"حلف الأعباء" على كاهل الإيرانيين
تاريخ النشر: 7th, October 2024 GMT
طفقت حكايات بعد الحرب العراقية – الإيرانية تقدم أسباباً لإندلاعها. قال العراق آنذاك إن التحرشات الإيرانية بمخافره الحدودية سبقت الرد الواسع من قبل الجيش العراقي يوم 22 سبتمبر (أيلول) 1980.
ورغم أن القيادة الإيرانية في حينها -وحتى يومنا هذا- تتهم العراق بشن الحرب، إلا أن بعض الشهادات أو الحكايات عن تلك المرحلة تقول إن بعض العناصر المنفلتة من القوى الثورية الإيرانية قامت بضرب المخافر العراقية بالمدفعية والهاون والأسلحة المتوسطة، من دون علم أو إذن القيادة الإيرانية.
ما حدث بعد ذلك أكثر من معروف. وجدت إيران نفسها في حرب مفتوحة مع العراق استمرت ثمانية أعوام. وسواء أكانت تلك العناصر المنفلتة مأمورة من القيادة الدينية العليا في طهران وقم آنذاك أم غير مأمورة، فإن إيران دفعت الثمن. ومن دون أي شك، فإن كل ما نشهده اليوم من كوارث إقليمية يرتبط -بشكل أو بآخر- باندلاع الحرب العراقية – الإيرانية وتراكم نتائجها.
ثمة شبه لما يحدث الآن من حرب انطلقت في غزة وتمتد إلى لبنان ومرشحة للتوسع الإقليمي نحو سوريا والعراق واليمن، ثم الوصول إلى إيران نفسها. عندما شنت حماس عملية “طوفان الأقصى”، تملص الإيرانيون من مسؤولية القرار. ومثلما لم نجد ردا على سؤال: كيف وصلت الأسلحة الثقيلة إلى أيدي العناصر المنفلتة من الحرس الثوري عام 1980؟ فإن إيران لم ترد يوما على سؤال: كيف وصلت الصواريخ والمسيرات الإيرانية إلى يد حماس “المنفلتة”، حيث استخدمها يحيى السنوار، رجل إيران الصاعد في حماس والمتحكم في سلطتها بغزة؟ وإذا كانت حماس منفلتة وتصرفت من تلقاء ذاتها، كيف يمكن أن يتكرر الأمر ويقرر حزب الله، وهو القوة الأكثر فاعلية وتنظيما والتزاما في حلف الميليشيات الولائية، أن يشارك بعد يوم واحد من انطلاق “طوفان الأقصى” في المواجهة التي أطلقت إيران عليها اسم “وحدة الساحات”؟ إن “وحدة الساحات” هي دليل الالتزام والانضباط كما لمسناه من أفعال الأطراف البعيدة، أي الحشد الشعبي من العراق والحوثي من اليمن، ولا تمت بصلة إلى فكرة القرار المستقل لحزب الله. حزب الله آخر من ينطبق عليه توصيف قوة منفلتة تتصرف بقرارها الذاتي، أي قرار أمينها العام حسن نصرالله.
خرجت إيران من الحرب العراقية – الإيرانية بهزيمة شديدة الوطأة بشريا واقتصاديا. ولعل أول درس تعلمته القيادة الإيرانية من تلك الحرب هو أنها لن تحارب بشكل مباشر بعد الآن، وأن عليها تجهيز حزام بشري مسلح من الموالين لها طائفيا يتولى مهمة الحرب نيابة عنها.
كان حزب الله هو البداية المبكرة، والذي رافقت صعوده مجريات الحرب العراقية – الإيرانية، وأيضا قوات بدر والمجلس الثوري العراقية التي حاربت إلى جانب إيران ضد بلدها. وفتحت هزيمة العراق الإستراتيجية في حرب الكويت الباب للاستثمار في قوى اجتماعية متذمرة بعضها شيعي كما في البحرين، وبعضها الآخر شبه شيعي كما حال الحوثي الزيدي في اليمن. وبسقوط بغداد وانهيار نظام صدام حسين، أتيحت لإيران فرصة ذهبية لاستغلال الانسحاب العربي من العراق وتخبط قوات الاحتلال الأمريكية والعمل على تأسيس نقطة ارتكاز طائفية هي الأهم اليوم لما يمتلكه العراق من قدرات بشرية ومادية.
اختبرت إيران حزامها الطائفي في العراق وسوريا واليمن بنجاح. وكانت قد تأكدت أكثر من قدرات حزب الله بعد أن حسم السيطرة على لبنان عام 2008، ثم أبهرها الحزب بما فعله في الحرب الأهلية السورية وقتاله إلى جانب نظام الأسد. ولم تقلق من التنبيهات التي كانت إسرائيل تقوم بها من حين إلى آخر بمهاجمة نقاط نفوذ وتجميع للسلاح إيرانية في سوريا. إسرائيل لم تتدخل في الحرب السورية ولم تضرب أهدافا إيرانية أو ميليشياوية إلا في مراحل متأخرة من الحرب وبغرض التخويف.
بالتوازي مع التمدد الإيراني الإقليمي بالمنطقة استثمرت إيران في الجناح المتشدد في حماس، وتمكنت من أن تنتزع السيطرة من قوى “الاعتدال” في الحركة. وجربت بين الحين والآخر قدرتها على السيطرة على حماس طالبة منها أحيانا القيام بعمليات تتحدى الإسرائيليين، وشهدنا الكثير من المواجهات المحدودة التي انحصرت في رشقات الصواريخ من غزة والقصف الإسرائيلي للرد عليها. لا بأس من تزامن التصعيد بين الطرفين مع التصعيد في الملف النووي الإيراني.
زاد اطمئنان الإيرانيين لقوة الردع التي توفرها لهم الميليشيات الموالية، وصولاً إلى “طوفان الأقصى”. هذه العملية كانت نقطة تحول كبرى في المنطقة لا تقل أثرا عن غزو العراق عام 2003. أخطر ما حدث في ذلك اليوم هو اقتناع الإسرائيليين بأنهم دفعوا مقدماً فاتورة القتلى والمحتجزين بعد مقتل 1200 إسرائيلي واحتجاز المئات. الخوف من الخسائر الذي شكل أساس العقيدة العسكرية الإسرائيلية انتهى يومها.
ذهبت إسرائيل إلى غزة وهي تقصف بشكل هستيري وكأنها تقول لحماس إن ما بيدك من محتجزين محسوب على الخسائر مقدماً، وإنهم إذا ماتوا في القصف، فلن يتغير شيء. وتكرر الأمر في شمال إسرائيل عندما تقبل الإسرائيليون نزوح عشرات الآلاف من الكيبوتزات في الجليل، ومع خسائر مادية وبشرية تتراكم يومياً.
رتبت إسرائيل أمرها على أساس الانتهاء من تدمير غزة أولا، ثم الالتفات إلى حزب الله لتصفية حساب طويل معه. لا شك أن القصف الإسرائيلي على غزة كان مروعاً، لكن لم تكن فيه مفاجآت. المفاجآت الحقيقية حدثت في استهداف إسرائيل لحزب الله وتوجيه ضربات قاصمة له كان من اللافت أن آخرها هو القصف العنيف الذي تشهده الضاحية وجنوب لبنان بما يشبه ما حدث في غزة. قبل هذا القصف العنيف قتلت إسرائيل كل قائد في حزب الله لديه قيمة، وصولا إلى الرأس عندما نفذت عملية اغتيال أمين عام الحزب حسن نصرالله، بل وقتلت خليفته المسمى هاشم صفي الدين حتى من قبل أن يتسلم المنصب رسمياً.
لم يدمر الإسرائيليون المباني والبنى التحتية العسكرية لحماس وحزب الله وحسب، بل نسفوا المنطق الذي قامت عليه فكرة الحزام الطائفي لإيران والميليشيات التي ستقاتل نيابة عن الحرس الثوري وتحت إمرة المرشد الأعلى. ورغم أن الهجوم الإيراني الأول على إسرائيل قد تم تبريره بالرد على استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، إلا أن الميليشيات التابعة لإيران بدأت بمناداة إيران ومطالبتها بالتدخل لنجدة الفلسطينيين أولا، ثم انتقاما لسلسلة اغتيالات خطيرة مثل تصفية القائد في حزب الله فؤاد شكر أو رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية. ومع الضربة المتسلسلة الأخطر، من هجمة البيجر وقتل كل القادة العسكريين الأهم في التسلسل الهرمي لحزب الله وصولا إلى تصفية نصرالله، تحولت المناداة إلى استغاثة.
ردت إيران برشقة صواريخ تمكن بعضها من اختراق الدفاعات الإسرائيلية في مناطق غير سكانية، لكن الرد زاد من انكشاف إيران وأنهى تماما فكرة الردع، سواء الردع من خلال الطوق الميليشياوي المتعدد في أكثر من بلد، أو عبر الصواريخ المتاحة للميليشيات أو التي تطلقها إيران بنفسها. لا شك أن الخبراء الاستراتيجيين الإيرانيين يسألون أنفسهم الآن: هل ذهبت عشرات المليارات من الدولارات التي أنفقتها طهران طيلة عقود على تأسيس وتسليح طوق الميليشيات وإدامة حضورها اجتماعيا بمنظومة الخدمات والمدارس والمستشفيات، هل ذهبت سدى؟
إيران في موقف لا تحسد عليه. إنها ضحية خطب زعمائها وزعماء الميليشيات التابعة لها. حلفها يضعف يوميا، ليس فقط بعد دمار غزة وحماس، أو مقاتل قيادات حزب الله وتدمير الضاحية، بل إنها لم تعد قادرة على التعويل حتى على من تعتبرهم جزءا أساسيا من بنيانها الإستراتيجي. إيران لا شك مصدومة من قلة اهتمام سورية وتلميحات رسمية عراقية، أو من فعل غير مؤثر من مسيرة تطلقها ميليشياتها الولائية من العراق أو اليمن. من غير المهم أي نفخ أو تهويل تمارسه قنوات تلفزيونية مثل الجزيرة أو محللون يريدون أن يوهموا المشاهد بعكس ما يراه ويسمعه، فلا وجه للمقارنة بين كل ما أطلقه الحوثيون أو الحشد الشعبي على إسرائيل، وغارة من غارات تنفذها إسرائيل على موقع في غزة أو في الضاحية ببيروت. كل هذا، وإسرائيل تقول للتو قد بدأنا، ولا يزال الأمريكيون غير مهتمين بالتدخل المباشر.
ما بدأ حلفاً طائفياً يحرس الإيرانيين ويقاتل نيابة عنهم، صار اليوم حلفا للأعباء على كاهل المرشد والحرس الثوري وكل إيران. وكما دفعت إيران ثمناً باهظاً في الثمانينات عندما غامرت باستثمار ثورتها، تدفع اليوم أكثر بعد محاولتها استثمار “انفلات” الولائيين.
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: عام على حرب غزة إيران وإسرائيل إسرائيل وحزب الله رفح أحداث السودان الانتخابات الأمريكية غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية إسرائيل وحزب الله إيران وإسرائيل عام على حرب غزة غزة وإسرائيل الحرب العراقیة حزب الله
إقرأ أيضاً:
لا عليكم بجعجعة التصريحات : لن تحدث ضربات ولا حرب أميركية ضد إيران الآن!
بقلم : د. سمير عبيد ..
ملاحظة : لا تعطي رأيك استباقيا وتقول لي انت قلت هناك تفكيك لإيران .. اكمل قراءة المقال وسوف تعرف الجواب !
أولا : أن اي صدام عسكري بين ايران وأمريكا في الوقت الحاضر ونقصد خلال ثلثي عام ٢٠٢٥ لن يحصل (لا ضربات ولا حرب ) وما تسمعونه من تصعيد من جانب الرئيس الاميركي ترامب ضد إيران هو متفق عليه لاهداف سوف نوضحها في سياق هذا المقال القصير … فهناك تفاهمات بين طهران وواشنطن من خلال المفاوضات السرية والمستمرة بين طهران وواشنطن وحتى الساعة !
ثانيا : وهنا يُطرح السؤال الكبير وهو :-
فلماذا اذن يصعّد ترامب بالحرب ضد طهران هذه الايام ؟
الجواب :-
أ:-أن ما تسمعونه من ترامب ضد ايران هي ( مزايدات تاجر، مزيدات رجل أعمال ) الغرض منها خداع السعودية حصراً ومن ثم خداع دول الخليج ان الرئيس ترامب سوف يدمر إيران ويخلصهم منها ….والهدف هو (حلب السعودية بأكثر من ترليون دولار ) لا سيما وان زيارته للسعودية في الشهر الخامس من هذا العام .وهذا يعني سوف نسمع مزيد من التصعيد والعربدة والويل والثبور من ترامب ضد ايران لكي يذهب للسعودية وهو مهديهم المنتظر ( اي المنقذ والمدمر لعدوتهم التاريخية وهي ايران ) وحينها سيكون الحلب السعودي على اصوله !
ب:- معروف عن الرئيس التاجر ترامب ( دوما يطلب سقوف عالية ولكنه يوافق على السقوف التي هو يريدها ) … فالضغط على إيران في اقدس ملفين بالنسبة للإيرانيين وهما ( المشروع النووي + مشروع الصواريخ الباليستية ) لكي تُصعّد إيران بقوة ضد امريكا وتعطي لخطة ترامب اكثر اثارة و التي هدفها حلب السعودية.فغاية ترامب من ذلك
١- لاقناع السعودية بانه جاد تحطيم ايران والنظام الإيراني وعليها فتح خزائنها !
٢- ولكي تتخلى إيران عن ما تبقى من ما يسمى ب (محور المقاومة) في اليمن والعراق ( وهناك بوادر واضحة لتخلي إيران عن الحوثيين ويناورون بموضوع العراق )
ج:- وبالتالي لن تُضرب إيران في الوقت الحاضر اطلاقا . بل سوف يتعاملون معها عسكريا بعد حسم سيناريو ( تقطيع سلسلة محور المقاومة ومن ثم تكسير عظام المحور ” حلقه تلو الاخرى” وخروجه من السطوة الإيرانية تماما في لبنان وسوريا واليمن والعراق ) بعدها تكون الجبهة واحدة وهي إيران هنا سيكون التركيز على إيران بتحالف دولي تقوده امريكا وإسرائيل .
د:- فبعد تدمير حلقة ( الحوثيين ) في اليمن وإخراجهم من القبضة الإيرانية سيأتي الدور على الحلقة الإيرانية في العراق .وسوف يكون هناك تعامل خاص ومختلف مع المليشيات المسلحة وملحقاتها في العراق ( نعتذر عن الدخول بتفاصيل ماهو مخطط لتلك المليشيات ) ولكن الذي نؤكده ( سوف ينتهي نفوذ إيران في العراق بطريقة اسرع من طريقة طرد إيران ونفوذها من سوريا ) ..اي سيتم التغيير السياسي الجذري في العراق بنسبة ٩٩،٩٩٪ ولن تكون لايران اي بصمة في النظام السياسي الذي سيولد مابعد التغيير في العراق ( سينتهي النظام السياسي الهجين الذي تأسس في العراق عام ٢٠٠٣ ومثلما انتهى نظام كرزاي وأشرف غني في افغانستان ) !
ثالثا : اما موضوع ضرب إيران وحسم أمور نظامها السياسي فرأس حربة هذ السيناريو هي إسرائيل بدعم أميركي مفتوح وسوف يكون في الربع الاخير من 2025 وبتوازي مع السيناريو الموضوع لانهاء نفوذ وحقبة الرئيس اردوغان وحزبه ” حزب العدالة والتنمية ” في تركيا. ومعالم سيناريو التغيير في تركيا قد بدأ .وحينها سيتم الإعلان عن ولادة الشرق الأوسط الجديد وولادة معالم العالم الجديد !
رابعا :-نحن كعراقيين لا نسعى لاسقاط النظام الايراني وليس من مصلحتنا التدخل في هذا الموضوع .فهذا الموضوع يخص الشعب الايراني والمعارضات الإيرانية للنظام الإيراني /فهي ليست معركتنا/ . ..معركتنا الأصلية والتي لن نتنازل عنها هي (خروج إيران من العراق سياسيا واقتصاديا وامنيا ،وانهاء هيمنة الاحزاب والحركات السياسية والمليشيات الحليفة لإيران والحرس الثوري على القرار السياسي والاقتصادي والامني في العراق) وباختصار انهاء الهيمنة الإيرانية البغيضة والعنصرية على العراق !
نقطة نظام !
أن انهاء هيمنة حلفاء إيران على العراق ومقدراته باتَت تحصيل حاصل وبنسبة 99,99%.ومجرد وقت قصير وبطريقة لا تتوقعها إيران ولا يتوقعها اصحاب الشعارات والعنتريات حبايب إيران في العراق . وستكون بفترة اقل من فترة سقوط نظام شاوشيسكو في رومانيا عام ١٩٨٩ ( بدأت الثورة في رومانيا في 16 ديسمبر عام 1989 وانتهت في 22 ديسمبر 1989 )حيث تم القبض على شاوشيسكو وزوجته بعد هروبهما من العاصمة الى مدينة تارجوفيشت وهنا تم القبض عليهما وتم إعدامهما بمحكمة خاصة وسريعة شكلت على عجل!
الخلاصة بأختصار :-
١-لا ضربات عسكرية ثقيلة ولا حرب أميركية ضد إيران حتى الانتهاء من القضاء على حلفاء إيران في اليمن والعراق.. وبعدها سيكون الهدف المباشر هي إيران .وعلى رغم التنازلات الاسهالية التي باتت تقدمها إيران من تحت الطاولة لواشنطن وهي مستمرة حتى الساعة
٢-ونقولها بأمانة ان الصلاحية المعطاة لنظام طهران ونظام اردوغان قد شارفت على الانتهاء ولا رجعه في فيها …ومثلما انتهت صلاحية نظام حسني مبارك بمصر ،ونظام صدام في العراق، ونظام القذافي في ليبيا ،ونظام الشيخة حسينة في بنغلادش، ونظام أشرف غني في افغانستان ، ونظام بشار الاسد في سوريا …. الخ !
سمير عبيد
١ نيسان ٢٠٢٥