التحالف الروسي-الصيني.. هل يقدر على قلب معادلات النّظام الدولي؟
تاريخ النشر: 7th, October 2024 GMT
الكتاب: "التحالف الاستراتيجي الروسي ـ الصيني وتأثيره في النّظام السياسي الدولي"
الكاتب: مصطفى مجيد أحمد الجبوري
النّاشر: المركز العربي الديمقراطي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين- ألمانيا، 2024
عدد الصفحات: 166
ـ 1 ـ
يتنزّل التحالف الإستراتيجي الروسي الصيني ضمن التّحولات العاصفة في ميزان القوى على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ولمواجهة نزعات الهيمنة المتوحشة هذه، كثيرا ما تنشأ تجمّعات أو تحالفات تحاول كسر نظام القطب الواحد وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية والدولية حتى تأخذ بعين الاعتبار مصالح من همّشهم النظام العالمي الجديد. ومنها التحالف الإستراتيجي القائم بين روسيا الاتحادية والصين القادر على القيام بدور مؤثر وفاعل في النظام السياسي الدولي.
مثّلت الحرب الروسية الأوكرانية اختبارا صعبا لهذا التحالف، فقد وضعت الصين أمام مسؤوليتها لفرض احترام القانون الدّولي بالنّظر إلى امتلاكها لحق النقض. وفي الآن نفسه فرضت عليها الحفاظ على علاقتها القوية بروسيا.يجعل الباحث مصطفى مجيد أحمد الجبوري هذا التحالف موضوعا لدراسته الموسومة بـ"ـ التحالف الاستراتيجي الروسي- الصيني وتأثيره في النّظام السياسي الدولي". فيرصد تحوّلا جوهريا في العلاقات بين البلدين ما فتئ يتدعّم منذ نهاية الحرب الباردة. ويبحث في أبعاده ودوافعه ويتساءل عن مدى تأثيره في النظام السياسي الدولي.
ـ 2 ـ
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي باتت الولاياتُ المتحدة الأمريكية، تلك القوةُ المهيمنة على مفاصل النظام الدولي، خطرا محدقا على كل من البلدين، بما تفرضه من العقوبات وما تضعه من قوانين للمنافسة تخدم اقتصادها وتربك اقتصاديات الدول المنافسة. وهذا ما دفع البلدين إلى البحث عن أفق شراكة ما لتحقيق مصالحهما.
يعود الكتاب إلى جذور هذا التّحالف، بداية من اتفاقية التعاون وحسن الجوار الممضاة بين رئيسي البلدين في العام 1992 وصولا على توسّعه ليشمل المجال السياسي والاقتصادي والعسكري الأمني وليرتكز على أساس مصلحي وفق ما فرصته طبيعة الأوضاع والأبعاد الدولية للبلدين.
ـ 3 ـ
يشير الباحث مصطفى مجيد أحمد الجبوري إلى قمة موسكو1996 التي جمعت بين الرئيس الروسي عندئذ بوريس يلتسين والرئيس الصيني جيانغ زيمين، باعتبارها خطوة مهمة في هذا التحالف على المستوى السياسي. فقد انتهت إلى دعوة صريحة إلى قيام عالم متعدّد الأقطاب وفي البال مواجهة انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار الدولي والبحث عن أفاق جديدة لتحقيق مصالحهما المشتركة بعيدا عن هيمنتها.
ثمّ تعدّدت القمم بين رؤساء البلدين. فقد كانت روسيا في حاجة إلى مساندة الصين في مواجهة توسع الناتو الذي ترى فيه تهديدا مباشرا لها أساسا. وفي الآن نفسه كانت الصين في حاجة إلى مساندة روسيا لاستعادة السيطرة على تايوان المدعومة من قبل العالم الغربي، ومن قبل الناتو بشكل ما. لذلك نشأت بين البلدين علاقات سليمة ومستقرة. وكان من ثمارها اعتراف روسيا للصين بكونها الفاعل الأساسي في إقليم آسيا واعترافها بكون التيبت وتايوان جزءا من أرضها، بالمقابل اعترفت الصين بأن الشيشان جزء من روسيا.
ومن ثمرات هذا التحالف:
ـ قيام المجموعة شنغاي بين روسيا والصين وجمهوريات من أسيا الوسطى في أفريل 2001، لتمثل تجسيدا لهذه الدّعوة. ففضلا عن التعاون الاقتصادي، كانت المجموعة تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتنسيق الحرب على الإرهاب ومواجهة النزعات الانفصالية والتطرف وإنهاء مشكلة ترسيم الحدود بين جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي حتّى تتفرّغ لمواجهة الأخطار المشتركة.
ـ الانتباه إلى المتغيرات التي تحصل جنوب آسيا ممثلة في ظهور الأسيان، تلك الكتلة التي تضم مجموعة من الدّول ذات معدلات النمو الهائلة والتي تغري كل الاقتصاديات بالتعامل معها.
ـ 4 ـ
جعلت رياح العولمة كلا من الصين وروسيا أمام تحدّي إثبات الوجود دوليا. وحتّى يتسنّى لهما ذلك عزّزا من العلاقات الاقتصادية بينهما خاصة أن الاقتصادين يتكاملان. فالصين ترتبط بموارد الطاقة الروسية والاقتصاد الروسي في حاجة أكيدة إلى الاستثمارات والتكنولوجيا الصينيتين. وكلتاهما تواجه أعمالا عدائية من قبل الولايات المتحدة لعرقلة نموهما الاقتصادي. فقد تعرضت روسيا إلى ضغوطاتها خاصة لما كان اقتصادها في مرحلة وهن وتراخ. أما الاقتصاد الصيني الموعود باحتلال المكانة الأولى عالميا فكانت بضائعه هدفا لضرائبها الجائرة.
ومن نتائج هذا التحالف الاقتصادي بلوغ التبادل التجاري عام 2000 نحو 7 مليار دولار، بحيث مثّلت الصين الشريك الثالث لروسيا بعد الولايات المتحدة وألمانيا. ثم تعمّقت الشراكة أكثر بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001.
ولعل تطورَ التعاون بين الصين وروسيا في مجموعة البريكس التي تضم اليوم، فضلا عن البلدين المؤسسين كلاّ من الهند والبرازيل وإفريقيا الجنوبية والسعودية ومصر والإمارات وإثيوبيا عنوانٌ كبير لتحقيق الأهداف المشتركة الرامية إلى القضاء على القطبية الأحادية ورفض هيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي. وبالفعل ففي إطار منظمة بريكس عمل البلدان على وتطوير التعاون الاقتصادي بينهما وعلى التنسيق السياسي الداخلي من أجل زيادة أرباحها، ومن أجل التأثير على الساحة الدولية ودعم النمو والتنمية على المستوى العالمي. وبريكس، كما هو معلوم، مجموعة دولية تهدف إلى تشجيع التعاون السياسي والاقتصادي بين الدول الأعضاء، وباتت تطرح نفسها بما هي أفق لتحرير الاقتصاد العالمي من سيطرة المؤسسات الخاضعة لهيمنة الولايات المتّحدة كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة.
ـ 5 ـ
وتمثّل العلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين هدفا لهذا التحالف ووسيلة. ومن نتائجه أنْ باتت الصين تستورد عتادا عسكريا كبيرا من المصانع العسكرية الروسية خاصة ما يتعلّق بالغواصات والأسلحة الذكية، منذ توقع اتفاقية التعاون التكنولوجي المتعلق بالقضايا العسكرية عن طريق التحالف الإستراتيجي العميق في العلاقات الروسية- الصينية وتنميتها وتطويرها من قبل رئيسي البلدين. فأقاما مشاريعَ مشتركة لإنتاج الطائرات المقاتلة وأفادت الصين في بناء مفاعلاتها النووية من الخبرات الروسية، وفي تجهيز جيشها، وتعدّ اليوم ثاني مورّد للأسلحة منها.
لقد نجحت حركة المقاومة في تمكين البلدين من التأثير في النظام السياسي الدولي القائم. فيتدخلان في الأزمات الدّولية ويمنعان الولايات المتحدة من توجيهها لخدمة مصالحها الخاصّة دونا عن غيرها، كما هو الحال في الأزمة السورية وقضية الملف النووي الإيراني.ويظهر هذا التحالف العسكري جليّا في تنسيق المواقف بين البلدين في استهداف نظام الدرع الصاروخي الأمريكي أو في عديد المناورات المشتركة بينهما، بداية من سنة 2000. منها تنفيذ سيناريو لمواجهة هجمات إرهابية والقيام بمناورات في بحر اليابان وأخرى في بحر الصين الشرقي وثالثة في البحر الأبيض المتوسط ورابعة في المحيط الهادي.
وفي هذه المناورات يمكننا أن نستنتج استنتاجين كبيرين على الأقل. فهذا التّحالف يقدّم نفسه نظيرا للتحالف الأمريكي الياباني أولا ويدفع الصّين إلى التّخلي عن انعزاليتها العسكرية لترسل أساطيلها إلى المحيطات البعيدة عنها لتشكّل غطاء قوة لاستثماراتها التي باتت تنتشر في كلّ أنحاء العالم. أما على المستوى الأمني فيتجلّى هذا التحالف في اعتماد البلدين لرؤية منسجمة تنطلق من واقعهما. فتم إمضاء اتفاقية عدم انضمام أي منهما إلى تحالفات عسكرية تهدد نظيرتها. ودعمت الصين روسيا سياسيا في مواجهاتها مع الناتو.
ـ 6 ـ
للتحالف الاستراتيجي الروسي الصيني إذن أبعاد إقليمية وأخرى دولية. فرؤية البلدين للنظام الدولي وتحدياتهما المشتركة تمثل دوافعه المحركة. ومع ذلك ينزّله الباحث ضمن ما يشهده العالم من التفاعلات لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية وضبط معالم النظام السياسي الدولي القائم. ويقدّر أنّ معطيات النظام السياسي الدولي راهنا تعدّ مؤشرا على بداية تحول العالم وتنامي قدرات دول كبرى منها روسيا الاتحادية التي تعد وريثة الاتحاد السوفيتي والصين ذات الطّموح والآفاق الكبيري.
وعبر هذا التحالف يعمل البلدان سويّةً على مزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق نفوذها. وهذا مؤشر قويّ يجعلنا نستشرف بروز قوة دولية وقطبية جديدة قد تهدد نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وقد تنجح في أن تنتزع منها هيمنتها على النظام العالمي.
وينتهي الباحث إلى أنّ التحالف الإستراتيجي الروسي الصيني ليس اختيارا في حقيقة الأمر. فهو يعد أمرا ضروريا لكل منهما. فروسيا قوة مهمة، تحمل على كاهلها تاريخ الاتحاد السوفييتي وتستلهم منه الحافز لتطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية بما يسمح لها بالوقوف بندية أمام الولايات المتحدة الأمريكية من جديد. والصين بما لها من ثقل اقتصادي وديمغرافي وعسكري متنام تسعى إلى الوصول منازعة الولايات المتحدة الأمريكية في صفة القوة العظمى وفي مكانتها الدولية. ومن حلمها هذا تستمدّ عزمها على تطوير اقتصادها وقد بات يحتلّ المرتبة الثانية عالميا مستفيدا من مبدإ الصعود السلمي للوصول إلى مصاف الأقطاب الدولية.
لقد نجحت حركة المقاومة في تمكين البلدين من التأثير في النظام السياسي الدولي القائم. فيتدخلان في الأزمات الدّولية ويمنعان الولايات المتحدة من توجيهها لخدمة مصالحها الخاصّة دونا عن غيرها، كما هو الحال في الأزمة السورية وقضية الملف النووي الإيراني.
ـ 7 ـ
يخوض هذا الكتاب في موضوع مهم، على مستوى السياسة الدولية. وهذا وحده يمثل مصدر تميّز وحافزا لقراءته والإفادة منه. ولكنه لم يسلم من هنات كثيرة، فرغم أنه صادر سنة 2024:
ـ يعرض أرقاما قديمة جدا تعود إلى بدايات القرن الواحد والعشرين مما يحدّ من دلالتها على الوضع الرّاهن الذي يتغيّر بنسق سريع جدّا.
ـ لم ينزّل الكاتب هذا التحالف كفاية ضمن بحث روسيا عن مجدها الزائل بتفكّك الاتحاد السوفييتي. ولم ينزّله ضمن مشروع الصين الكبير "حزام واحد- طريق واحد" أو "طريق الحرير الجديد"، ذلك المشروع الاستثماري العالمي الضّخم الذي يتضمّن مشاريع للبنية التحتية تتضمن طريقا بحريا وآخر بريا وسككا حديدية وخطوط طيران وأنابيب لنقل المواد البترولية تصل مختلف أنحاء العالم وتستهدف تغيير خارطة العالم الاقتصادية والثقافية والسياسية والذي يمتدد لعشرات السنين فيعكس التخطيط الصيني الطويل الأمد ولم ينزّل الجانب العسكري منه ضمن عمل الصّين على زيادة حضورها العسكري لحماية استثماراتها في شتّى أنحاء العالم ولم يشر بعمق إلى هذا الإجراء غير تقليدي لبلد كان يختار الانعزالية العسكرية ويتّجنب التورط في الصدامات الدولية.
ـ لم يشر إلى الصدام في أوكرانيا ودور الصين فيه (موقف الصين في المنتظم الأممي مثلا). فرغم هذا التحالف ظلت الصّين تناور. فلم تساند روسيا (وإن صرّحت مرارا بأنها تصرّح مرارا برفضها الإلقاء باللائمة على روسيا وحدها وتدعو باستمرار إلى أخذ الانشغال الأمني الروسي بعين الاعتبار).
ـ مثّلت الحرب الروسية الأوكرانية اختبارا صعبا لهذا التحالف، فقد وضعت الصين أمام مسؤوليتها لفرض احترام القانون الدّولي بالنّظر إلى امتلاكها لحق النقض. وفي الآن نفسه فرضت عليها الحفاظ على علاقتها القوية بروسيا. فكشفت أنّ التحالف بين البلدين يبقى ضعيفا محكوما أكثر بالإستراتيجية الصينية وهي عدم التورط في النزاعات الدّولية والاستفادة منها للحصول على الطاقة بطريقة بخسة دعما لاقتصادها المتنامي بنسق سري.
هذه المعطيات جميعا غابت عن عمل الباحث لأنه ظلّ منشدّا إلى مصادر قديمة. ففوّت على نفسه فرصة تعميق أثره وترهين رؤيته لهذا التحالف.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب الصيني روسيا العلاقات الصين روسيا علاقات كتاب عرض كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة الأمریکیة النظام السیاسی الدولی التحالف الإستراتیجی الروسی الصینی لهذا التحالف هذا التحالف بین البلدین الصین فی هذا الت فی الن من قبل
إقرأ أيضاً:
عبد الفتاح البرهان: بين التحالفات المتعددة والعداوات المتجددة (1)
المقدمة
سعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يكن جزءًا من الثورة ضد نظام عمر البشير. إلا أنه، بعد اندلاع الثورة، وجد نفسه ملزم بأن يقوم بأدوار رئيسية داخل المشهد السياسي السوداني اختارته ولم يختارها. بعد عزل الرئيس عمر البشير، كلف كبار الضباط الذين نفذوا الانقلاب, كلفوا البرهان بان يبلغ الرئيس البشير بقرار عزله من الحكم. بعد أسبوع من تلك الحادثة، تم اختيار البرهان نفسه لأن يكون الرئيس البديل لابن عوف، الذي كان قد تولى السلطة مؤقتًا بعد الإطاحة بالبشير.
تم التوافق على ترشح البرهان لمنصب الرئيس بواسطة ثلاثة أطراف رئيسية هي: قائد الانقلاب ابن عوف، قوى الحرية والتغيير (قحت)، قائد الدعم السريع. وعليه، وجد البرهان نفسه رئيسًا للجمهورية دون أن يسعى إليها، ووجد نفسه ملتزمًا بالتعامل و التوافق مع هذه القوى التي رشحته وممثلًا للثورة في الداخل والخارج، و ملتزما بتنفيذ برنامجها مثل محاربة الإسلاميين. هذه الديناميكيات كانت ضرورية لفهم كيفية تعامل البرهان مع هذه الأطراف المختلفة وكيف تحولت علاقته مع كل جهة منها. يظل البرهان هو الشخصية المحورية في تحديد حاضر ومستقبل السودان الا ان مساره السياسي مليء بالتحولات والانعطافات، ومن المهم أن نفهم كيف تعامل البرهان من خلال هذه التحولات مع مختلف القوى السياسية والعسكرية في السودان، بما في ذلك قوى الحرية والتغيير (قحت)، الدعم السريع، والإسلاميين، وصولًا إلى تحولات الحرب الأخيرة التي أظهرت جوانب جديدة في شخصيته السياسية والعسكرية.
*أولا الصفات الشخصية للبرهان:*
يتمتع الفريق اول عبد الفتاح البرهان بعدة صفات شخصية معقدة ومرنة وهي محل اجماع بين مؤيديه و معارضيه معا. احاول ان اقدم بعض هذه الصفات و مدى تاثيرها على طريقته في الحكم.
1/ الخداع الاستراتيجي: بهذه الصفة أظهر البرهان قدرة فائقة على التعامل مع مختلف الجبهات وتحقيق أهدافه بعيدًا عن الأنظار، مما قد يكون مفيدًا في بيئة سياسية معقدة. ولكن نظر اليها البعض على أنها سلبية تؤدي إلى فقدان الثقة و ان الشخص لا يُظهر حقيقته للآخرين.
2/ الغموض والكتومة: بهذه الصفة استطاع البرهان الحفاظ على مسافة مع الآخرين، واحتفظ بيقدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية او الادلاء بتصريحات هامة بعيدًا عن التأثيرات الخارجية مهما كانت الانتقادات مثل غياب الشفافية او غيرها.
3/ التعامل مع المتناقضات بهدوء وذكاء: يُعتبر البرهان قادرًا على التكيف مع الظروف المتغيرة و الموازنة بين المواقف المتناقضة برونة تامة، وهذه مهارة شخصية ساعدته على التعامل مع بيئة مليئة بالصراعات و التعامل مع المجموعات المختلفة أو التغيرات المفاجئة.
4/ القدرة على اللعب بـ “البيضة والحجر”: اي للبرهان للقدرة على اتخاذ مواقف مزدوجة أو متوازية، و البقاء في منطقة الوسط حتى وان كان في حالة صراع علني. مم امكنه من الحافظ على تحالفات متعددة او حتى امكانية العودة لتحالفاته السابقة او انهاء او تغيير او تبديل كل التحالفات. قد يؤدي هذا التكتيك إلى عدم الوفاء الكامل للمبادئ أو الوعود.
/ الفطنة، الذكاء، الصبر، التخطيط، والشجاعة: هذه مجموعة من الصفات القيادية الهامة، التي ساعدت البرهان على التفكير بعيدًا عن اللحظة الراهنة والتخطيط في قضايا معقدة خاصة حرب الكرامة التي اكسبت البرهان ثقل جماهيري نادر و اجعلته في مصاف الابطال الوطنيين الذين حققوا الانتصارات لشعوبهم رغم التحديات الكبيرة. وليس اعتمادا على المعايير المادية وحدها لكن بسب الصفات الشخصية للقائد خاصة الصبر و الشجاعة والذكاء و التخطيط.
بشكل عام، يجمع الراي العام على أن البرهان شخصٌ ذكي، استراتيجي، وواقعي في تعامله مع الظروف المتغيرة. ولكن، يمكن أن تكون هذه الصفات من وجهة نظر اخرى سيفًا ذا حدين. فبينما تمنحه القدرة على النجاح في بيئة مليئة بالصراعات، قد يؤدي تكرار هذه التكتيكات إلى فقدان الثقة أو استياء حتى من الأطراف المتحالفة باحساسها بالخادع أو عدم الشفافة.
المفتاح في تقييم شخصيته يكمن في مدى قدرة هذه الصفات على تحقيق الأهداف الوطنية والتعامل مع الضغوط المحلية والدولية بنجاح, كما ظهر ذلك جليا في حرب الكرامة و لكنه اخفق في تحقيق الاهداف الوطنية في حالة التحالفات السياسية. فهل تكرر التجربة نفسها بعد حرب الكرامة؟
*ثانيا علاقة البرهان مع قحت من التحالف الى العداء*
بدأت علاقة البرهان مع قوى الحرية والتغيير (قحت) عندما اختارت قحت البرهان ليكون رئيسًا للسودان بديلًا عن الرئيس البشير وابن عوف. وتوجت هذه العلاقة بتوقيع تحالف بين الطرفين تحت برنامج “الوثيقة الدستورية”.
استمر هذا التحالف لمدة ثلاث سنوات، لكن فشل في تحقيق أهدافه ليس لأي سبب يتعلق بالبرهان، بل بسبب سياسات قحت نفسها، وتحديدًا عدائها للإسلاميين الذي بدد طاقتها الذهنية والنفسية والاقتصادية والسياسية, مما جعلها مطية للقوى الخارجية علها تكيبها شرعية او نجاحات اقتصادية دون أن تحقق أي مكاسب بل كانت فترة حكمها كلها اخفاقات. مما افقدها مع مرور الوقت مكانتها وسمعتها وشعبيتها، وكل رصيدها السياسي. ولهذا السبب أصبح تحالف قحت مع البرهان عبئًا على البرهان نفسه، مما أدى إلى توتر العلاقة بين الطرفين عبر تبادل الاتهامات والضغوط، حتى وصلت العلاقة إلى طريق مسدود في 21 أكتوبر 2021، اتخذ البرهان قرارات وصفتها قحت بالانقلاب، بينما اعتبرها البرهان قرارات تصحيحية.
هنا تظهر الصفات التكتيكية للبرهان في تحالفاته, حيث قام بتغيير جزئي يتمثل في إخراج قحت من التحالف واستبدالها بحركات دارفور الموقعة على اتفاقية سلام جوبا، مع الالتزام ببرنامج ثورة ديسمبر والوثيقة الدستورية, دون ان يعلن عن حكومة جديدة او برنامج جديد او مرحلة جديدة مع وعود متكررة بتشكيل حكومة تكنوقراط بعيدا عن المحاصصة الحزبية. مرت السنوات وحتى كتابة هذا المقال لم يتم الاعلان عن تكوين هذه الحكومة مما ترك المشهد السياسي في حالة فراغ إلى حين تشكيل حكومة تكنوقراط
استمر هذا الفراغ السياسي، ومع نشاط المخابرات الدولية قادت لجنة السفراء الرباعية للسفراء, مبادرة لإعادة التحالف بين قحت والبرهان. وهنا تظهر ذات الصفات التكتيكية ووقع البرهان اتفاقا جديدا مع قحت تحت اسم الاتفاق الإطاري، رغم العديد من الألغام السياسية التي يحملها مثل إعادة لجنة التفكيك وإعادة قحت إلى سدة الحكم. و مرة اخرى فشل هذا الاتفاق ولم يرى النور والسبب ايضا لا يتعلق بالبرهان اي البرهان وقع وكان على استعداد للمضيء قدما في الاتفاق ولكن السبب الذي افشله يعود الى طمع كل من قحت واللجنة الرباعية في تحقيق المزيد من المكاسب السياسية و تحجيم دور البرهان و مؤسسة الجيش، بل حاولوا ابتزاز البرهان ومحاسبته باأثر رجعي على قرارات 21 اكتوبر بعدا أن ضمنوا توقيعه على الاتفاق الإطاري،بل تجاوزا البرهان نفسه وشرعوا في اجراءات تفكيك الجيش أو إعادة هيكلته.
هنا، وجد البرهان نفسه تحت ضغط مزدوج: من جهة، ضغوط قحت واللجنة الرباعية للمضيء قدما في الاتفاق، ومن جهة أخرى، ضغوط الجيش والرأي العام الرافض مطلقا للاتفاق الاطاري من حيث المبدا المحتج على توقيع البرهان عليه. هذا الضغط المتزايد أدى بقحت و الرباعية السفراء بان يستخدموا الدعم السريع كأداة لاخضاع الرهان و صرح نائب ثاني الدعم السريع مخاطبا البرهان: (سلم السلطة دون لف او دوران) مما ادى إلى اندلاع الحرب التي صرح حميديت في يومها الاول ان هدفه هو قتل البرهان.
الخلاصة في علاقة البرهان مع قحت هي أن البرهان وقع مع قحت تحالفين: الأول “الوثيقة الدستورية” والثاني “الاتفاق الإطاري”. من حيث المبدأ، قد يكون البرهان مستعدًا في أي لحظة لتوقيع تحالف مع قحت، مهما كانت التحديات او الىعتراضات التي قد يواجهها من الجيش أو الرأي العام أو حتى من الإسلاميين او حتى و ان كان هذا التحالف عاجزا عن تحقيق اي انجاز ماموس. السبب في ذلك هي اسباب تكتيكية. يعتقد البرهان أن تحالفه مع قحت قد يمنحه الشرعية الدولية التي ظلت هاجسه الاساسي على الدوام عله من خلالها قد يتمكن من إيجاد حلول للأوضاع الداخلية اعتمادا على أدواته المحلية وصفاته الشخصية كما ظل يفعل.
*ثالثا التحالف بين البرهان و الدعم السريع*
قدم البرهان العديد من التنازلات القاسية جدا و المغريات الكبيرة جدا في سبيل ان يكسب هو ثقة قائد الدعم السريع وان يخلق معه تحالفا استراتيجيا متينا لا تهزه المغريات الاخرى ولا تخترقه المخابرات ولا تتخلله الشكوك. وقد ظلت هذه التنازلات مثار جدل كثيف في الراي العام المحلي و الدولي. نتناول هذه العلاقة وتقلباتها المختلفة في هذه الجزء من المقال
النازلات من جانب البرهان
التنازل الاكبر هو ان البرهان قد ضحى بوحدة القوات النظاميةع بالغاء المادة التي تجعل الدعم السريع تابعا للجيش مما فتح الباب لقائد الدعم السريع للتفكير والتصرف باستغلال امكاناته العسكرية والمادية وعلاقاته لتحقيق طموحه السياسي و بناء تحالفات داخلية وخارجية باستقلالية تامة. كما قام البرهان بحل هيئة العمليات القوة لجهاز الأمن، وكذلك احال عددا كبيرا من كبار الضباط في الجيش فقط بسبب اعتراضهم على تمدد الدعم السريع وتنبؤهم بخطورته على مستقبل البلاد. تعرضت سمعتة البرهان ومكانته داخل الجيش وفي الرأي العام للاهتزاز دون ان يغير سياساته او يحد من تنازلاته تجاه الدعم السريع. ولكن مهما كانت المزايا اثبتت الايام خطا تقديرات البرهان في علاقته مع الدعم السريع و التنازلات التي قدمها لقائده.
المزايا والعيوب لتحالف البرهان مع الدعم السريع:
من ناحية، كان تحالف البرهان مع الدعم السريع خطوة استراتيجية ذكية وضرورية، حيث أتاح له وجود طرف ثالث بينه وبين قحت, وموثوق فيه بين الطرفين، وهو ما ظن انه يمكن أن يعزز به سلطته العسكرية والسياسية فلصالح استقرار البلاد و صالح تحالف مستقر مع قحت و شرعية ممنوحة من الخارج. لكنه في نفس الوقت كان يشكل مخاطرة، حيث يضعف هذا التحالف من وحدة الجيش السوداني ويحوله إلى جيشين متوازيين يمكن استغلال التوترات بينهما، من قبل القوى الدولية, مما قد يؤدي في النهاية إلى تهديد الاستقرار الوطني.
نقض التحالف من قبل الدعم السريع:
وضع الدعم السريع البرهان في موضع صعب للغالية حينما قرر نقض التحالف بينهما وتبني برنامج قوى الحرية والتغيير الذي يدعو إلى تفكيك الجيش وإعادة هيكلته. هذا التحول يعكس خطأ رهانات البرهان في تحالفه مع الدعم السريع.
الصراع المفتوح مع البرهان:
قرار الدعم السريع بشن الحرب على البرهان في صراع مفتوح تم استغلاله و تغذيته من جهات اخرى وتطويره الى حرب مفتوحة ضد المجتمع وضد الدولة لتحقيق اهداف خارجية بحتة بعيدة كل البعد عن كل ما كان يدور على الساحة من تحالفات سابقة.
الاستنتاج:
تقييم العلاقة بين البرهان والدعم السريع يظهر أن التحالف كان يحمل في طياته مخاطر كبيرة، بالنظر إلى طبيعة الدعم السريع كقوة عسكرية شبه مستقلة. من جانب البرهان، كانت التضحيات التي قدمها تهدف إلى ضمان استقرار التحالف، لكن عدم استقرار العلاقة مع الدعم السريع، وعدم وضوح أهداف الأخير، جعل التحالف كارثة يدفع ثمنها الجميع. مما يبرز سؤال مهم عن مدى مقدرة البرهان على بناء تحالفات مفيدة و محصنة وقادرة على الوصول الى بر الامان، خاصة في ظل التوازنات السياسية والعرقية والعسكرية المعقدة للغاية. وهو سؤال يتعلق بالمستقبل بناءا على تجربة الماضي و الحاضر.
د. محمد عثمان عوض الله
إنضم لقناة النيلين على واتساب