عربي21:
2025-02-28@22:38:28 GMT

حتمية لجم الإرهاب الصهيوني المنفلت من عقاله

تاريخ النشر: 4th, October 2024 GMT

التحولات الاستراتيجية لدى محور المقاومة لطالما شكلت عاملا يعقّد المشهد الإقليمي لدى الإدارة الأمريكية، ويفقدها القدرة على ترميم الردع الذي تحاول أن تؤمنه دائما إلى جانب كيانها الصهيوني.

وجبهة إسناد غزة من لبنان إلى اليمن رفعت من التهديدات على الممرات الجيوستراتيجية وعلى مجمل المشاريع الاقتصادية الأمريكية في المنطقة.

وهذا ما دفعها إلى دعم عسكري واستخباراتي مطلق، ومشاركة فعلية في مواجهة حركات المقاومة لمساعدة إسرائيل على استعادة ما تعتقد أنه ردع استراتيجي، يعيد لها ترميم ما تحطم بفعل عملية طوفان الأقصى في تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي من قبل المقاومة في غزة المحاصرة. ذروة ممارسات إسرائيل وسياساتها تعبّر عن نية خلق وجود إسرائيلي دائم لا رجعة فيه في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولا يمكن للاحتلال أبدا أن يبرر للقوة المحتلة أن تكون بمثابة مصدر ملكية للأراضي، أو يبرر اكتسابها من قبل القوة المحتلة.

الاتهام بمعاداة السامية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أصبح مبرر الدعم الأمريكي لإسرائيل، على زعم أن الدولتين تواجهان تهديد الجماعات الإرهابية التي تنطلق من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ومجموعة من الدول المارقة التي تدعم الإرهابيين. وعلى هذا الأساس وبدعم أمريكي مطلق تشن إسرائيل، منذ 7 أكتوبر الماضي، حربا مدمرة في غزة خلّفت أكثر من 137 ألف شهيد وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 10 آلاف مفقود، وسط دمار هائل ومجاعة قاتلة.

وفي استهانة بالمجتمع الدولي، تواصل إسرائيل الحرب متجاهلة قرار مجلس الأمن الدولي بوقفها فورا، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير لمنع أعمال الإبادة وتحسين الوضع الإنساني الكارثي بغزة. هي تتلقى ردّا إيرانيا على عنجهيتها وعربدتها الأخيرة، وانتشائها بعمليات الاغتيال التي طالت حسن نصر الله، الذي لعب دور الزعيم الديني والاستراتيجي والقائد العسكري الأعلى لأكبر قوة مقاومة لإسرائيل في المنطقة.

مقتله، وهو شخصية بارزة بين القوى المعادية لإسرائيل في الشرق الأوسط، وجّه ضربة موجعة لحزب الله، الذي قاتل إسرائيل لعدة عقود. وهناك تداعيات لما حدث هذا مؤكد، وإن كانت الصورة التي تصدرها أمريكا وإسرائيل للعالم، أنّ الهجوم الإيراني لم يكن فعالا. وبالتالي هو استعراضي بنية غطاء رفع المعنويات وتخفيف الضغط على تأخر الرد، قد يكون هدف أمريكا ألا ترد إسرائيل، وهي تبدو غير مستعدة لحرب شاملة.

الدعم النادر في خريطة العلاقات الدولية، الذي يجعل واشنطن تلتزم بدعم إسرائيل لما يزيد عن سبعة عقود لن يتغير في حرب الإبادة، التي تتالى فيها مجازر كيان الاحتلال في حق المدنيين. كذلك اغتيال القادة وتغلغل إسرائيل في عملها الإرهابي دون رادع، وحين تستشعر خطر الرد تهرع للاستنجاد بالولايات المتحدة، وتستدعي مدمراتها وبوارجها الحربية لحمايتها.

ربما لو حدث رد ايراني إثر اغتيال إسماعيل هنية، ولم يتأخر كل هذا الوقت لما تجرأت إسرائيل على الخطوات التالية وكل ما حدث من اغتيالات.
إسرائيل تعتقد أن المقاومة سترتبك بعد تصفية قادتها، ولكنها تتوهم
إسرائيل تعتقد أن المقاومة سترتبك بعد تصفية قادتها، ولكنها تتوهم، فهذا لم يحدث في السابق ولن يحدث الآن. المقاومة ستعيد هيكلة نفسها وستكمل المسيرة وتحقق الإنجازات والانتصارات، ولن يهنأ المحتل الصهيوني بأفعاله الإجرامية في فلسطين ولبنان وفي أنحاء العالم العربي. وإن كان يقصف من الجو بأسلحة أمريكية فهو يفشل وينكسر ويتكبد الخسائر لو تجرأ على المواجهة البرية مع المقاومة اللبنانية، وستكون خسائره في مواجهات كهذه أكبر مما كبده إياها أبطال المقاومة في غزة. إنجازات المقاومة الفلسطينية في غزة واستمرار اشتعال الجبهة اليمنية واللبنانية منذ بداية الحرب الهمجية على الفلسطينيين، مقابل محدودية الإنجازات الإسرائيلية، ورغبة نتنياهو في عدم إيقاف الحرب والهروب إلى الأمام، جميعها معطيات جعلت الأمريكيين يعتمدون على آليات ترابط قوية مع العدو الصهيوني، تهدف من خلاله إلى تحقيق أهداف دون مستوى الدخول في وحل الشرق الأوسط. العمل الأمني والاستخباراتي المشترك مع الكيان، وإدارة الوقت بالتوازي مع العمل الدبلوماسي والتطورات الميدانية، وضبط جبهة الشمال، لحين انتهاء حرب غزة، وإدارة الهدن والصفقات الدبلوماسية على وقع التطورات الميدانية.

ماذا بعد الآن، هل باستطاعة أمريكا أن تدير الحرب الإسرائيلية بعد التطور الذي حدث في لبنان، وتمنع اشتعال المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة بعد الرد الإيراني؟

 نجح محور المقاومة بتنفيذ مبادرة استراتيجية عظيمة تركت تداعيات على وجودية كيان الاحتلال ومشروعه نحو فرض نفسه في المنطقة عبر مشروع التطبيع. وترك أيضا تأثيرات على المصالح الأمريكية في المنطقة.

تهشّم الدور الوظيفي الإسرائيلي نتيجة طوفان الأقصى، وعملية إدارة التصعيد دون مستوى الحرب يبدو أنها تنفلت من الجميع بما فيها أمريكا، التي يذهب مركز دراسات غرب آسيا إلى أن الدور الجزئي الذي نجحت واشنطن في تثبيته عبر اتفاقيات التطبيع والتفوق العسكري الإسرائيلي، تعرّض لضربة قوية مع الفشل الإسرائيلي وانهيار العقد الاجتماعي والردع الإسرائيلي على المستويات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية.

ما استدعى المبادرة والمسارعة الأمريكية لحماية الكيان. والأهم، أن التفوق العسكري الإسرائيلي، عقدة الاستراتيجية الأمريكية في ربط الدول العربية بالكيان مع الانكفاء الأمريكي النسبي نحو الشرق، تهشّم هو الآخر. تشكّل الصين بالدرجة الأولى ومن بعدها روسيا التحدّي الأول بالنسبة للولايات المتحدة على القيادة العالمية. حاليا الوضع الأمريكي أكثر قلقا من السابق بسبب الوقت المستهلك، والإمداد المستنزف دون تغيّر استراتيجي في مسار الحرب وتورط إدارة بايدن بالحملة على اليمن إلى جانب بريطانيا، ومشاركتها في الحرب على لبنان وحرب الابادة على غزة، وربما تصعيد عسكري مع إيران أيضا.

المشهد التصعيدي الأخير بتفاصيله المعقّدة والمتداخلة يُنتج خطرا على المصالح الأمريكية في المنطقة وكيانها الوظيفي الذي يعمل ضمن الأجندة الأمريكية. وكل خطوات تل أبيب تتم بعلم مسبق من واشنطن، وكل أعمالها الإجرامية تنفذ بسلاح أمريكي. الولايات المتحدة التي تعتقد أنها ستحيّد الشرق الأوسط نحو هيمنة استراتيجية لكيانها الصهيوني، وتهتم بالصراع مع روسيا وفي بحر الصين الجنوبي ومنطقة المحيط الهادئ، ستغرق مرة أخرى في مستنقع الحروب الفاشلة ومغامراتها التي تنتهي بالفشل كما حدث في السابق.

القدس العربي

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه غزة لبنان الاحتلال الولايات المتحدة لبنان الولايات المتحدة غزة الاحتلال طوفان الاقصي مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الأمریکیة فی الشرق الأوسط فی المنطقة تعتقد أن فی غزة

إقرأ أيضاً:

أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية.. الأسطورة التي يتداولها الفكر السياسي العربي!

الكتاب: أمريكا... "إسرائيل" الكبرى... التاريخ الحقيقي لأمريكا في العالم العربي
 الكاتب: د. عبد الحي زلوم
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2009 ـ عدد الصفحات 408

هل فعلاً أنَّ اللوبي الصهيوني يمتلك القدرة على توجيه القرار العام الخارجي الأمريكي، لما يخدم مصلحة "إسرائيل"، وليس أمريكا؟ وهل من الصحيح أن هناك سلطة أحادية الجانب في السياسة الخارجية الأمريكية، هي سلطة اللوبي الصهيوني، ولاسيما في الشق المتعلق بالشرق الأوسط تمارس ضغطاً مباشراً على الرؤساء الأمريكيين، حيث أن نجاح أو إخفاق أي رئيس أميركي يبقى مرهونا بأموال وأصوات اللوبي الصهيوني، كما تروج له الفكرة السائدة في العقل السياسي العربي؟

في سياق المحاولات لفهم طبيعة العلاقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية، كثيرا ما يجري تناولها من زاوية محددة، أو بنظرة أحادية الجانب، إذْ تحرص "إسرائيل" والحركة الصهيونية العالمية على تقديم صورة مضخمة لنفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية وهي تهدف من وراء ذلك تخويف أعداء "إسرائيل" وإظهار هذه الأخيرة بمظهر القوي المتحكم في القرار السياسي الأمريكي ليبدو وكأنه يتقمّص سمات الموقف الإسرائيلي بصورة لا يستطيع أحّد أن يفرّق بين صوت رئيس الوزراء الإسرائيلي من صوت الرّئيس الأمريكي في كل الأوساط الدّوليّة داخل وخارج الأمم المتّحدة.

وفيما درج الفكر السياسي العربي على إظهار الولايات المتحدة أمة تستحق الإشفاق، إذ إن قرارات هذه الدولة العظمى وتوجهاتها وسياساتها تصنع على يد الطباخين اليهود، حيث تستثمر "إسرائيل" هذه الصورة المضخمة لتيئيس العرب والمسلمين من إمكانية التأثير في الرأي العام الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية المنحازة إلى جانب الكيان الصهيوني، فإنَّه يهمنا من جانبنا أن نؤكد على أنَّ "إسرائيل" ليست إلا مجرد أداة أمريكية تقوم بدور وظيفي لحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما بعد أن شيعت الولايات المتحدة مبدأ مونرو لتخرج من عزلتها التقليدية إلى معترك الصراع الدولي، وتعاظم دور الأداة لتتحول إلى عصا غليظة لإخضاع شعوب المنطقة وتنفيذ المخطط الأمريكى فى الهيمنة. وتدحض الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنانفي عام 2006 بما لا يقبله الشك نظرية اللوبي الصهيوني، لأنَّنا وجدنا بأن أمريكا كانت أكثر حماسا لخوض "إسرائيل" هذه الحرب، وكانت متمسكة بإطالة أمدها العدواني، وذلك من أجل تقديم مساعدة لما يسمى بحرب أمريكا على الإرهاب. ف"إسرائيل" في تلك الحرب كانت تقوم بوظيفة حربية في خدمة استراتيجية الإمبريالية الأمريكية...

هل إنَّ اللوبي الصهيوني هو الذي يسير السياسة الأمريكية؟

ومع ذلك، فإن الدكتور عبد الحي زلوم في كتابه: أمريكا..."إسرائيل" الكبرى، يقدم لنا صورة مضخمة جدا عن اللوبي الصهيوني، إذ يقول: "من أبلغ المؤشرات على مدى ما يحظى به اليهود من نفوذ في الولايات المتحدة ما صدر عن المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأخيرة. فما إن ضمن باراك أوباما ترشيح الحزب له حتى: "حثّ الخطى إلى مؤتمر تعقده لجنة العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية AIPAC، أقوى جماعات الضغط الإسرائيلي في البلاد، وهناك ألقى كلمة كسر فيها سائر الأرقام القياسية المسجلة في إظهار الخنوع وممارسة التزلف على حد تعبير الكاتب وعضو الكنيست الصهيوني السابق يوري أفنيري في عموده المنتظم بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2008 وأضاف أفنيري: "انظروا كيف أن أول عمل أقدم عليه أوباما بعد ضمان ترشيح الحزب له كان التضحية بمبادئه.. وها قد أقبل أوباما زاحفاً وسط الغبار لينكب على أقدام "إيباك" ويخرج عن خطه المعهود في تبرير سياسة تناقض تماماً أفكاره التي طالما نادى بها".

الذي يهم فعلاً هنا هو وجه التشابه الكبير بين المشروعين الأمريكي والصهيوني، على المستويين: الروحي والمادي لدرجة يمكن معها القول إن: "إسرائيل" ليست سوى أمريكا الصغرى، وإن أمريكا هي "إسرائيل" الكبرى. وجدت في هذه الجملة أبلغ تعبير عن مضمون كتابي فوقع عليها اختياري كعنوان للكتاب..وجاء في مقالة أفنيري أيضاً القول: "الذي يهم فعلاً هنا هو وجه التشابه الكبير بين المشروعين الأمريكي والصهيوني، على المستويين: الروحي والمادي لدرجة يمكن معها القول إن: "إسرائيل" ليست سوى أمريكا الصغرى، وإن أمريكا هي "إسرائيل" الكبرى. وجدت في هذه الجملة أبلغ تعبير عن مضمون كتابي فوقع عليها اختياري كعنوان للكتاب".

تعمل اللجنة الأمريكية ـ الإسرائيلية للشّؤون العامّة التي تعرف اختصارا باسم "ايباك"AIPAC ، The American-Israel: Public Affairs Committee ، وتضم في عضويّتها عدّة منظّمات صهيونيّة مثل بناي بريث، وتعقد اللجنة مؤتمراً سنويّاً يحضره عدد كبير من الشّخصيّات الأمريكية السّياسيّة من مجلس الشّيوخ والنّوّاب وغير ذلك، تعمل على تضخيم دورالنفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال الصورة التي تقدمها في أجهزة الإعلام الأمريكية والعالمية على أساس أنها هي التي تتحكم بالقرار السياسي الأمريكي.

ويحاول اللوبي الصهيوني الموالي لـ "إسرائيل" داخل أمريكا أن يوهم الرأي العام العالمي، ولا سيما الرأي العام العربي، من أنه يمتلك قدرة خاصة على التأثير من خلال اتصاله برجال الإدارة والشيوخ والنواب وامتلاكه لقاعدة معلوماتية وإمكانيات التأثير على الحملات الانتخابية من خلال المساهمة في تمويلها.

وفي الحقيقة، فإن هذا التأثير في مجرى الانتخابات الأمريكية هو محدود جدا، لأن الذي يقررمصير الانتخابات الرئاسية هو المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة والاحتكارات النفطية الأمريكية، التي تأتي دائما بالرئيس المناسب الذي يخدم مصالحها في كل مرحلة تاريخية محددة.

ويستند اللوبي الصهيوني في تضخيم دوره لعدة عوامل أهمها مكانة دولة "إسرائيل" في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ودور القوة العظمى التي تقوم بها أمريكا اليوم والمرجعية الأيديولوجية ـ الثقافية الأمريكية والتي تنعكس في علاقة المجتمع الأمريكي بالجالية اليهودية القائمة على الإدماج والتبني والعلاقة الخاصة بالدولة الإسرائيلية.

لقد استطاع اللوبي الصهيوني أن يبني أوهاماً دعائية حول المصالح المشتركة بوصفها أساس العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرئيل"، وكيف هيأ دعاوى إعلامية وسياسية مغلوطة، هدفها إبراز قوة اللوبي الصهيوني هذا وكأنها هي التي تسير السياسة الأمريكية، وهذا ما يتناقض مع منطق الأمور وحقيقة السياسة الأمريكية، إذ كيف يمكن لإمبراطورية بقوة وجبروت الولايات المتحدة الأمريكية أن تسير بقوة لوبي معين، حتى لوكان صهيونيا.

لقد شاعت دائما مقولة في الدوائر العربية الرسمية بأن السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط يوجهها اللوبي الصهيوني الذي يصول ويجول ويرهب الساسة الأمريكيين لكي يقدموا دائما المصالح الإسرائيلية حتى لو تعارضت مع المصالح القومية الأمريكية.

ولكن لم تظهر دراسات تسلط الضوءعلى الحجم الحقيقي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن مثل هذه الدراسات تعتبر من المحرمات. والواقع أنه في مختلف المحطات كانت قوة اللوبي الصهيوني مستمدة من طبيعة النظام السياسي الأمريكي وليس في مواجهته، ومن حيوية شبكة العلاقات التي صاغتها مجموعة المنظمات التي تمثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ومن طريقة عمل النظام السياسي الأمريكي ذاته، لا من القوة الذاتية لهذا اللوبي التي تضخمها أجهزة الإعلام لأسباب سياسية وإيديولوجية، حتى تبث روح الاستسلام في العقل السياسي العرب.

لكن هذا اللوبي الصهيوني يكتشف يوما بعد يوم أنه لم يعد يقود اليهود الأمريكيين، كما كان يفعل في إيهام الرأي العام خلال العقود الماضية. فاليهود الأمريكيون يعلمون أن "إسرائيل" ليست الترياق الذي بإمكانها استخدامه لحل إشكالاتها الداخلية.

ويحاول الكاتب أن يقدم عدة شهادات تبرز الدور القوي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فيقول: "ولعل ما حصل مع اثنين من الأكاديميين الأمريكيين المعروفين مؤخراً ما يشكل مثالاً على طريقة عمل اللوبي اليهودي المناصر ل"إسرائيل" في الولايات المتحدة. فقد طلبت مجلة "أتلانتيك ماغازين"، من أستاذين من جامعة شيكاغو وجامعة هارفارد، إعداد دراسة عن اللوبي الإسرائيلي . وبعد عامين من العمل والبحث والتمحيص، أبلغهما رئيس التحرير بأن المجلة لن تتمكن من نشر الدراسة. وفي ذلك يقول البروفيسور جون ميشيمر: "عملنا على إعداد الدراسة على مدى عامين بالتعاون مع محرري "أتلانتيك ماغازين". وفي يناير/كانون الثاني 2005 أرسلنا لهم النص النهائي، الذي جاء منسجماً تماماً مع ما تم الاتفاق عليه ومتضمناً مقترحاتهم كافة. بعدها بأسابيع فوجئنا برئيس التحرير يبلغنا بأن المجلة قررت عدم نشر الدراسة".

قرَّر الأستاذان جون ميشيمر وستيفن وولت توسيع الدراسة وإعدادها للنشر ككتاب صدر عام 2007 بعنوان: "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" أوضح االمؤلفان في كتابهما بأن الفكرة الرئيسية التي شكلت موضوع الدراسة المرفوضة كانت بسيطة ومباشرة، وهي أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مادياً وسياسياً ل"إسرائيل" بمعدلات غير عادية، وبأن هذه المساعدات لا يمكن تبريرها على أسس إستراتيجية أو أخلاقية على حد سواء. وبدلاً من ذلك "فإن هذه المساعدات هي نتاج القوة السياسية للوبي ال"إسرائيل"ي في المقام الأول".

ويرى المؤلفان "أن السياسة الأمريكية المنحازة تماماً ل"إسرائيل" تضر بالمصالح القومية للولايات المتحدة بل هي ضارة بالمصالح ال"إسرائيل"ية نفسها على المدى البعيد". ولتوضيح حجم الدعم الذي تحظى به "إسرائيل" من الولايات المتحدة من حجم ما تتلقاه من مساعدات أميركية يمولها دافعو الضرائب الأمريكيون في المقام الأول. فحتى عام 2005 كان حجم ما تسلمته "إسرائيل" من مساعدات أميركية قد وصل إلى 154 مليار دولار معظمها هبات لا ترد"...، ولمثير هنا أن المساعدات الأمريكية ل"إسرائيل" تأتي بمعدل 100 ألف دولار لكل أسرة إسرائيلية مكونة من أربعة أفراد في وقت يعاني فيه 45 مليون أميركي من ضيق الحياة المعيشية ويصنفون تحت خانة الفقراء، طبقاً لمكتب الإحصاءات الرسمي في واشنطن، الأمر الذي ينسف المقولة الأمريكية الشهيرة: الإحسان يبدأ من البيت".

يحاول اللوبي الصهيوني الموالي لـ "إسرائيل" داخل أمريكا أن يوهم الرأي العام العالمي، ولا سيما الرأي العام العربي، من أنه يمتلك قدرة خاصة على التأثير من خلال اتصاله برجال الإدارة والشيوخ والنواب وامتلاكه لقاعدة معلوماتية وإمكانيات التأثير على الحملات الانتخابية من خلال المساهمة في تمويلها.هذا الكتاب لم يأت بشيء جديد على صعيد الدراسة المعمقة لدور اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وللعلاقة الخاصة التي تحكم "إسرائيل" بأمريكا، بل أنه كرر نفس الأسطورة التي يتداولها الفكر السياسي العربي حول التأثير الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، علماً أنَّ هذه الأسطورة ليست قدرًا على العرب والمسلمين أن يستسلموا لها، بل إنَّ المطلوب هو القيام وبعمل دؤوب لمواجهة هذا النفوذ الصهيوني، إذ يوجد في أمريكا أكثر من عشرة مليون عربي ومسلم، وهو عدد يفوق عدد اليهود الأمريكيين. والحال هذه بإمكان العرب والمسلمين الأمريكيين أن يشكلوا لوبي عربي منافس للوبي الصهيوني، داخل هذه التكتلات البشرية العربية والمسلمة يعتمد بالدرجة الأولى على السيطرة الاقتصادية الممكنة في هذه التكتلات واستغلال الرأي العام الشعبي الأمريكي المتعاطف نسبيا مع الشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة الكبرى في الثمانينات، وإلى حد ما مع الانتفاضة الثانية، حتى وإن كان دوافع هذا التعاطف هي الممارسات القمعية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تتناقض مع ما هو عالمي في القيم.

وفضلا عن ذلك، فإن مسؤولية العرب والمسلمين جميعا تتمثل في دعم هذه الجالية العربية والمسلمة بكل الوسائل لتشكل لها موطئ قدم في الحياة الاقتصادية الأمريكية، والعمل على تنمية ثقافة هذه الجالية وتوجيهها من أجل تغيير الصورة المشوهة التي اكتسبها الشعب الأمريكي عن العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

وعلى مستوى دوام العلاقات والمرجعية النفعية، فإن هناك إمكانية للتأثير والتداخل، وهو ما حدث فعلاً خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث برزت الجاليات العربية والمسلمة كقوة ملموسة تؤخذ في الحسبان في الجولات القادمة. إلا أن هذا لن يؤدي في المدى المنظور لوضع الطابع المتميز للعلاقات الأمريكية ـ ال"إسرائيل"ية موضع تساؤل وإنما زيادة أو نقصان تكلفة أو هامش المناورة المتروك ل"إسرائيل" واللوبي في الولايات المتحدة الأمريكية.

فالطابع الخاص للعلاقات الأمريكية -الإسرائيلية يعمل الآن على ضبط الصراع العربي ـ الصهيوني أكثر مما يسهم في تسويته لمصلحة كافة أطرافه. ويبقى ما هو مطلوب من العرب والمسلمين الأمريكيين أن يقوموا بالدراسات الفكرية والسياسية لبلورة سياسة إعلامية ونشرها عبر وسائل الإعلام الحديثة وشبكة الأنترنت من أجل إنشاء لوبي عربي ومسلم قوي في الولايات المتحدة قادرعلى مواجهة الدعاية المضللة للوبي الصهيوني.

إنَّ الحديث عن اللوبي يتطلب الدراسة المعمقة وغير المبسطة لعملية صنع القرار في السياسة الخارجية، إذ إن هناك عملية تبسيط واختزال في فهم السياسة الخارجية الأمريكية لدى الفكر السياسي العربي، إما عبر الاعتماد على نظرية اللوبي الصهيوني المسيطر على كل مقدرات السياسة الخارجية، وإما على أساس الاعتماد على اختزال كل عملية صنع القرار بشركات النفط والسلاح.

مقالات مشابهة

  • حركة الجهاد : عملية الخضيرة رد طبيعي على جرائم العدو الصهيوني بالضفة
  • حركة المجاهدين: عملية الخضيرة رد طبيعي على جرائم العدو الصهيوني بالضفة
  • لجان المقاومة الفلسطينية : عملية الخضيرة صفعة جديدة للمنظومة الأمنية والإستخباراتية للعدو الصهيوني
  • أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية.. الأسطورة التي يتداولها الفكر السياسي العربي!
  • (دخل شوقي من نفس الباب الذي خرج منه حافظ)
  • الإجرام الصهيوني في الضفة الغربية
  • لجان المقاومة تدعو المسلمين إلى التحرك الفوري لإنقاذ الحرم الإبراهيمي من التدنيس الصهيوني
  • ازدواجية المعايير في مصطلح الإرهاب.. المقاومة الفلسطينية نموذجًا
  • ما الذي أشعل فتيل الحرب في السودان؟
  • ما الذي حققه نتنياهو من تعطيل الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين؟