لجريدة عمان:
2025-04-03@03:00:38 GMT

الرائحة بين عقلانية الفلاسفة وعاطفة الأدباء

تاريخ النشر: 23rd, September 2024 GMT

أثناء البحث فـي موضوع العطر فـي الأدب قادتني غواية المطالعة إلى قراءة بعض المصادر والمراجع التي اهتمّت بموضوع العطر والرائحة وكيف تعامل معها الإنسان وخاصة نخبة المجتمع، إذ اختلفت نظرة الفلاسفة إلى الروائح عن نظرة الأدباء والفنانين على امتداد التاريخ، وهذه الأحكام جاء من يعارضها من المدارس الفلسفـية لاحقا، ولكن فـي بداية الأمر لم يتسامح أفلاطون مثلا تجاه الروائح فقد «حمل حملة على العطور واعتبرها من اللذة الجسدية فـي زمن كان استعمال المعطرات وقفًا على بائعات الهوى» (بيت فرون، الرائحة: أبجدية الإغواء الغامضة، 2010)، لم يكتف أفلاطون بذلك بل دعا الفضلاء «ألا يهتموا بغير تنمية الخير فـي نفوسهم بالاستماع إلى الموسيقى وتعلم الرياضيات، فما الجسد إلا بكل روائحه إلا مجرد قبر للروح».

كان سقراط أقل حدية من أفلاطون تجاه الرائحة فاعتبرها دلالة على الوضع الاجتماعي للفرد، وقد نهج العديد من الفلاسفة نهج أفلاطون وسقراط فـي ازدراء العطور والروائح بل اعتبروا أن كثرة الاستحمام يعرّض صاحبه للعقم، معللين ذلك أن الجسد مادة تلهي عن الاهتمام بالعقل وهو الروح المتسامية، وأن الشم والروائح غريزة حيوانية لا ينبغي على الإنسان العاقل الالتفات إليها. ولم يخلِّص الثقافة الأوروبية من تلك النظرة المنحطة للروائح إلا فلاسفة التنوير أمثال جان جاك روسو وغوته، الذين أعلوا من شأن الحواس وخاصة الشم، أما الفـيلسوف الألماني فرديريك نيتشه فقد ذهب بعيدا فـي إعادة الاعتبار للجسد وحواسه إذ كتب فـي كتابه (هذا هو الإنسان، ترجمة مجاهد عبدالمنعم) «إن عبقريتي تكمن فـي أنفـي»، وفـي كتابه (غسق الأوثان، ترجمة علي مصباح) يقول نيتشه «هذا الأنف على سبيل المثال، ذلك الذي لم يخصُّه أي فـيلسوف إلى حد الآن بما يستحق من عبارات الإكبار والامتنان لهو إلى حد الآن الأكثر رهافة مما بحوزتنا من الأدوات التي فـي خدمتنا».

أحدثَ علم الكيمياء ثورة فـي صناعة العطور فـي أوروبا التي تفتقر أراضيها إلى الأشجار العطرية التي تزخر بها أسيا وإفريقيا. وهذا ما جعل البعض يطلق فرضية أن الأوروبيين لا يعرفون العطور والروائح الزكية إلا بعد احتكاكهم مع الشرق، وتعرُّفهم على الأديان السماوية التي أعلت من شأن الروائح والطيب، إذ اقترن تصاعد الدخان برفع الدعوات إلى الرب «إن دخان البخور المتصاعد إلى السماء يمثل فـي المسيحية، صورة مجازية دالة على طرد الشر وتسامي الروح مثل الصلاة والدعاء وهي الصورة التي نجدها فـي الآية: لتكن صلاتي كالبخور قدامك. ورفع كفـي كتقدمة السماء» وهذا ما ذكره رضا الأبيض فـي كتابه (كتابة الرائحة: فـي نماذج من الرواية العربية، 2020).

إذا كانت بعض كتابات الفلاسفة قد قللت من شأن الرائحة، فإن الأدباء قد اعتنوا واحتفوا بالحواس والروائح والعطور. وخاصة كتّاب الرواية، ففـي منصة معنى الإلكترونية للكاتب السعودي طامي السميري نجد نماذج لأهم الروايات العالمية والعربية التي وظّفت الرائحة والعطر على وجه التحديد فـي سردياتها، فمثلا مارسيل بروست صاحب الرواية الشهيرة «البحث عن الزمن المفقود» يذكر فـيها العطر بقوله «وغاصت فـي عطرٍ من عطور الزعرور» وأيضا «إنها زهرة ذابلة لا عطر لها، فاح شذا دوّار الشمس، وغمرها بهذا العطر الدافئ، معطر برائحة الفانيلا». وفـي رواية «حفلة التيس» للبيروفـي ماريو بارغاس يوسا «راح يعطّر الجوّ، فتعرَّف هو على ذلك العطر الرخيص المُسمَّى «نايس»، الذي يعلنون عنه فـي الإذاعات»، إن توصيف العطور الرخيصة فـي الرواية لا يدلل على القيمة المادية للعطر وإنما إلى تبدل روائحها إلى روائح كريهة. أما الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز فقد وظَّف رائحة الكولونيا فـي وصف عادات شخصية بطل رواية «الحب فـي زمن الكوليرا»، «بعد ذلك يستحمّ، ويشذّب لحيته، ويصمغ شاربـه بـمستحضـرٍ مـشبـع بـكـولونيا فارينا غيغينير الأصلية». بالمناسبة تذكر دراسة علمية أن الكولونيا عطر عجيب ومثير لدى النساء أكثر من الرجال.

إن استعراض قيمة الروائح لدى الإنسان وتباين وجهات النظر وتطورها بتطور مراحل الحضارة يتبيّن لنا صراع العقل والقلب فـي تقييم الجمال والرفع من شأن الأذواق والحكم عليها.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: من شأن

إقرأ أيضاً:

ثنائيات في أمثال السيد المسيح (6) .. اِغفِر واِرحَم.. في اجتماع الأربعاء

ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظته الأسبوعية في اجتماع الأربعاء مساء اليوم، من كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بالمقر البابوي بالكاتدرائية العباسية. 

ثنائيات في أمثال السيد المسيح

واستكمل قداسته سلسلة "ثنائيات في أمثال السيد المسيح"، وقرأ جزءًا من الأصحاح الثامن عشر من إنجيل معلمنا متى والأعداد (٢١ - ٣٥)، وتناول مَثَل الملك الذي يغفر والعبد الذي لا يغفر، وربط بين المَثَل وأحد المخلع (الوحيد) الواردة قصته في الأصحاح الخامس من إنجيل معلمنا يوحنا ، مشيرًا إلى القساوة البشرية في أقصى صورها.  

وأوضح قداسة البابا أن المَثَل يقدم عنصر الرحمة والتي لم تكن تتوفر لدى المحيطين بمريض بيت حسدا، وشرح رحمة الله الواسعة من خلال مشاهد المَثَل، كالتالي:
- في المشهد الأول يقدم لنا المَثَل مقارنة غير متوازنة بين الملك الذي يتنازل ويرحم ويترك الدين وبين العبد الذي يتعالى ويقسو ولا يترك الدين، ومريض بيت حسدا كان يريد الرحمة من المحيطين به "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يو ٥: ٧)، بينما رحمة الله واسعة "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ. بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (مز ٣٣: ٥، ٦).

البابا تواضروس: أمنا العذراء لها دور مؤثر في حياتناالبابا تواضروس يصلي قداس وتجنيز نيافة الأنبا باخوميوس بالبحيرة | صورالبابا تواضروس يتقدم موكب استقبال جثمان نيافة الأنبا باخوميوس في دمنهور.. صوروسط حزن الجميع.. البابا تواضروس يشهد صلوات تجنيز الأنبا باخوميوس| صور

يتكلم الأصحاح ذاته عن المعاملات الإنسانية والمغفرة للآخر، "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت ١٨: ٢١، ٢٢)، وإجابة السيد المسيح فتحت أمامنا أن الرحمة بلا نهاية.

المحاسبة في المَثَل تشير إلى يوم الدينونة، ومبلغ عشرة آلاف وزنة يُبيّن ضخامة الدين على الإنسان، فالإنسان مدين لله بكسر الوصايا وكأنها دين لا يُغفر، ولا يغفر هذا الكسر إلا رحمة الله.

"تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ" (مت ١٨: ٢٦)، هل نطلب من الله أن يتمهّل علينا حتى نحسن من سيرتنا، ونعيش في الوصية؟! فموقف الله من الإنسان متمثل في حبه وشفقته ورحمته وغفرانه، لأنها طبيعته.

"فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٢٧)، "دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (١ يو ١: ٧)، فالدين الذي علينا هو خطايانا وآثامنا ولذلك نلجأ إلى الله ليرفعها عنا ويرحمنا ونصير في بياض ناصع.

في المشهد الثاني يقدم المَثَل العلاقة بين العبد والعبد الآخر، "فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٣٠)، ونرى أن الإنسان أمام أخيه الإنسان تكون أذنيه صماء وقلبه حجريًّا بينما الله يستجيب للإنسان من كلمات قليلة يقدمها.

"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا" (مت ١٨: ٣١)، برغم أن الدين كان قليلًا جدًّا إلا أن الإنسان يسقط في القساوة والخطية بسبب الغفلة والنسيان، فالله ينظر إلى الآثام العظيمة التي صنعها الإنسان ويرفعها عنه، ونحن ننظر إلى الآثام الزهيدة ونتوقف عندها ولا نغفر لبعضنا البعض.

"وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ" (مت ٦: ١٥)، الله ينظر إلى مقدار مغفرتنا للآخر لكي يعطينا الرحمة من عنده، وبنفس المقدار.

"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا"، الله يسمع تنهدات البشرية من قسوة الآخرين، فعندما يسقط الإنسان في القساوة والخصام والعناد ينسى أن الله يمكن أن يرحمه، "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ" (أف ٣: ٢٠).

"أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مت ١٨: ٣٣)، الله يعاتب الإنسان لأنه بفعله يستبعد نفسه من نعمة الله.

وطرح قداسته تساؤلاً: أين نحن من هذه الرحمة؟ 
١- يجب أن نتذكر كل أيام حياتنا كيف يرحمنا الله ويغفر لنا ويستر علينا.

٢- يجب أن نتذكر أنه إذا غفرنا سيُغفر لنا وإذا لم نغفر سيضيع منا الملكوت، فصرخة مريض بيت حسدا صرخة مدوية للغاية "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ"، والأمر بيد الإنسان.

مقالات مشابهة

  • كيفية التخلص من رائحة القدمين الكريهة بشكل دائم
  • مجلس حقوق الإنسان يطالب إسرائيل بمنع "إبادة جماعية" في غزة
  • ثنائيات في أمثال السيد المسيح (6) .. اِغفِر واِرحَم.. في اجتماع الأربعاء
  • العالم سيكون أسعد لو امتلك الناس القدرة على الصمت!
  • دراسة: هذه هي درجة الحرارة “القاتلة”!
  • مفوض حقوق الإنسان يدين الهجوم الإسرائيلي على سيارات إسعاف في غزة
  • «فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان
  • الإنسانُ
  • بكين وروسيا تعززان العلاقات.. ورسالة قوية إلى واشنطن
  • الإنسان العراقي.. حروب وأزمات مستمرة تدخله مرحلة الانفجار النفسي