الدقم.. والحياة العمانية المنشودة
تاريخ النشر: 23rd, September 2024 GMT
30 أغسطس حتى 5 سبتمبر 2024م.. أسبوع كامل استغرقت رحلتنا الأسرية سياحةً فـي الربوع العمانية، وأنا من الذين تنشرح صدورهم للسياحة فـي الوطن أكثر من السفر للسياحة خارجه، ويكاد أولادي قد زاروا كل بقعة عمانية. وهذه المرة.. قررنا الذهاب إلى محافظة ظفار عبر الطريق الساحلي. هذا المسار.. ليس أول مرة أسلكه؛ فقد سلكته من قبل، وكتبت حوله مقالاً بعنوان «طريق عمان السياحي الكبير»، نشرتْه جريدة «عمان» بتاريخ 20 سبتمبر 2022م، قلت فـيه: (السياحة.
المقال.. يؤكد على الاهتمام بالدقم بكونها منطقة واعدة، ولأفهم توجهات الحكومة حولها تصفحت موقع «الدقم.. المنطقة الاقتصادية الخاصة»، بتاريخ 20 سبتمبر 2024م، عبر الرابط: https://www.duqm.gov.om. والذي أرجو إخراجه بشكل أفضل للتعريف بالدقم ومنطقتها الاقتصادية، حتى يسهم فـي الجذب الاستثماري والسياحي. جاء فـيه: (تحتوي المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم على عدة مناطق تطوير اقتصادي وسياحي وخدمي من أبرزها ميناء متعدد الأغراض، وحوض جاف لإصلاح السفن، وميناء للصيد، ومطار إقليمي، ومناطق سياحية وصناعية ولوجستية). فهي ليست منطقة اقتصادية؛ صناعية ولوجستية فحسب.. بل كذلك هي سياحية، ما يلزم تطويرها بحيث تأخذ الطابع الجمالي الجاذب.
وأما (الرؤية.. فهي أن تكون المنطقة الاقتصادية الخاصة فـي الدقم بحلول ۲۰۳۰م الوجهة المفضلة للأنشطة الاقتصادية المتنوعة والعمليات اللوجستية، والحياة العصرية فـي دول مجلس التعاون الخليجي). الرؤية.. تنص بأن الدقم ستكون عام 2030م الجهة المفضلة «للحياة العصرية» بالخليج، ولا يفصلنا عن هذا العام إلا خمس سنوات فقط، وبنظري.. الوقت لم يفت، فالحياة مستمرة، ويوجد الكثير مما يمكن عمله؛ فسلطنة عمان لا زالت ناشئة سياحياً.
زيارتي للدقم.. لم تكن الأولى، فقد زرتها مرات؛ وسجلت انطباعي عنها فـي المقال آنف الذكر؛ قائلاً: (وأما الدقم.. فهي ميناء عالمي ناشئ، شرعت الدولة فـي استثمارها، لكن ما لاحظته هو ضعف البنية الجاذبة للاستقرار فـيها، فالميناء العالمي ليس ورشة عمل.. بل مدينة متكاملة الأركان، والاستثمار للمستقبل يبدأ بتنفـيذ بُنية أساسية قوية، بحيث يخرجها من الشحوب الذي تصطبغ به، بتشجير الطرقات وإيجاد حدائق، وبناء كافة المرافق كالمستشفى المرجعي، والفنادق ذات الدرجات المختلفة، وتوفـير المدارس والمعاهد وسائر المؤسسات الخدمية، وتطوير المطار بحيث يكون نموذجاً للمطارات السياحية الدولية، بتذاكر سفر منخفضة التكلفة، ورصف شارع متعدد السكك يربط الدقم بمراكز المحافظات؛ وفـي مقدمتها مسقط وصلالة).
لا أتكلم عن البُنية الاقتصادية والمنشآت الصناعية والخدمات اللوجستية؛ فهذه تعود لواضعي الخطط الاستثمارية ومنفذيها، كما أنها فـيما يبدو تشهد نهوضاً اقتصادياً واعداً، وإنما حديثي عن الجانب الإنساني الذي ينبغي أن تتمتع به الدقم. فانطلاقاً من الرؤية التي حُددت للمنطقة وحَدِّها الزمني لتتحول إلى «الحياة العصرية» والجذب السياحي، فحتى الآن.. لا تستبين العين تقدماً واضحاً، باستثناء شبكة الطرق ذات السكك المزدوجة والتقاطعات العديدة التي تتحكم بها إشارات المرور، وحتى هذه الشبكة الرائعة التي عملت للمستقبل عارية من اللباس الجميل، فلم تَزْدَهِ دواراتها بالتحف الفنية، ولم تكتسِ مناكبها بالثوب الأخضر، اللهم إلا شارع يتيم يظلله عاضد نخيل مسافةً قصيرة.
إن الدقم إذا ما حللتها اصطبغت عيناك بلون الورس؛ لكنه عديم الرائحة، فالصحراء والمنشآت التي غرست فـيها تفتقر إلى الإبداع الهندسي وإبهار الطيف العمراني. ومن المعروف اليوم.. أن التصميم الأنيق ينبغي أن ينال كل المنشآت؛ بما فـيها الشركات ومصانعها. أما مباني الدقم فهي قطع من الخرسانات الإسمنتية والأعمدة الحديدية؛ كأنما هي منتجات ضخمة تنتظر الحاويات البحرية لتصديرها. كنا قد حجزنا فندقاً، وفـي بالنا نجده مبنىً آسراً بمرافقه الأنيقة وحديقته الخلابة، ففوجئنا بأنه مبنى غُرِس فـي صحراء شاحبة فنبت بلونها، رغم أنه نظيف فـي غرفه، لطيف فـي خدمته، معتدل فـي أسعاره.
اليوم.. فـي تشييد المدن؛ أول ما تتجه إليه أنظار المهندسين هو التصميم الذكي، الذي يجذب النفوس قبل أن تضع عن كاهلها حقائب السفر. ولأن الدقم منطقة اقتصادية وصناعية؛ فـينبغي التركيز على إضفاء الذائقة الجمالية عليها أكثر من غيرها، بكسو المنطقة رداءً قشيباً، حتى يخفف عن الناس ثقل العمل المضني ورتابة منظر الهياكل الصناعية. لقد أصبح التوجه عالمياً لبناء «مدن مؤنسنة»، وبالحقيقة.. «أنسنة البلدان» ليست أمراً مستحدثاً.. بل واقع أزلي لكل مكان يعمره الإنسان، إلا أنه تُخلِّي عنه بسبب التوسع العمراني السريع، وإنشاء مدن لا يلتفت مهندسوها إلا إلى الدخل السريع، حتى إن أدى الوضع إلى مشاكل نفسية وصحية للناس.
الدقم.. ما زالت مثلاً تفتقر من المستشفـيات التخصصية والمرجعية، فكيف لمنطقة يراد لها أن تكون وجهة عالمية لا تحظى بالعناية الصحية على أعلى المستويات؛ لاسيما أن العاملين فـيها لطبيعة عملهم معرضون بكثرة للإصابات والأمراض.. بل إن مرائب إصلاح السيارات شحيحة فـيها، وقس عليها كثيراً من الخدمات الأساسية.
إن الأمل الذي عقده العماني على مستقبل بلاده هو أن يرى الدقم منطقة تبنى من أول يوم على أحدث تصاميم الأنسنة، وأفضل الخدمات المقدمة، وأن تكون نموذجاً لحياتنا المستقبلية. أننا نطمح أن نرى الذكاء الاصطناعي ناطقاً بأحدث تطبيقاته فـي بناء مدينة عالمية؛ تفخر بها سلطنة عمان.. بل الطموح أن تقام فـيها جامعة للذكاء الاصطناعي، تفتح المجال للطلبة العمانيين أن يسهموا فـي تطوير لغة العصر، فضلاً أن يديروا بأنفسهم المنطقة بهذه اللغة التي ستحوّل العالم بحلول 2030م من عالم قديم إلى عالم جديد، حيث ستعتبر البشرية شيئاً فشيئاً كل ما كان قبل هذا العام منتهي الصلاحية، وسيحيله الذكاء الاصطناعي إلى مادة متحفـية رقمية.
عمان.. بلد حضاري، ومن القيم التي نصت عليها «رؤية عمان 2040» الحفاظ على الهُوية العمانية، ولأن الدقم يراد لها أن تكون مركزاً عالمياً؛ يأوي إليه الناس من كل فج عميق؛ اقتصاداً واجتماعاً، فـينبغي أن يواكب ذلك وضع استراتيجية ثقافـية؛ خصيصةً لهذه المنطقة، تعمل على رسوخ الثقافة العمانية فـيها، ومن دونها فإنها ستتحول إلى مكان هجين؛ عرضة للانسلاخ من ثقافتنا العمانية. هذا إن لم يستتبعها مشكلات سياسية، فهناك بلدان تعرضت لتغيير هُويتها، ثم عانت كثيراً من أوضاعها.
ولترسيخ هُويتنا العمانية وإظهار ثقافتنا للعالم.. فأقترح إنشاء مركز ثقافـي عالمي بالدقم، يقوم على أحدث التقنيات الرقمية، مركز.. ليس من نوع المراكز التقليدية، وإنما ثورة رقمية لإبراز الثقافة، ينسخ كل عنصر ثقافـي فـي «كتاب ذكي» يحكي جانباً من القصة العمانية الخالدة. مركز.. لا يحتاج أن تَرِدَه بنفسك، وإنما هو يأتي إليك قبل أن يرتد إليك طرفك.
ختاماً.. هناك ما لا يحصى من أفكار تنهض بثقافتنا، ونقلها إلى العالمية عبر منطقة الدقم، ومشاريع تخلق فرص عمل للشباب العماني، ويبقى الأمل معقوداً على الجهات المسئولة عن الثقافة بالسلطنة، وعلى المؤسسات العاملة فـي الدقم التي نرى فـيها الحياة العمانية المنشودة.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: أن تکون
إقرأ أيضاً:
غداً.. انطلاق فعاليات أسبوع عُمان للمياه 2025
«عمان»: تنطلق غداً الأحد النسخة الثانية من فعاليات أسبوع عمان للمياه، ويبدأ الأسبوع بزيارات ميدانية تمنح المشاركين فرصة استثنائية لاستكشاف أبرز مشاريع البنية الأساسية للمياه في سلطنة عمان حيث من المتوقع أن يستقطب الحدث أكثر من 2500 مشارك، من بينهم أكثر من 100 متحدث دولي وإقليمي، وما يزيد عن 60 عارضًا يمثلون أكثر من 25 دولة، مما يجعله أحد أبرز الفعاليات المتخصصة في قطاع المياه على مستوى المنطقة.
وتبدأ أعمال مؤتمر أسبوع عمان للمياه صباح غد الاثنين تحت رعاية صاحب السمو الدكتور فهد بن الجلندى آل سعيد، رئيس جامعة السلطان قابوس بمركز عمان للمؤتمرات والمعارض وبحضور عدد من أصحاب المعالي والسعادة والمسؤولين والمختصين في قطاع المياه بسلطنة عمان ودول مجلس التعاون الخليجي ودول العالم، كما يحضر الأسبوع عدد من المختصين من المنظمات والهيئات العالمية المختصة بقطاع المياه.
وصرح قيس بن سعود الزكواني الرئيس التنفيذي لـ«نماء لخدمات المياه» بأن أسبوع عمان للمياه 2025 يقام بمركز عمان للمؤتمرات والمعارض وتشمل فعالياته سلسلة من الزيارات الميدانية التي تمنح المشاركين التعرف على أبرز المشاريع في سلطنة عمان، ويُعد أسبوع عُمان للمياه 2025، الذي تستضيفه «نماء لخدمات المياه» بدعم من وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه وهيئة تنظيم الخدمات العامة، منصة رئيسية لاستعراض ومناقشة أحدث التطورات في استدامة المياه، والابتكار، والتكنولوجيا، وتم تصميم الزيارات الميدانية لإبراز جهود سلطنة عمان في تطوير الحلول المستدامة لقطاع المياه، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية السريعة والاستدامة البيئية، بما يتماشى مع «رؤية عُمان 2040».
وأكد الزكواني أن تخصيص هذا الأسبوع - أسبوع عمان للمياه - ليدل دلالة واضحة على أهمية العناية البالغة بهذا القطاع، وأهمية الحرص على رفده بكل الممكنات وكل الروافد التي تضمن استدامته، وصولًا إلى تحقيق الأمن المائي الذي بات المطلب الأول لكل دول العالم، ولا يكون ذلك إلا بتضافر الجهود وتشارك الرؤى، بين مختلف الجهات والمؤسسات.
ويستقطب الحدث نخبة من الخبراء والمتخصصين وصناع القرار من داخل سلطنة عمان وخارجها، إلى جانب ممثلي القطاعين العام والخاص، لمناقشة التحديات الراهنة والفرص المستقبلية في إدارة الموارد المائية.
كما يشهد الأسبوع تنظيم عدد من الندوات وحلقات العمل المتخصصة، التي تستعرض تجارب إقليمية ودولية ناجحة، وتسهم في تبادل المعرفة وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات ذات العلاقة، ويعكس الحدث التزام سلطنة عُمان الراسخ بتعزيز الأمن المائي وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.