لجريدة عمان:
2025-04-04@02:57:18 GMT

في عتبات الحديث عن تحولات الهوية..

تاريخ النشر: 12th, August 2023 GMT

تبدو مسائل الهوية وتحولاتها من أبرز الثيمات في المجتمع الإنساني التي يتم إعادة الحديث حولها والتفكير بها (سوسيولوجيًا) مع كل حدثٍ عابر للحدود، سواء أكانت أزمة سياسية، أو تقانة اتصالية، أو حربًا باردة، أو اعتبارها تحولا اقتصاديا. يعود نقاش المجتمعات للهوية ذلك أنها بإيجاز الطريقة التي تعبر بها المجتمعات والأفراد عن أنفسهم.

أو كما يُعرفها ريجارد كنجز كونها: «تصورنا حول من نحن، ومن الآخرون، وكذلك تصور الآخرين حول أنفسهم وحول الآخرين». إذن في ظاهرها تبدو الهويات متغيرة، يحركها التفاعل الاجتماعي، وتتشكل معانيها حول مواقف المجتمعات في كليتها حول الأحداث والتفاعلات والتموضع الذي يقع فيه المجتمع من مجمل الأحداث والتحولات المحيطة به. ولكنها في المقابل هي السمة التي يُعرف بها المجتمع نفسه ويقدمها للآخر؛ وهنا تكمن جدلية الهوية في مستويات ثلاثة: الأول؛ كيف نقدم أنفسنا للآخر في سياق يفرض التغير ويتسم بالديناميكية ويصعب خلاله القبض على سمة جامعة متسقة ومتماسكة لأبعد قدر ممكن من التواتر الزمني. أما الجدلية الثانية؛ فتتصل بمستويات تعميم تلك الهوية؛ فالتضامن الاجتماعي أو «المجتمعات العضوية» كما يسميها هربرت سبنسر كانت ضامنًا للحد الأدنى من اتساق المجتمعات على نسق هوية واحدة، ولكننا نشهد اليوم نشوء عصر التفضيلات الفردية، وقبلها التفضيلات الفئوية، تلك التفضيلات لا تعني اتساعًا في رقعة وحيز الخيارات المتاحة للفرد والجماعة فحسب، وإنما تعني في وجهها الآخر تنوعًا واتساعًا في الطريقة التي يعرفون بها أنفسهم، وفي الانتماءات التي يعبرون من خلالها للمجتمع العالمي. أما الجدلية الثالثة: فتتصل بمستوى سرعة التغير والتغيير الاجتماعي، وضبط الفاعلين فيه، فتلاشي الحدود، وعبور الظاهرة الاجتماعية للقارات يعني تقلصًا في أفق ضبط الهوية، وفي القدرة على السيطرة والقبض عليها وتعريفها.

إن التفكير في الجدليات السابقة - رغم حدة التجريد فيه - مهم في تقديرنا لإيجاد منهجية واضحة للقبض على مفهوم الهوية، غير أن العتبة الأساسية التي تواجه مجتمعاتنا - وخصوصًا العربية - تبقى إشكالية إثارة الهواجس عن تحولات الهوية، دون تحديد واضح ودقيق لماهيتها وطبيعة قياسها. والسؤال هنا: مع كل هذا التاريخ المعرفي من الحديث عن الهوية سواء في علم الاجتماع أو التأريخ أو الأنثربولوجيا أو الفلسفة هل هناك أفق يمكن الاعتداد به لقياس الهوية؟ والإجابة في تقديرنا تعتمد على سؤال أسبق لهذا السؤال، وهو لماذا نريد قياس / تشخيص / معرفة وضع هوية ما في وقت معين؟ هل لأنها باتت تفرز سلوكيات معينة غير مرغوبة في سياق الحيز الاجتماعي؟ أم أنها استعصت على سيطرة الأعراف والضوابط الاجتماعية؟ أم لأنها قلصت مساحة التفاعل والاتصال في حيز مجتمع معين؟ أم لأنها أنشأت أعرافا وقيما ومفاهيم جديدة وعصفت بمفاهيم قائمة؟ أم لأننا نريد أن نوظفها في سياق مشروع تنموي معين؟ تتعدد المآرب التي تدفع أي فاعل سواء كان علميا/ سياسيا لتشخيص حال الهوية، ومع كل غرض من الأغراض سالفة الذكر ستتغير الطريقة التي يدور فيها النقاش حول الهوية، وتتغير الطرق التي يمكن من خلالها تشخيص أوضاعها وأحوالها. إن تحول العلم الإنساني من صيغته التأملية الفلسفية المجردة إلى حالة (القياس والتجريب) أتاح عديد الأدوات والمداخل لقياس مختلف المفاهيم التي كانت في وقت سالف مفاهيم فلسفية خالصة. ولعل أهم أدوات قياس وتشخيص الهوية يمكن من خلالها الأدوات التي تستهدف:

- قياس اعتقادات الأفراد تجاه قضايا معينة تمس الهوية.

- قياس تصورات الأفراد تجاه مكونات الهوية.

- قياس سلوكيات الأفراد التي يفترض أنها تعبر عن أحد مكونات الهوية.

لن تعطينا هذه المقاييس صورة مؤكدة وتعريفًا دقيقًا للهوية الاجتماعية، لكنها ستساعدنا على أقل تقدير في الكشف عن إشارات لتحولات الهوية وديناميكيتها ومؤثراتها، ومصادر التغير فيها، والفواعل الأساسية التي تسهم في تأثيرها. فمن سلوك الأفراد في المداومة على ارتياد المجالس العامة، إلى التحول في تركيب الأسرة من الأسر الجامعة إلى الأسر النواة ثم النووية وتفضيلات الأفراد ومفاهيمهم حيال ذلك، إلى الطريقة التي يتصور بها الأفراد مواقفهم إزاء القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية في محيطهم، إلى الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع فئات اجتماعية معينة كل تلك أبعاد يفترض أنها معبرة عن هوية ما، نريد قياسها وتشخيصها، وقياس التحول الطارئ عليها. غير أن المشاهدة العيانية وحدها لا يمكن الوثوق بها وتعميمها. ولذلك وجب التحول إلى أدوات العلم والمنهج - ما دامت تتيح قياسًا منهجيًا - وإن كان يعطي دلالات (ملامح) أولية. إن عتبة التحول العالمي في الهوية هو ما يُعبر عنه يريندسن بالقول : «كلما اكتشف الناس العالم والثقافات الأخرى، كلما أدركوا أن الناس جميعًا هم بشر مثلهم وأن مجرد ملاءمة صندوق معين لم يعد كافيًا للاحترام. يتم استبدال الهويات القديمة تدريجياً بالهوية العالمية، بناءً على فكرة أن الجميع متساوون. لم يعد الناس يعتمدون على التفضيل السياسي أو المهنة أو الوضع الاجتماعي لوالديهم، ولا على دين قريتهم أو الفخر القومي القديم أو الضغائن ضد البلدان الأخرى. إذا أراد أي شخص أن يكون ذا قيمة أكبر، فعليه أن يكسبها من خلال أفعاله الشخصية وإنجازاته في الحياة».

في السياق المحلي، وفي ظل كون مسائل «الهوية» تتخذ حيزها في المشروع التنموي الجامع (رؤية عُمان 2040)؛ فإننا نرى بأهمية وجود محاولة أولية لتطوير مسح للهوية الاجتماعية؛ يعتمد على المحددات الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، ويطبق بصفة دورية (كل 3 - 4) أعوام لقياس التحولات الناشئة على موضوعاته. يمكن أن يتناول هذا المسح أبعاد الهوية في 5 مجالات أساسية: (الثقافة والإرث - العلاقات والتفاعل الاجتماعي - الدين - القيم والأعراف - العلاقة بالآخر). ويمكن بناء المسح بطريقة منهجية تستهدف قياس (التصورات والمعتقدات - المواقف والاتجاهات - السلوكيات والممارسات) التي تستطيع الكشف عن الشق الممارس والمتصور للهوية. ولاحقًا ما يطرأ عليها من تحولات في سياق التطبيق الدوري لمكونات المسح؛ وهو ما نعتقد أنه سيوفر أداة علمية للنقاش حولها، وللبحث، وتطوير المبادرات والبرامج القائمة على الأدلة، وتوصيف وتشخيص الهواجس (الفعلية) لا (المفترضة) في سياق الحديث عن الهوية.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الطریقة التی فی سیاق قیاس ا

إقرأ أيضاً:

البابا تواضروس: الأنبا باخوميوس له بصمة واضحة في التاريخ الكنسي الحديث

كتب - محمد أبو بكر:

أشار قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إلى احتفال الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم بذكرى ظهور السيدة العذراء في الزيتون عام 1968.

جاء ذلك في بداية عظته خلال اجتماع الأربعاء الأسبوعي، الذي عُقد في المقر البابوي بالقاهرة مساء اليوم.

كما أشاد البابا بالأنبا باخوميوس، مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية، الذي توفي يوم الأحد الماضي، لافتًا إلى أنه ترك بصمة واضحة في تاريخ الكنيسة الحديث.

وعن ظهور السيدة العذراء في الزيتون، قال البابا: "احتفلنا اليوم بالتذكار الـ57 لظهور أمنا العذراء مريم في كنيسة الزيتون. نتذكر هذا الظهور الجميل الذي حدث عام 1968، وهي نفس السنة التي عاد فيها جزء من رفات القديس مار مرقس الرسول، في حبرية القديس البابا كيرلس السادس".

وأضاف: "أمنا العذراء شفيعتنا، ولها دور مؤثر في حياتنا كمصريين منذ مجيء العائلة المقدسة إلى مصر، وفي القرن العاشر في معجزة نقل الجبل المقطم، وفي القرن العشرين بظهورها في الزيتون وبعض الكنائس الأخرى بالقاهرة".

وعن رحيل الأنبا باخوميوس، قال البابا: "ودّعنا منذ أيام قليلة الأنبا باخوميوس، مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية، الصوت الحكيم في المجمع المقدس، وشيخ المطارنة، والقائمقام السابق عقب نياحة البابا شنودة الثالث".

وتحدث عن مسيرة المطران المتنيح، قائلاً: "عاصر أجيالًا كثيرة، وكان له دور وبصمة واضحة في التاريخ الكنسي الحديث. منحه الله بركة العمر المديد (حوالي 90 سنة) وبركة الخدمة الطويلة (حوالي 75 سنة)، تدرّج خلالها في مواقع خدمية متعددة لا يمكن حصرها، سواء داخل مصر أو خارجها. كما كان له دور كبير في الحفاظ على سلام الكنيسة والوطن في أزمات عديدة".

واستكمل: "لدينا إيمان وثقة كاملة بأنه الآن في السماء يصلي لأجلنا، ونحن لنا سحابة من الشهود تشهد وتساعد وتؤازر عمل الكنيسة في كل زمان".

واختتم: "نودّعه على رجاء القيامة، وأعيننا مفتوحة على السماء باستمرار، ونشكر الله الذي يعطينا خُدّامًا يخدمون بالروح والحق، ويقدّمون مثالًا لمن يخدم كنيسة الله المقدسة".

اقرأ أيضًا:

موعد انتهاء الرمال والأتربة.. الأرصاد: استقرار حالة الطقس في هذا التوقيت

مصدر بـ "الكهرباء": انخفاض معدلات شكاوى الأعطال والانقطاعات خلال إجازة العيد

لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا

لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا

البابا تواضروس الثاني الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ذكرى ظهور السيدة العذراء الأنبا باخوميوس

تابع صفحتنا على أخبار جوجل

تابع صفحتنا على فيسبوك

تابع صفحتنا على يوتيوب

فيديو قد يعجبك:

الأخبار المتعلقة 20 صورة.. صلوات تجنيز الأنبا باخوميوس في الكاتدرائية المرقسية أخبار شيخ الأزهر يعزي البابا تواضروس في وفاة الأنبا باخوميوس أخبار صور.. بدء صلوات تجنيز الأنبا باخوميوس في الكاتدرائية المرقسية أخبار شيخ مطارنة الكنيسة وقائم مقام البابا.. محطات بارزة في حياة الأنبا باخوميوس أخبار

إعلان

هَلَّ هِلاَلُهُ

المزيد نصائح طبية 5 نصائح لتحسين صحة الجهاز الهضمي بعد تناول الكحك والبسكويت فتاوى متنوعة علي جمعة يوضح حكم صيام الست من شوال ووجه تسميتها بالأيام البيض زووم بكت بعد رسالتها.. دينا تعلن إصابة والدتها بالسرطان نصائح طبية بعد وفاة إمام مسجد وطبيب شاب في العيد.. 5 علامات خفية للسكتة القلبية فتاوى متنوعة 5 نوايا عظيمة في صيام الستة من شوال تضاعف الأجر.. ينصح بها عمرو خالد

إعلان

أخبار

البابا تواضروس: الأنبا باخوميوس له بصمة واضحة في التاريخ الكنسي الحديث

أخبار رياضة لايف ستايل فنون وثقافة سيارات إسلاميات

© 2021 جميع الحقوق محفوظة لدى

إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك 27

القاهرة - مصر

27 14 الرطوبة: 17% الرياح: شمال شرق المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار BBC وظائف اقتصاد أسعار الذهب أخبار التعليم فيديوهات تعليمية رمضانك مصراوي رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك خدمة الإشعارات تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي لاحقا اشترك

مقالات مشابهة

  • هل يمكن للحراك الاجتماعي أن يكون مفتاح انتعاش اقتصاد أوروبا؟
  • محاولات فاشلة للإسلامويون للعودة وطمس الهوية والتاريخ
  • مشروع قانون يلزم في سابقة مدارس البعثات الأجنبية بتدريس العربية ومواد الهوية الدينية والوطنية
  • أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث.. 39 ألف يتيم في قطاع غزة 
  • 39 ألف يتيم في قطاع غزة: أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث
  • «الهوية وشؤون الأجانب» تطلق ختماً تذكارياً بشعار «كأس دبي العالمي 2025»
  • تحولات أمنية في الساحل الإفريقي.. انسحاب النيجر وتأثيراته على الحرب ضد الإرهاب
  • البابا تواضروس: الأنبا باخوميوس له بصمة واضحة في التاريخ الكنسي الحديث
  • أخصائيون: الإمارات نموذج عالمي في تمكين ذوي التوحد
  • الخارجية الصينية: عقاب تايوان لن يتوقف حتى ينتهي الحديث عن الاستقلال