ضرب إعصار ميلتون ولاية فلوريدا الأميركية في نطاق الفئة الثالثة يوم الأربعاء 9 أكتوبر/تشرين الأول برياح بلغت سرعتها 160 كيلومترا في الساعة، الأمر الذي ضغط بشدة على الساحل الذي لا يزال مدمرًا بسبب إعصار هيلين.

ولا يزال الوضع يشكل حالة طوارئ كبرى حيث سجلت مناطق عدة كميات شديدة من الأمطار دفعت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية إلى التحذير من حدوث فيضانات مفاجئة، وانقطع التيار الكهربائي عن أكثر من مليوني منزل وشركة في ولاية فلوريدا.

لم يعلن عن عدد القتلى بسبب الإعصار ميلتون بعد، لكن على الجانب الآخر كان إعصار هيلين مدمرًا بشكل لا يصدق، حيث وصل إلى في الفئة الرابعة برياح بلغت سرعتها 210 كيلومترات في الساعة، وتسبب في فيضانات هائلة، ولقي ما لا يقل عن 45 شخصًا حتفهم، وانقطعت الكهرباء عن أكثر من 4.5 ملايين شخص في 6 ولايات، مع أضرار بقيمة مليارات الدولارات.

ازدحام أمام محطات الوقود في فلوريدا قبل إعصار ميلتون بيومين (الجزيرة) المخاطر تزداد

بالطبع، ذلك هو موسم الأعاصير في تلك المنطقة من العالم، لكن قبل سنوات سجلت مراكز بحوث الأعاصير رقمًا قياسيا جديدًا، إذ حدث لأول مرة أن اجتمع إعصاران معًا تتخطى سرعة كل منهما 240 كيلومترا في الساعة، إنهما إعصارا إيرما وخوسيه اللذان ضربا سواحل المحيط الأطلسي في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

كان إيرما قد سجل منفردًا رقمًا قياسيا جديدًا بالاستمرار في الضرب بسرعة تقترب من 300 كيلومتر في الساعة لمدة تزيد على 65 ساعة متواصلة، وهو بذلك يكسر رقما كارثيا سابقا لإعصار ألين في المكسيك بالاستمرار في مرحلة الذروة لمدة 18 ساعة فقط.

وقد ارتفع عدد الأعاصير من المقياس 4 و5 -تلك التي ترتفع سرعة الرياح فيها عن 200 إلى 250 كم في الساعة- من معدل 10 أعاصير في السنة في سبعينيات القرن الفائت ليصل في التسعينيات إلى 18 إعصارًا في السنة.

لكن لم تتطور الأعاصير فتصبح أشد قوة وتدميرا؟ يعتقد العلماء أن التغير المناخي له دور كبير في هذا الأمر، فلا يمكن بالطبع التحديد إن كان إعصار بعينه قد تأثر بالتغير المناخي، لكن في المجمل يبدو أن هذا هو ما يحدث.

ويجري ذلك على كل المناطق التي تضربها الأعاصير في العالم وبشكل خاص شمال غربي المحيط الأطلسي (الولايات المتحدة) ومنطقة البحر الكاريبي وأميركا الوسطى، وكذلك شمال غربي المحيط الهادي، بما في ذلك دول مثل اليابان والصين والفلبين، إلى جانب عدد آخر من المناطق المتفرقة التي تطل على محيطات العالم.

إعصار مايكل من الدرجة الرابعة الذي ضرب فلوريدا في أكتوبر 2018 (ويكميديا) 3 عوامل

هناك 3 عوامل أساسية تربط بين التغير المناخي وشدة الأعاصير، أولها ذو علاقة بارتفاع درجة حرارة سطح الماء في بحار العالم ومحيطاته، وما يربطه بالأعاصير هو ببساطة أن أي إعصار يستقي طاقته من تلك الحرارة حيث يستخدمها لتغذية ماكينته الضخمة.

لذلك أصبح من المؤكد لنا أنه كلما ارتفعت متوسطات درجة الحرارة في العالم (درجة الاحتباس الحراري)، أصبحنا عرضة لأعاصير، لأن مياه المحيطات تصبح أسخن، وربما يشرح ذلك التأثير التدميري المتعاظم للإعصار إيرما تحديدا الذي نشأ في منطقة من المحيط ترتفع درجة حرارة سطحها بمقدار درجة مئوية واحدة عن المتوسط.

أما العامل الثاني الذي يتدخل في تلك العلاقة فيرتبط بارتفاع مستوى سطح البحر، وتشير دراسة نشرت في دورية "بي إن إيه إس" إلى ارتباط وثيق بين ارتفاع مستوى سطح البحر ودرجة قوة الأعاصير وكارثيتها في أماكن عدة.

يحدث ذلك لأن ارتفاع مستويات سطح البحر يسمح للأعاصير بأن تدفع مزيدا من المياه إلى الشاطئ أثناء العواصف، مما يؤدي إلى فيضانات أشد. ومع ارتفاع مستويات سطح البحر، يمتص المحيط مزيدا من الحرارة، ومن ثم ترتفع درجات حرارة المحيط.

يرفع ذلك من معدلات الأعاصير الكبيرة التي تحدث بمعدل "مرة في القرن" لتصبح "مرة كل 10 سنوات"، كذلك مع زحف البحر والمحيط على المدن الساحلية ترتفع خطورة ضرب تلك السواحل بأعاصير كارثية بمعدلات كبيرة.

أما العامل الثالث الذي يساعد في رفع كم الفيضانات المحتملة بسبب الأعاصير إلى أرقام كارثية فيتعلق بارتفاع درجة حرارة الهواء، إذ إن ارتفاع درجة حرارة الهواء يساعد على تحمل درجات أكبر من الرطوبة. فحسب معادلة "كلاوزيوس-كلابيرون"، يرتفع متوسط نسبة الرطوبة بمعدل 3% مع كل ارتفاع بمعدل 0.5 درجة مئوية في حرارة الطقس، وذلك يعني أكثر من 7% تقريبًا بالنسبة للوضع العالمي الحالي الذي ارتفعت فيه الحرارة بمقدار أكبر من درجة.

ويعني هذا الارتفاع في نسبة الرطوبة ارتفاعا مماثلًا في كم الأمطار الساقطة أثناء الإعصار والتي تتسبب في فيضانات غير مسبوقة.

بقايا مدمرة من أحد الأعاصير في ولاية فلوريدا الأميركية (الفرنسية) مشكلات إضافية

في هذا السياق، رصد العلماء عددا من الظواهر المقلقة، فمثلا أصبحت الأعاصير الآن أكثر عرضة للتكثف السريع، مما يعني أنها يمكن أن تشتد بسرعة تزيد على 56 كم/ساعة في أقل من 24 ساعة، هذا التكثف السريع للإعصار يجعله أخطر لأنه يمنح المجتمعات وقتًا أقل للاستعداد للظروف القاسية.

أصبحت هذه الظاهرة أكثر شيوعًا لأن المياه الأكثر دفئًا والظروف الجوية المواتية توفر زيادة في الطاقة، مما يتسبب في تطور العواصف إلى أعاصير قوية بسرعة كبيرة.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأعاصير تتحرك بشكل أبطأ مما كانت عليه في السابق، أي إنها تقضي وقتًا أطول في مكان واحد، مما يؤدي إلى هطول مزيد من الأمطار والتسبب في فيضانات مطولة.

إلى جانب ذلك، يؤثر الاحتباس الحراري العالمي على أنماط الرياح في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي يسمح بتكوين مزيد من الأعاصير وزيادة قوتها، واستمرارها مدة أطول.

ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يبدأ موسم الأعاصير مبكرًا عن المعتاد، ويستمر مدة أطول، مما يمنح العواصف مزيدا من الوقت للتكون والقوة.

في النهاية، وعلى الرغم من أن الفرق البحثية قد تختلف في قوة هذا العامل أو ذاك في التأثير على الأعاصير، فإنهم يتفقون جميعا على أن الأعاصير أكثر قوة في المقام الأول لأن المحيطات أصبحت أكثر دفئًا بسبب تغير المناخ ومعها الغلاف الجوي، ويشكل ذلك تهديدا متزايدا للمجتمعات الساحلية ويتطلب تخطيطًا أفضل وإستراتيجيات تكيف للحد من التأثيرات المحتملة.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات درجة حرارة فی الساعة سطح البحر

إقرأ أيضاً:

هل باتت القدس أبعد؟

 

 

– مع كل احتفال سنوي لإحياء يوم القدس كنا نقيس المدى الذي يفصلنا عن القدس ونقول إنها باتت أقرب، ونحن نشهد تنامي قوة المقاومة في لبنان وفلسطين، خصوصاً بعد ظهور محور المقاومة إلى حيّز الوجود، وتحوله إلى محور حقيقي، ظهرت ملامح تبلوره كجبهة مقاتلة موحّدة بعد طوفان الأقصى. وها نحن اليوم مع الإحياء السنوي ليوم القدس نجد السؤال يطرق أبوابنا، وقد حوصرت المقاومة في العراق حتى أقفلت الإسناد واضطرت للبحث عن كيفية حماية حضورها من الحصار، بينما المقاومة في لبنان قد أصيبت بجراحات بالغة خسرت معها كثيراً من كبار قادتها، وعلى رأسهم قائد محور المقاومة السيد حسن نصرالله، الذي أتاح اغتياله لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يقول إن المحور انتهى باغتيال السيد نصرالله، وصولاً إلى سقوط سورية من موقعها في محور المقاومة وخياراتها، وإقفالها كقاعدة لقوى المقاومة وإغلاق مسارات الإمداد التي كانت تمثلها لهذه القوى، فهل يجب أن نستنتج أن القدس باتت أبعد ونحن نرى غزة تواجه حرب الإبادة منفردة، لولا يمن عزيز بقي وحيداً يساندها.
– بالعودة إلى عناصر قرب القدس وبُعدها ثمة معياران يشكل اجتماعهما مصدر الجواب، الأول هو درجة حضورها كقضية ساخنة تُلهب المشاعر وتستنهض الهمم في وجدان شعوب الأمتين العربية والإسلامية، والثاني هو درجة تأثير كل عناصر القوة التي تمثلها المقاومة في بنية كيان الاحتلال وجيشه وجبهته الداخليّة، ودرجة بلوغ هذا التأثير الحد الذي يجعل المأزق الوجودي أشدّ عمقاً وحضوراً. وكي نستطيع فهم المشهد بعقل بارد، لأن المشاعر الحارة تفسد هنا القدرة على الملاحظة والاستنتاج، بحجم الخسائر التي لحقت بقوى المقاومة ودرجة حرارتها الحارقة للقلوب والمشاعر، لأن هذه الحرب بما تمثل من تصادم وارتطام كبير لقوّتين متعاكستي الاتجاه بكل القوة والسرعة، تركت خراباً على ضفتي التصادم، وإذا كنا نلاحظ ونستشعر ما حلّ بالضفة التي نقف عليها، فما يهمّ هو رؤية ما لحق بالضفة المقابلة؟
– إذا كانت القدس ترمز في ما ترمز للقضية الفلسطينية، فإن الأعداء أنفسهم لا ينكرون أن ما جرى خلال عام ونصف نقل القضية الفلسطينية إلى مرتبة ومكانة ما كانتا لها في يوم من الأيام، وقد صارت استحقاقاً سياسياً وأخلاقياً ودبلوماسياً واستراتيجياً لا مفرّ منه بالنسبة لكل دول العالم وشعوبه وحكومات المنطقة وشعوبها. وبالتوازي فإن شعور شعوب العرب والمسلمين بالتقصير والخزي بسببه مع فقدان الثقة بأن تفعل الحكومات شيئاً زاد من تطلّع الشعوب نحو قوى المقاومة، ولعل أبرز مثال على ذلك هو مقارنة مكانة اليمن في عيون العرب قبل الطوفان وجبهات الإسناد وبعدهما، وقد صار اليمن قدوة الجميع في الحديث عن الشرف والنخوة والشهامة ومقياس العروبة والتقيّد بأحكام الإسلام. وفي الجواب على السؤال من هذه الزاوية، فإن القدس باتت أقرب بكثير مما كانت عليه من قبل، وأن يوم القدس صاحب أفضل في مراكمة الوعي وشحن الذاكرة لإبقاء القدس حاضرة عصيّة على النسيان.
– في حال كيان الاحتلال، رغم صخب الحرب ومظاهر القوة التي يُبديها قادة الكيان إلى حد التوحّش، ومن خلفهم كل القدرات الأميركية العسكرية والسياسية والمالية والدبلوماسية، فإن النظر إلى المشهد داخل الكيان، ومتابعة خطابات قادته، يكشف لنا بوضوح أن الحديث يجري عن كيفية تفادي خطر الحرب الأهلية، وعن وجود أكثر من “إسرائيل” يجب أن تضمحل إحداهما كي تبقى الأخرى على قيد الحياة، وأن الفشل في التخلص من حركات المقاومة، يجعل المأزق الوجودي حاضراً بقوة، بدليل رفض نازحي مستوطنات الشمال والجنوب العودة إلى مستوطناتهم، بينما رفض الانضمام إلى الخدمة العسكرية يتسع بصورة تصيب القادة بالذهول، والهجرة المعاكسة من الكيان بلغت أرقاماً قياسية مع التحفظ على العودة، ولا أحد يجرؤ من القادة العسكريين على التحدث عن كفاءة القوات البرّية للفوز في جبهات لبنان وغزة، ولا عن كفاءة القبّة الحديدية أمام صواريخ اليمن وطائراته المسيّرة، وأمام أي احتمال للعودة إلى المنازلة مع المقاومة في لبنان، وفرضيّة الحرب مع إيران.
– تستمرّ الحرب أساساً لأن إقفالها يعني تكريس الفشل الاستراتيجي لمشروع اسمه “إسرائيل”، ولذلك يجهد قادة الكيان ومن خلفهم الغرب كله كي تنتهي بصورة تتيح للكيان الاحتفال بصورة نصر يتفادى بها كتعويذة بقاء خطر التفكك، لكن الحرب لم تنته بعد ولا يبدو في الأفق أن الكيان يستطيع الحصول على التعويذة المنشودة لإنهائها، وعندما يضطر لإنهاء الحرب بغير شروط تتيح الحصول على تعويذة البقاء بمزاعم النصر، سوف نكتشف كم جعلتنا هذه المتغيّرات، رغم الجراحات وآلامها، أقرب إلى القدس.

* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية

مقالات مشابهة

  • ركنة العين تسجل أقل درجة حرارة على الدولة
  • لتفادي مخاطر اللحم المفروم.. احذري 8 أخطاء شائعة عند تجميده وطهيه
  • الأرصاد يكشف عن أعلى درجة حرارة سجلت على الدولة
  • دراسة: هذه هي درجة الحرارة “القاتلة”!
  • حالة الطقس في عدد من العواصم العربية والعالمية
  • الأرصاد يكشف عن أقل درجة حرارة سجلت في الدولة
  • الوطني للأرصاد يكشف عن أعلى درجة حرارة سجلت على الدولة
  • قبل الاستمتاع بخدمة توصيل الطعام.. 9 تدابير لتفادي المخاطر المحتملة
  • ركنة تسجل أقل درجة حرارة في الدولة
  • هل باتت القدس أبعد؟