البوابة نيوز:
2025-03-15@07:11:54 GMT

قطط سوداء في غرفة مظلمة

تاريخ النشر: 8th, October 2024 GMT

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

 في عالم متقلب، تقود متغيراته إلى الأسوأ، وتفاقم الشر، وتصاعد العنف والكراهية، ورفض الآخر، حينئذ تتضح قيمة الفلسفة وضرورتها وأهمية العلوم الإنسانية، في طرح المبادئ، وتعزيز القيم، ودعم الجمال مقابل القبح، والتسامح مقابل تقليص الكراهية والعنف والرفض، وصناعة الاتزان الروحي الداخلي للإنسان.

الفلسفة هي طريق الإنسان نحو الكمال، صوب السمو الخلقي، تبدأ بالدهشة، وقديمًا أثارت دهشة ظهور الحقائق واختفاؤها، وتنوع صورها، السؤال لدى الفلاسفة: ما الحقيقة؟ وقيل: «الفلسفة بنت الدهشة»، وإلى جانب الدهشة، هناك التأمل، الاستغراق الذهني للأفكار والمعاني، وبه نصح الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس قائلًا: «اختبروا بأنفسكم هذا الجانب من الفلسفة (أي التأمل) فليس هنالك ما هو أنسب من تلك الطريقة للتوصل إلى السمو الخلقي».

شخص لا يتفلسف، ليست لديه قدرة على التسامح، وليست لديه قدرة على الحب، فحياة بدون معنى هي حياة جافة قاتلة، وحياة بتأمل وأسئلة وبحث ومغامرات معرفية متشابكة، هي الحياة الحقيقية، حياة الفلسفة، وأصحابها هم هؤلاء الأشخاص الذين يجيدون الحب، ويرفضون الكراهية والحروب.

وليس شرطًا أن تتأمل وتتفلسف أن تكون حاصلًا على شهادة أكاديمية، فالفلاسفة الأوائل كانوا أمام الطبيعة بعقولهم، يبحثون في الكون الضخم الغامض، يعيشون مغامرة عقلية لا تنتهي، ومن المؤسف أن يتصدر للتدريس في التعليم الثانوي أو التعليم الجامعي أشخاص تخصصوا في الفلسفة لكنهم يعملون منذ البداية ضد الفلسفة.

إحدى التجارب الشخصية، كانت مؤسفة نوعًا ما، عندما حضرتُ لأول مرة حصة الفلسفة، وكان على المعلم أن يشرح لنا ماذا تعني الفلسفة ببساطة؟ كي نفهم هذه المادة الجديدة والغريبة، فهي تختلف تمامًا عن التاريخ، الرياضيات، الفيزياء، الكمياء، وفي الحقيقة الفلسفة هي أم هذه العلوم، ولكن نحن طلبة لا نفهم هذا الاسم العجيب، ومع غرابته كان لدي شغف من نوع خاص به، وبالفعل سألت معلمي، ماذا تعني فلسفة؟.. ضحك المعلم كأنه يمتلك سر الأسرار، سيكشف لنا عن خفايا لا يملكها أحد، قائلًا: إن الفلسفة يا أبناء هي مهمة الرجل الأعمي الذي يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة!.

اندهشنا جميعًا من هذا التصورالغامض، بحثنا عن فهم يليق بالموقف، وهنا استكمل المعلم شرحه بأن الفلسفة تعني اللاجدوى! وتساءلنا جميعا بأسفٍ شديد: لماذا يقررون علينا مادة محبطة لهذا الحد؟ فأضاف المعلم ساخرًا: وماذا نفعل لوزارة التربية والتعليم؟! ورغم أنه مدرس لهذه المادة، فإن الأولى به أن يسأل نفسه: لماذا تخصص في الإحباط واللاجدوى؟.

من المفارقات اللطيفة أن هذه المقولة التي أصابت طلاب الثانوية بالإحباط من مادة جديدة يشعرون تجاهها بالشغف، لم تُصِب طالبة من بيننا بنفس الشعور، يبدو أنها فكَّرتْ خارج الصندوق، وقالت لي ساعتها: تصور إن البحث عن قطط سوداء في غرفة مظلمة يدعو للمغامرة وللإثارة أكثر، وللتحدى أكثر، وليس صحيحًا أنها لا جدوى. ومن المدهش أن صاحبة هذا التعليق تخصصت فيما بعد في قسم الفلسفة.

قطة سوداء في غرفة مظلمة، عبارة تُنسب للحكيم الصيني كونفوشيوس، ويُراد بها حل مشكلة معقدة بطريقة غير فعالة، بينما تكررت عند فريدريش هيجل بمعنى مختلف وربما أراد منها صعوبة الوصول والبحث عن الحقيقة وسط ظروف غامضة، أو غير واضحة.

نفس العبارة كانت عند معلمي دافعًا نحو اللاجدوى والعبث، وعند صديقتي دافعًا نحو التحدي والمغامرة، والتجريب وعدم الاستسلام للإحباط، وبإمكاني أن أقول: إن ما حدث كان نوعًا من الفلسفة والتفلسف!

هذه الروح الفلسفية لدى الطلبة يُراد لها أن تنجرف، وأن تموت، فالعدو يريد أن يرى منطقتنا تفكر بواسطة الرغبة، بواسطة الأوهام والخرافات، تندفع بواسطة الغضب والانتحار، تمضي نحو المنحدر بأقدامها، إلا أن الفلسفة والعلوم الطبيعية معها تدفعنا نحو التعقل، إدراك نقاط القوة ونقاط الضعف، التروي في فهم الحقائق، التصدي للعدو بطريقة فعالة ومؤثرة.

في كراهية الفلسفة، اشترك العدو مع أصحاب الإيدلوجيات الدينية المتشددة الذين هاجموا مرارًا تدريس الفلسفة، أو الاهتمام بها، أو المفكرين الناشطين فيها، واعتبر الراحل فؤاد زكريا أن «الانتشار الواسع للاتجاهات الإسلامية بشكلها الراهن إنما هو مظهر صارخ من مظاهر نقص الوعي لدى الجماهير»؛ ومع انحسار دور الفلاسفة والمفكرين تشيع بضاعة المتشددين والمتطرفين.

ولم يقف دورهم عند التحذير من الفلسفة، بل فعلوا ما هو أكثر فاعلية في إفشال دور الفلسفة، وهو السيطرة على أقسام الفلسفة في الأكاديميات والكليات المختلفة، وهي استراتيجية جرى تفعيلها وأتت بثمارها، وليس من العجيب أن نرى حاليًا أستاذا للفلسفة في تونس يحرض ضد فيلسوف العقل أبي الوليد بن رشد الأندلسي وكتابه «تهافت التهافت»، لصالح ابن تيمية الحنبلي.

هذه السيطرة جمَّدت دور الفلسفة، ولفت إلى هذه الظاهرة بتوسع شديد الراحل طلعت رضوان في كتابه المثير «مثقفون مع الأصولية الإسلامية» كان من بينهم أساتذة للفلسفة مؤثرين ولهم حاليًا أجيال يتخذون منهم آباء روحيين. وبدوري تعرضت في كتابي «الفكرة والقناع» لنماذج مصرية وعربية تخصصت في الفلسفة، وعملت بدأب على تقويضها وتجميدها لصالح مشاريع الجماعات المتطرفة.

في ظني، إن مأزق الفلسفة في عالمنا العربي كامن في دعم مشاريع الجماعات المتطرفة، رغم ما نمتلكه فيها من رموز قليلة تُعد ثروة، وأن مأزقها في الغرب عند بعض أعلامها كامن في دعم الصهيونية، وتأييد العدوان الإسرائيلي دون تعقل أو شيء من فلسفة، دون التقليل من أهمية الفلسفة وأهمية رموزها في الغرب بشكل عام.

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: الفلسفة أستاذ الفلسفة

إقرأ أيضاً:

خليفة الظاهري لـ«الاتحاد»: الدِّين منظومة قيمية وليس مجرد طقوس وشعائر

حوار: د. حمد الكعبي
أكّد الدكتور خليفة الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن التسامح هو الأساس في بناء مجتمعات وطنية تتجاوز التعدد الثقافي والاختلاف الإضافي لتحقيق الوحدة في التنوع، لافتاً في هذا السياق إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة نموذج فذ في ترسيخ قيم التسامح والتعايش منذ تأسيسها، ومثال حضاري في قيم الأخوة الإنسانية والمواطنة.
وشدد على أن «فهم الواقع» الأساس في «فهم الخطاب الشرعي»، مشيراً إلى أهمية إعمال «القراءة القيميّة» للدِّين، وتحكيمها في فهم نصوصه، والتعرُّف على معانيه، واستنباط أحكامه.
وقال إن الدِّين طاقة متجدّدة، لا غنى عنه أبداً، لكنَّه يساء استعماله إنْ لم يضبطْ بالتوجيه والتجديد، مؤكداً أن الواقع اليومَ لم يعد يعرف مفاهيم «تديين العالم» و«تقسيم المعمورة»، مشدداً على أن «الاعتبار الوطني» أساس لحمة الهوّيّة والانتماء. في السياق ذاته، اعتبر الظاهري بقاء الدِّين مفتوحاً أمام مختلف التأويلات والقراءات والتّوظيفات، من شأنه أَن يهدّد السّلم الاجتماعيّ والاستقرار الوطنيّ، مشيراً في هذا الصدد إلى أن الدَّولة لها سلطة الاختصاص بتنظيم كلّ ما يتعلّق بالشّأن العامّ. وفي حوار مع «صحيفة الاتحاد»، أكد الظاهري أنّ عالمَ اليوم يعِي أنّ البشريّة بأجمعها ذات مصير مشترَك، وأنه لا بدَّ أن تَجِدَّ في سلوك مسارٍ مشتركٍ، هو التّعارف والتّعاون في سبيل تحقيق الخير العامّ لها حالاً واستقبالاً.
في الوقت نفسه، أكد مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية أن الدِّين ليس مجرد طقوس وشعائر، بل هو منظومة قيمية تتيح بُعداً روحانياً يحقق السلام الداخلي، ويقوي يقظة ضمير الفرد، ما ينعكس إيجاباً على استقرار المجتمع وسلامته.
ولفت إلى تنوع تعاليم الدِّين ما بين تعزيز القيم المجتمعية، وخلق بيئة تضامنية، ومعالجة قضايا مجتمعية عويصة، والدعوة إلى الصدق والأمانة والتسامح والعدل والإحسان حتى مع الحيوان والنبات. وأشار إلى أن الدّولةُ بمدنيّتها لا تتنافى مع اختلاف الهوّيّات الدّينيّة والعرقيّة لشعبها الذي يخضعُ لسلطانها، تماماً كما يعنيه اليومَ الانتماءُ إلى الدّولة الوطنيّة، الذي لا يُبقي مجالاً لبروز الهوّيّات الدّينيّة للمواطنين بمظهر التّصارع، أو التّنافي، أو التّضادّ، لافتاً في هذا السياق إلى أن النبي «صلّى الله عليه وسلّم» ضرب أروع الأمثلة في بناء الهوّيّة الوطنيّة الجامعة بين مختلف الانتماءات العرقيّة والدّينيّة، حين أسّس المجتمع المدنيّ، وبنى الدّولةَ بالمدينة عقب هجرته إليها، على الانتماء الوطنيّ، والمواطنة الجامعة. 
وجزم الظاهري بأن الخطاب الدّينيّ لا يمكن أن يسهم في تعزيز الولاء الوطنيّ ما لم يتحرّر من عقدة النّموذج والمثال التي انبنت على مغالطات في فهم التّجربة التّاريخيّة، داعياً إلى مراجعة المدوّنة الفقهيّة، وأدبيّاتها مراجعةً تستحضر القراءَةَ المنهجيّةَ الرّصينةَ للنّصّ الدّينيّ، وتفاعلاته مع الظّروف التّاريخيّة التي أحاطت بعمليّة تفسيره، والتي أثّرت ولا شكّ في عمليّة استنباط أحكامه. وقال إن الحوار هو السبيل لإيجاد أرضية مشتركة تعزز التعايش وتحقق السلم المجتمعي، ومفتاح باب فهم الآخر والوقوف على مساحة المشترك معه، وأساس بناء خطاب ديني يحترم الاختلاف والتعدد ويقبل التنوع الديني والثقافي كواقع إنساني، ويحفظ ثوابت المواطنة. وفي ما يلي نص الحوار: 

- يقول الفيلسوف باروخ سبينوزا: «عندما يُفهَم الدّينُ على أنّه دعوةٌ للمحبّة والعدالة، يُصبِح أساساً قويّاً للتّكافل الاجتماعيّ».

ومن هنا، اسمحوا لنا أن نسأل عن العناصر الأساسيّة التي يجب أن يحتويَها الخطابُ الدّينيّ؟
= للإجابة عن تساؤلكم لا بد أن نعرف أولاً: ما هو الخطاب الديني، ثم نتعرض لاحقاً لعناصره الأساسية.
فالمراد بالخطاب الدّينيّ هو كلّ وسيلة يُبَثُّ بها الدّين، ويُنشَرُ ويُوَجَّهُ إلى النّاسِ، فهو عبارة عن تلك الحوامل أو الوسائط التي تحمل كلّ ما يُعَدُّ ديناً من التّصوّرات والأفكار التي تُستخلَصُ من النّصوص المؤسّسة للدّين (القرآن الكريم والهدي النّبويّ الشّريف).
أما إذا تكلمنا عن العناصر التي يجب أن يحتويها الخطاب الدّينيّ، فإننا نقرّر بداية أنّ الخطاب الدّينيّ اليومَ لم يَعُدْ ذلكَ الحِمى المُستباحَ، الذي يرتَعُ فيه كُلُّ أحدٍ، بل قد صارَ مُمَأسساً من قِبَل الدَّولةِ، التي لها سلطة الاختصاص بتنظيم كلّ ما يتعلّق بالشّأن العامّ، ولا تخفى صلةُ الدّين بهذا الشّأنِ، وأن بقاءه مفتوحاً أمام مختلف التأويلات والقراءات والتّوظيفات من شأنه أَن يهدّد السّلم الاجتماعيّ، والاستقرار الوطنيّ. فالدّينُ طاقةٌ متجدّدةٌ، لا غنى عنهُ أبداً، لكنَّه إنْ لم يُضبَطْ شأنُهُ بالتوجيه والتجديد، يساء استعمالُه بما يفتُّ عضد المجتَمَع، ويُخِلُّ بنظامه.
وبناءً على ذلك نرى أنّه ينبغي للخطاب الدّينيّ المعاصر أن يشتمل على عنصرين أساسيّين هما: 
إعمال القراءة القيميّة للدّين وتحكيمها في فهم نصوصه والتعرّف على معانيه واستنباط أحكامه، إذ القيم هي فلسفتُه وخلاصة حكمته، لقول الله تعالى: (... دِيناً قِيماً ملّةَ إبراهيم حنيفاً...)، وقول النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: «إنّما بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق».
أما العنصر الثاني فهو «فهم الواقع»، وهذا العنصر شريك أساسيّ في فهم الخطاب الشّرعيّ، ولا بدّ من مراعاة هذه البيئة في معرفة ما يناسبُ أن ينزّل فيها من الأحكامِ.
والواقع اليومَ لم يعد يعرف مفاهيم «تديين العالم» و«تقسيم المعمورة»، فقد غدت المجتمعات اليوم بطبيعتها مفتوحة، وصار الاعتبار الوطني أساسَ لحمة الهوّيّة والانتماء، وأصبح العالم كلّه اليوم يعي أن البشريّة بأجمعها ذاتُ مصيرٍ مشترَكٍ، فلا بدَّ أن تَجِدَّ في سلوك مسارٍ مشتركٍ، هو التّعارف والتّعاون في سبيل تحقيق الخير العامّ لها حالاً واستقبالاً.

- لا شك أن «الدّينَ هو القوّةُ التي تربِطُ النّاسَ بمُثُلهم العليا»، فكيف يمكن للدّين أن يكون مؤثّراً في المجتمع المعاصر ومشكِّلاً للقيَم المجتمعيّة؟
= إن الدّينَ ليس مجرد طقوس وشعائر، بل هو منظومة قيمية تتيح بُعداً روحانياً يحقق السلام الداخلي ويقوي يقظة الضمير للأفراد، مما ينعكس إيجاباً على استقرار المجتمع وسلامته، والمتأمل في تعاليم الدين المتنوعة يجد أنها تعزز القيم المجتمعية، فمنها تعاليم تدعو إلى التكافل الاجتماعي، كالصدقة، والزكاة، والوقف... التي تخلق بيئة تضامنية، تسهم في تكوين مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً، ومنها تعاليم تعالج قضايا مجتمعية عويصة مثل التفكك الأسري، وترسخ بناء الأسرة التي تشكل نواة المجتمعات، وتماسكها عنوان تماسك المجتمع، وتعاليم خُلقية تدعو إلى الصدق والأمانة والتسامح والعدل والإحسان مع الحيوان والنبات، فضلاً عن التعامل مع الإنسان.

- قالوا: إن «الهوّيّة ليست ما نكتسبه فقطّ، بل ما نبنيه من خلال التّفاعل مع الآخرين».. ومن هنا، كيف يمكن أن يسهم الخطاب الدّينيّ في تشكيل الهوّيّة الوطنيّة؟
= لقد ضرب لنا رسول الله «صلّى الله عليه وسلّم» أروع الأمثلة في بناء الهوّيّة الوطنيّة، الجامعة بين مختلف الانتماءات العرقيّة والدّينيّة، حين أسّس المجتمع المدنيّ، وبنى الدّولةَ بالمدينة عقب هجرته إليها، على الانتماء الوطنيّ، والمواطنة الجامعة، فكانت الدّولةُ بمدنيّتها لا تتنافى مع اختلاف الهوّيّات الدّينيّة والعرقيّة لشعبها الذي يخضعُ لسلطانها. تماماً كما يعنيه اليومَ الانتماءُ إلى الدّولة الوطنيّة، الذي لا يبقي مجالاً لبروز الهوّيّات الدّينيّة للمواطنين بمظهر التّصارع، أو التّنافي، أو التّضادّ.
إنّ الخطابَ الدّينيّ اليومَ ينبغي أن يكون مفتوحاً على الظّروف الرّاهنة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، بخصائصها وسماتها الحديثة، التي لم يعد من جملتها «وحدة الدّين»، ولا «ثنائية الدّار والجوار» المنبنية على «تقسيم المعمورة»، فالدّولة الوطنيّة بما تتأسّس عليه من مفهوم الانتماء الوطنيّ تسعُ مختلفَ الأديان والأطياف والثّقافات والإثنيّات.
إنّ خطابنا الدّينيّ لا يمكن أن يسهم في تعزيز الولاء الوطنيّ ما لم يتحرّر من عقدة النّموذجِ والمثال، التي انبنت على مغالطات في فهم التّجربة التّاريخيّة، وعدم التّمييز فيها بين الدّينيّ، والثّقافي
ثمّ إنّه لا بدّ من مراجعة المدوّنة الفقهيّة، وأدبيّاتها مراجعةً تستحضر القراءَةَ المنهجيّةَ الرّصينةَ للنّصّ الدّينيّ، وتفاعلاته مع الظّروف التّاريخيّة التي أحاطت بعمليّة تفسيره، والتي أثّرت ولا شكّ في عمليّة استنباط أحكامه، والتي لم يُرَد منها أن تكون معياريّةً تتجاوزُ اعتبارات الزّمان، وإكراهات الوقت والأوان، وإنّما كانت غايتها الاستجابةَ لمتطلّبات تلك الظّروفِ والأحوال.
فالخطابُ الدّينيّ إذاً يحتاجُ إلى إعادة قراءة بنيته، وهي نصوص الدّين من حيثُ كيفيّة تطبيق أحكامها في الواقع المعاصر من جهة، وإلى إعادة النّظر في وسائلِ تبليغ تلك الأحكام وشرح كيفيّة تطبيقها من جهة ثانيةٍ.
وذلكَ شرطُ ما يتعلّقُ به أملُ الاستفادة من الخطاب الدّينيّ في بناء الهوّيّة الوطنيّة والتّوعية بها، وترسيخِ حُرمتها وتعزيز مكانتها في المجتمع. 

- لا شك في أن «التّسامح ليس التّنازل عن المبادئ، بل الاعترافُ بحقّ الآخرينَ في امتلاك مبادئهم»، وهو ما يحيلنا إلى السؤال عن الدّور الذي يلعبه التّسامح الدّينيّ في بناء مجتمعاتٍ وطنيّةٍ ومتعدّدة الثّقافات في ظلّ قراءاتٍ أخرى لنصوصٍ دينيّةٍ تهدم أطروحةَ المواطنة؟
= إن التسامح الديني هو العمود الأساسي لبناء مجتمعات وطنية تتجاوز التعدد الثقافي والاختلاف الإضافي لتحقيق الوحدة في التنوع، والكليات من النصوص الدينية القطعية تشهد أن لكل فرد الحق في ممارسة معتقداته دون إكراه، وهذا ما يعزز بناء مجتمعات وطنية متعددة الثقافات، يكون أساس النظر فيها للكفاءات لا للمعتقدات، يحترم فيها الحق في الاختلاف النوعي مع الانسجام الكلي، والتفاعل الثقافي.
وهذا ما جسّده النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم عملياً من خلال مشاركته في حلف الفضول بمكة، وبنائه وثيقةَ المدينة ليؤكد أن التسامح لا يعني التنازل عن المبادئ بل اعتراف بحق الآخرين في الاختلاف واحترام اختيارهم.
 وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً فذاً في ترسيخ قيم التسامح والتعايش منذ تأسيسها بيد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتعتبر دولة الإمارات اليوم مثالاً حضارياً في قيم الأخوة الإنسانية والمواطنة.

- لا شك في أن «الحوار هو بداية الفهم الحقيقيّ»، كما قال مارتن بوبر.. فهل لكم أن توضحوا لنا دور الحوار مع الآخر المختلف في بناء خطابٍ دينيٍّ لا يُساوِم على ثوابت المواطنة؟
الحوار هو السبيل لإيجاد أرضية مشتركة تعزز التعايش وتحقق السلم المجتمعي، لأنه مفتاح باب فهم الآخر والوقوف على مساحة المشترك معه، وهو أساس بناء خطاب ديني يحترم الاختلاف والتعدد ويقبل التنوع الديني والثقافي كواقع إنساني، ويحفظ ثوابت المواطنة من خلال نظره إلى الاختلاف على أنه عنصر إثراء لا عنصر تهديد، وذلك من خلال اعتماد خطاب ديني يركز على القيم الكلية المشتركة التي تعزز العدل، والكرامة، ويؤصل لأن الانتماء للوطن يتجاوز الانتماءات الطائفية، وأن الحقوق والواجبات تشمل الجميع بلا تمييز، ويتجنب الإقصاء والتعصب، وينبذ التحريض على الكراهية.

أخبار ذات صلة جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية تحتفي بشهر رمضان بتنظيم فعاليات مجتمعية في العين الرقم واحد..!

مقالات مشابهة

  • المفكر الكبير نصار عبد الله لـ«البوابة نيوز»: تطور الأمم مرهون بتقدمها في مجالات الدراسات الإنسانية والاجتماعية وليست التكنولوجية فقط.. والموقف المصري من قضية غزة شجاع وبطولي
  • الهريفي للجماهير النصراوية: النصر فريق الـ 3 نقاط وليس البطولات .. فيديو
  • اللافي: مبادرتي تتضمن انتخاب مجلس رئاسي جديد وليس تقسيم ليبيا
  • شاهد: 4 سيارات تسلا تتحول لكتلٍ سوداء متفحمة في 30 دقيقة
  • خليفة الظاهري لـ«الاتحاد»: الدِّين منظومة قيمية وليس مجرد طقوس وشعائر
  • محسن جابر: المهرجانات فن سائد الآن والعيب في الكلمة وليس اللحن
  • «شوقي علام»: الخلاف الفقهي رحمة وتنوع وليس تضادًا
  • غرفة مظلمة وملابس دانتيل.. أحدث الإطلالات من أسبوع الموضة في باريس
  • تكريم المدارس المجيدة بشمال الباطنة
  • يامال يعترف: كانت نيتي التسديد وليس التمرير لرافينيا