في وداع الشّيخ سالم بن حمود المالكيّ
تاريخ النشر: 24th, September 2024 GMT
ودّعت عُمان فـي أيامها الأخيرة العديد من رموزها الثّقافـيّة والفقهيّة والأدبيّة والتّأريخيّة، فقد ودعت السّيّد عبد الله بن حمد البوسعيديّ، وله دور كبير فـي النّشاط الثّقافـيّ المبكر من خلال مركز الفراهيديّ فـي القاهرة، ودعمه للمؤسّسات الثّقافـيّة فـي عمان، كما ودعت قريبا جدّا الفقيه النّحويّ نبهان بن سيف المعمريّ، من تلاميذ مدرسة الإمام محمّد بن عبد الله الخليليّ (ت 1373هـ)، وودعت قبل أيام أيضا أحد رموز شعر الحداثة فـي عمان والوطن العربيّ زاهر الغافريّ، حيث ارتبطت قصيدة النّثر به، مع الشّاعرين سما عيسى وسيف الرّحبيّ، كما ودعت عُمان غير هؤلاء الثّلاثة فـي فترة قريبة جدّا.
وفـي ليلة الاثنين الماضي وصلنا خبر وفاة الفقيه الوالي سالم بن حمود المالكيّ، وهو ذاكرة فقهيّة وأدبيّة وتأريخيّة، يحفظ العديد من أبيات النّظم العمانيّ، خصوصا من جوهر النّظام للشّيخ السّالميّ (ت 1332هـ/ 1914م)، ومن كتاب غاية المرام فـي علمي الأديان والأحكام لجدّه العلّامة عامر بن خميس المالكيّ (ت 1346هـ/ 1928م)، كما أنّه ذاكرة للعديد من أحداث عمان خصوصا فـي نهايات القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لما سمعه ممّن عاصرهم عن أحداث جدّه الشّيخ عامر، ودوره السّياسيّ والفقهيّ والاجتماعيّ والأدبيّ فـي الحراك الّذي حدث فـي عمان، خصوصا فـي النّصف الأول من القرن العشرين، كما أنّه ذاكرة لأحداث النّهضة الحديثة فـي عمان بعد عام 1970م، وللأسف نفقد مثل هذه الشّهادات بموت أصحابها، وإن كان هناك حاليا شيء من الاهتمام المحمود من قبل هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنيّة، فـي توثيق الذّاكرة الشّفويّة العمانيّة.
وقد ترجمتُ له فـي مقدّمة كتاب المنبع المورود لعمّه القاضي سعود بن عامر بن خميس المالكيّ (ت 1403هـ/ 1982م) فهو «من مواليد سيح الحيل بولاية وادي بني خالد من المنطقة الشّرقيّة بتأريخ 28 صفر 1354هـ -30 مايو 1935م- نشأ وترعرع وسط أعمامه، ودرس القرآن على يد والده المعلّم حمود، والشّيخ حمد بن محمّد الحجريّ، ثمّ درس العلوم الفقهيّة على يد عمّه القاضي سعود بن عامر المالكيّ، والشّيخ عليّ بن ناصر الغسينيّ، والشّيخ عليّ بن سالم الحباسيّ الحجريّ، وفـي بداية السّبعينات عين نائب والي فـي وادي بني خالد، ثمّ واليا بولاية دماء والطّائيين، ثمّ بولاية نخل ووادي المعاول، ثمّ ولاية جعلان بني بو حسن، وبعد تقاعده أصبح عضوا بمجلس الشّورى لثلاث مرات متتالية ممثلا عن ولاية وادي بني خالد، سافر إلى دولة تنزانيا فـي سن مبكرة لزيارة عمّه محمّد بن عامر بن خميس المالكيّ، وأكثر سفراته إلى الأراضي المقدّسة، والشّيخ سالم قمّة فـي التّواضع وحسن الخلق، بيته مقصد السّائلين، وكعبة المحتاجين، له حافظة قوية، يحفظ من التّأريخ والشّعر الشّيء الكثير، يقدّر طلبة العلم، وصاحب فكاهة ونكتة، وكرم وجود،
هو وابنه الشّيخ خميس بن سالم - حفظه الله -».
تعود معرفتي الشّخصيّة بالشّيخ سالم بن حمود المالكيّ إلى عام 2006م تقريبا، حيث كان لي درس أسبوعيّ فـي الفقه فـي جامع «طه» بالموالح الجنوبيّة بولاية السّيب بعد صلاة المغرب، ورأيته حاضرا لأحد تلك الدّروس، وبعد الدّرس حدث بيننا نقاش طويل فـي العديد من المسائل الفقهيّة، فقال لي: عندي مخطوطات لجدّي عامر بن خميس، وأريدها أن ترى النّور قبل فراقي لهذه الحياة، فهل تقوم بتحقيقها؟ حيث وعدني بعضهم وأخذها، ولكن لم يحدث شيء من ذلك، قلتُ له: أنا لست محقّقا ولكن ممكن أطبعها على الجهاز، وأقوم بتصحيحها، ولكنْ لي شرط واحد، قال: تفضل، قلت له لا أريد أن يتحوّل تصحيحيّ إلى مخطوط آخر، وإنّما تقومون بنشرها، وأنا لا أريد شيئا إلّا هذا، وفعلا أوفى بوعده -رحمه الله تعالى.
فقمت ابتداء بحصر تراث جدّه، فوجدته سبعة كتب رئيسة، أربعة منها طبعت، الأول «موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف» وهي أرجوزة فـي أصول الفقه فـي ألف ومائتين وخمسين بيتا، طبعتها وزارة التّراث القوميّ والثّقافة عام 1985م، وأعيد إدراجها وتحقيقها من قبل الدّكتور مصطفى باجو، ونشرت مؤخرا فـي الموسوعة الأصوليّة الإباضيّة المغربيّة؛ لأنّها نظم كتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلانيّ (ت 570هـ/ 1174م)، وهو من علماء الإباضيّة من وارجلان بالجزائر، طبعت من قبل وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة عام 2022م، والثّانية أرجوزة «غاية التّحقيق فـي أحكام الانتصار والتّغريق» فـي أربعمائة واثنين وتسعين بيتا، أدرجها الشّيخ سالم بن حمد الحارثيّ (ت 1427هـ/ 2006م) فـي كتابه العقود الفضيّة فـي أصول الإباضيّة، والثّالث «الدّر النّظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم»، طبعتها وزارة التّراث القوميّ والثّقافة عام 1982م، والرّابع منظومة فـي الدّماء والجروح نشرت فـي كتاب الدرّ النّظيم، كما نشر الدّكتور سعيد بن محمّد الهاشميّ بحث «الشّيخ عامر بن خميس حياته وأعماله»، وأصله بحث مقدّم لحوليات الآداب والعلوم الاجتماعيّة بدولة الكويت عام 2009م.
وعلى هذا بدأت فـي الكتب غير المطبوعة وأولها «غاية المطلوب فـي الأثر المنسوب» للشّيخ عامر بن خميس، وقد أخبرني الشّيخ سالم بن حمود المالكيّ عن الشّيخ سعيد بن ناصر السّيفـيّ أنّ الإمام محمّد بن عبد الله الخليليّ طلب منه الشّيخ عبد الله بن محمّد الرّياميّ والي بهلا وقاضيها بأن يرسل الشّيخ عامر بن خميس لحلّ المشاكل فـي ولاية بهلا، فامتثل الإمام له، وأرسل معه الشّيخ السّيفـيّ، ولمّا وصلا بهلا طلب الشّيخ عامر المخطوطات بالولاية، فقام فـي النّهار بحلّ المشكلات والفتوى، وفـي اللّيل بكتابة غاية المطلوب، وقد أنهى حلّ المشاكل وتأليف الكتاب فـي وقت واحد، والكتاب على نسق ذكر الآية المتعلّقة بالباب ثمّ الرّواية، ثمّ آثار المسلمين، والمالكيّ معتد بالأثر، وقد أنهيت تصحيحه صبيحة السّبت 12 محرّم 1432هـ/ 18 ديسمبر 2010م، وطبع على نفقة المرحوم سالم بن حمود عن طريق مكتبة الجيل الواعد عام 1433هـ/ 2012م.
والكتاب الثّاني قمت بمحاولة تجميع ما وجدته من فتاوى الشّيخ المالكيّ، ورتبتها حسب أبواب كتب الفقه، وأنهيت تجميعها مساء الاثنين 7 جمادى الآخرة 1435هـ/ 7 أبريل 2014م، وطبعت على نفقة المرحوم سالم بن حمود عن طريق مطبعة النّهضة عام 1436هـ/ 2015م.
والكتاب الثّالث فتاوى الشّيخ القاضي سعود بن عامر بن خميس، وهو عمّ الشّيخ سالم بن حمود، وأصلها مذكرة كتبها تلميذه القاضي سالم بن ناصر بن مسعود المالكيّ، وعنونها باسم «المنبع المورود من أجوبة القاضي سعود»، فاعتمدتها وزدت عليها ما وجدته، وأنهيتها صباح الأربعاء 8 جمادى الآخرة 1440هـ/ 13 فبراير 2019م، وطبعت على نفقة المرحوم سالم بن حمود عن طريق مكتبة مسقط عام 1441هـ/ 2020م.
والكتاب الرّابع كتاب «غاية المرام فـي علمي الأديان والأحكام»، وهي أرجوزة من بحر الرّجز تزيد على ثمانية وعشرين ألف بيت فـي الفقه، وبدأت فـيها، وأنهيت الجزء الأول، بيد أنّه زاحمتني مشاريع أخرى فـي التّعايش ونقد التّطرف، ثم الأنسنة، ومشروع المرحوم صادق جواد سليمان (ت 2021م)، وكنت آمل أن أنجزها فـي حياة الشّيخ سالم بن حمود، وكان يرجو أن تطبع فـي حياته، وكان كثير السّؤال عنها، لهذا أشعر اليوم بمرارة التّقصير فـي هذا الأمر، حيث كان المرحوم مرتبطا كثيرا بهذه المنظومة، ويكاد يحفظها عن ظهر قلب، لهذا أرجو أن ترى النّور قريبا بعونه تعالى.
وبلا شك أنّ جدّه الشّيخ عامر كان شاعرا أيضا، وله أبيات من غير المنظومات، ولعلّ بعضها محفوظ لم نطلع عليها، ومع هذا ما أدرك حاليا، وكان الشّيخ سالم - رحمه الله - محتفظا بتراثه، وأخرجه مرة لي، فوجدت ما ذكر، وكان آخر عهدي به قبل أقل من شهر، حيث زرته فـي بيته فـي بدية قبل أقل من شهر، وكان قد فقد سمعه بالكليّة، ومع هذا كان حاضر البديهة والذّاكرة، فرحمه الله ورضي عنه وغفر له.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: د بن عامر فـی عمان عبد الله
إقرأ أيضاً:
في وداع سيّد الشهداء!
-بالأمس، وفي مراسم تشييع اختلطت فيها مشاعر الحزن بالفخر، والوجع بالتحدي، والألم بالأمل، والدموع بزغاريد الانتصار، ودَّعت الأمة العربية والإسلامية واحدا من أعظم وأبرز رجالاتها الأفذاذ، ومجاهديها الميامين وقادتها الأبطال، ممن لا يستطيع الموت ولا الزمن محو آثارهم ومآثرهم ومناقبهم النبيلة، من عقول ونفوس البشر التوّاقين إلى الحرية والكرامة والمجد.
-عندما يكون الحديث عن شخصية بحجم ومكانة السيد المجاهد الشهيد الكبير حسن نصر الله، تذوب وتتلاشى مفردات صغيرة، على غرار المذهبية والطائفية والحزبية، وغيرها من سفاسف الأمور، فالرجل كان بحجم أمة، ومحل إجماع وإعجاب كل الشرفاء والأحرار في هذا العالم.
-زرت الجمهورية اللبنانية الشقيقة أكثر من مرّة، في زمان ما قبل الحرب العدوانية على اليمن، وفي كل زيارة لذلك البلد الجميل، كنت أزداد قناعة أن جميع طوائف الشعب اللبناني يُجمعون على حب واحترام وإكبار السيد نصر الله وأن تلك المشاعر الحميمية تجاه السيد لا تختلف أبداً من قبل السُني أو الشيعي أو المسيحي أو الدرزي أو الكردي، فأينما وحيثما جاءت سيرته تقابل بالثناء والإكبار.
-السيد حسن نصرالله وُلد في واحد من أكثر الأحياء فقراً وحرماناً في الضاحية الشرقية لبيروت، وأكمل دراسته الثانوية في قرية “البازورية”، وهناك انتسب إلى حركة أمل التي كانت معروفة آنذاك بـ”حركة المحرومين”، حيث أصبح بسرعة مندوب قريته، برغم صغر سنه، وبعد تأسيس “حزب الله “في مدينة بعلبك إثر الاجتياح الصهيوني للبنان، بدأ نصرالله عمله الجهادي منذ وقت مبكر من التأسيس وتولّى عددا من المسؤوليات فيه، ونظرا لشخصيته القيادية الفذّة، والكاريزما النادرة لديه سرعان ما لمع نجمه وذاع صيته، وفي السادس عشر من “فبراير” من العام 1992 تم انتخابه بالإجماع من قبَل أعضاء الشورى أميناً عاماً لحزب الله خلفاً للأمين العام السابق الشهيد السيد عباس الموسوي الذي اغتالته القوات الصهيونية. لتشهد المقاومة الإسلامية اللبنانية في عهده نقلة نوعية وتطورات كبيرة انتهت بتحقيق انتصار عظيم على جيش العدو الإسرائيلي الذي انسحب منهزما من لبنان عام 2000، وحين عاد الكيان بعد 6 سنوات من اندحاره، كان حزب الله وقائده العظيم نصر الله بالمرصاد ليتجرع هزيمة قاسية مرة أخرى، جعلت أمريكا تسارع الخطى لاتفاق وقف إطلاق النار وكانت عملية التبادل الشهيرة مع العدو حين أجبر على إطلاق عميد الأسرى العرب سمير القنطار مقابل رفات جنوده الصرعى.
– لجأ الاحتلال الصهيوني بعد خسارته المذلة لحرب تموز 2006 إلى المكر والخديعة للنيل من هذا القائد العظيم، وعمل منذ ذلك الوقت بكل إمكانياته وإمكانيات داعميه في أمريكا والغرب، من أجل اختراق حزب الله وأنفق مليارات الدولارات، للوصول إلى القائد الباسل والفارس المغوار الذي ترجّل عن صهوة جواده خلال معركة طوفان الأقصى بعد أن صال وجال طويلا في ميادين الوغى وأثخن جراحات العدو، وألحق به الهزائم النكراء.
-الحشود الغفيرة التي شاركت في تشييع جثمان الشهيد الكبير حسن نصر الله أمين عام حزب الله، وخليفته ورفيق دربه المجاهد هاشم صفي الدين والتي اكتظت بها ساحة المدينة الرياضية في الضاحية وفي شوارع وأزقة بيروت ولم تأبه لطائرة العدو الحربية وهي تحلق على مستويات منخفضة، وأكدت مجددا مستوى الحميمية التي تربط الشعب بالقائد حيّا وميتا، وأنها ستمضي على دربه ونهجه في المقاومة، ومقارعة الظلم والطغيان والاستكبار.
-رحل سيد المقاومة شهيداً كما أراد ذلك دوماً، وبقيت المقاومة ومبادئها ومآثر قادتها العظماء، نبراسا تضيء دروب الحرية والكرامة في كل العصور والأزمان.