الليطاني.. قصة نهر يرسم حدود الحرب منذ 50 سنة
تاريخ النشر: 1st, October 2024 GMT
لطالما شكّل نهر الليطاني في جنوب لبنان مرجعية جغرافية لتحديد أهداف عسكرية ولوجستية للجيش الإسرائيلي، على الأقلّ، منذ العام 1978.
في ذلك العام ، حملت العملية العسكرية الإسرائيلية اسم "عملية الليطاني"، وكان هدف القوات الإسرائيلية إبعاد المقاتلين الفلسطينيين عن الحدود الإسرائيلية إلى ما بعد نهر الليطاني.
يقول الخبير الأمني والعسكري اللبناني عماد مراد، إن هذا الهدف حققته إسرائيل إلى حدّ كبير، بعد قصف مركّز دام لسبعة أيام لمواقع عسكرية للفلسطينيين في قرى لبنانية وفي المخيمات الفلسطينية.
وقد توغل الجيش الإسرائيلي حينها برياً وسيطر على المنطقة في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وانسحب منها بعد ثلاثة أشهر إلى الحدود الدولية.
الجغرافيا لا تزال نفسها منذ 1978، لكن تبدّلت أمور كثيرة، منها التطور العسكري، التجمعات السكانية، الديموغرافيا، وطبيعة الظروف المحلية والإقليمية.
لكن نهر الليطاني ظلّ عنواناً يرسم أفق المواجهة العسكرية بين إسرائيل وبين لبنان على اختلاف الجهة التي تتولى القتال في لبنان.
في ذلك الوقت، لم يكن حزب الله اللبناني قد تأسس بعد، حيث إن بداياته الأولى تؤرّخ في العام 1982، وهو التاريخ الأكثر ارتباطاً بالاجتياح البريّ الإسرائيلي، حيث وصل الجيش الإسرائيلي من خلال توغله البرّي إلى العاصمة بيروت، ودخلها بعد حصارها وكان هدفه القضاء الكامل على خطر منظمة التحرير الفلسطينية عبر "أكبر اجتياح بري في تاريخ الصراع اللبناني- الإسرائيلي وحتى العربي- الإسرائيلي، لأنه اجتاح أول عاصمة عربية"، كما يشير مراد في حديثه لموقع "الحرة".
في صيف العام 1982 اتخذت الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحيم بيغن قرارها بالحرب على لبنان، كما يروي جوني منصور وفادي نحاس في كتابهما "المؤسسة العسكرية في إسرائيل".
حددت القيادتان السياسية والعسكرية وصول الجيش حتى أربعين كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية- اللبنانية الدولية.
وهذه المسافة "هي أبعد من مدى إطلاق صواريخ الكاتيوشا باتجاه إسرائيل، والتي كانت تطلقها منظمة التحرير الفلسطينية وميليشيات لبنانية متحالفة معها"، بحسب الباحثين.
الجيش الإسرائيلي حينذاك لم يتوقف عند الكيلومترات الأربعين كما حددت القيادة السياسية، وواصل زحفه إلى العاصمة اللبنانية بيروت.
وصار الهدف الفعلي هو القضاء التام على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وإخراجها من بيروت، وهذا ما حققته المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد حصار العاصمة اللبنانية.
الباحث عماد مراد يقول لموقع "الحرة" إن إسرائيل حينذاك كانت مصممة على تحقيق هدفها بالكامل ولم تخضع حتى للضغوط الأميركية بعدم اجتياح بيروت، وأصرّت على ألا توقف عملياتها العسكرية إلا بعد تحقيق هدفها وطرد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
بحسب كتاب منصور ونحّاس، تحركت القوات العسكرية الإسرائيلية في السادس من يونيو 1982 في أربع مسارات جغرافية:
الأول على طول ساحل البحر من رأس الناقورة وحتى مصبّ نهر الأولي (مدخل مدينة صيدا الشمالي).
الثاني من منطقة الجبال المركزية في لبنان.
الثالث على طول القطاع الشرقي اللبناني.
أما الرابع فكان في البقاع حيث تركزت القواعد العسكرية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
في الثامن من يونيو، وخلال يومين فقط كانت خلالهما المقاومة ضئيلة، بلغت القوات الإسرائيلية مشارف بلدة الدامور جنوبي بيروت، بعد أن دفعت بمنظمة التحرير إلى مغادرة مدينتي صور وصيدا وضواحيهما.
يشير الباحثان منصور ونحاس في دراستهما إلى أن مواجهات وقعت في الأيام الأولى للاجتياح بين الجيش السوري المرابط في لبنان منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وبين وحدات من الجيش الإسرائيلي: "بلغت المواجهات أوجها بين الجيشين في المعركة الجوية بين سلاح الجو السوري وبين سلاح الجو الإسرائيلي، حيث حقق الإسرائيلي تفوقاً جوياً.
وبحسب الباحثين، "لم تتمكن المدرعات الإسرائيلية من تحقيق انتصار أو تفوق، خاصة في معركة سلطان يعقوب في البقاع مع الجيش السوري حيث تكبدت القوات الإسرائيلية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات".
مراد من جهته يشير إلى أن "المقاومة في العام 1982 كانت ضعيفة وكانت تقتصر على مقاومة فلسطينية مع مقاومة لبنانية من دون إدارة وتنسيق"، وهو ما سمح بالتفوق الإسرائيلي على الأرض.
في الثالث عشر من يونيو، كانت فرق وكتائب من الجيش الإسرائيلي قد وصلت إلى العاصمة اللبنانية بيروت، في أول اجتياح لعاصمة عربية من قبل الجيش الإسرائيلي في تاريخه.
حاصر الجيش الإسرائيلي المدينة ودارت معارك قاسية بين قواته وبين المقاومتين الفلسطينية واللبنانية استمرت حتى منتصف أغسطس، حيث تم التوصل إلى اتفاق يقضي بخروج القوات السورية والفلسطينية من بيروت تحت مظلة دولية. وتم خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في 31 أغسطس 1982.
يشير مراد إلى أن "الإسرائيليين تمركزوا في جبل لبنان حتى العام 1984 قبل أن ينسحبوا إلى شريط حدودي جنوب نهر الليطاني ظلّ محتلاً حتى العام 2000".
كما يلفت إلى أن عامي 1993 و1996 شهدا مواجهات عسكرية بين إسرائيل وحزب الله في حربين، تخللهما قصف وتبادل العمليات العسكرية، لكن من دون أن تقدم إسرائيل على اجتياح بري يتجاوز نهر الليطاني حيث كانت قواتها تتمركز منذ العام 1982.
في جميع الاجتياحات البرية، كان الهدف الإسرائيلي يتمثل بوضوح بمنع تعرض شمال إسرائيل لهجمات صاروخية.
والمفارقة أن حزب الله قبل العام 1992، وتحديداً قبل اغتيال أمينه العام عباس الموسوي في فبراير من العام 1992، كان يرفض الاعتماد في حربه مع إسرائيل على إطلاق الصواريخ على شمالها.
بل أكثر من ذلك، يبرز تصريح لعباس الموسوي من العام 1988 وكان مسؤولاً في حزب الله قبل المأسسة في العام 1989 وقبل توليه أمانته العامة في العام 1991، ينتقد فيه "أسلوب المقاومة الوطنية والمقاومة الفلسطينية في قصف الصواريخ من بعيد"، وأضاف في تصريحه ذلك الذي نقلته جريدة "السفير" اللبنانية في عددها الصادر في 11 يناير 1988، إلى أن "مستوى القتال العالي لم يتحقق إلا على أيدي المقاومة الإسلامية".
في العام 2006، كان نهر الليطاني لا يزال في مكانه.
إسرائيل سحبت جيشها من جنوب النهر إلى الحدود الدولية في مايو من العام 2000. كان الأمر مختلفاً فيما يتعلق بالهجوم البري الإسرائيلي، كما يرى محللون عسكريون، فقد اعتمد الحزب مزيجاً من حرب العصابات وبعض تقاليد الحروب النظامية، كما يقول عبد الإله بلقزيز في دراسته "حزب الله من التحرير إلى الردع (1982-2006)".
قاتل مسلّحو الحزب اللبناني المدعوم من إيران في مواقع متحركة مستعملين تقنيات حرب العصابات "من استدراج القوات الإسرائيلية ومباغتتها عبر تفخيخ لطرق تقدّم مدرعاتها والالتفاف عليها من الخلف". كما "أمطروا المواقع الخلفية- العسكرية والسكانية- بآلاف الصواريخ".
وبحسب بلقزيز، لجأ مقاتلو حزب الله إلى قتال جغرافي طويل النفس في قرى وبلدات حدودية مثل بنت جبيل وعيترون وعيتا الشعب ومارون الراس والعديسة لصدّ التقدم البريّ. وقد "أحرزوا نجاحاً مذهلاً في ذلك"، على حدّ تعبير الباحث.
وبحسب بلقزيز، وبسبب قدرة حزب الله على تحصين مواقع الصواريخ والذخيرة من الضربات الجوية، جرى إغراء سلاح المدرعات الإسرائيلي ببعض التوغل البري في الجنوب، "ليصبح صيداً سهلاً وثميناً لصواريخ مضادة للدبابات لم تكن إسرائيل تعلم عنها شيئاً".
في هذا المجال، يشرح مراد أن حزب الله استطاع أن يوقع أضراراً كبيرة في دبابات ميركافا كانت تجتاح الأراضي اللبنانية في سهل مرجعيون، عبر استخدام سلاح مضاد للمدرّعات، شكّل مفاجأة كبيرة للجيش الإسرائيلي.
هدف حرب تموز كان، كما يقول مراد، تدمير قدرات حزب الله وإنهاء وجوده في الجنوب اللبناني، وقد انتهت الحرب بعد صدور قرار من الأمم المتحدة وافق عليه الطرفان، يقضي بجعل جنوب نهر الليطاني، منطقة منزوعة السلاح، ويمنع فيها حزب الله من العمل العسكري.
لكن الواقع، كما يقول مراد، أن الحرب انتهت إلى إقرار ضمني من جميع الأطراف بأن "حزب الله" انتصر بها، بما أنه منع إسرائيل من تحقيق هدفها بإنهاء وجوده وتجريده من سلاحه وصواريخه، وهو الوضع الذي استقر حتى أكتوبر من العام 2023، حيث عاد النقاش الإسرائيلي العسكري إلى ضرورة إيجاد حل لتهديد حزب الله للحدود الشمالية، ومدى فعالية القرار 1701 في تحقيق ذلك.
2024: هل يتوغل الإسرائيليون حتى الليطاني؟بعد عام تقريباً على هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل وتدخل حزب الله لمساندة حركة حماس في غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية برية في جنوب لبنان تهدف إلى إعادة النازحين الإسرائيليين إلى منازلهم في الشمال وإزالة تهديد حزب الله.
بحسب مراد، "يعمل الجيش الإسرائيلي بوضوح على إبعاد حزب الله عن الحدود، ربما لمسافة لا تزيد عن 10 كيلومترات، وإضعاف قدراته في المناطق القريبة من الحدود الإسرائيلية وتفكيك بنيته العسكرية هناك عبر ضرب أنفاقه ومخازن سلاحه".
ولا يبدو بحسب مراد أن الجيش الإسرائيلي في صدد عملية برية واسعة كمان حدث في العام 1982 ولا كما حدث في العام 2006، إلا إذا تأكد للجيش الإسرائيلي أن قدرات حزب الله في المقاومة على الأرض ضعيفة، ما يغري بتوغل بريّ أوسع في الجنوب، تكون العين فيه على نهر الليطاني.
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: منظمة التحریر الفلسطینیة القوات الإسرائیلیة الجیش الإسرائیلی فی جنوب لبنان نهر اللیطانی فی العام حزب الله فی لبنان من العام إلى أن
إقرأ أيضاً:
رئيس الموساد: تفجيرات البيجر في لبنان أجهزت على حزب الله
كشف رئيس الموساد الإسرائيلي ديفيد بارنياع، تفاصيل جديدة عن تفجيرات البيجر، التي استهدفت آلافاً من عناصر حزب الله في لبنان.
وقال رئيس الموساد إن "الشحنة الأولى التي كانت تتمثل في 500 جهاز استدعاء فقط وصلت إلى لبنان قبل أسابيع قليلة من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من حماس"، حسب صحيفة "جيروزاليم بوست".وأضاف بارنياع، إن العملية كانت "صغيرة مقارنة مع عملية أجهزة الموجات اللاسلكية التي بدأت في العقد الماضي، وبدأت فكرة أجهزة النداء عندما فكرنا في طريقة لضرب حزب الله بجهاز يكون ملتصقاً باًجساد عناصره".
وتابع أن "تفعيل العمليتين، تفجير أجهزة النداء والراديو، في بداية الحرب لم يكن سيؤدي إلى الإنجاز القوي الذي حققناه عند تفعيلهما".
ترامب أبدى إعجابه بهدية نتانياهو واصفاً عمليات "البيجر" بأنها "عظيمة"
— 24.ae (@20fourMedia) February 5, 2025 وقال: "في وقت تفعيل عملية أجهزة النداء، انفجرت أجهزة أكثر بعشر مرات مما كان لدينا في بداية الحرب، وانفجر عدد مضاعف من أجهزة الراديو".وأضاف أن التفجير "مثال واضح على تنفيذ مهمة خطط لها الموساد بشكل مبدع، وباستخدام الحنكة والدهاء، وأظهر ذكاءً وقدرةً على الاختراق وفهماً عميقاً للخصم، وتفوقاً تكنولوجياً، وقدرات تشغيلية من الدرجة الأولى".
وتابع "العملية كانت نقطة التحول في الحرب في الجبهة الشمالية، ونقطة البداية للأيام العشرة التي انقلبت فيها الأمور على حزب الله، ويمكن رسم مسار الحرب بشكل واضح من تفجيرات البيجر إلى القضاء على حسن نصر الله، إلى وقف إطلاق النار".
وقال: "تعرض حزب الله إلى ضربة قاسية للغاية أدت إلى كسر معنوياته، إن النصر في الحرب لا يقاس بعدد القتلى أو الصواريخ، بل بالانتصار على معنويات العدو، ودوافعه".
وتابع "الموساد لا يملك دبابات أو ناقلات جند مدرعة أو طائرات مقاتلة أو صواريخ، بل نملك رجال ونساء الموساد الذين يشكلون المحرك لعملياته ونجاحاته. إنهم العقول الذين يجعلون المستحيل ممكناً".