???? العبور من الجسر إلى السماء.. كيف قاد الشهيد إبراهيم حسين أخطر معركة في منطقة المقرن ؟ “1”
تاريخ النشر: 4th, October 2024 GMT
المحقق – عزمي عبد الرازق
أصوت المدافع التي انطلقت بعنف فجر الخميس أيقظت سكان جزيرة توتي وأحياء أم درمان القديمة، وميض المسيّرات يبدو كالشهب الحارقة، رجوماً للجنجويد، يحاكي صدى النيل نداء باولو سورِّنتينو لعشاق نابولي”يا ملاح الجندول خُذني إلى مقرن النيل”.
كان العقيد إبراهيم حسين راشد ساعتها قد وضع رأسه على مسندة من الصوف الخشِن، وهو إذ يراجع للمرة الأخيرة تفاصيل خطة الهجوم، تناول ثلاث تمرات، ثم نوى الصيام، كدأبه منذ أول يوم وطأت فيه أقدامه حرم الكلية الحربية، كان قبل 17 عاماً تقريباً، تحديداً في العاشر من مارس 1997، قادماً حينها من دار قِمر في أقاصى الغرب السوداني، ليضئ الفيضة على شرفات الدفعة (47)، وقد تجلت فيه سمات القيادة منذها.
المهمة الخطيرة
نحن الآن في يوم الخميس 26 سبتمبر، بداية الانفتاح الكبير، يرمق إبراهيم الشاطئ بعد أشهر من ملازمة الخطوط الأمامية، يضيق النيل في مكان ويتسع في مكان آخر، شأنه شأن الحياة تعطي بيد وتأخذ بالأخرى، كما وصفه الروائي الصالح، ثم يتأبط ود راشد رسماً بيانياً مخدوماً بالمعلومات الاستخباراتية و الإحداثيات حول منطقة القتال، الدغل الخانق، البنايات العالية، بنادق القناصة، النيران الكثيفة، الزمن الذي يستغرقه عبور الطليعة الأولى لجسري الفتيحاب والسلاح الطبي، بالتزامن معاً، كل شيء، كل شيء.. وبالرغم من خطورة المهمة، فهو عازم على بلوغها، ولو أدى ذلك إلى المخاطرة بحياته، كما أقسم يوم التخرُّج.
لقد اختار العقيد ركن إبراهيم حسين مجموعة الاقتحام بنفسه، وقام بتدريبهم جيداً، وهو يستحضر المقولة التي كان يرددها المهيب صدام حسين “عرق التدريب يقلل من دماء المعركة”، إذ يؤثر بدمه على بلده، دمه الأشد توهجاً، حينها وقبيل هنيهة من ساعة الصفر، كانت خطوات قائد سلاح المهندسين اللواء ركن ظافر عمر تكركر في الحصى، يلقي نظر أخيرة على ساعده الأيمن في معظم معارك أم درمان، شارع العرضة والإذاعة والتلفزيون، كذلك حي الدوحة، لطالما كان اللواء الظافر يدخره لحالِكات المعارك، وهو أحد رموز العمل الخاص في المدينة القديمة التي تغنى لها الخليل “ماهو عارف قدمو المِفارق”، كما أن إبراهيم ابن المدينة البعيدة كان أمَّة في الشجاعة، وهو يعلم أن نصفه الآخر الجميل ينتظره في كل دقيقة، وحتى الآن من هذه اللحظة المحتشدة بالنيران لا زال يترقب حضوره، ضحكته، ويحن إلى صوته الرخيم في تلاوة القرآن، وإبريق القهوة الذي يضع على رائحته خططه العسكرية العظيمة.
غير قابل للشراء
كثيراً ما حاول عبد الرحيم دقلو شراء ولاء العقيد إبراهيم حسين، أغراه بالذهب والدولار، ولكن هيهات، إبراهيم ليس له ثمن. لقد صهرت الكلية الحربية معدنه الوطني الأصيل، وهو مُذاك وإلى الرمق الآخير، رجل التكتيك بلا منازع والرياضي المطبوع، والمعلم بكلية القادة والأركان، ثم ترى أيضاً فارساً نبيلاً، أرسى من الجبال، يتقي الرمية ويشد على العدو، ولا يَضطَرِبُ قلبه لهول ما يلقى، ولذلك لم يستغرب قادته الكبار بتصديه للمهمة، تصميم وتنفيذ وقيادة معركة العبور بنفسه، فقد عوّد جنوده أن يكون أمامهم دائماً، بثباته يمنحهم الثبات، حتى لقى الله عند الجانب الشرقي من جسر الفتيحاب.
الوقت يمر ببطء، الساعة تجاوزت الثانية فجراً، وقد نجح إبراهيم في فتح ثغرة كبيرة في جسر أم درمان القديم، وكان قد راجع كل التفاصيل المتعلقة بهذا الجسر، والذي تم تشييده في عشرينيات القرن المنصرم، عبر شركة دورمان لونج، ويبلغ طوله 613 مترًا، كما يدعمه سبعة أزواج من الأعمدة المستديرة، وهو نفسه الجسر الذي كان خدم في بلاد المهاتما غاندي قبل أكثر من 90 عاماً تقريباً، ولذا فإن المعلم إبراهيم حسين يدرك جيداً أن هذا الجسر من الصعوبة أن تعبره آليات ثقيلة، ما يعني أنه يحتاج إلى وحدات من القوات الخاصة، المُدربة على حرب المدن، خفيفة الحركة، يمكنه أيضاً التعامل مع نيران العدو، والتسلل في جنح الليل، وسوف تعينه القوات البحرية لتأمين الضفة الآخرى، وهو ما نجح فيه بالفعل، لاحت أمام القوة الأولى التي أعدها لهذه المعركة الحامية شرفات الهيلتون العتيقة، أعمدة الدخان حجبت الفضاء والرؤية معاً، وقد حدد قائد الاقتحام الأهداف بدقة، وكذلك المواقع التي سوف تستقر فيها قواته، لقد كان مقداماً وجسوراً.
تضاريس المعركة
سوف تدور المعركة في تضاريس شديدة القسوة، غابات الأسمنت العالية تعيق الحركة، لأن ما لا يقل عن (12) مرفقاً حصيناً تحتضنه منطقة المقرن، تلك المنطقة الحاكمة، وهى كلها تتواجد فيها نخبة من قوات التمرد، يتأبطون بنادق القنص، يصوبون على صدور القادة على نحوٍ خاص، ما يلقي عليه مسؤولية كبرى للحفاظ على أرواح الضباط والجنود، إذ أن بصحبته 18 فدائياً نطقوا الشهادة قبل الاقتحام مباشرة، لأنهم يدركون خطورة المهمة، وهى مهمة لا بد منها، وقد استشهد منهم 4 أبطال في الموجة الأولى بقيادة إبراهيم، الذي لقى ربه مقبلاً غير مدبر، بعد أن فض بكارة التأمين الذي وضعه التمرد حول منطقة المقرن.
تقدم العقيد إبراهيم ومجموعة الفدائيين فوق الجسر الطويل، عبروا عبوراً عظيماً، كان يتلقى ذبذبات جهاز اللاسلكي الذي يحمله بيده اليسرى، وباليمنى سلاحه. من المهم تحييد نيران القناصة، ومباغتة صفوة القوة في معقل تواجدهم، لقد صفت أجسادهم من كثرة النوم تحت فحيح مكيفات الهواء، لأكثر من 18 شهراً تقريباً احتلوا هذه المواقع دون مقاومة، ولم يخوضوا أي معركة سوى اليوم، يقودهم من داخل الاستراتيجية (العقيد خلاء) حسن الترابي، الذي يتحرك في منطقة الخرطوم المركزية جيئة وذهابا، بحراسة محدودة وكادمول فوضوي يعصب به وجهه الأمرد.
الإشارة والنقطة الحاسمة
يخاطب العقيد ود راشد قواته بلهجة صاخبة “نحن لسنا مجموعة انتحارية، نحن فدائيون” تنفجر التكبيرة الأولى، يشد على يد رفاقه، بعد أن مّلكهم خطة الاقتحام المباشر، وتحديد محور القوة والحركة، ميدان المعركة الافتراضية، والمنطقة التي يجب توجيه جميع الطاقات نحوها، وهى نقطة حاسمة من المهم اكتسابها للتأثير على نتيجة الهجوم، مع الأخذ في الاعتبار وجود قوة ثابتة مرتكزة شرق الجسر، تزيد وتنقص أحياناً، ومع ذلك نجحوا في مباغتتها والقضاء عليها، ثم زحف الجيش القليل بسرعة مهولة لصناعة الطريق، بصفوف طولية، يحملون قطع مختلفة من الأسلحة، وفي المقدمة سيادته إبراهيم يتأبط جهاز اللاسلكي، تنطلق منه الإشارة “ظبي .. ظبي .. ظبي”، كان ساعتها قد تلقى الرصاصة الأولى وهو يزف البشرى، لكنه لم يتراجع، تحول جسدة إلى دريئة تذب الموت عن البقية، يرتفع الصوت الجريح “حوّل، حوّل.. لا تراجع إلى الإمام”، لم يخبرهم أنه مُصاب، فالهدف أهم من روحه، وهو هنا في هذه اللحظة شديدة الأهمية أراد استثمار النجاح، وكسر شوكة العدو، لقد رأى النصر بأم عينيه، ولاحت شرفات القصر الجمهوري، وأشجار اللبخ العملاقة التي جلبها الانجليز قبل مائة عام، وبعد أن أطمئن على نجاح المهمة سلم جهازه لنائبه ضمن الأربعة الذين عبروا، لتلحق بهم الموجة الثانية، وقد لاحت الخرطوم بكل تاريخها وأمجادها، لتحتضن أشجع الفرسان.
تنهد إبراهيم تنهيدة عميقة، ثم نطق الشهادتين وهو مبتسم كما لو أنه رأى روحه ورفاقه الثلاثة تحلق في أجوافِ طيْرٍ خُضْرٍ، هنالك في أعالي الجنان، يا سبحان الله، كيف غاصت الرصاصة فوق مصحف داخل حقيبة المرتب الحربي، لتغتسل بالدم الطاهر، وتستقر في ذلك الجسد النحيف؟
نواصل
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: إبراهیم حسین
إقرأ أيضاً:
أخطر ما يواجه سوريا الجديدة
انطلقت عجلة الحياة تدريجيًا في سوريا الجديدة مع شيوع حالة من الأمن الداخلي، والبدء بالترتيبات الأمنية والاقتصادية والاتصالات السياسية داخليًا وخارجيًا؛ فاستقبلت دمشق وفودًا عربية وإسلامية وأوروبية ووفدًا أميركيًا في ظلال التأكيد على أهمية استقرار سوريا ووحدة أراضيها، واتخاذ واشنطن قرارًا بتعليق العقوبات جزئيًا على سوريا ولستة أشهر، وتوجّه الاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات أيضًا بالتوازي مع مراقبة سلوك الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
إيجابية المواقف الإقليمية والدولية في عمومها، وفرحة الشعب السوري بحريّته، وتطلعه نحو الأفضل، لا تكفي لبسط الثقة بالمستقبل، فكل دولة في الإقليم والعالم لها أطماعها ومصالحها التي ربّما تتقاطع أو تتعارض مع مصالح الشعب السوري، هذا في الوقت الذي تولد فيه سوريا الجديدة على صفيح ساخن، وفي منطقة مضطربة وقلقة ومتحرّكة بعنف، ما يحمل في طياته تحديات جمّة أمام دمشق والإدارة الجديدة، ومن أهمها:
أولًا: انسجام المجتمع السوري وحفظ أمنهنجحت الثورة في الوصول إلى دمشق والسيطرة على كافة الأراضي السورية دون إراقة دماء المدنيين في المدن والأرياف، كما استطاعت المزاوجة بين تسوية أوضاع منتسبي الأجهزة الأمنية والجيش، وتقويض نشاط المتمرّدين إلى اللحظة، ومع ذلك فإن ضبط الأمن يحتاج إلى جهود أمنية واستخباراتية متواصلة ومكثّفة لقطع كافة المحاولات المخلّة بالأمن الداخلي، والتي قد تنبت في المستقبل بدعم خارجي ولحسابات سياسية لا تلتقي بالضرورة مع حسابات دمشق.
إعلانوفي هذا الإطار، فإن سوريا ما زالت تحتاج لدمج قوات "قَسَد" الكردية في الجيش الوطني الجديد، ومن الخطورة أن تبقى قوات سوريا الديمقراطية (الكردية)، رافضة للاندماج ومتمسّكة باستقلال قرارها وقواتها ومتحكّمة بالموارد النفطية والمناطق الزراعية شرق الفرات، متّكئة في ذلك على الدعم الأميركي، الذي لو استمر فإنه سيخلق أزمة سياسية أمنية اقتصادية لدمشق، وأزمة سياسية أمنية لأنقرة التي تتطلع لدمج قوات "قسد" في الجيش السوري الجديد؛ لتجنب الصدام العسكري معها، فأنقرة حذّرت على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان (10 يناير/كانون الثاني) بأنها ستتحرك عسكريًا ضد المقاتلين الأكراد إذا لزم الأمر، مؤكّدةً أن الأمر سيتم مناقشته مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي قت سابق قال هاكان فيدان (7يناير/ كانون الثاني)؛ إن "الولايات المتحدة موجودة في شمال سوريا لذرائع معيّنة، لكن 80% من هذه الذرائع لم تعد موجودة"، ومن الأسلم لعلاقات أخوية مع المكوّن السوري الكردي أن يتم التفاهم داخليًا بدون تدخلات أو رهانات خارجية.
فهل تنجح التفاهمات الداخلية مع قوات "قسد"؟ وهل تنجح التفاهمات التركية الأميركية بضم تلك القوات إلى الجيش السوري، وتجنيب البلاد قتالًا متجددًا، لتدور عجلة الاستقرار والبناء؟
في ذات السياق، يحتاج المجتمع السوري أيضًا إلى استعادة الثقة بين شرائحه المختلفة؛ بين من انتصر للثورة ومن انتصر للنظام سابقًا، بين من تضرّر من النظام وفقد بيته وهجّر (12 مليون لاجئ ونازح)، ومن لم يتضرّر ممّن كان مع النظام، وحاجة المجتمع المكلوم والمتضرر إلى القصاص عدلًا من رموز ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن الفساد والجرائم التي طالت ملايين السوريين.
فالمجتمع يحتاج إلى دولة مهيبة وعادلة، ويحتاج سوريا وطنًا حرًا موحّدًا للجميع بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق. وهذا يحتاج إلى حِكمة ورُشد، وحرية وعدالة، ومنظومة قيمية وثقافية تساهم فيها المدارس والجامعات، والإعلام، والمساجد والكنائس، والجمعيات والأطر الأهلية.
إعلان ثانيًا: النهوض بالوضع الاقتصاديسوريا الآن دولة باقتصاد مدمّر، وبنك مركزي لا يملك سوى رصيد من الذهب والعملات الصعبة لا يتجاوز الـ 2.5 ملياردولار.
يكفي أن تتخيّل أن المواطن السوري يعيش براتب 20 دولارًا شهريًا، ويحظى بساعتين يوميًا بالكهرباء، ونسبة فقر تصل لنحو 90%، وحسب إحصائيات أوّلية، فإن عدد المنازل التي دمّرت أو تضرّرت بشكل جزئي بسبب القصف بلغ نحو 178 ألفًا، ناهيك عن التدمير في المدارس والمستشفيات والطرق والمناطق الصناعية.
هذا الأمر لا يخلق فقط تحديًا اقتصاديًا بيروقراطيًا، ولكنْ أيضًا تحديًا سياسيًا على مستويين:
الأوّل، يتعلق بالمواطن السوري الذي سيبدأ خلال أشهر في التساؤل عن مستوى التحسّن في القطاعات الاقتصادية والخدمية، وهذا سيشكل تحديًا لمصداقية وكفاءة الحكم الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع. الثاني، وهو الأهم والأصعب؛ أن بعض الدول الغنية والنافذة إقليميًا ودوليًا (غير الصديقة لفكر الثورة والحرية)، قد تحاول استخدام الأزمة الاقتصادية وحاجة سوريا إلى المساعدة والإسناد لتكييفها وتدجينها مع البيئة السياسية الدائرة في فلك الولايات المتحدة الأميركية، الطرف المهيمن في المنطقة، حتى تحظى بالدعم والاعتراف، وإلا فإن تلك الدول ربما تلجأ لاستخدام الأزمة الاقتصادية المستفحلة لإثارة شرائح من الجمهور، واستخدام المتضررين من سقوط النظام السابق لمواجهة الإدارة السورية الجديدة، والخروج عليها من باب المطالبة بتحسينات اقتصادية عاجلة، يُدرك الجميع أنها تحتاج إلى سنوات من العمل الدؤوب والتضامن الدولي والإقليمي.وهذا ربما يتطلب من الإدارة السورية الجديدة، تعميق الشراكة مع تركيا وقطر، ومد جسور التعاون مع الدول العربية الشقيقة الصديقة وطمأنتها، والتوازن في العلاقات بين الشرق والغرب الذي ما زال يمارس الاستعلاء والوصاية، وفي زيارة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ووزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك إلى دمشق (3 يناير/ كانون الثاني) إشارة لذهنية الاستعمار الثقافي والاقتصادي المليئة بالشروط والإملاءات.
إعلان ثالثًا: حرية الشعوب ونجاح النموذجأخطر تحدٍ هو انعكاسات النجاح في بناء النموذج القائم على حرية الشعوب وإرادتها.
لا بد من الإشارة إلى أن النجاح ربما يجلب الحسد والنكاية من الفاشلين في حماية الحريات الشخصية والسياسية، والفاشلين في إدارة اقتصادهم، والفاشلين في إدارة بيروقراطية الدولة.
ليس ذلك فحسب، وإنما نجاح سوريا الجديدة بإدارة "إسلامية سُنيّة" قادرة على استيعاب الاختلافات الفكرية والمذهبية والعرقية، وإدارة دولة بحجم سوريا وموقعها الجيوسياسي، بكفاءة بعد سنوات عجاف، قد لا يعجب بعض الأنظمة التي ترى فيه تحديًا موضوعيًا لها، لأنها تخشى من محاكاة النموذج السوري المفترض نجاحه، ما يعزّز حضور التيارات الإسلامية في المشهد السياسي. وهو ما شكل سابقًا – وما زال – تحديًا لبعض الأنظمة في سنوات ما عرف بالربيع العربي.
هذه الخشية من ردة فعل بعض الأنظمة لا تقتصر على الشرق الأوسط الذي يعاني من تراجع الحريات وتقدّم الفقر والفساد، وإنّما تنسحب أيضًا على المنظومة الغربية التي ما زالت العديد من دولها تعيش ثقافة الاستعمار والوصاية على العالم الثالث، ولا تتورّع عن إشهار معاداتها للإسلاميين وحرية الشعوب العربية، وتجترح العراقيل والشروط أمام أي نظام ناشئ لترويضه، مستخدمة في ذلك عناوين برّاقة لأغراض سياسية؛ كالأقليات العرقية والدينية وحرية المرأة وحقوق الإنسان.
وهي ذاتها تلك الأنظمة الغربية التي تدعم إسرائيل المحتلة لأراضٍ سورية، وتدعم عدوانها المجنون على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة حتى التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وتدافع عن ديمقراطية إسرائيل التي تمارس العنصرية والقهر ضد الفلسطينيين لأكثر من 75 سنة.
رابعًا: إسرائيل المحتلة والمحور السنّيإسرائيل التي تدّعي التحضّر، هي دولة دينية عرقية، تمارس التطهير العرقي والإبادة الجماعية، والعنصرية والكراهية ضد الفلسطينيين والأغيار.
إعلانكيان محتل يؤمن بإسرائيل الكبرى بين النيل والفرات حتى الحدود التركية شمالًا، وأجزاء من شمال السعودية جنوبًا.
هذا الأمر لم يعد مجرد حديث ديني حبيس الكُنُس أو أساطير في عقول بعض المتطرفين اليهود، وإنما سياسة ينطق بها قادة الاحتلال الإسرائيلي أمثال وزير الاتصالات شلومو كرعي الذي قال في 29 ديسمبر/ كانون الأول من العام 2024؛ إن "أبواب القدس تنير دربنا حتى تصل أبواب دمشق" وهي ذات العبارة التي نطق بها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في مقابلة أجراها مع برنامج فرنسي قبل عدة أشهر.
وفي السابع من هذا الشهر، نشر الموقع الرسمي لدولة إسرائيل على منصة إكس، خارطة يزعم أنها لدولة إسرائيل القديمة، تضم فلسطين وأراضي أردنية ولبنانية وسورية، مع تعليق يشير إلى حلم اليهود في الأرض الموعودة.
إسرائيل المحتلة تعاملت مع سقوط نظام الأسد، وخروج إيران من سوريا كإنجاز تاريخي لها، ولكنها في ذات الوقت تخشى من عواقب ثورة الشعب السوري، وتحالفات سوريا الجديدة.
هي تخشى من الحرية للشعب السوري، ولأي شعب عربي؛ لأنها تدرك أن مقتضيات الحرية هي الدفاع عن النفس والسيادة، كما تخشى من طبيعة النظام السوري الآخذ في التشكّل بخلفية إسلامية فتُعدّه خطرًا عليها ولو على المدى الطويل، لأن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى هي عقيدة عند المسلمين، وهذا يتناقض مع المشروع الصهيوني الاستعماري القائم على احتلال فلسطين وتهويد القدس والأقصى، هذا ناهيك عن موقف سوريا من أراضيها المحتلة.
إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل المحتلة ترى في التقارب السوري التركي باعث قلق، رغم العلاقات التاريخية بين أنقرة وتل أبيب منذ العام 1949، ولكنها ومن منظور سياسي تاريخي ترى في حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان، الذي تسلم السلطة منذ العام 2002، وريثًا للدولة العثمانية التي عارضت هجرة اليهود إلى فلسطين وقيام كيان لهم في عهد السلطان عبدالحميد.
إعلانهذا القلق دفع وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى عقد اجتماع أمني خاص (8 يناير/ كانون الثاني 2025) بحضور وزير الخارجية غدعون ساعر، ورئيس الأركان هرتسي هاليفي، ومسؤولين كبار من وزارتي الخارجية والدفاع؛ لمناقشة توسّع النفوذ التركي، في وقت أصدر فيه مركز موشيه ديّان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب دراسة تحذّر من النفوذ التركي، وتدعو لوضع خطة للتعامل مع طموحات تركيا "العثمانية" التي تغيّر موازين القوى في الإقليم، ما يعرّض مصالح إسرائيل للخطر.
ولذلك فإن سوريا الجديدة تقف أمام أطماع إسرائيل في الأراضي السورية وفقًا لمنظور ديني يتغذّى على أفكار الأرض الموعودة، وأمام عداوة إسرائيل لحرية الشعوب العربية، إضافة إلى قلق إسرائيل من التقارب السوري التركي بخلفية إسلامية تتناقض، في تقديرهم، مع المشروع الصهيوني الاحتلالي.
إسرائيل لا تركن لأي طمأنات من هذا الطرف أو ذاك، فرغم علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية التاريخية مع أنقرة، فإنها سرعان ما تنتفض قلقًا وغضبًا لردة فعل مبرّرة من تركيا تقف فيها مع الفلسطينيين إعلاميًا وإنسانيًا.
وما يزيد التحدّي أمام سوريا الجديدة أنها جسم وليد في جوار وحش اسمه إسرائيل، يتغذّى على التفوّق القاتل للضعفاء والكاره للأغيار، ويؤمن بنظرية البقاء للأقوى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية