إدارة سجن النقب تتعمد تجويع المعتقلين وإهمال علاجهم
تاريخ النشر: 29th, September 2024 GMT
قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين أن إدارة سجن النقب تتعمد تجويع المعتقلين، وإهمال علاجهم، بهدف تعذيبهم، وقتلهم ببطء.
وأوضحت الهيئة الفلسطينية نقلا عن محاميها الذي تمكن من زيارة سجن النقب، أن إدارة السجن تمارس بحقهم حربا نفسية وجسدية، ضاربة بعرض الحائط كل المواثيق الدولية والإنسانية، حيث يتعرضون بشكل مستمر للضرب والإهانات من قبل السجانين، كما يتعمدون ممارسة الإهمال الطبي بحقهم، فلا علاج ولا فحوصات تقدم لهم.
وأضافت، أن هناك انتشارا واسعا للأمراض الجلدية، نظرا لغياب أدنى مقومات النظافة ونقص في الملابس، كما أن الطعام المقدم سيء كما ونوعا، والوجبة المقدمة لا تكفي لمعتقل واحد، ونتيجة لذلك فقد العديد من المعتقلين عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم.
وطالبت بضرورة التحرك الفوري وعلى أعلى المستويات الدولية والإقليمية، نظراً لخطورة ممارسات الاحتلال بحق أسرانا، والعمل على إلزام دولة الاحتلال باحترام وتنفيذ أحكام القانون الدولي.
وتطرقت إلى حالتي معتقلين في النقب، وهما: جهاد ابراهيم ناصر، وابراهيم سعيد سالم، على النحو التالي:
يعاني المعتقل جهاد ابراهيم ناصر( 26 عاما) من مخيم قلنديا شمال مدينة القدس، من إصابة متطورة ومتقدمة بمرض (سكابيوس- الجرب)، الذي استفحل في جسده، حيث أصبح جافا ومقشرا بشكل كامل، وانتشرت الدمامل والالتهابات في كل أنحاء جسمه، الى جانب معاناته من آلام شديدة منعته من تحريك أطرافه، فلا يستطيع رفع يده او كتفه، ولم يتمكن من النوم و الأكل والاستحمام لأيام كثيرة، ورغم ذلك لم يقدم للأسير أي علاج، ولا حتى حبة مسكن.
اعتقل ناصر اعتقل بتاريخ 01/12/2021، وصدر بحقه حكما بالسجن لمدة 4 سنوات، وحاليا طرأ تحسنا كبيرا على صحته، وتعافى بشكل كامل.
أما المعتقل إبراهيم سعيد سالم (39 عاما)، من مخيم العين بمدينة نابلس، فقد تم أخذ “خزعة” من لسانه، قبل الحرب بشهرين، نتيجة التهابات شديدة عانى منها في الفم والحلق، وكانت نتيجة الفحوصات بأنه لا يعاني من سرطان، أو مرض خطير، لكن لم يتم تشخيص المرض، ومنع بعدها من مراجعة العيادة، بسبب الإجراءات الانتقامية، التي فرضت على المعتقلين بعد 7 أكتوبر.
ويعاني سالم اليوم من مرض “سكابيوس”، الذي تفاقم بشكل كبير في الآونة الاخيرة، وهو يطالب بالعلاج لكن دون جدوى.
ونقل المحامي على لسان المعتقل سالم:” الأوضاع قاسية جدا، والاعتداءات متنوعة ومتكررة، وتمارس بحقنا بشكل ممنهج، وادارة السجون تتعمد التجويع الجماعي بحقهم، ما أدى الى انخفاض أوزاننا، فأصبحنا كالهياكل العظمية، وأغلبنا نعاني من الهزل، والارهاق”. وكان قد اعتقل بتاريخ 15/01/2008، وصدر بحقه حكما بالسجن مدة 26 عاما.
المصدر: يمانيون
إقرأ أيضاً:
شمــال غــزة ينهــار
غزة- «عمان»- بهاء طباسي: في أحد أزقة بيت حانون الضيقة، جلست أمّ ناصر الغول على حجارة بيتها المهدم، تمسح بقايا الغبار عن صورة طفلها الصغير. عيناها كانتا زجاجيتين، جامدتين، كأنّهما عالقتان بين زمنين؛ زمن ما قبل القصف، وزمن لا يحمل شيئًا سوى الصمت والخراب. كان ناصر، ابن الستة أعوام، يحب أن يركض في ساحة البيت الصغيرة، يلهو بكرة مهترئة صنعها من جوارب قديمة، لكنّ تلك الساحة لم تعد موجودة، ولا الكرة، ولا ناصر نفسه.
الركام يتكلم
تروي الأم، بصوت منهك، كيف علقوا تحت الأنقاض لأكثر من خمس ساعات بعد أن سقط الصاروخ الإسرائيلي على منزلهم ليلًا دون إنذار: «لم أسمع سوى صرخة ناصر- ثم ساد الصمت». تحاول أن تستجمع ملامحه في ذاكرتها، فتشعر بغصة في صدرها، وتقول: «كان يحب أن يحضنني قبل النوم- كنت أشم فيه رائحة الخبز الطازج والسماء».
بيتها اليوم أصبح أكواما من الباطون، وشقوق الأرض المفتوحة تفوح منها رائحة الموت والبارود. قالت: «لم أجد سوى إحدى فردتي حذائه الصغير، كانت تحت ركام المطبخ». تسكت برهة، ثم تهمس: «احتفظت بها.. لأني لم أحتفظ به»، ثم تنهار باكية.
لم يكن ناصر الوحيد، بل أحد عشر طفلًا من جيرانه قضوا في اليوم ذاته. تتجول أمّ ناصر بين الركام كل صباح، كأنها تبحث عن خيطٍ من الماضي، أو عن تفسير لحاضرٍ تساقط عليهم كالعاصفة. أطفال الحي، إن وجدوا، صاروا لا يضحكون، لا يركضون، فقط يراقبون السماء كمن ينتظر الرصاصة التالية.
الماء المالح والعيون اليابسة
في زاوية أخرى من البلدة، في مدرسة مدمّرة حوّلتها الحرب إلى ملجأ، التقت «عُمان» بالشاب أحمد شبات، 33 عامًا، والذي يقطن هناك مع أسرته بعد أن فُجّر منزلهم في أوائل مارس. لم يعد يعرف عدد الأيام، فـ«الليل يشبه النهار»، كما يقول، و«الظلام سكن القلوب قبل أن يسكن الجدران».
يحكي أحمد عن محاولاته توفير الماء لأمه المريضة، التي لم تتناول دواء الضغط منذ ثلاثة أسابيع: «نحمل جالونات فارغة ونسير لأكثر من ساعتين.. أحيانًا نجد قليلاً من الماء، وأحيانًا نعود بخُفي حنين». تمر الدقائق بين الحديث وهو يلهث، كأن التنفس صار رفاهية.
«أخاف أن تموت أمي بين يديّ ولا أجد كفنًا لها»، يقول لـ«عُمان» وهو يحدّق في الأرض. ثم يستطرد: «في الحرب، لا تخاف من الموت بقدر خوفك من أن يراك من تحب تتهاوى ولا تستطيع إنقاذه». في صوته رجفة، وفي عينيه ألف خيبة.
وحين سألناه عن أطفال المخيم، قال: «أطفالي يسألونني كل ليلة: هل سنموت؟ لا أملك إجابة.. فالموت هنا ليس خبرًا، بل احتمال يومي».
مدرسة سلمى ملجأً للجوعى
في مدرسة جباليا الثانوية، التي تحولت إلى مركز إيواء، تسكن المعلمة سلمى النجار، مع 45 فردًا من أقاربها في غرفة صف واحدة، تنام على أرضية مغطاة ببطانيات رطبة ورائحة العفن تملأ المكان. تقول بأسى: «أدرّس أطفال الحي سابقًا.. واليوم أعجز عن تهدئتهم عندما يسمعون أصوات الطائرات».
سلمى تؤكد أنّ أكثر ما يؤلمها هو عجزها أمام مشاهد الأطفال وهم يتقيؤون من قلة الطعام، أو ينهارون من الخوف عند كل صوت مدوٍّ: «طفلة تُدعى لين، تبلغ من العمر سبع سنوات، توقفت عن الكلام منذ مقتل والدها في قصف على سوق المشروع».
«أين المنظمات؟ أين العالم؟»، تسأل بحرقة، ثم تمسح دمعتها وتتابع خلال حديثها: «منذ أسابيع لم نتلق أي مساعدات- نعتمد على فتات الخبز، والماء الملوث». وتختم شهادتها قائلة: «نحن لا نعيش، نحن ننتظر- ننتظر نهاية لم نعد نميز فيها إن كانت نجاة أم فناء».
محاصرون تحت اللهب
في قلب حي الشجاعية، ذلك الحي الذي لطالما اشتهر بصموده ومقاومته، تنبعث اليوم أصوات الاستغاثة من بين الخيام الممزقة والجدران المشروخة. التقينا بسعيد الجعبري، ربّ أسرة من تسعة أفراد، يقطن في إحدى الزوايا الشمالية من الحي. يتحدث إلينا عبر هاتف نقال بالكاد تعمل بطاريته، فيقول: «نحن محاصرون تمامًا، لا نستطيع الخروج من منازلنا ولا من خيامنا المؤقتة.. القصف عشوائي، والمسيرات تفتح نيرانها دون سابق إنذار».
بحرقة، يصف سعيد المشهد من حوله: «الخيام تمزقت من كثرة الشظايا ونيران المدفعية، بعضها احترق تمامًا، وبعضها لا يصلح حتى لأن تحتمي به قطة».
يشير خلال حديثه لـ«عُمان» إلى أن أصوات القصف لا تهدأ أبدًا، وأن الأهالي باتوا يحبسون أنفاسهم كلما سمعوا طنين الطائرات، «لأن الطنين يعني الدم».
في فناء منزله المدمر، يعيش مع عشرات العائلات الأخرى، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن: «كلنا في خطر، لدينا مرضى بحاجة إلى أدوية عاجلة، ولا سبيل للوصول إلى أي نقطة إسعاف. ندفن المصابين في زوايا الخيام ونحاول إسكات أنينهم كي لا نجذب القصف».
وتابع لـ«عُمان»: «طفلتي الصغيرة أُصيبت بشظية في قدمها، ومنذ يومين ننظف الجرح بماء مالح لأن لا دواء ولا شاش لدينا».
سعيد ختم كلامه بنداء يائس: «نناشد كل الضمائر الحية في العالم، نناشد المؤسسات الإنسانية... أنقذونا. لا نريد شيئًا سوى ممر آمن.. لم نعد نحتمل، كل لحظة تأخير هي حكم إعدام جديد على أحدنا».
عطشٌ في المدينة
في مدينة غزة، لا يقتصر الحصار على القصف والموت، بل يمتد إلى أكثر أشكال الحياة بدائية: الماء. فقد أعلنت بلدية غزة في بيان صحفي، اليوم، عن أزمة عطش خانقة تعيشها أحياء المدينة، لا سيما المناطق الشرقية، بسبب توقف خط مياه «ميكروت» الذي كان يمر عبر حي الشجاعية وتغذيه.
وجاء في البيان: «منذ تصعيد العدوان الأخير وتكثيف القصف على حي الشجاعية، تضرر خط ميكروت بشكل بالغ، ما تسبب في انقطاع المياه عن أكثر من 300 ألف نسمة، معظمهم من العائلات النازحة المقيمة في مراكز الإيواء المؤقتة». وأوضحت البلدية أن طواقمها «عاجزة عن الوصول إلى منطقة العطل بسبب استمرار القصف وخطورة التحرك الميداني».
في حيّ الزيتون القريب من الشجاعية، تقول أم خليل ياسين، إنها لم تشرب كوب ماء نظيف منذ خمسة أيام، وتعتمد على ما تجمعه من مياه آبار ملوثة. مصيفةً: «أُصيب حفيدي بإسهال حاد.. الطبيب قال إن السبب تلوث المياه، لكن من أين نأتي بماء؟ السماء لا تمطر، والحنفيات تبكي هواء».
وتؤكد بلدية غزة أن شبكات المياه البديلة غير قادرة على تغطية هذا الانقطاع، وأن الحل الوحيد هو إصلاح خط ميكروت، وهو ما يتطلب «وقفًا فوريًا لإطلاق النار» وتأمين ممر للمهندسين. وتختم بعبارة موجعة: «العطش بات سلاحًا جديدًا في الحرب... سلاحٌ صامت لكنه قاتل».
أبواب الجحيم تُفتح شمالًا
في بيان صدر بتاريخ 3 أبريل 2025، صرّحت منظمة أوكسفام، وهي اتحاد دولي للمنظمات الخيرية التي تركز على تخفيف حدة الفقر والحروب في العالم، أن الوضع الإنساني في شمال قطاع غزة وصل إلى «نقطة الانهيار الكامل».
وجاء في البيان: «لم تدخل سوى 12 شاحنة مساعدات إلى شمال غزة خلال شهرين ونصف، وهو أقل من 2% مما كان يُدخل يوميًا قبل استئناف الحرب في 18 مارس الماضي».
وأشارت المنظمة إلى أن المدنيين يعانون من الجوع والعطش الحادين، مع غياب شبه كامل للخدمات الطبية، بعد تدمير المستشفيات أو إغلاقها بسبب انعدام الوقود. وأضافت: «العائلات تأكل أوراق الشجر في بعض المناطق، والمياه النظيفة شبه معدومة».
أوكسفام وصفت الوضع في شمال غزة بأنه «كارثة إنسانية لم يشهدها القرن الحالي في أي منطقة نزاع». وقال المتحدث باسم المنظمة في الأراضي الفلسطينية، طارق أبو سعدة: «ما نشهده هو عقاب جماعي شامل، يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء».
كما شددت على أن استمرار العمليات العسكرية ومنع دخول المساعدات يرقى إلى مستوى «جريمة حرب»، داعيةً المجتمع الدولي إلى «التحرك العاجل دون تأخير».
المنظمة طالبت بفتح ممر إنساني دائم وآمن لشمال غزة، والسماح بعمل فرق الإنقاذ، مشيرة إلى أن «ما تبقى من أرواح هناك لا يمكنها الصمود أكثر من ذلك».
هل يسمع العالم من في الحطام؟
مع استمرار التوغل الإسرائيلي في مناطق شمال قطاع غزة، وتوسع المنطقة الأمنية المعلنة، يتزايد عدد النازحين الذين بلغوا ما لا يقل عن 280 ألف شخص خلال أسبوع واحد فقط. يعبر سكان المنطقة عن شعورهم بأنهم محاصرون بين نارين: الجوع والموت. مع غياب البنى التحتية، وتدمير شبكات المياه والكهرباء، ومحدودية الاتصالات، لم تعد المنظمات قادرة على إيصال مساعدات كافية. بلغة بسيطة، يقول طفل نازح في مركز الإيواء: «نريد خبزًا لا نريد أن نموت مثل ناصر». في خضم هذا الانهيار، يبقى السؤال معلقًا في السماء التي تُمطر صواريخ: متى ينتهي هذا الجنون؟ ومتى تعود غزة لتتنفس الحياة بدلًا من الدخان؟.