إسرائيل غُده سرطانية لخدمة مصالح الاستعمار
تاريخ النشر: 3rd, October 2024 GMT
طاهر محمد الجنيد
أوجد الغرب إسرائيل كمشروع استيطاني لخدمة مشاريعه الاستعمارية ولضمان استمرار التخلف والفرقة والشتات، وضمان تفوقه إلى ما لا نهاية. ولذلك، أدخل الوطن العربي في أزمات وحروب متواصلة، ما إن تنتهي واحدة حتى تبدأ الأخرى. ليست هذه المرة التي يتعرض فيها الوطن العربي والمسلمون للغزو والعدوان؛ فقد غادر الصليبيون، لكن هذه المرة تم التأسيس للتوطين من خلال البعد الديني والعقيدة اليهودية، بعد فشل الحملات الدينية الصليبية المعتمدة على العقيدة النصرانية.
فإسرائيل صديقة لكل الدول الأوروبية وعدوة للعرب والمسلمين. وقد سبق هذا التصريح دعوة إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت إلى تأسيس دولة لليهود في فلسطين، وذلك خلال حملته لاحتلال مدينة عكا الفلسطينية عام 1799م، أي قبل مئة سنة من تصريح بانرمان. لكن بانرمان جمع قادة الدول الأوروبية في مؤتمر استمر لعامين، وأقروا إنشاء دولة إسرائيل لتكون في خدمتهم ولتحقيق سياسة التفرقة والتبعية وتكريس التخلف والانحطاط.
كانت الإمبراطورية البريطانية الأساس في التأسيس والتنفيذ، وانضمت إليها أمريكا ودعمت فكرة الحلف الصليبي اليهودي، رغم معارضة بعض اليهود الصهاينة. كما صرح الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان (1945ـ1953م) قائلًا: “لقد كان لدينا معارضون حتى بين اليهود الصهاينة ضد أي شيء يجب القيام به إذا لم يتمكنوا من الحصول على فلسطين كاملة. لقد تم تقديم كل شيء لهم على طبق من فضة ولم يضطروا لعمل أي شيء، أما عن الكيفية التي استخدمت، كان علينا أن نأخذها بدفعات صغيرة، لأننا لا نستطيع تحريك 5 أو 6 ملايين إنسان من البلد وإعادة ملئها بـ 5 أو 6 ملايين آخرين. وبرغم كل الاعتراضات، فعلنا كل شيء وتم إنجاز العمل وهو يعمل الآن بنجاح.”
إسرائيل تعمل كمشروع استيطاني من أجل تحقيق أهداف التحالف الصهيوني الصليبي، وكل هذا الإجرام يمثل توجهات تلك الأطراف المساهمة فيه، إضافة إلى الأطراف العربية المساهمة والداعمة بالخيانة والعمالة.
صحيح أن الثورات العربية قد أخرجت الاحتلال بوجهه العسكري من أقطار الوطن العربي، لكن السياسات القطرية تعمل جاهدة على تنفيذ كل توجهات الحلف بكل تفاصيلها وفي مختلف المجالات. فالجيوش العربية تقف حامية وحارسة للحدود التي رسمها الاستعمار، والحواجز متنامية، والسياسات متباعدة تسير بعكس المعطيات الطبيعية والتاريخية والدينية، مثل اللغة والتاريخ والدين والأصل والعادات والتقاليد، وكل ذلك من أجل المعطيات المفروضة من الشرق أو الغرب. بل إن الأنظمة القائمة على شؤون الحكم تستغل الإمكانيات الوطنية لخدمة المشاريع الإجرامية، وللقضاء على كل التوجهات التي تخدم بلدانها وشعوبها التي تهتف باسمها.
تسقط الأنظمة وتأتي أخرى، لكن المحصلة محددة سلفًا من الخارج. الإمكانيات مهدرة، والمواطنة مستباحة، والحقوق مصادرة، والحملات الموجهة لتدمير أساسيات التوحد، كلما سقطت واحدة قامت أخرى أسوأ منها. هناك حملات ممنهجة للاختلاف الديني، سواء بين السنة والشيعة أو غير ذلك من المسميات. ومثل ذلك في الاقتصاد والتنمية والسياسة وغيرها.
في جلسة استماع لعميل استخبارات سابق (مايكل شوير)، تحدث عن أسباب تدهور الوطن العربي وتنامي المعارضة للغرب وأمريكا. والمحفز الرئيسي لصالح الجهادية الإسلامية لخص ذلك بالجمل التالية:
1. دعمنا للإسرائيليين وضمان صعودهم مقابل العمل على تدهور الوطن العربي.
2. دعم الغرب للطغيان لأكثر من خمسين عامًا في العالم العربي والإسلامي كمحفز للتواجد في شبه الجزيرة العربية.
3. قدرتنا لفترات طويلة على الحصول على النفط بأسعار أقل بكثير من أسعار السوق.
4. التواجد العسكري الغربي في بلدان العالم الإسلامي والعربي.
5. الاستعداد الدائم لتصنيف أي مجموعة سكانية أو عرقية لا يحبها أحد حلفاؤنا، سواء من الروس أو الصينيين أو غيرهم، على أنهم إرهابيون.
فمثلًا، تم تشويه الجهاد في العالم الإسلامي على أنه إرهاب. وتم اغتيال كثير من المواطنين في بلدانهم دون أن يكون لهم نشاط إرهابي. كما تم إنشاء جماعات إرهابية تديرها المخابرات الأجنبية وأسند إليها القيام بأعمال تشوه حقيقة الجهاد الإسلامي. وهي فكرة استخدمتها أمريكا لاغتيال قادة الجهاد الأفغاني بعد خروج الاتحاد السوفيتي، حتى لا يتحولوا إلى مجاهدين ضد اليهود على أرض فلسطين، وفق خطة أعدتها المخابرات الأمريكية وأشرف عليها المرشح الرئاسي السابق جون مكين والمرشحة هيلاري كلينتون، واعترف بها الرئيس ترامب.
لقد أسند إلى هذه الجماعات الإرهابية تصفية زعماء الجهاد الذين يخشاهم الغرب، خاصة من لهم توجهات تحررية، كما حدث في اغتيال أحمد شاه مسعود وعبد الله عزام وغيرهما كثير، حيث تم تصنيفهم من مجاهدين إلى إرهابيين يجب القضاء عليهم.
وتم إنشاء جماعات إرهابية استخباراتية تحت مسميات إسلامية يديرها اليهود والمتحالفون معهم من المخابرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية وغيرها من دول الغرب. وهذه الجماعات لا تظهر إلا عندما يراد القيام بتصفية المخالفين للغرب، فتفتك بالمسلمين وتخدم توجهات الغرب، ولا أدل على ذلك من غيابها للرد على جرائم الصهاينة على أرض غزة، بل إنها أعلنت الحرب على المقاومة تحت مبرر عدم الالتزام بتعاليم الإسلام.
ومثال آخر على التبعية، حينما فشلت أمريكا في دخول الفلوجة، ظهرت بصورة مفاجئة جماعات مثل الزرقاوي والبغدادي، مما أتاح لأمريكا دخول الفلوجة بعد قصفها بالفسفور المحرم دوليًا. ومع ذلك، خرجت تلك الجماعات سالمة، ولم يصبها أذى، وامتلأت المقابر بالضحايا من الشباب. ثم ظهرت تلك الجماعات في مناطق أخرى تتبنى التفجيرات التي حصدت المئات من الأبرياء.
وكشفت وسائل الإعلام العالمية حقيقة تلك الجماعات وأنه تم تجنيدها للعمل على تشويه الجهاد الإسلامي وتشويه كل القوى المقاومة، سواء إسلامية أو قومية أو غيرها، والتي لا تتفق مع توجهات التطبيع والتبعية والعمالة للحلف الصهيوني الصليبي.
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الوطن العربی
إقرأ أيضاً:
نحو عالم ما بعد الغرب: الترامبية وإعادة توزيع مناطق النفوذ في العالم
أثناء زيارتي للبرازيل للمشاركة في بعض الأنشطة العلمية، تعرفت على بعض جوانب الفكر السائد هنا والذي يعبر عن تيار معادٍ للمقاربات الكولونيالية الغربية، وذلك من أجل إعادة تشكيل عالم ما بعد الغرب. إنها صيحة من أجل صعود الجنوب العالمي والتي تعبر عنها بعض المؤشرات الجديدة مثل صعود الصين وتوسع مجموعة بريكس وانضمام الاتحاد الأفريقي لمجموعة العشرين وهلم جرا. وفي هذا السياق، جاءت رئاسة دونالد ترامب الثانية للولايات المتحدة، والتي بدأت في عام 2025، لتمثل أحد أعراض التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية العميقة. وربما يمثل هذا العصر الجديد ترسيخاً لإجماع واسع النطاق بين القوى الكبرى والقوى الصاعدة، حيث يعترف الجميع ضمناً أو صراحةً بأن عصر الأحادية القطبية الذي تشكل في أعقاب انهيار الإتحاد السوفيتي قد ولى وراح أوانه.
بيد أن المقلق حقاً أن بعض ملامح الفوضى في النظام الدولي ارتبطت بتراجع نفوذ الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب الثانية، وبدعم من كبار رجال الأعمال في شركات التكنولوجيا الكبرى والنظام المالي المهيمن. ينعكس ذلك في شعار “ماجا” أو “جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” استناداً إلى الأسس الإمبريالية في القرن التاسع عشر التي طبقها عدد من رؤساء الولايات المتحدة آنذاك. وعليه، من أجل فهم سياسات إدارة ترامب الثانية ينبغي العودة إلى الوراء عند بداية تشكيل السياسات التوسعية الأمريكية.
استلهام العصر الذهبي للتعددية القطبية
من الواضح أن دونالد ترامب استلهم سياسات أربعة رؤساء أمريكيين من القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث دمج إرثهم في استراتيجيته السياسية. كان الأول هو جيمس مونرو (1817–1825)، الذي عُرف بـ”مبدأ مونرو” الرافض للتدخل الأوروبي في الأمريكتين، ولعل تأثيره واضح على سياسة ترامب الخارجية “أمريكا أولاً”، التي ركزت على السيادة الوطنية ومقاومة العولمة (الانعزالية الجديدة). أما الرئيس الثاني فهو أندرو جاكسون (1829–1837)، الزعيم الشعبوي المدافع عن “الرجل العادي”، والذي روّج لواحدة من أكبر عمليات الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية بإصداره قانون إبعاد الهنود عام 1830. لقد ألهم جاكسون خطاب ترامب المناهض للنخبة بحسبانه شخصية من خارج المؤسسة، وبسبب جاذبيته للناخبين من الطبقة العاملة.
ومن جهة ثالثة أصبح ويليام ماكينلي (1897–1901)، المُلقب بـ”رجل التعريفات” بسبب سياساته التجارية الحمائية نموذجاً لاستخدام ترامب العدواني للتعريفات الجمركية لحماية الصناعات الأمريكية. لقد صعد كل من ويليام ماكينلي ودونالد ترامب إلى الصدارة من خلال الدعوة إلى سياسات تجارية حمائية، حيث اشتهر ماكينلي بقوله أنه “رجل التعريفة الجمركية”. رأى كلا الرئيسين أن التعريفات الجمركية أداة لحماية الصناعات والوظائف الأمريكية من المنافسة الأجنبية. لقد فضل ماكينلي، مثل ترامب، في البداية تعريفات عالية على السلع، كما يتضح من قانون تعريفة ماكينلي في 1 أكتوبر 1890، الذي رفع متوسط الرسوم على الواردات إلى 49.5٪. ومع ذلك، تطور نهج ماكينلي عندما أدرك إمكانية المعاملة بالمثل التجارية وحاجة أمريكا إلى أن تصبح دولة تجارية. بحلول الوقت الذي أصبح فيه رئيساً في 1897، دافع ماكينلي عن خفض الحواجز التجارية من خلال اتفاقيات متبادلة، وفي خطابه الأخير في 5 سبتمبر 1901، أكد أن “الحروب التجارية غير مربحة”. من ناحية أخرى، تبنى ترامب موقفاً أكثر صدامية، عندما قرر في وقت سابق من هذا العام تطوير التعريفات الجمركية المتبادلة على الواردات إلى الولايات المتحدة، وذلك في إطار الوفاء بوعده الانتخابي “العين بالعين” بشأن مسائل التجارة العالمية. في حين أن كلا الرئيسين قد اشتركا في تركيز أوّلي على الحمائية، فإن تحول ماكينلي في النهاية نحو المعاملة بالمثل التجارية يقدم درساً مفيداً لترامب، لا سيما في مسالة المرونة والقدرة على التكيف في العلاقات المعقدة مع القوى الاقتصادية مثل الصين. ويقترح روبرت ميري، كاتب سيرة ماكينلي، أن ترامب يجب أن يفكر في تطور سياسات ماكينلي، مع الاعتراف بأنه في حين أن التعريفات يمكن أن تحمي العمال الأمريكيين في البداية، فإن اتباع مقاربة أكثر دقة في التجارة أمر ضروري لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام والتعاون الدولي.
أخيراً، أثر الرئيس ثيودور روزفلت (1901–1909)، الذي ركز على القوة الوطنية والقيادة العالمية الحازمة، على خطاب ترامب حول استعادة الهيمنة الأمريكية، وإن كان ترامب قد ابتعد عن الإصلاحات التقدمية لروزفلت. ولاشك أن هذه الشخصيات التاريخية أسهمت في تشكيل التركيبة الشخصية المعقدة للرئيس ترامب والتي تجمع بين الشعبوية والحماية الاقتصادية والنزعة الوطنية، وذلك بما يتناسب مع التحديات السياسية والاقتصادية الحديثة.
نحو تعددية قطبية مغايرة
لقد برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى صاعدة خلال القرن التاسع عشر، حيث عززت هيمنتها الإقليمية في الأمريكتين عبر سردية “مبدأ مونرو”، بينما شرعت في الانغماس المتزايد بالشئون العالمية، متحديةً بذلك التقسيمات التقليدية لمناطق النفوذ في الصين التي رسمتها القوى الأوروبية. وفي هذا السياق، أعلنت واشنطن عن ضرورة منح جميع الدول حقوقاً متساوية في التجارة مع الصين، وهو الموقف الذي عُرف لاحقاً باسم سياسة “الباب المفتوح” أواخر القرن ذاته، بهدف إعادة توزيع مناطق النفوذ القائمة والحفاظ على امتيازات متكافئة للقوى الاستعمارية الغربية. وعلى الصعيد الأمريكي، ارتكز “مبدأ مونرو” على فكرة “مناطق النفوذ”، بالادعاء بأحقية الولايات المتحدة في اعتبار القارة الأمريكية بأكملها بمثابة “حديقة خلفية” لها، مع إصرارها على إبعاد القوى الأوروبية وغيرها خارج النصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث مثلت أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي النطاق الجغرافي الطبيعي لهذه الهيمنة الصاعدة في إطار التشكيل الاجتماعي الرأسمالي الأمريكي.
ومن جهة ثانية، شكلت حقبة الحرب الباردة النموذج الأكثر وضوحاً لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين الكتلة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة والكتلة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفييتي، حيث تجسد هذا التقسيم عبر تحالفات عسكرية مثل حلف الناتو وحلف وارسو، مع تهديد دائم بالرعب النووي والدمار المتبادل. وقد خلّف هذا النظام الثنائي القطبية إرثاً من “الحروب بالوكالة” في العالم الثالث، التي تحولت إلى ساحات لتصفية حسابات القوى العظمى، فيما قاومت دول الجنوب هذا الترسيم عبر مبادرات مثل مؤتمر باندونج الأفروآسيوي (1955) وحركة عدم الانحياز، بالإضافة إلى مؤتمر بانكوك لحقوق الإنسان (1993) الذي دافع عن رؤية ثقافية نسبية لحقوق الإنسان مع التركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية كشرط أساسي لها، مؤكداً على مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل.
أما في الوقت الراهن وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، يواجه دونالد ترامب في ولايته الثانية- سيناريو تعددية قطبية مختلفة جذرياً عن نموذج القرن التاسع عشر الإمبريالي، حيث تُعبّر التعددية الحالية عن “تعددية بعيدة عن المركزية الأوروبية” تبرز فيها مراكز قوى جديدة، خاصة في آسيا بقيادة الصين، كواقع تاريخي في ظل الفوضى النظامية العالمية. ولا يخفى أن الغرب يعيش في هذا الإطار أزمات اجتماعية وسياسية متصاعدة، بينما تتصاعد قوة الصين كتحدٍّ للنظام الرأسمالي الاستقطابي، في مشهد يعيد ترتيب التوقعات الجيوسياسية ويسلط الضوء على استحالة استعادة الهيمنة الأمريكية عبر النيوليبرالية. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب تسعى إلى إحياء نموذج القرن التاسع عشر في تحديد مناطق النفوذ عبر اتفاقيات صريحة وضمنية مع القوى الكبرى، يظل التساؤل المركزي حول استعداد قوى مثل الصين وروسيا لتقاسم هذه الرؤية القائمة على التقسيم الإمبريالي الجديد.
مرحلة الفوضى أو النظام الذي لم يولد بعد؟
غالباً ما يتم تحليل مشهد النظام الدولي المتحول من خلال أطر مختلفة، مع وجود نموذجين بارزين هما النظام العالمي “جي -صفر” أو (G- 0) ومجلس القوى الجديد. ويتميز النظام العالمي “جي-صفر” الذي اقترحه ايان بريمر بغياب القيادة العالمية، مما يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار وتوفير مزايا لجهات فاعلة معينة. ولاشك أن هذه البيئة تدعم صعود القوى الإقليمية وتشكل تحديات للتعاون الدولي، كما يتضح في الحالات التي تسعى فيها دول أو تكتلات منفردة إلى مصالحها دون وجود استراتيجية عالمية متماسكة. على سبيل المثال، توضح الاختلافات في مقاربات التخفيف من تغير المناخ بين الدول الكبرى هذا النقص في القيادة الموحدة. في المقابل، يتصور مجلس القوى الجديد مجموعة توجيهية تتكون من ستة فاعلين عالميين: ربما يمكن الحديث عن الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا واليابان والاتحاد الأوروبي. وتهدف هذه المجموعة إلى التخفيف من حدة التنافس بين القوى الكبرى ومعالجة التهديدات العابرة للحدود الوطنية مع الحفاظ على القيم الأساسية مثل السيادة والسلامة الإقليمية. مثال على ذلك يمكن أن تكون الجهود المشتركة التي تبذلها هذه القوى لمكافحة الأوبئة العالمية أو لوضع معايير للأمن السيبراني، مما يعكس اتباع مقاربة موحدة بشان التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة. وربما يعكس هذا النموذج مفهوم مجلس أوروبا في القرن التاسع عشر.
ختاماً، فإن صعود الجنوب العالمي في عصر الترامبية يعكس تحولاً جوهرياً في النظام العالمي، حيث تسعى الدول النامية إلى تعزيز استقلالها السياسي والاقتصادي وسط تراجع الهيمنة الغربية التقليدية. ولعل قيام البرازيل بإعادة فرض التأشيرات على مواطني الولايات المتحدة وكندا وأستراليا يقدم في دلالته الرمزية تعبيراً عن القدرة على الرد. وفي مواجهة السياسات الإمبريالية متعددة الأقطاب التي تتبناها إدارة ترامب، يقدم الجنوب العالمي نموذجاً بديلاً للتعاون الدولي يرتكز على مبادئ باندونج وعدم التدخل واحترام السيادة. وعليه، يصبح الجنوب العالمي مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى محوراً أساسياً في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث تلعب مبادرات مثل مجموعة بريكس ومبادرة الحزام والطريق دوراً محورياً في تعزيز التعاون بين دول الجنوب. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يخلو من التحديات، إذ يتطلب ذلك تحقيق توازن دقيق بين القوى العالمية المتنافسة وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان التنمية المستدامة والحوكمة العادلة.
أ. د. حمدي عبد الرحمن حسن – بوابة الأهرام اليوم
أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة