهم يزيدها "هوادة" بقوله "هادي من لندن". كان تطبيق ذلك الزي الجامعي رحمة لنا نزلت لنا من السماء وكلنا السودانيين آنذاك نعيش على منحة محدودة من قبل وزارة المعارف السودانية إضافة للذي يصلنا من تحاويل ذوينا. حتى اليوم أتذكر وجوه أولائك الزملاء البرجوازيين عندما أحيانا اتجول داخل هارودز و سيلفريدجز أو في محلات من أكسفورد ستريت
لندن يقولون عنها المدينة التي لا تعرف النوم، لكنها قد تغفو لحظة في أحد الأحياء الراقية و سرعان ما تستيقظ كلها مبكرة فجر كل يوم جديد حيث الشوارع تعج وتضج بالسابلة بمختلف أشكالهم و ألوانهم فمنهم من يسير على الأقدام الإثنين أو الثلاثة أو الأربعة أو على الكراسي الكهربائية والدراجات وكل ذلك وسط زحام السيارات والباصات بجميع ألوانها وموديلاتها، فمنها النوع الفاخر والمتوسط و الرخيص "على قدر حالك". أما عموم مظهر أبناء آدم اليوم فعبارة عن لوحة أبستراكت معقدة قد يتعجب أبونا آدم إذا بعث وشهد هذا الكم العجيب من آشكال أحفاده البشر "بيض وسود، صفر وخضر، قصار وطوال، عريضة أكتافهم، منهم الجميل ومنهم ما دون ذلك، وآخرون يذوبون و يختفون وسط الزحام لقصر قاماتهم أو نحول اجسامهم والعيون الشاردة التي تحدّد جهة تحركاتهم تحكي قصة كل منهم كما أيضاً ما يلبسون من الملابس وما يحملون من الحقائب أو أكياس مصنوعة من الورق أو القماش كلها تحكي عن حالتهم الإجتماعية ومستوى تعليمهم أو معيشتهم وموروثهم الثقافي ، إنه لعالم غريب مدهش يتعجب الناظر المتابع وهم يركضون في كل الاتجاهات فأين هم يا ترى ذاهبون ومن أين هم قد أتوا وبماذا يفكرون ساعتها، الكل في أذنيه سماعات توصله بما يجود به جواله من موسيقى يحبها أو حديث تواصل عبر الواتساب أو شيء من موسيقى الراب وكثيرا ما يشاهد المرء منهم الذي يتمايل بفعل الموسيقي كشجرة تهزها الريح ومن جانب آخر يلفت الانتباه منظر تلاميذ المدارس الصغار في أزيائهم المدرسية المختلفة وعلى أكتاف ظهورهم حقائب محتوياتها هي نواة تخلق المصير المستقبلي لسبيل كسب العيش الغير معلوم . يركضون في كل اتجاه وعيونهم شاردة وأذهانهم مشغولة والمستقبل البعيد بالنسبة لهم بعده شبح مجهول الهوية . أما حال محطات القطارات الكبيرة وعريقة مثل بادينغتون وفيكتوريا ووترلو التي تتحرك من عندها القطارات (من فوق الأرض و تحت الأرض) إلى مدن المملكة المختلفة وكذلك داخل لندن الكبرى فحدث ولا حرج لأن كثرة إزدحام الناس فيها يذكرك بيوم بعث الناس من القبور فكل مسافر يشاهد واجماً يراقب بإنتباه شاشات عرض مواعيد قطار وجهته و رقم رصيف الإنطلاق حيث لكل قطار موعد إنطلاق محدد بالدقيقة والثانية ولا تلاعب فيه ، ومنهم في نفس الوقت من يشغل فمه وهو واقف ينتظر بأكل ساندويتش أو شرب قهوة ساخنة ولكن يبقى الجوال هو سيد الموقف المسيطر، فهو الصاحب الرفيق وهو الأنيس وهو مدير الأعمال وحافظ الأسرار، وكل نفس في ذلك الزحام طائرها في عنقها فلا أحد يهتم بالآخرين ولا أحد يعرف من هو هذا أو ذاك " لكل منهم شأن يغنيه" وعموما فالوجوه يعبر حالها عن الظروف المعيشية الضاغطة التي لا فكاك منها في زمننا هذا الذي يتميز فيه وقع الحياة اليومي بسرعة مذهلة وشاملة ، فالفرص المواتية إن لم تستغل في لحظتها فيا دنيا عليك السلام. في هذه الحياة السريعة يختصر زمن الأسبوع فيصير كأنه يوم أو ساعة و يمر سريعا عابراً كسحابة مسافرة مسرعة تدفعها الرياح الموسمية . فهذه الجزيرة البريطانية التي لا تغيب عنها الرياح صيف شتاء خاصة واليوم ونحن في بداية فصل الخريف بدأت الأشجار تصفر وتحمر وتتلون أوراقها ثم تتحات فماذا يتوقع الإنسان غير أنه هنا في لندن العاصمة "عاصمة الضباب" والظلام والأمطار الغزيرة ومن ثم سيتبع الشتاء الذي سرعان ما يخيم على الوجود بظلامه وثلوجه، إنه فصل غير محبوب لا يرحم الجيب ولا سائر الأعضاء ، فهو موسم تكثر فيه الاكتئابات والنزلات الشعبية بل حتى الإنتحار ولا فرق يذكر بين حال ليله ونهاره . لكن على النقيض والناس في شوق لظهور الصباحات المشرقة سرعان ما تزهو وتزهر الحياة برمتها عند حلول الربيع خلال شهر مارس ، بهجة هو وفرحة تعم كل حي رغم أنه فصل قصير الأمد، فتتحول حدائق المدن وأشجار شوارعها إلى حلة زاهية من صور الإحتفال الذي أفاض به الله سحراً رائعاً من الجمال الطبيعي، وما أحلى سحر الطبيعة عندما ُتكسى المدن والأماكن بألوان زاهية فتصير كالعروس الجميلة التي تسر الناظرين . ورغم الإزدحام السكاني وكثافة كاميرات المراقبة (ورغم ذلك جرائم لندن جداً خطيرة وكثيرة) والتغيرات العمرانية التي حدثت أخيراً خلال هذا القرن خاصة ظهور ناطحات السحاب، تظل لندن كما هي عاصمة التاريخ والعراقة ومجمع الأداب والفنون والمتاحف والمسارح ومركزاً تجارياً وسياحياً عالمياً هو قبلة الأنظار وفيها يجد الزائر كل ما يبغيه رغم الغلاء الهائل و يجد حتى ما خفي وأعظم، وكل ذلك (ولكل إمرئ ما نوي) بالطبع يظل فقط "الكسبان" هو قاصد العلم والكسب المعرفي الذي حتماً سيجده "هنا في لندن"
aa76@me.com
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
بمسارحها المختلفة .. الأوبرا تستعد لكرنفال يوم اليتيم
تحت رعاية وزارة الثقافة، تستعد دار الأوبرا المصرية، برئاسة الدكتور علاء عبد السلام، لتنظيم كرنفال احتفالي بمناسبة يوم اليتيم، وذلك يوم الجمعة 4 أبريل، من الساعة الثانية ظهرًا حتى الخامسة مساءً. تُقام الفعاليات في عدة مواقع بالأوبرا، منها المسرح الصغير، المسرح المكشوف، الساحة الخارجية، وقاعة صلاح طاهر للفنون التشكيلية.
أكد الدكتور علاء عبد السلام أن الأوبرا وجهت الدعوة للعديد من دور الرعاية والمؤسسات المتخصصة للمشاركة في هذا الحدث، تجسيدًا لدورها الاجتماعي كإحدى المنارات الثقافية والفنية الرائدة في مصر والوطن العربي. وأضاف أن الأنشطة تهدف إلى توفير بيئة داعمة ومحفزة للأطفال، تسهم في تعزيز شعورهم بالانتماء، إبراز مواهبهم، ونشر الإبداع باعتباره أداة فاعلة في بناء الإنسان وتنمية الوجدان.
يتضمن الكرنفال مجموعة متنوعة من الفعاليات التفاعلية، بحضور عدد من نجوم الفن، إلى جانب عروض لدارسي مركز تنمية المواهب تحت إشراف الدكتور سامح صابر. وتشمل هذه العروض:
عرض إيقاع بقيادة الفنان سعيد الأرتيست.عرض "الليلة الكبيرة" لفصل الباليه بإشراف الدكتورة عيشة فؤاد.كورال أطفال وشباب تنمية المواهب بقيادة الدكتور محمد عبد الستار.ورشة رسم ونحت للأطفال تحت إشراف الدكتور إيهاب كشكوشة.عرض فيلم الأنيميشن "مشبك شعر" للمخرج عطية عادل خيري، وهو أول فيلم رسوم متحركة مصري بتقنية الأبعاد الثلاثية، بمشاركة أصوات أحمد راتب، ريهام عبد الغفور، إيناس مكي، ولطفي لبيب. يستلهم الفيلم فكرته من نص فرعوني قديم، ويركز على قيم التواضع والعدل والرحمة في مواجهة الشر والغرور، وهو من إعداد نورا غنيم وإشراف الإدارة العامة للنشاط الثقافي.