هنيئا أمة السودان، فقدتم الأنفس العزيزة، والأموال الكريمة، فما ذهلتم وما تنكبتم عن جادة الصبر والتسليم
تاريخ النشر: 9th, October 2024 GMT
من أحاجي الحرب( ٧٢١١ ):
□□ كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من سؤء المنقلب، ولا أحسب ذلك إلا لكي يعلمنا أن نكون أشد انتباهاً باستدامة الوعي والتنبه بالثبات على الحق دوما حتى الخلوص بذات الصدق والاستمساك به إلي نقطة الانقلاب والتحول من الحياة الفانية إلي الحياة الأبدية السرمدية.
□ أما هو، فهو الحبيب الذي لولاه ما خلقت الأكوان، فهو منذ المبتدأ كان في مقام محبوب الله عز وجل ولما يزل.
□ طاف بخاطري كيف أن هؤلاء الشباب وأضرابهم وهم في أوج قوةٍ مُنِحت لهم، ربما لو فُتِح عليهم لوظفوها في طاعة لله تبلغهم مقام الرشد، كما فتح الله على فتية الكهف.
□ كيف أنهم بذلوا أنفسهم واجتهدوا وسافروا وارتحلوا وشرقوا ليكون منتهاهم نقطة ( سؤء المنقلب).
□ نعم سؤء المنقلب، وما ذاك إلا أن تنقلب إلي الآخرة وأنت عاصٍ أثيم.
□ هو انقلاب من الخسران بمكان؛ وليس الأخسر من ذلك إلا أن تمضي إلي محكمة العدل الإلهية وأنت ناهب ظلوم وغاصب حقود.
□ بل والأنكى من كل ذلك هو المجاهرة الجهيرة بتلك الشرور.
□ وكما يقال شهادات الخلق ألسنة الحق، فكيف بشهادات الملايين من أهل السودان.
□ وليت الأمر استتب عند شهاداتهم، بل أن تلاحقهم لعنات الشعب السوداني في أقوالهم، وتوجعاتهم، وأنآتهم، ودموعهم، وخواطرهم، بل وسكناتهم.
□ اتأمل كما أن هنالك أعمال صالحات هي صدقات جارية؛ فثمة أعمال شريرة هي آثام جارية؛ ولا أظن أن تلك الآثام إلا نحو ما جاءت به المليشيا الإجرامية في أرض السودان.
□ ويظل يقيني أن الله سبقت محبته أهل السودان، إذ ابتلاهم بهؤلاء القوم الأشرار، ففي حديث النبوة الشريفة ” إن الله إذا أحب عبداً إبتلاه “.
□ فهنيئا أمة السودان، فقدتم الأنفس العزيزة، والأموال الكريمة، فما ذهلتم وما تنكبتم عن جادة الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، فالله يحفظكم ويرعاكم.
#من_أحاجي_الحرب
عصمت محمود أحمد
إنضم لقناة النيلين على واتسابالمصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
القطينة مدينة العلم والعلماء تعود إلى حضن الوطن
(1) بين عروس الرمال الأبيض والقطينة عهد سيف ورمح عريق، فقد أسند الإمام محمد احمد المهدي قيادة معركة شيكان للدفاع عن الأبيض لثلاثة من كبار الأمراء وفي طليعتهم أبطال القطينة الأمير محمد عتمان ابوقرجة ، والامير شيخ فضلو ود أحمد وهما من أرومة بني عتمان ، حيث كان يطوف أحد ظرفاء المدينة وهو بين تجليات الحضور والغياب ويردد في شجن لازمة:
ياحليل أولاد عتمان الكلهم فرسان . ثم ما يلبث أن يعدد في تفجع وحسرة مآثرهم ومقاتلهم وبطولاتهم . والتاريخ أحيانا يعيد نفسه على عكس ما ذكر كارل ماركس ، فلا غرو أن تزامن فك الحصار عن الأبيض وتطهير القطينة من دنس المرتزقة الأوباش العلوج.
سنكتب عن القطينة بدم الشغاف وأنا ابن بجدتها ، فلها دم وعرق وسيف وقلم في مشروع النهضة السودانية منذ أبكار التاريخ ، فهي كانت تشكل الحدود الجنوبية لمملكة علوة المسيحية، وآخر نقطة حشد منها القائد عبد الله جماع جيشه للاجهاز على مملكة علوة ومن شرقها وغربها نهض شعب الفونج العظيم بقيادة عمارة دونقس وهزم جيش عبد الله جماع في أربجي ثم تحالفا وأسسا مملكة الفونج أول سلطنة إسلامية نهضت بعد سقوط الأندلس عام 1493. وقد زارها ملوك الفونج وفي طليعتهم الملك بادي أبوشلوخ.
(2)
في القطينة بدأت وقدة العلم في السودان وأشعل نارها الشيخ محمود العركي الذي سبق أولاد جابر الاكابر في تلقي العلم في مصر ثم عاد إلى السودان وبنى قصره المنيف ذو الشرفات والأسداد والذي يقع في الأحياء الجنوبية الشرقية لمدينة القطينة ولا تزال أوتاده راكزة. وأنار تقابة القرآن وعلم المجتمع الفقه وقد وثق ذلك بروف يوسف فضل عند تحقيقه كتاب الطبقات لود ضيف الله حيث أكد نهوض سبع منارات للعلم ممتدة من الحلفايا إلى مدينة الكوة في النيل الأبيض.
(3)
كما نالت القطينة شرف السبق في التعليم الديني، فقد نالت هذا الشرف الباذخ في التعليم النظامي حيث افتتح فيها جيمس كري وزير المعارف أول مدرسة للبنين عام 1902م والمدرسة الأميرية الوسطى عام 1953م ، لذلك ظلت مدينة القطينة عميقة التأثير في مجرى التاريخ الوطني الحديث ورفدت السودان بالأفذاذ بالسيف ما قنعوا فزانوا المنبرا فمنها على المثال لا الحصر الدرديري اسماعيل مؤسس حزب وحدة وادي النيل، وبابكر عوض الله أول وآخر سوداني تسنم رئاسة السلطات الثلاث في السودان ، والشيخ علي طالب الله أول امين عام لحركة الإخوان المسلمين ، ومحمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي ، وفاطمة احمد ابراهيم أول امرأة تدخل البرلمان ، والشاعر صلاح احمد ابراهيم، والفريق أول بشير محمد علي وزير الدفاع والفريق علي يوسف قائد نسور الجو، والوزير هارون عوض ورجل الاعمال الشيخ بشير النفيدي ،والدكتور عثمان الهادي في طليعة الآباء المؤسسين لتجربة التأمين الاسلامي في السودان، والوزير والشاعر عبد الباسط سبدرات، وأستاذ الأجيال الشيخ بشير سنادة والاستاذات نفيسة الشيخ وفاطمة عبيد طه.
ونسيج وحده البروف الفذ وعالم الفيزياء النظرية محجوب عبيد طه ، وكأني بالقطينة عناها الشاعر ود المكي ابن مدينة الأبيض بأبياته الفولاذية وهي تصدر في قفاز مخملي من أرومة ديوانه أمتي:
أمتي خطت مضاربها فوق يافوخ الشمس
وفرشت موائدها على أعلى الشمس
وتوزع قومها على حارات الشمس
في قمة الشمس الصبية
أمتي لفت عمائمها ووثقت العباءة
هذا عصير الشمس فوق جبهتي
هذا كساء أمتي
هذا الكساء دمغتي
(4)
للقطينة شرف مؤثل في المناجزة بالسنان عن السودان فقد تواثق ابنائها وفي طليعتهم ابوقرجة أمير البرين والبحرين مع الإمام المهدي على تحرير السودان من قبضة حكم أسرة محمد علي باشا وشهدوا معه كل المعارك حتى التحرير الشامل ، وقد وثق هذه الصولات شيخ المؤرخين السودانيين محمد عبد الرحيم في كتابه نفثات اليراع عن الشاعر محمد عثمان جقود
نحن الخيلنا غارا في نواحي سواكن
ونحن صغيرنا بخطف العلوج الماكن
(وشايبنا) عالم بالحروب وعراك
يدخل في الصواريخ قلبه ثابت وساكن
وشايبنا يقصد به الأمير شايب ود أحمد أحد أبطال المهدية.
ونساء القطينة تأبطن السيوف وقتلن المأمور ساتي بك وقنبور في معركة غابة النور بوبا الأب المؤسس للمدينة في ثوبها الحديث ، ومنها أول امرأة سودانية صنعت زاد المجاهد لجيش المهدي أثناء تقدمه لاسقاط الخرطوم وهي مريم بت أحمد والتي كانت تلقب بشقيقة الأمراء.
ولما هفا لسان شعراء الأغنية الوطنية بامدرمان، كانت القطينة حاضرة على لسان احد ابنائها الشاعر جعفر علي
ما براك ياامدرمان
معاك قطينة الفرسان
معاك قرجة ومعاك شايب
معاك عبد الله ود سلمان
صحيح القبة ضاوية مكان
وصحيح الطابية عز وأمان
تعالي معاي شوفي كمان
معاك صايم ديمة وشيخ الدومة
مكاوي ود عثمان
رجال قلوب عامرة بالإيمان
ناس الخلوة واللالوبة
والمهيوبة للضيفان وحواري في داخل الحيشان
(5)
القطينة مدينة الجمال فقد أسرت بسحرها الأخاذ الأدباء والفنانيين وذكرها ود الرضي في رائعته الاسكلا
جبل أولياء حبيبي غشا وحصل في القطينة عشا
وقد خصها الشاعر حسن اكرت في رائعته ظبية البص السريع
عدى بينا وفرك الرمال
للقطينة جنة بلال
قمت ليك أزحت الستار
ضوى وجهك وزاد النضار
والقطينة مدينة التنوع الفكري والسياسي والمجتمعي والتصاهر والاندماج وفي عمق طينتها الخصوب الودود الولود تحقق قولا وفعلا شعار وحدتنا وقوتنا في تنوعنا.
الله أكبر فقد عادت القطينة ببسالة الجيش والقوات النظامية والمقاومة الشعبية ودماء ابنائها البررة خاصة في احياء الكداريس والخلاوات الذين ارتقوا شهداء عزيزة أبية شامخة إلى حضن الوطن وستعود بسواعد ابنائها أكثر إعمارا ونماء وإثمارا ووضاءة وجمال، فشدوا الوثاق على الوثاق
نترك الدنيا وفي ذاكرة الدنيا
لنا ذكر وذكرى من فعال وخلق
ولنا إرث من الحكمة والحلم
وحب الآخرين
وولاء حينما يكذب أهليه الأمين
ولنا في خدمة الشعب عرق
وهكذا نحن ففاخر بنا.
عثمان جلال
الثلاثاء: 2025/2/25
إنضم لقناة النيلين على واتساب