لاستثنائية الحدث، ولأن يوم ٧ أكتوبر المجيد لا يتكرر كلّ عامٍ إلا مرة، ولحاجاتٍ في نفس يعقوب، ومن أهمها تدوين الانفعالات اللحظية حينما يتعلق الأمر “بأيام الله”، في حينها، ولأسبابٍ أخرى كثيرةٍ فقد ارتأيت استغلال “لقاء الأربعاء”، وهذه المرة، لمشاركتكم- أيها الأعزاء- الرسالة أدناه!
المدوّنة قبل يومين، أي: في ٧ أكتوبر 2024م، وبعد الاستماع مباشرةً لخطاب القائد “أبو عبيدة”، وأنقلها لكم دون تصرّف، مع خالص الود، وعلى النحو الوارد أدناه!
….
وبكيتُ اليومَ! لا حُزنًا والله! لكنها زكاة الفخر دمعة! وواجب العيون إذا ما طاولْت بفخرك السّحاب، أن تُلقي على الجبين تحيّة!
وبكيتُ اليوم! لا حزنًا والله! لكنها خشعةٌ للقلب إذ يرى بعينيه رجالًا على حدّ وصف الكِتاب! وعلى حجم ما تحمله قصة الإسلام من طهارة!
وبكيتُ اليوم يا أبا عُبيدة! لا حزنًا والله! لكنّه الإدهاش إذ يعتريك: عندما يصدقك التاريخ، تمامًا!
لطالما سحرتني المحكيات والسطور، عن أولئك المعجونين عبر التاريخ بطينة الوفاء. عن قصص الأنبياء والحواريين، وأشراف الآل ونجباء الصحابة!
لطالما استوقفتني العبرات على هامش السيرة، أيّ قصّةٍ عن الإنسان كما ينبغي، وعن الإسلام كما في بداياته، عن القوم الذين آمنوا، وعن محكيات الفداء.
أيّ قصّةٍ، وإن بهّرها كاتبها بشطحةٍ من خياله فشطّ كيفما يشاء، فلطالما انبهرت بمحكيات الوفاء، على أن الاستثناء الحقيقيّ منذ عام، على وجه التكثيف منذ عام:
أنّ الرجال غادروا- فيما يبدو- صفحات الكتاب المهجور، ذاك الذي أفرطت الأيام في تناسيه، وباستثناء الغبار فلم يمسّه منذ أعوامٍ أحد!
غادروه أفواجا، ليس فردًا واحدًا ولا على سبيل الاستثناء بطل، لكنها أفواج الأوفياء إذ تنثال تترى، ساحةٌ للمجد تردفها أخرى، قلوبهم إيمانٌ محض، وسلوكهم الوفاء المطلق النقي، محبّةٌ كما يعرّفها لسان العرب، نخوةٌ وشيمةٌ وكرامةٌ وإباء!
وكمثل هذا العام لم أجد تطبيقًا عمليًّا لما تعنيه المفردات، كما ينبغي بالفعل، أو: فوق ما نتخيله عن معناها، بسقوف كثيرة!
منك إلى كل بطلٍ في أرجاء غزة، يا أبا عبيدة، ومنكم إلى بيروت وصنعاء، إلى الضفة وبغداد، وإلى طهران تمتدٌّ حكايةٌ ما كانت- قط- في جيلنا مألوفة!
وما تخيلتها من قبل هذا العام إلا صورة، نسج خيالٍ ماتعٍ أو أسطورة، لو صدقتها بين أقرانك لتضاحكوا، ولقال أوسطهم: دعنا من هذا!
بين الكتاب والواقع فثمّة تناقضاتٍ أحيانا، وفي بعض الأحيان ثمّة بالتأكيد اختلاف!
لكنه هذا العام، وبالذات، عامٌ مختلف! إنه عامٌ بالتأكيد أعاد التعريفات تمامًا إلى نصابها، نقيّةً بلا ملوثات!
فالمؤمن هو المؤمن حقّا، بمنأى عن مذهبه!
والمنافق هو المنافق صِرفا، بمنأى عن منبته!
والرجال رجالٌ كما ينبغي، تجمعهم على امتداد محور الرّجال محبّةٌ في أعلى مراتبها وفداء، كلّهم يلبّون نداءك قبل حتى أن تطلب المعونة!
عينك في الميدان أينما كنت، وقلبك على أخيك أينما كان!
رجالٌ كما لم يعرفهم في عصرنا زمان، جبلٌ إلى جواره جبل! بطلٌ يشدّ أزره بطل! وقائدٌ يخلفه على ذات المنوال قائد!
وعلى ما يقدمونه من شهداء فلا ينقص من هذا الجيش أحد!
وبكيت اليوم يا أبا عبيدة! لا حزنًا والله! لكنني لم أتوقع كمثل عامنا هذا، قط:
أن أكون شاهدًا على آيةٍ من أجلى آيات الله فينا تتجلّى!
على نصرٍ بإذن الله من لدنه قريب!
لا رجمًا بالغيب لكنه الكتاب، أيضًا، قد أخبرنا بأن لكل فتحٍ رجاله، أبطاله ومؤمنيه، وكلّما أسهب في وصف ما هم عليه.. ورأيت ما أنتم عليه!
رأيتكم فرأيت، بالفعل، مصداق البشارة،
وصدقيّة السطور!
وإن كان ما في النفسُ أرحبُ من أن تُحيط به سنانٌ أعجزتها عن الإفصاح عن مكنوناتها- كما ينبغي- تراكيب الحروف!
فأستغفر الله إن ضاقت عن تمام الإفصاح العبارة.
يا أيها الأطهار كما ينبغي،
ويا أيها الأوفياء كما يجب!
…
انتهت الرسالة.
وفي صبيحة الأربعاء القادم، في الزاوية ذاتها بإذن الله.
يبقى لنا حديث.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
حاجة جمال رحمها الله جعلتني ولياً من الأولياء “الميعرفهومش الناس”: تور الخلاوي
من الأرشيف
في مناسبة عيد الأم عادني من المرحومة الحاجة جمال أنها اعتقدت أنني رجل من الصالحين. وبالطبع سبقتها أنا إلى ذلك قبل مدة. وتلك قصة أخرى. ولما لم تر مني ظاهر عبادة من مستحقات الأولياء قالت رحمها الله لمن حولها: "هو من الأولياء الميعرفهومش الناس". وهي عبارة منسوبة إلى الشيخ عبد الله كمبو من صُلاح مدينة نيالا حي الوادي. وكانت زارت نيالا في السبعينات أيام اختفائي بين كادر الحزب الشيوعي المتفرغ تسأله شأني وخلاصي. فقال لها العبارة أعلاه عني. ووقعت لها في جرح. وكانت تلحن ب"المايعرفهومش" تعزز حجتها.
ربما كنت أفكر دائماً في صلاحي عملاً بسعة الحديث النبوي القائل "تفكر ساعة خير من قيام ليل". وهو مروي ومضعف. وأنا ممن يسعده أن يدخل في باب المتفكرين ساعة بعد ساعة. وبان نقائي هذا لي يوم كنت أبحث في حي المعمورة عن منزل صديقي مبارك حمد الإسلامي الأشم. فأوقفت عربة مرت لأسألها عنه. فوجدت فيها من سلم عليّ بحرارة وبمعرفة. وقدم لي نفسه كعثمان الهادي الجار الجنب لمبارك. وسمعت بالطبع عنه. ولكنه فاجأني بقوله: "والله يا عبد الله نفعتنا شديد في تصميمنا لمناهج الخلاوي". ولم أصدق أذنيّ. فأضاف: "لقد قرأنا كتابك عن بخت الرضا من النسخة التي أهديتها لشيخ علي عثمان محمد طه. ووجدنا أن فكرتك عن تطوير تعليم الخلاوي مناسبة واشتغلنا عليها". وتواعدنا لأقف على دقائق هذه "الكرامة" للماركسي الذي طور تعليم الخلاوي. ولم نلتق بعدها.
كنت تناولت موضوع الخلوة في كتابي مرتين. في المرة الأولى ثمنت حركة إصلاح الشيخ علي بيتاي في شرق السودان التي مدارها تعليم الخلاوي. وقلت إننا سنخسر إشراقة هذا الإصلاح (والتعليم جزء منه) لو ظللنا نعتقد أن الخلوة تقع خارج نطاق التعليم العام وأن من يريد اكتسابه خلع الخلوة. وزدت بأن تبعة التربوي أن يراعي تنوع التعليم ومؤسساته وأن "يتوئم" بينها بحيث يتوافر لكل خريج مؤسسة أن ينال شهادتها القومية المأذونة. أما المرة الثانية فذكرت رأي البروف عبد الله الطيب من أن تعليم الخلوة للغة والثقافة-الدين كان أذكى من تعليم بخت الرضا. ولا نفصل خشية الإثقال.
وتحققت الكرامة. فأصدرت وزيرة التعليم العام منذ أيام قراراً لم أقف على محتواه بعد، ولكنه اعترف بقوام مستقل لتربية الخلوة ودمجها بصورة من الصور في التعليم العام. ويلقى هذا القرار نقداً من الحداثيين ربما كان له ما يبرره إلا أن يكونوا حكموا فيه حزازتهم في أن تعليم الخلاوي موضة قديمة. ولم يكن لصلاحي أن "يتبين" لولا شيخ علي، من حاجة جمال خالته، الذي بثه بين تربويّ الدولة فاستعانوا به ما وسعهم لتأصيل التعليم. وكانوا اكتفوا من نقد بخت الرضا ب"القرشي مريض في المستشفى" بحسبانها طعناً في أفضل البشر.
رحم الله جمال فقد استثمرت ثقافتها لتبؤاني منها مقاماً كريماً.
ibrahima@missouri.edu