“اللغة المهرية”.. إرث ثقافي وأدبي يجابه الاندثار في اليمن
تاريخ النشر: 2nd, October 2024 GMT
يمن مونيتور/ رصد خاص
تُصنّف اللغة المهرية ضمن اللغات السامية التي نشأت جنوب الجزيرة العربية، وفي كل عام يحتفي اليمنيون بها، باعتبارها جزء لا يتجزأ من تاريخ وتراث اليمن القدم، وواحدة من أقدم اللغات السامية الجنوبية الحديثة.
ويطالب الكثير من المثقفين والسياسيين في المين، بضرورة الحافظ على هذه اللغة القديمة من الاندثار، نظراً لما تمتلكه اللغة المهرية من إرث ثقافي وأدبي يعكس حضارة وقدم هذه اللغة، والتوعية بضرورة الاهتمام بها كواحدة من أقدم اللغات في شبه الجزيرة العربية والعالم.
وفي هذا الشأن، قال وزير الإعلام والثقافة في الحكومة اليمينة، معمر الإرياني، إن “الاحتفال بيوم باللغة المهرية، تمثل جزءًا أساسيًا من هويتنا وتاريخنا العريق”.
وأضاف “في يوم اللغة المهرية، نتذكر أهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الذي تناقلته الأجيال، وهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل تاريخ وأصالة وجذور متأصلة في أعماق اليمن”.
وتابع: “اللغة المهرية ليست فقط كلمات تُقال، بل هي رمز لتراثنا اليمني المتنوع الغني وصمودنا أمام التحديات التي مرت بها الأجيال.. كل كلمة وكل حرف فيها يحمل بين طياته حكايات أسلافنا، قصصاً عن المهرة وأهلها الكرام الذين حافظوا على هذه اللغة من الاندثار”.
بدورهـ قال رئيس جامعة المهرة، أنور كلشات المهرين إنه “في الثاني من أكتوبر من كل عام يحتفل أبناء المهرة في الداخل والخارج بلغتهم المهرية العريقة التي تعتبر هوية لهم وخصوصية ثقافية واجتماعية وإرث ثقافي ولغوي وطني يعكس التنوع الثقافي والحضاري في الوطن.
وأضاف “ليحتفل الجميع بهذه المناسبة كل عام لأنها تمثل الإعتزاز بالموروث والتاريخ و العراقة التي تختزلها هذه اللغة العربية الأصيلة”.
من جانبه، حث وزير الثروة السمكية السابق الدكتور فهد سليم كفاين، أبناء المهرة وسقطرى على ضرورة العمل من أجل دمج اللغتين (المهرية والسقطرية)، بأدوات المعرفة الحديثة ومفردات التعليم بمختلف مراحله.
وقال كفاين بمناسبة يوم اللغة المهرية: “يحتفي أبناء المهرة الأربعاء 2 أكتوبر بيوم اللغة المهرية وقد قطعوا شوطا كبيرا في تأصيلها وبناء معجم لغوي واسع ودمجه بوسائل وأدوات المعرفة الحديثة”.
وأضاف “نرحب بالجهود الكبيرة ونبارك للمهريين خاصة ولنا جميعا ذلك الإنجاز. وأتمنى أن نحقق الإنجاز نفسه للغة السقطرية وهي الأخت الأقرب لها في السلالات اللغوية”.
وأشار إلى أن “الإنجاز المهري يتزامن مع جهود كبيرة لأبناء سقطرى وغيرهم من المختصين في بحث ومناقشة خطوات تصنيف الأبجدية السقطرية واعتماد معجم لها”.
وأكد أن “المهرية والسقطرية كلغتين تمثلان مفاتيح لثقافات أصيلة وتراث إنساني يمتلك التميز والثراء ولا تزالان ضمن اللغات المعرضة للتآكل والإنحسار”.
“هوية راسخة وتاريخ متجذر”
نظم مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث التابع لجامعة المهرة، فعاليات يوم اللغة المهرية، تحت شعار “هوية راسخة وتاريخ متجذر”.
وبارك المحافظ بن ياسر لأبناء محافظة المهرة بمناسبة يوم اللغة المهرية الثاني من أكتوبر من كل عام وبمناسبة عيد الثورة الأم 26سبتمبر.
وأكد على أهمية الاحتفال بيوم اللغة المهرية كلغة تاريخية أصيلة قائلا ً “اهتموا بلغتكم وتراثكم، فهذا تراث إنساني عظيم يعزز شمل الوطن الكبير، والمهرة هي أمنا وتاريخنا، وأبناؤها وكل من يعيش فيها مطالبون بالحفاظ على أمنها واستقرارها، ولغتنا المهرية جزء لا يتجزأ من هويتنا وتاريخنا، ويجب علينا أن نفخر بها ونواصل الحفاظ عليها للأجيال القادمة.
كما أكد المحافظ دعم السلطة المحلية لفعاليات يوم اللغة المهرية وتذليل الصعوبات لإنجاحها وتحقيق أهدافها بما يصون الموروث الشعبي المهري ويحافظ على اللغة المهرية الأصلية.
من جانبه أشار رئيس جامعة المهرة أنور كلشات إلى أن اللغة تعتبر هوية لكل أبناء المهرة، والاحتفال بها والمساعدة في نشرها ليست حكراً على أحد، مثمناً الدعم المقدم من قبل السلطة المحلية للجامعة ولمركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث للحفاظ عليها ونشر الأبحاث العلمية عنها كونها تمثل هوية أبناء المهرة وخصوصيتهم الثقافية والتاريخية.
تخلل الحفل عدد من الفقرات الشعرية والتراثية والوصلات الفنية، وأوبريت عن اللغة المهرية وتكريم الفنان عسكري حجيران وأولاد الفقيد المرحوم الباحث سالم لحيمر محمد القميري والمشاركين في الحفل.
والمهرية، واحدةٌ من ست لغاتٍ عربيةٍ جنوبيةٍ متبقية، وهي مشتقة أساساً من اللغة الحميرية الأم، وهي منتشرة بشكل رئيس في محافظتي المهرة وسقطرى شرقي.
وفي محافظة المهرة اليمنية، تحاول بعض العائلات جاهدةً الحفاظ على هذه اللغة القديمة، من خلال التحدث بها بشكلٍ دائمٍ وتعليمها إلى الجيل الجديد، غير أنها تفتقر إلى الاهتمام والدعم الرسمي من الحكومة.
تشير التقديرات إلى أن هناك ما بين 100 ألف و200 ألف يتحدثون اللغة المهرية، أغلبهم في المناطق الشرقية لليمن، وأجزاء من محافظة ظفار غرب عمان، وبأعدادٍ أقل جنوبي السعودية ودول الخليج الأخرى.
وبالرغم من غناها الثقافي والأدبي، تصنف اليونسكو “المهرية” على أنها “بالتأكيد لغة مهددة بالإنقراض”، مما يعني أنه لم يعد يتعلّمها الأطفال كلغةٍ أم في المدارس أو الجامعات، وإنما بات تدريسها يقتصر على اهتام بعض العائلات بها وتمسكهم بهذا الإرث التاريخي العظيم.
وفي الثاني من شهر أكتوبر من كل عام، اعتمدت السلطات المحلية في محافظة المهرة اليمنية، هذا اليوم ليكون يوما للاحتفال باللغۃ المهريۃ وذلك تزامنا مع إشهار مركز اللغۃ المهريۃ للدراسات والبحوث في الثاني من أكتوبر 2017.
المصدر: يمن مونيتور
كلمات دلالية: اللغة المهرية اليمن یوم اللغة المهریة أبناء المهرة هذه اللغة الثانی من کل عام
إقرأ أيضاً:
عطاء ثقافي مستدام
محمد بن رامس الرواس
رصين متزن، متواضع ذو فكر وحكمة، صاحب عينين ثاقبتين، عميق التفكير هادئ السمت، وقور لا يتكلم كثيرًا، حسن الهندام.. كل هذه الصفات وغيرها جسدت شخصية الأستاذ عبد القادر بن سالم الغساني رحمه الله.
والأستاذ عبدالقادر- الذي وُلِدَ في صلالة عام 1920 وتُوفي عام 2015- من الشخصيات البارزة التي أسهمت في نشر العلم والثقافة وتعزيز المعرفة في محافظة ظفار؛ حيث كرّس حياته لخدمة العلم والتعليم؛ فكان مثالًا يُحتذى به في العطاء الفكري والتربوي والإنساني.
وُلِد الشيخ الغساني في بيئة مُشبعة بالعلم والدين؛ حيث نشأ على حُب المعرفة والسعي لنشرها، وتلقى تعليمه في المدارس الدينية وحلقات العلم في ظفار، ثم أكمل تعليمه في رباط سيئون بحضر موت عام 1933؛ مما ساهم ذلك في تشكيل فكره وإعداده ليكون أحد رواد النهضة الثقافية. ولقد عُيِّن عام 1941 مدرسًا بالمدرسة السعيدية في صلالة. ومع بداية عصر النهضة العُمانية المباركة كان من رواد السلك التعليمي وهذه إحدى أهم المحطات في حياة الأستاذ رحمه الله؛ إذ شارك في بناء وإرساء قيم ومبادئ وسبل وطرق التعليم في سلطنة عُمان عامةً ومحافظة ظفار خاصة، كما عُيِّن مشرفًا على التعليم في ظفار عام 1970، وتدرَّج بعدها حتى أصبح مستشارًا بوازرة التربية والتعليم، ثم عضوًا بمجلس الدولة. وفي عام 2001 تقلَّد وسام السلطان قابوس للثقافة والعلوم.
عَمِلَ الشيخ الأستاذ عبدالقادر الغساني- رحمه الله- على نشر الثقافة من خلال عدة وسائل؛ منها تأليف كتاب "ظفار أرض اللبان"، والذي وثَّق فيه ما جمعه من معلومات وأخبار عن هذه الشجرة المباركة. وتُرجِم هذا الكتاب إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية. وساهم الراحل في موسوعة السلطان قابوس "أسماء العرب"؛ فترك إرثًا يُسهم في تثقيف الأجيال.
وفي عام 2018، أعد الدكتور سالم عقيل مقيبل كتابًا يحوي سيرته ويومياته، خلال الفترة من 1970 إلى 1994.
وما زلتُ أذكرُ أنه عندما كنت يافعًا، في الصف الثاني الإعدادي، ذهبتُ رفقة والدي لزيارة الأستاذ عبدالقادر في منزله القديم، الذي أصبح اليوم "مكتبة دار الكتاب"، فقد كان أبي والأستاذ عبدالقادر- رحمهما الله- صديقين. وفي تلك الزيارة، جلستُ في زاويةٍ استمعُ إليهما وهما يتجاذبان الحديث لوقت طويل، وعندما انتهت الزيارة، وبينما نهم بالخروج أهداني الأستاذ عبدالقادر كتابًا، فرحتُ به كثيرًا، وألحقته بمكتبتي الصغيرة في منزلنا، والتي كنتُ أعتني بها أشد العناية.
لقد كان إنشاء الأستاذ عبدالقادر لمكتبة دار الكتاب وملحقاتها من قاعة محاضرات ومكاتب، واحدة من المآثر الكبرى التي تركها الشيخ رحمه الله، والتي تحتوي على مكتبة كبرى تتوافر فيها مصادر ومراجع للباحثين والطلاب؛ مما ساهم في نشر الثقافة والعلم والمعرفة؛ حيث كان- رحمه الله- يؤمن بأن العلم هو النور الذي يضيء دروب المستقبل، وقد عمل على نشره بكل الوسائل المتاحة له.
وختامًا.. يبقى الأستاذ عبدالقادر الغساني رمزًا من رموز العطاء الثقافي العُماني، وشخصية ثقافية معطاءة في حياته وبعد مماته، عبر إنجازاته التي سُخِّرت لخدمة العلم والثقافة، ليكون بذلك نموذجًا يُحتذى به في إتاحة سبل الخير والمعرفة الثقافية للمجتمع، وما يزال الإرث الثقافي "دار الكتاب" وملحقاتها، يقدم محتوى تعليميًا ثقافيًا، لكونه رافدًا معرفيًا ومنصة لكل الأدباء والكّتاب، برعاية كريمة من سعادة الأستاذ مصطفى بن عبدالقادر الغساني، الرجل الأمين على هذا الصرح الثقافي، بمعونة إخوته الكرام.
رابط مختصر