لجريدة عمان:
2025-03-28@23:25:30 GMT

الزمر لوحات من الصراخ والبكاء والضحك

تاريخ النشر: 25th, September 2024 GMT

الزمر لوحات من الصراخ والبكاء والضحك

قدَّم الأخوان جاسم وعبدالله البطاشي العرض المسرحي التنافسي الثاني لمهرجان المسرح العماني الثامن، الذي حمل عنوان «الزمر»، واللذان طرحا من خلاله أسئلة ومضامين حول ما تعانيه شخصيات المسرحية من صراعات نفسية عميقة وأزمة هوية قاسية، وصارعت شخصيات العرض تداخل الأفكار المظلمة التي تعكس الحيرة والشتات النفسي، فيما تتبادل الشخصيات فيما بينها الحديث والصراخ والضحك والصمت فـي محاولة يائسة لفهم أنفسهم والعثور على إجابات لماهية العبث والرحيل والوحدة والغياب والعذابات والاشتياق والموت وسؤال الحقيقة.

وفي الجلسة التعقيبية التي تلت العرض ترجمت الدكتورة عزة القصابية العرض على أنه يتحدّث عن عائلة تعاني فيها كل شخصية من صراعات محددة؛ فالأم تعاني من الصرع والابن يعاني من العيش فـي الماضي، والابن الأوسط يعاني من الوسواس القهري، فيما الفتاة -حسب تعبير القصابية- تتكشف مع الأحداث وتتعرى من الداخل فهي ابنة غير شرعية للأسرة، وهي فتاة متمردة على الواقع وتدخل فـي شجار دائم مع الآخرين فـي الأسرة.

وقالت الدكتورة عزة القصابية: «المخرج هرب من تحديد الشخصيات وألبسها اللباس نفسه، وهو الكفن وكأنها عائلة فـي اللازمان واللامكان، بائسة تبحث عن ذاتها فـي حرب مع بعضهم فـي شيء من العبثية وعالم الموت والآخر»، مضيفة: «التعبيرية حاضرة من خلال الدماء والبحث عن الذات». وأشارت القصابية إلى إشكالية الإضاءة وخروج الممثلين فـي الظلام، لافتة النظر إلى المجاميع الكبيرة على الخشبة التي ترتدي الزي نفسه، واقترحت تقليلها «لأن ذلك أحدث تداخلا بين المجاميع وشخصيات العمل الرئيسية، الأمر الذي شتت المشاهد وأضاع المحورية». وأعربت القصابية عن إعجابها بمساحات الصمت فـي العمل، إلى جانب الأزياء والأقنعة. وحول الحوارات قالت: «مساحة الحوار السردي طويلة ما جعلها تغطي على الصورة البصرية والرؤية البصرية، والتقليل من الحوار كان سيمكن من رؤية الصورة الجمالية على المسرح». وحول الإضاءات فـي العرض قالت: «الإضاءة الزرقاء والصفراء تأكيد على الحلم وشيء من اليقظة، وحسب النص فالأب مات لكنه ظهر على شكل شبح فـي الخشبة وهذا بحد ذاته مشهد رائع».

وقال المعقب الثاني على العرض، المغربي سعد كريمي فـي مطلع حديثه: «المأساة والرؤية المأساوية والتراجيدية لا تخص الإغريق فقط، بل لكل عصر مأساة وتراجيديا، والدراما الحديثة تعج بالمآسي، والعرض هذا اختزال لمآسٍ حقيقية يعيشها أفراد داخل أسرة واحدة، باحثين عن مخلّص وعمّن ينتشلهم من الوضعية التي يعيشون فيها، وخوفهم من المجهول جعلهم يتصارعون بحثا عن حقيقة غائبة، فـي حين العلاقات تتشابك بينهم».

وفي حديثه عن الشخصيات قال: «جعلها المخرج بلا ملامح وهذا عمل مقصود لأنها تتشابه حد التطابق فـي معاناتها وانتظاراتها المفتوحة ونوعية الصراعات التي تعيش بداخلها التي جعلتها فـي حالة جنون؛ فالزوجة تعاني من الصرع ومن أمراض أخرى، وهم يهذون والهذيان هو تعبير عن جنون فـي عمقه تكمن الحقيقة، والجنون ثيمة عالجها المخرج من خلال الشخصيات وهو مرض اجتماعي نفسي ونسبي ولا يمكن أن نحكم على المجنون ونطرده من الحياة وإلا فإننا نمارس ديكتاتورية العقل».

وتابع حول الجنون: «الجنون حاضر بقوة من خلال جرعة من الحوارات والتشابك بين الشخصيات من خلال ملامح الشخصيات والعلامات والسينوغرافيا التي أسهمت فـي هذا الجو الذي خلق من الاكتئاب والتشظي فـي الشخصيات والموسيقى والسينوغرافيا والإنارة والإكسسوارات والديكور الذي نزع نحو الثبات والتحول، ما خلق جوا من عمق مأساوي وصراع ونوع من السردية؛ فـي محاولة لتوظيف مختلف عناصر ولغات المسرحية المرئية والمسموعة، واشتغال النص مختلف عن المكتوب بل خرج من شرنقته وهناك قدرة على تجاوز المؤلف الإله».

وأضاف: «العرض مكون من ٩ مشاهد وقفز على بعض التفاصيل، والشاعرية كانت حاضرة على مستوى الحوارات، أما لغة النص فلم يعط الممثلون الكلمات حقها لنستمتع بالنص، وثيمة العبث تمثلت مفرداتها من خلال التيه عبر شخصيات تائهة تبحث عن حقيقة، أما الحلم فما لم نحققه فـي الواقع نحققه بالحلم الذي تتكسر من خلاله العوائق، واستحضار الحلم وتوظيفه بشكل قوي كان واضحا داخل هذا العمل، أما ثيمة الانتظار فالشخصيات فـي قاعة انتظار كبرى تنتظر ما يأتي وما لا يأتي».

وتابع: «البطاشي واع باشتغاله ويكرس هذا المنحى، أما الإيقاع فاتبع طالعا لكن الإفراط فـي الصخب كان كثيرا، إلى جانب التوظيف المجاني للضحكات الهستيرية التي ألفناها فكان يمكن تلافيها لأنها أحيانا لا تضيف». وأشار كريمي إلى أنه كان يمكن توظيف طاقة الممثلين أكثر وإخراج ما يفيد العرض، ولفت إلى أن العرض فيه إشراقات ولمسات فنية لا يمكن إلا أن نثمنها ومجموعة من الهنات والبيضات التي يمكن تجاوزها.

الفعاليات الصباحية

وافتتح اليوم الثالث من المهرجان بورشة بعنوان «إخراج مسرح العرائس» قدّمتها الأستاذة ختام السيد، عرّفت فيها المشاركين على مسرح العرائس، ومَن هو مخرج مسرح العرائس، وماذا يقدم على الخشبة، بالإضافة إلى تكنيك إخراج مسرح العرائس، وحركة الممثل وقدرته على تحريك الدمية، والجملة القصيرة ضرورة فـي مسرح العرائس. وعقدت فرقة السلطنة للثقافة والفن مؤتمرا صحفيا تناولت فيه العرض الذي تشارك به فـي المهرجان «أصحاب السبت» الذي يتناول العمل والعمال فـي ظل وجود الرحى وتدخل الطبيعة فـي صنع القرارات، الأمر الذي يجعل من هذه القرارات نقمة على صاحب الرحى والعمل، ومثّل الفرقة فـي المؤتمر الدكتور مرشد راقي وحاوره الفنان أحمد العويني، وتحدّث عن الفرقة وتاريخها وتطلعاتها ومشاركاتها المحلية والخليجية ومشاركتها الحالية فـي المهرجان والأسماء التي تعاونت معها، والأعمال المشتركة كذلك مع مجموعة من النجوم لتقديم أعمال ناجحة ورائعة.

وتحدث راقي عن المشاركة الحالية وتحدياتها على المستوى التقني والفني والجغرافي؛ كون مسرح العرفان مسرح كبير وزاخر بالإمكانيات والتقنيات المتطورة، والمتغيرات على مستوى السينوغرافي والإخراجي والتنفيذي وغيرها. وأكد على أن هناك تغييرات فـي العرض الذي سيُقدَّم عن العرض الذي قُدِّم أمام لجنة المشاهدة.

«نحو مسرح عماني فاعل»

وأقيمت فـي اليوم الثالث ندوة حملت عنوان «نحو مسرح عماني فاعل»، حاور فيها الدكتور سعيد السيابي مجموعة من الباحثين والمهتمين بالمسرح العماني الذين تناولوه حسب زوايا اختصاصاتهم.

بدأ الأستاذ والفنان أحمد الأزكي أولى هذه الزوايا «الكوميديا فـي المسرح العماني: الأهداف والغايات» واصفا الكوميديا بأنها أصعب من التراجيديا، وقال: «عند تعريف الكوميديا يقال عنها إنها مسرحية خفيفة تؤلف للتسلية، ويقال إنها تعني تأليف مسرحية لها حبكة تثير الضحك، وتدعو للتسلية، وللكوميديا مرادفات منها: الملهاة، الهزل، السخرية، الطرافة، فتعددت المسميات والهدف واحد هو الضحك». وأشار إلى أن هناك فروقا واضحة بين الكوميديا والتهريج والكوميديا والإسفاف، مؤكدا على أن الكوميديا علم وما يحدث فيما يسمى بالكوميديا هو خارج عن هذا المعنى، لافتًا إلى أن الكوميديا تطرح العديد من الأسئلة المهمة التي تتعلق بالحياة والمجتمع، وتساءل: كيف يمكن أن تساعد الكوميديا فـي معالجة القضايا الاجتماعية؟ وهذا يخرج عن كونها للتسلية فقط، إلى أي مدى يمكن أن تستخدم الكوميديا للتعليق على موضوعات حساسة؟ وما الموضوعات التي يمكن أن يتولد عنها الضحك وفـي الوقت نفسه تعالج القضايا؟ هل يمكن أن تؤثر فـي وجهات نظر الجمهور؟

وعرج الأزكي على المسرح الكوميدي فـي سلطنة عمان متسائلا عن الخصومة بين الكوميديا على مستوى الوطن العربي وبين المهرجانات والأعمال الكوميدية، وقال: «ألا ترقى أن تكون الكوميديا منافسا فـي يوم من الأيام. الفوز الحقيقي هو إمتاع الجمهور وهذا فوز بحد ذاته، لماذا هناك فجوة بين المسرح الكوميدي ومشكلات المجتمع؟ هل الكوميديا تخصص؟ لا تدرس الكوميديا على أنها تخصص والإحساس الذي نجده فـي التراجيديا أيضا لا يدرس». وعن التجارب العمانية مع الكوميديا المسرحية قال: «بدأنا بمهرجان المسرح الكوميدي لفرقة الرستاق، لكننا نريد أن تتبنّى الوزارة موضوع المسرح الكوميدي فـي عمان حتى يكون له تميزه وتفرده، كما نريد أن يهتم الكتّاب العمانيون بكتابة النصوص الكوميدية، لأن هناك إحجامًا واضحًا عن المسرح الكوميدي». وأضاف: «المسرح العماني عندما بدأ فـي عام ٦٨ بدأ بأعمال كوميدية حتى جاء المسرح التجريبي وأصبح المسرح الكوميدي معلقا». وتناول الشاعر والكاتب المسرحي عبدالرزاق الربيعي الاستثمار فـي المسرح، مؤكدا على أن المسرح يجب أن يوفر دخله الخاص للعاملين فيه، وتساءل كيف نستطيع أن نستثمر فـي مجال المسرح ونحن نعيش فـي مجتمعات يعتبر الثقافة ترفا وترويحا للنفس، وليست ركنا أساسيا؟ كيف نستطيع جعل المسرح مصدرا يدر علينا أرباحا وعوائد كالمصانع والحقول؟

وقال: «يجب أن نعيد مفهومنا للثقافة، ففـي الغرب عائدات المسرح تعادل عائدات قطاعات مهمة وعندما يتوقف المسرح تدعمه الدولة بالمليارات، ففـي عرض حضرته بلندن عام ٢٠١١ كان سعر التذكرة ٤٠ باوند وعندما تحضر تجد طوابير تنتظر وعندما تخرج تجد أيضا طوابير تنتظر والعروض مستمرة طوال اليوم، ومتوسط عائدات المسرح بلندن ٧٢٠ مليون دولار و٢٠ مليون شخص يأوون للمسرح سنويا، وفـي فرنسا تقول الإحصائيات إن القطاع الثقافي حقق دخلا يساوي خمسة أضعاف دخل قطاع السيارات».

وأضاف: «معظم المسرحيات لدينا مجانية وبدعوات. المسرح لا يعتمد فقط على شباك التذاكر بل أيضا على المقاهي التي تُشغل فـي الاستراحات، فالعائدات من الاستراحات أكثر من عائدات شباك التذاكر نفسه، كذلك القمصان والأكواب للشخصيات المسرحية كتذكرات يشتريها الجمهور، إلى جانب الاستثمار فـي المباني والقاعات التي تمتلكها الفرق، لذلك علينا تقديم مادة تجلب الجمهور وعروض تجر الجمهور للمسرح وتجعله يتسابق لمشاهدتها وبالتالي نستثمر وجود هذا الجمهور بكافة الأنشطة الممكنة».

وتناولت الدكتورة كاملة الهنائية «مسرح الطفل فـي عمان: الواقع والتطلعات» وعرجت على تاريخ العروض العمانية المسرحية المقدمة للطفل منذ السبعينيات ومراحلها التي تأثرت بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد والتي كلما استقرت الأوضاع زاد تقديمها، فمن عرض واحد فـي السبعينيات إلى ١٢ ثم ٣٥ ثم ٥٠ عملا خلال السنوات التالية وشهدت تطورا على مستوى الجودة والنوع.

وذكرت الهنائية «فرقة أطفال عمان» التي قدمت عملا مسرحيا واحدا ثم توقفت وكانت فرقة متخصصة لتقديم أعمال مسرحية للطفل، وقالت: «هناك فرق مسرحية تهتم بمسرح الطفل، وفـي التسعينيات ظهر كتّاب عمانيون اهتموا بمسرح الطفل، إلى جانب نشر هذه النصوص التي كنا كباحثين نجد صعوبة فـي الحصول عليها».

وأضافت: «هناك تطور على مستوى القضايا والثيمات إلى جانب الأهداف التربوية والترفيه والتسلية، فمسرح الطفل هو عيد فني مليء بالضحكات بحيث لا يخلو من الرسائل القيّمة» وتابعت: «منذ ٢٠٢٠ أدرج قسم ثقافة الطفل وهذا شيء إيجابي، وهناك ٦ مهرجانات نظمت لمسرح الطفل من قبل فرق مسرحية أهلية، لكن النظرة الهامشية لمسرح الطفل إلى جانب الموسمية والتقطع تشتت الجهود، لذلك نحتاج اهتماما رسميا بمسرح الطفل».

وقرأ الدكتور سمير العريمي النص المسرحي العماني بين التقليد والتجديد «قراءة عابرة لتحليل مضامين الإصدارات المسرحية لوزارة الثقافة والرياضة والشباب»، ومن الإصدارات التي قدم فيها العريمي قراءة تحليلية «نصف الكأس» للكاتب محمد بن سيف الرحبي، ونص «ولادة.. النحاتة.. الخشاب» للكاتب سعيد السعدي، ونص «اللي أوله شرط» للكاتب أحمد الأزكي، ونص «رحلة إلى الطين» للكاتب ياسر البلوشي، ونص «قرية الامتعاض» للكاتب عادل الرديني، ونص «الأسماء قافرة الأثر» للكاتب إدريس النبهاني، ونص «أصفاد» للكاتب عبدالله الرواحي، ونص «الرزحة والتعويبة» للكاتب عبدالله البطاشي، ونص «رشحوني» للكاتب محمد المعمري، ونص «شهادة من الميدان» للكاتبَيْن محمد خلفان وجلال جواد.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المسرح الکومیدی المسرح العمانی مسرح العرائس مسرح الطفل على مستوى إلى جانب من خلال یمکن أن على أن إلى أن

إقرأ أيضاً:

بين تاريخين قراءة في رواية «ج» للكاتب عبدالله الزماي

تقدم رواية «ج» للدكتور عبدالله الزماي والصادرة عن دار رشم، تجربة سردية تتجاوز البعد الشخصي لتلامس موضوعات أوسع، مثل الذاكرة الجمعية، والهوية القروية، والتفاوت الاجتماعي، حيث تشكل القصة الإطار وسيطًا يعكس تناقضات الحياة، وقد أشار جيرالد برنس إلى أن «القصة الإطار ليست مجرد تقنية شكلية، بل هي وسيلة لخلق تعددية في المنظور السردي، مما يسمح بتقديم رؤية أعقد للحدث الروائي». وهكذا يتعدد المنظور بين الماضي والحاضر، وبين الطفولة والنضج، وبين الريف والمدينة، وينعكس هذا الاختيار على تقنيات العمل السردية، حيث ينأى المؤلف بنفسه عن التدخل المباشر في تفسير الأحداث، مفضلًا أن تظل التجربة ذاتية من منظور الشخصيات. ويعزز هذا النهج الطبيعة الأدبية للعمل، إذ يترك للقارئ حرية التفاعل مع النص وإعادة تأويله وفقًا لتصوراته الخاصة.

يُبنى العمل على فكرة القصة الإطار، حيث تسرد الرواية رغبة المؤلف في كتابة عمل تاريخي حول نشأة المملكة العربية السعودية. غير أن هذه النية تتحول إلى انشغال بأحداث أخرى، حين يجد نفسه أمام ما يصفه بــ«الرواية الجاهزة»، والمتمثلة في مجموعة من الأوراق والمذكرات التي كتبها أخوان، هما محمد وعبدالله، واللذان عاشا في قرية صغيرة تدعى «جيم». تعتمد بنية الرواية على التناوب في السرد بين الأخوين، مما يشي باقتناع السارد بأن التاريخ والنشأة لا ينفك عن الجماعة الاجتماعية وتحولاتها، إذ تتداخل الرؤى والمشاعر بين الشخصيتين الرئيسيتين، وهو ما يمنح الرواية بعدًا نفسيًا واجتماعيًا يعزز عمقها الدرامي ويعيد التأمل في مفهوم التاريخ الذي يتشكل عبر معادلة المكان وشخوصه وتقلبات الزمن.

يبدأ السرد بفصل يحمل عنوان «محمد»، وهو مستلهم من مذكراته الشخصية، حيث يتناول فيه يوم «البسطة» في قرية «جيم»، وهو اليوم الذي تفضل فيه النساء الخروج والسير في الأماكن العامة، وإن أتيحت لهن الفرصة، استقلال العربات. يركز السرد في هذه المرحلة على تصوير الحياة اليومية في القرية من خلال منظور الطفل محمد وقد أتصور أنها بديل عن «الرواية التاريخية» إذ يتحول البطل إلى نموذج مصغر لعين تدرك المكان تاريخًا ونشأة وحلمًا. يبدأ التاريخ بإدراك الطفل لما حوله ومحاولاته لتكوين مجموعة من العلاقات الاجتماعية؛ فيبدأ السرد بأقربها وهي علاقته بأخيه عبدالله، فيستعرض لحظات الطفولة التي تجمعهما، مما يعكس طبيعة الروابط الأسرية في البيئة القروية على مستوى مباشر، كما يعكس رغبة الفرد في توطيد علاقته بالجماعة أو فهم مراحل تشكلها. وتقوم تفاصيل الحياة في القرية بعرض قوانين هذا المشترك التاريخي حيث تظهر التقاليد والعادات الحاكمة للسلوكيات العامة، مثل أعراف السير في الشوارع، وارتياد السوق، وطبيعة التعامل مع النزاعات الاجتماعية.

مع تطور وعي محمد، يبدأ في إدراك أن «المدينة» تمثل عالمًا مختلفًا عن قريته الصغيرة، حيث إنها مقصد المرضى والمسجونين والمتوفين، فضلاً عن امتلاكها سراديب خفية تجعلها عالمًا مخيفًا وغير مألوف مقارنةً بالقرية. وأجد من خلال هذا التباين، انكشافا لمفهوم التحول المكاني في الوعي الفردي، إذ إن خروج الطفل من حيزه المحدود ومقارنته بعوالم أخرى يولّد لديه إدراكًا جديدًا لموقع قريته في سياق أوسع ربما يمثل إدراك الإنسان لوجوده وماهيته وسط هذا العالم. وهذا ما يتقاطع مع رؤية ميشيل دي سيرتو عندما يقول: «المكان ليس مجرد فضاء جغرافي، بل مجموعة من العلاقات المتبادلة بين الأفراد الذين يقطنونه، ويُعاد تشكيله وفقًا لخبراتهم ورؤاهم الخاصة».

تتناوب البطولة بين محمد وعبدالله، مما يتيح استعراض تفاصيل الحياة من زاويتين مختلفتين تسمح علاقتهما الأخوية بتدعيم فكرة الفوارق الفردية الإدراكية للجماعة الواحدة؛ خاصة حين يتسم السرد بدفقة شعورية مكثفة، حيث تتجلى مشاعر النمو والتنافس والحميمية والمحبة بين الأخوين في سياق الإحساس بالمسؤولية لدى الأخ الأكبر محمد تجاه عبدالله، وشعور الأخير بامتياز أخيه الكبير، مما يخلق توازنًا دقيقًا في العلاقة بينهما مع إتاحة فرصة تقبل تباين الوعي لدى أفراد الجماعة الواحدة، حيث يتداخل الشعور بالمحبة مع مشاعر التنافس الطفولي. لا يغفل النص إبراز علاقة الأخوين بعائلتهما، مما يرسّخ صورة العائلة بوصفها كيانًا أساسيًا يورث عددًا من القيم والسلوكيات الاجتماعية والنفسية التي يرى فيليب أرييه فيها «العلاقة بين الأشقاء في النصوص الأدبية تعكس طبيعة التكوين الاجتماعي، حيث تُمثل الأسرة فضاءً لبناء الهوية والتجربة الشعورية». وتستميل معها إعادة النظر في التاريخ المتوارث للشعوب الذي يشكل بدوره دافعًا اجتماعيًا على مستوى أصغر متمثلًا في الأخوين.

مع تقدم السرد، تنمو معرفتنا بالمكان «جيم» بالتوازي مع نمو وعي البطلين، خاصة عند خروجهما من حيز القرية الضيق ومقارنتها بقرية «جويم»، التي تبدو لهما أكبر حجمًا وأكثر حداثة. هذا التباين بين القريتين يعكس اختلاف درجات التطور الاجتماعي والعمراني بين المناطق الريفية، كما يمثل على مستوى آخر الدهشة التي تجتاح الإنسان حين ينتقل من محيط آمن خاص محدود وضيق إلى مساحة أرحب تمثل الآخر الحضاري. ويسلط عبدالله الضوء على كيفية تأريخ الأحداث في قريته من خلال الذكريات والمواقف التي حدثت لأفرادها، وهو ما يشير إلى دور الحكي الشعبي والتاريخ الشفوي في تشكيل الذاكرة الجمعية. ووفقًا لما يؤكده بول ريكور فإن «الذاكرة ليست مجرد استرجاع للوقائع، بل هي إعادة بناء مستمرة تتأثر بالسياق الاجتماعي والتجربة الفردية». سيثري السرد سياقه الاجتماعي بعدد من الأحداث الخاصة وفي سياق ذلك يتناول حادثة مقتل «غازي» على يد «زيد»، حيث اتُّهم الأول بالتلصص واستراق النظر إلى «حوش الحريم» في بيت «آل زيد». يعكس هذا الحدث طبيعة القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، التي تشكل مفهوم «الشرف» كحجر الأساس في العلاقات الاجتماعية، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بعواقب قاسية تصل إلى حد القتل والثأر. وتعيدنا هذه التفصيلات إلى إدراكنا لقوانين الحضارة التي لا تتشكل سوى عبر تقنين مجموعة من الأعراف الأولى تماما كما حدث خلال هذه الحادثة. فتقدم الرواية نقدًا ضمنيًا للبنية الاجتماعية التي تحكمها الأعراف والتقاليد المتوارثة، حيث تبرز القصة كيف يتم تأويل الأفعال والممارسات في ضوء معايير صارمة.

هكذا يتجلى عالم الطفولة في الرواية بوصفه مرآة تعكس موقع القرية ضمن محيطها الأوسع، ويصبح بديلا لفكرة «التاريخية» مستعرضا الفوارق الاقتصادية والاجتماعية داخل الجماعة الواحدة كنموذج مصغر للعالم الأكبر. فبينما يعتمد الأطفال القرويون على ابتكار ألعابهم من المهملات والأدوات البسيطة، فإن «علي» ابن الخالة القادم من الرياض يظهر كنموذج للحياة الأكثر تطورًا، حيث يجلب معه ألعابًا حديثة تعكس تطور الحياة في المدينة مقارنةً بالريف. يعكس هذا التباين الفجوة بين أنماط الحياة المختلفة، كما أنه يُبرز شعور الأطفال القرويين بالانبهار وربما الإحباط عند مواجهة أشكال الحياة الحديثة. وتؤكد ماري لور رايان أن «السرد من منظور الطفل لا يهدف إلى إعادة إنتاج الواقع فقط، بل يسهم في خلق نوع من الإدراك التأويلي الذي يعيد صياغة الحدث وفق حساسية خاصة».

تنتهي الرواية بخاتمة تُفسر وجود الحكاية، حيث يتحدث محمد عن الدافع وراء كتابة هذه الأوراق، مشيرًا إلى رؤيته لأخيه عبدالله وهو يكتب، وعدم رغبته في الاطلاع على ما يكتبه خشية اكتشاف شيء يؤذيه، مما يشير إلى العلاقة المعقدة بين الكتابة والذاكرة، حيث تصبح الكتابة وسيلة لإعادة بناء التجربة ومراجعتها، لكنها في الوقت ذاته تحمل خطر المواجهة مع الماضي. ويأتي بعد ذلك «أبو فهد»، ليعثر على مذكرات الطفلين داخل منزل اشتراه في القرية ليتمم القصة الإطار ويبررها، ويتخذ من تعليقه ما يؤكد صدق المنظور الطفولي، مع الإشارة إلى أن بعض مجريات الأحداث قد لا تكون واضحة تمامًا للأطفال، كما يحدث تمامًا في تناول التاريخ الأكبر أحيانًا.

د. زينب محمد عبد الحميد ناقدة ومترجمة

مقالات مشابهة

  • المسارح تضئ أنوارها بالقاهرة والإسكندرية لاستقبال جمهور عيد الفطر المبارك
  • روح الأداء التي لايمكن كبتها
  • تياترو الحكايات| فرقة الكوميدي العربي.. حلم عزيز عيد الذي لم يكتمل
  • حين يصبح الألم إبداعا.. سوسن شوربا التي حولت التمثيل إلى مقاومة
  • تعرف على أعضاء لجنة تحكيم مهرجان SITFY-Georgia في دورته الأولى
  • استعراضات وغناء وكوميديا.. «سجن النساء» يزين مسرح السلام في هذا الموعد
  • قصور الثقافة تقدم "غابة الأمنيات" ضمن عروض مسرح الطفل.. صور
  • مهرجان SITFY-Georgia يكرم ليلى خوريتي وزوراب كيبشيده في دورته الأولى
  • بين تاريخين قراءة في رواية «ج» للكاتب عبدالله الزماي
  • الكوميديا السعودية تكتسح شاشات رمضان