عين ليبيا:
2025-04-03@04:41:44 GMT

أية حقيقة؟

تاريخ النشر: 5th, October 2024 GMT

الحقيقة تلك الضالة التي ركضت خلفها العقولُ على مدى وجودِ الإنسان في هذا الكون. العلماء والباحثون والمفكرون والفلاسفة والأدباء، كلٌ قضى عمرَه بين الكتب، والمختبرات والمعامل، من أجل الوصول أو الاقتراب من إجابة عن أسئلة، نمت في عقله، حول أسئلة فكرية أو علمية.

المفكر والروائي والفيلسوف الإيطالي أومبيرتو إيكو، أحد الذين قضوا أعمارهم يجوبون طيات الزمن، وخطوات الإنسان الطويلة، بحثاً عن الحقيقة.

صدر مؤخراً كتاب باللغة الإيطالية بعنوان، «أية حقيقة؟» ضمَّ محاضرات ومقالات ونقاشات وندوات للمفكر الروائي أومبيرتو إيكو، الكتاب في 168 صفحة من الحجم المتوسط، لكنَّه يحتوي على عصارة مركزة، لفكر الرجل الذي يعدّ من رموز القرنين العشرين والحادي والعشرين، في الأدب والفلسفة والتعليم.

وُلد إيكو في مدينة ألكساندريا بشمال إيطاليا سنة 1932، في عائلة كبيرة. درس بكلية الآداب، وتخصص في فكر وفلسفة توما الإكويني، الذي يعدّ من كبار اللاهوتيين والفلاسفة في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، ورفعته الكنيسة إلى درجة القديس. درس الفلسفة اليونانية، وكذلك الدين والفلسفة الإسلامية عبر فكر ابن رشد. في تلك العصور ربطت الكنيسة الفلسفة بالهرطقة، وتعرّض الإكويني للملاحقة. اهتم أومبيرتو إيكو مبكراً بفلسفة الجمال في العصور الوسطى، على الرغم من أنها لم تحمل هذا العنوان آنذاك، لكنه وجدها في فكر الإكويني، وكانت أطروحته للدكتوراه عن توما الإكويني. انطلق إيكو في رحلته الطويلة وراء الحقيقة. اهتم بالسيميائية ودرسها وعلمها، وأضاف الكثير إلى مفهوم الهيرمونيطيقا، أو ما يمكن أن يطلق عليه التأويل. كتب الكثير عمَّا سمَّاه النص المفتوح، أي أن يكون القارئ شريكاً في النص المكتوب.

كتب إيكو الرواية، ونشر مؤلفات في الفكر والفلسفة، وكتب المقالات الصحافية، وقدم برامجَ في التلفزيون الإيطالي، وخاض الكثير من المعارك السياسية عبر وسائل الإعلام المختلفة.

في كل تلك الأعمال، كان سؤال الحقيقة، هو الحاضر دائماً.

روايته التي عبرت الآفاق، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وباعت ملايين النسخ في مختلف أنحاء العالم «اسم الوردة»، كانت الرحلة الطويلة في كهوف الزمن، وفي تضاريس العقول، والصراع البشري الممتد بلا حدود.

كتب إيكو، كل الأشياء تندثر، ولا يبقى منها إلا الأسماء. تلك الرواية التي جرى تحويلها فيلماً، تحركت في دوائر العصور الوسطى، مكتوبة بلغته. عجّت بالطلاسم والجرائم والغرائب، والحضور البوليسي، ولم تغب عن صفحاتها أنفاس السخرية. تحاور الديني مع الدنيوي في الدير الكاثوليكي الذي يعج بالغموض والصراع. الحقيقة كانت الميدان السري الغامض، الذي تدور فيه وحوله معركة، سلاحها الطمع والطموح.

في روايته التي حملت عنوان «العدد الصفر» اقترب إيكو إلى الأسلوب المباشر إلى حد كبير. العدد الصفر، هو النسخة التجريبية من الصحيفة، قبل صدورها، وعلى صفحاته تنشر أخبار عن أحداث لم تقع، وهنا تغيب الحقيقة، بفعل فاعل ومع سبق الإصرار. رواية أخرى لأومبيرتو إيكو «مقبرة براغ»، أطلق فيها العنان للخيال السياسي، وحشد فيها أحداثاً تاريخية، وبها اصطفاف لا يخلو من العنصرية والأحكام الضبابية. التجسس وبروتوكولات حكماء صهيون والخيانة والسامية. صارت الحقيقة قشة في غرفة مظلمة. بعد ذلك تطرف إيكو في الانحياز لإسرائيل والدفاع عنها بالقلم والصوت. هل كان ذلك تكفيراً عمَّا ساقه في روايته، «مقبرة براغ». زميله في الدراسة، وصديقه جاني إديتمو، كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية، وواجه إيكو في أكثر من مناظرة على وسائل الإعلام، ووضعه في موقف شديد الإحراج. قد تكون الحقيقة أحياناً، التي قضى إيكو عمره راكضاً خلفها، عصارة لزجة مراوغة، تفرّ من اليدين واللسان. في روايته «بندول فوكو»، يصب إيكو في الرواية، بأسلوب متحرك، رؤيته الفلسفية في المعرفة، التي تعبّر عن عدم الاكتمال في أي شيء. يتحرك البندول دون أن يصل إلى نهاية ما. إذ لا شيء يكتمل.

في كتاب «أية حقيقة؟» Quale Verita، يتحدث إيكو عن الكذب والتعالي، وفن إخفاء الحقيقة. في بعض وسائل الإعلام، وفي الخطابات التي يلقيها السياسيون، تسيطر الفاشية النفسية، ويصب التخويف والبطولة والحروب، في آنية الكلام والحروف، وتستحضر عقيدة ماني التي تضع النور في مواجهة الظلام، أي الخير في مواجهة الشر. تلعب الآيديولوجيا بالحقيقة، حيث تصبح الكلمات أقوى من الوقائع. استحضر إيكو دراسة الأستاذ الروسي فلاديمير بروب عن البنية الشكلية للحكايات الخرافية، واقترح صياغة بنية شكلية للكذب. وقف عند ما صدر عن بعض الزعماء السياسيين في العالم، مثل الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، في قضية ووترغيت، وما صدر عن رئيس الوزراء الإيطالي السابق بيرلسكوني في كثير من المواقف، وغيرهما. وتحدث عن السرقات الأدبية، وعما سمَّاه حروب الإنترنت على الحقيقة.

حصل أومبيرتو إيكو، على أربعين شهادة دكتوراه فخرية، وباعت روايته «اسم الوردة» أكثر من أربعين مليون نسخة. ضمت مكتبته خمسين ألف كتاب. قال في آخر أيام حياته، لم أقرأ ولم أتعلم شيئاً.

سئل أحد أصدقائه: لماذا لم يحصل إيكو على جائزة نوبل للآداب؟ أجاب: ربما كان يستحق جائزة أعلى منها. هل كان يقصد جائزة «الحقيقة»؟.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

المصدر: عين ليبيا

كلمات دلالية: إیکو فی

إقرأ أيضاً:

(مناوي) الذي لا يتعلم الدرس

الخطاب السياسي لمناوي هو خطاب مرتجل وعشوائي، لكنه يظل عينة مناسبة لفحص المرض، فخطاب مناوي نموذج مكشوف لمستتر مكنون خطاب السودان الجديد، وهو في حالته العارية بلا رتوش المثقفين وفي ذات الوقت بدون حس التعبئة والحشد، وسبب ذلك أن مناوي يرجو منه أن يكون خطابا سياسيا لحركته لكن الخطاب يأتي متفجرا وخطيرا، وخصوصا حين تضيف له حس الهزل والهذر عنده. أن صفة التفجر والعنف هي أصل الخطاب وحقيقته، وأظن مناوي جاهل بذلك ولكن يجب في كل الحالات أخذه بجدية.

فيما يخص مناوي نفسه فليس المقام مناسب لتحليل تام وطويل لحالته، ولكنه اختصارا عبارة عن رجل أعمال سياسي مسلح، يتحرك وفق منطق براغماتي نحو الدولة، حركته حركة عرقية تلبست لباس السودان الجديد وبذلك فهي تحالف مصالح نخبوي هدفه تحقيق العوائد من السياسة، وهذه الحالة يطول شرحها لأنها تختلف في صيغة مناوي البراغماتية عنها في صيغ الحلو وعبدالواحد، ومهما كان فصيغة مناوي قابلة للتسوية وهناك بعيدا ستجد ثوابت معقولة، وربما ارتباط أكثر بعناصر محلية. لكن في كل الحالات تظل هي ظاهرة تحالف مصالح عرقي مسلح لا يحمل أي صفة شرعية للحديث عن دارفور وتحتاج لإصلاح.

المهم بالنسبة لي هو مضمون الخطاب الذي قدمه، ولي فيه ثلاث نقاط، ثم ختام بخلاصة نهائية ونصيحة للرجل وحركته وأتباعه:

أولا: تفسير الصراع:
ثمة خلط مفاهيم كبير يحدث في عقل مناوي لأنه لا يملك فرصة للفهم، ولا يوجد من حوله من يساعده في ذلك، إن مفاهيم مثل لعبة الأمم والتدخل الخارجي واستغلال التناقضات الداخلية هي مفاهيم صحيحة، لكن من يقولها لا يمكن منطقيا أن يردد دعايات الآخرين حول وجود سياسات متعمدة عرقيا ويربطها بالشمال ضمنيا في حديثه، ولو فرضنا جدلا صحة الحديث المبتور عن زمن الإنقاذ، فما معنى ذلك سوى رغبة في ابتزاز الدولة من جديد. دعك عن أن حركة مناوي نفسها تقوم على علة قديمة، فهي حركة عرقية صرفة وارتكبت انتهاكات كثيرة أيضا بل وكانت تصنف جزء من الجنجويد أنفسهم كما أشارت الصحفية جولي فلينت في ورقتها الشهيرة، أيضا فإن اتفاق أبوجا الذي تحدث عنه مناوي ظلم عرب دارفور ومطالبته بنزع سلاح الجنجويد كانت جزء من دعاية غربية، وظفت مناوي ودعته لزيارة أمريكا ووقتها وكان هو قطعة في رقعة شطرنج أو (كلبا في لعبة الضالة) كما قال، كان مطلوبا نزع السلاح من الجميع وفهم مخاوف مجتمعات العرب هناك، وقد كان مناوي يتغاضى عن ذلك ويفكر في قسمة سريعة للسلطة والثروة فالنفظ وقتها كان وعدا بثمن غال وكان مدفوعا بمنظمات وجهات خارجية تساعده فنيا وسياسيا. إن مسألة العمالة لم يكن بعيدا عنها وهي كانت في نوع من التحالف مع مشروع غير وطني، على مناوي أن يعيد القراءة والنظر في تفسير الصراع والتواضع أكثر فمن كان بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بحجر، وهذا الفهم سيمنحه قدرة لتشخيص الأبعاد المركبة وفهم كيف أنه قبل يوما أن يكون أداة في يد الآخرين.

ثانيا:خريطة دارفور.
خريطة دارفور التي ظهرت في خطابه أيضا تثير استفزازا كان في غير محله، ومناوي يخدم بذلك خطوطا تقسيمية خطيرة، وحتى لو فرضنا أنه ظنها مسألة خلافية فما معنى بعثها اليوم؟ في الحقيقة فإن خريطة دارفور حدودها شمالا حتى خط ١٦ عرض وتبدأ جنوبا من خط ١٠ عرض، وشرقا حدودها خط ٢٧ ثم غربا حتى خط ٢٢. وأدناه صورة من كتاب موسى المبارك عن دارفور يعود بمصدره لبحث مهم عن تاريخ دارفور للبريطاني لامبن. G.D.Lampen بعنوان تاريخ دارفور. لكن المهم أن مناوي أن مناوي يظن أنه يتحدث بذكاء حين يقول أن أهل دارفور هم وكلوه بهذا الحديث، وهذا ابتزاز وتذاكي خبيث فمناوي لم يفوضه أحد ومن المهم له أن يكون أكثر تواضعا أيضا في هذا الأمر، لا يمكن له أن يتحدث عن السودان ككل وحين يأتي لدارفور يتحدث كأنه الصوت الوحيد.

ثالثا:مراجعات مطلوبة.
ما سبق هو مناقشة لماورد في خطابه لكن القصة أكبر من ذلك، مطلوب من مناوي وحركته مراجعات أعمق كنت قد طالبتهم بها من قبل، إن مسألة تحرير السودان، والأبعاد العرقية في التفسير، وابتزاز السلطة وعدم الوعي بالمخطط الخارجي كل ذلك يمنع تحول مناوي من براغماتي ذو بوصلة وطنية إلى وطني حقيقي، فالحالة الأولى قابلة للانتكاس في أي لحظة.

الختام:
على مناوي وحركته ضبط الخطاب جيدا، ويجب أن يترك طريقة الهذر والسخرية والارتجال والعشوائية وإدعاء الخفة والمرح، ليكون مسؤولا عن أفعاله وخطابه، المسألة ليست هذرا ولعبا بل مسؤولية وجد، وعلى أعضاء حركته ألا يكونوا مجرد حراس لمصالح وموظفين برواتب أمام مديرهم التنفيدي، بل عليهم مراجعة هذا المدير التنفيذي وتطوير وعيهم بهذه الأمور.

نقول ما سبق لأننا نؤمن إيمانا قاطعا، بأن ما يوحد السودان أعظم وما يجعل المصير مشتركا أكبر بكثير وأن كل مداخل التفكيك متشابهة كيفما كانت، سواء من الشمال أو الغرب أو الشرق، فإنها ستتوسل مفاهيم مضللة في تفسير الواقع، ثم وةتغذي هذه الحالات بعضها البعض بردود فعل ومتتالية هندسية تصاعدية تفكك البلد وتخدم الغير. مناوي إذا لم يتطور فهو جزء من هذه المتتالية وفي كل الحالات فإن مجتمع دارفور ومعنى وجودها في التاريخ السوداني كل ذلك أكبر من مناوي ومن حركته.

هشام عثمان الشواني
الشواني

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • ما هي حقيقة تقارير حَطبة جمع الفحم والثعابين؟
  • ما السيناريو الذي تخشاه روسيا بشأن أمريكا وايران 
  • ما الذي سيحدث؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
  • الجندي السعودي الذي إتفق الجميع على حبه
  • حقيقة الانفجار الذي حدث أثناء تصوير فيلم "The seven Dogs"
  • استمرار عمليات البحث عن ناجين وسط الدمار الذي خلفه زلزال ميانمار
  • حقيقة وفاة رفعت الأسد
  • ما حقيقة وفاة رفعت الأسد؟
  • هل تغيّرت نهاية “وتقابل حبيب” لإرضاء الجمهور؟ الحقيقة تُكشف
  • (مناوي) الذي لا يتعلم الدرس