أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً تناول من خلاله مفهوم الهجرة المناخية، وما يرتبط بهذا المفهوم من أرقام وإحصائيات، مستعرضاً الفئات الأكثر تضررًا من التغير المناخي، وكيف تتزايد نسبتهم في صفوف المهاجرين، كما تناول التحديات التي تواجه أولئك المهاجرين، وسبُل احتواء أزمة الهجرة المناخية.

أشار التحليل إلى أن التغير المناخي دفع في الآونة الأخيرة إلى حالة غير مسبوقة من التحرُّكات السكانية (النزوح داخل الدولة أو الهجرة من دولة إلى أخرى) في عدد كبير من المناطق والأقاليم حول العالم، وهي حالة مستمرة، ويُرجَّح تزايدها في السنوات المقبلة مع تفاقُم حدة الأحداث المناخية المتطرفة كالفيضانات والجفاف والعواصف والتغيرات في هطول الأمطار، وتغير أنماط درجات الحرارة، كما تؤثر أيضًا الأحداث المناخية التي تستغرق زمنًا طويلًا نسبيًّا، مثل: التصحر وتآكل الشواطئ وارتفاع مستوى سطح البحر فضلًا عن إزالة الغابات وتدهور التنوع البيولوجي، على قرارات الهجرة، كون تلك الأحداث المناخية المتطرفة تؤثر سلبًا على سبل العيش وجودة الحياة.

وتناول التحليل مفهوم الهجرة المناخية وفقًا لتعريف المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وهي حركة شخص أو مجموعة من الأشخاص من مكان إلى آخر، فهم يضطرون -لأسباب تتعلق بالتغير المفاجئ أو التدريجي في البيئة التي يعيشون فيها بفعل التغير المناخي- إلى مغادرة مكان إقامتهم المعتاد إما بشكل مؤقت أو دائم، داخل الدولة أو عبر الحدود الدولية.

وأكد التحليل أن معظم حالات النزوح/الهجرة المرتبطة بالكوارث المناخية تكون قصيرة المدى أي بسبب حدوث كارثة مناخية بشكل مفاجئ، لكن يتعين الانتباه إلى أن الهجرة السكانية المرتبطة بتغير المناخ بطيئة الحدوث (الأحداث المناخية التدريجية أو التي تستغرق زمنًا طويلًا مثل: ارتفاع مستوى سطح البحر، وتدهور الأراضي الزراعية، وتآكل الشواطئ) قد تكون أكثر تعقيدًا كما أنها أوسع نطاقًا. فالتأثيرات التدريجية لتغير المناخ يمكن أن تجعل مناطق أو جزرًا بأكملها غير صالحة للعيش، وتهدد سبل العيش الريفية على البقاء، وتعزز المنافسة على الموارد.

هذا، وتتسبَّب الكوارث المناخية في حدوث حالات نزوح أكثر من تلك التي تُسببها الصراعات، ولكن هذه الحركة تميل إلى أن تكون قصيرة المدى، وتشير التقديرات إلى أنه من بين 71.1 مليون نازح داخليًّا في نهاية عام 2022، نزح نحو 8.7 ملايين (12%) بسبب الكوارث المناخية والبيئية. ففي حين أن انعدام الأمن والصراع غالبًا ما يمنع السكان من العودة بأمان إلى مواطنهم الأصلية، إلا أنهم يعودون -في أغلب الحالات- بعد وقوع الكوارث البيئية والمناخية، وتجدر الإشارة إلى أن العالم سجل ما بين عامي 2019 و2022 متوسطًا سنويًّا يُقدَّر بأكثر من 20 مليون حالة نزوح بسبب الكوارث الطبيعية.

وذكر مركز المعلومات إلى ما أشارت إليه السيناريوهات والتقديرات الأكثر تشاؤمًا للبنك الدولي أن نحو 216 مليون شخص قد ينزحون داخليًّا بحلول عام 2050 في ظل تفاقُم أزمة ندرة المياه وتدهور قطاع الزراعة نتيجة لذلك، ولكن إذا اتخذت الحكومات ما يلزم من إجراءات لتخفيف وتيرة تغير المناخ، وتعزيز إجراءات التخفيف والتكيُّف، فإن البنك الدولي يتوقع أن ينخفض هذا العدد بنسبة تصل لحوالي 80%، بنحو 44 مليون شخص.

وأوضح التحليل أن التغير المناخي يؤثر بشكل كبير على جميع فئات المجتمعات حول العالم، ولكن بعض الفئات تكون أكثر عرضة للضرر من غيرها. ومن ثم، تتزايد نسبتهم في صفوف المهاجرين أو النازحين المناخيين، وأبرز تلك الفئات الأكثر هشَّاشة للتغير المناخي ما يلي:

-النساء: نتيجة لتفاقم التغير المناخي، وما يُسببه من أضرار اقتصادية، أصبحت النساء اللواتي يمتلكن أصولًا أو موارد اقتصادية أقل، هم الأكثر عرضة للتأثر بالآثار الاقتصادية للتغير المناخي، وقد أظهرت التقييمات الأولية لفيضانات عام 2020 في السودان -على سبيل المثال- أن قرابة 42% من الأسر الزراعية والرعوية (التي تعيلها النساء) قد تضررت بشدة، كما فقدت النساء محاصيل الحبوب والبستنة، والمواشي، والبذور، والمدخلات الزراعية، والمعدات، وكذا البنى التحتية اللازمة للمياه وتربية المواشي، وأدوات صيد الأسماك، ومزارع تربية الأحياء المائية، وقد تضررت مشاريعهن الصغيرة والمتناهية الصغر تضررًا بالغًا، مما دفعهن للهجرة، وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن 80% من النازحين بسبب التغير المناخي هم من النساء.

-الأطفال: هناك مليار طفل -أي ما يقرب من نصف أطفال العالم البالغ عددهم 2.2 مليار طفل- يقطنون 33 بلدًا من البلدان المصنفة على أنها الأكثر هشَّاشة لمخاطر التغير المناخي، ويعاني الأطفال في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء لا سيما الصومال والسودان من عوامل الخطر المناخية والبيئية، مما يضعهم في مقدمة الدول طبقًا لـ"مؤشر مخاطر المناخ على الأطفال". وحتى عام 2020، كان هناك 36 مليونًا من الأطفال المهاجرين الدوليين، وقد نزح ما يقرب من 10 ملايين طفل في عام 2020 وحده بسبب الظواهر المرتبطة بالطقس، وقد يتعرض الأطفال الذين يرتحلون في سياق التغير المناخي لمجموعة متنوعة من المخاطر تشمل سوء معاملتهم أو استغلالهم أو الاتجار بهم، وقد يفقدون إمكانية الحصول على التعليم، كما يُجبرون على العمل.

-الأشخاص ذوو الإعاقة: في حالة حدوث كوارث مناخية مفاجئة مثل الفيضانات والأعاصير أو حوادث مناخية متطرفة تدريجية مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، عادةً ما يكون الأشخاص ذوو الإعاقة هم الأكثر عرضة للتأثر سلبًا، إذ تسجل صفوفهم معدلات إصابات ووفيات أكثر بكثير مقارنةً بالفئات الأخرى، كما أن الكوارث المفاجئة والأحداث البطيئة يمكن أن تؤثر بشدة على إمكانية حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على الغذاء ومياه الشرب وخدمات الرعاية الصحية والأدوية والتعليم والتدريب والعمل اللائق والسكن اللائق.

وتشير أحدث التقديرات الصادرة عن كلٍّ من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الهجرة الدولية إلى أنه في عام 2020، كان هناك ما يُقدر بنحو 12.4 مليون نازح قسري يعاني من إعاقة من إجمالي 82.4 مليون شخص نازح قسريًّا على مستوى العالم.

وقد استعرض التحليل عدد من التحديات التي تواجه المهاجرين أو النازحين بسبب التغيرات والكوارث المناخية، ولعل أبرزها ما يلي:

-التحديات الحقوقية: وفقًا للمنظور الحقوقي، يُهدد التغير المناخي حقوق الإنسان الأصيلة المتمثلة في الحق في الحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، والحق في الغذاء، والحق في الصحة، والحق في السكن، والحق في تقرير المصير. ومن ثَم، فالمهاجرون أو النازحون البيئيون هم الأشخاص الذين لم يعُد بإمكانهم الحصول على سبل عيش آمنة في أوطانهم بسبب الظروف المناخية القاسية من قبيل الجفاف وتآكل التربة والتصحر وإزالة الغابات، وما تُسببه من ضغوط على البنية التحتية للدولة، وسبل العيش بها، وارتفاع معدلات الفقر.

ورغم قسوة تلك الظروف التي تدفع السكان للنزوح أو الهجرة غير النظامية أو طلب اللجوء لدى دول أخرى، فإنهم قد يواجهون ظروفًا أشد قسوة في دول المقصد، فقد يُحرمون من الدخول بشكل نظامي، ويضطرون إلى الهجرة بطرق غير نظامية، وقد يواجهون بعد دخول دول المقصد التهميش والتمييز والاضطهاد والاحتجاز التعسفي، فضلًا عن غياب الرعاية الصحية والنفسية، والاستغلال في العمل، والاستغلال الجنسي، وقد يقعون فريسة لشبكات الجريمة المنظمة كالاتجار بالبشر.

-التحديات القانونية: وفقًا لقواعد القانون الدولي، لا يُشكِّل التغير المناخي -حتى الآن- سببًا للحماية الدولية، ولا توجد قاعدة قانونية دولية للاجئي المناخ، إذ ربطت اتفاقية اللاجئين لعام 1951 تعريف ووضعية اللاجئ بالفرار من الاضطهاد على أساس خمسة أسباب فقط، وهي: العرق أو الدين أو الجنسية أو الرأي السياسي أو العضوية في جماعة اجتماعية معينة، ولم تُذكَر العوامل البيئية والمناخية ضمن هذا التعريف. ولذلك، فإن المهاجرين أو النازحين لأسباب بيئية ومناخية لا يتمتعون باعتراف واضح بوضعيتهم، ولهذا السبب فهم لا يحصلون على المساعدات الملائمة التي يحتاجون إليها، كما لا توجد التزامات واضحة على دول المقصد، لعدم وجود مفهوم محدد للهجرة المناخية والمهاجر المناخي.

-تحديات مرتبطة بالدمج في مجتمعات دول المقصد: هناك أيضًا تحديات تواجه أي خطة لاستيعاب ودمج مهاجري المناخ على وجه الخصوص، فلا يوجد تعريف محدد للمهاجر أو اللاجئ المناخي، ومن ثَم يكون من الصعب تحديد من سيكون مؤهلًا للحصول على حق اللجوء المناخي، وذلك نظرًا لأنه قد يكون من الصعب فصل التأثيرات الناتجة عن التغير المناخي عن دوافع الهجرة الأخرى المؤقتة أو الدائمة، لأن جميع المجتمعات تتعرَّض بدرجات متفاوتة للتغير المناخي، كما أن أعداد الأشخاص اللاجئين أو المهاجرين بسبب الكوارث المناخية قد تصل إلى مئات الآلاف مما يُشكِّل ضغوطًا على دول الجوار القريب بشكل خاص، ويكون من الصعب إدماجهم واستيعابهم في تلك المجتمعات.

وأوضح التحليل في ختامه إن الهجرة المناخية أصبحت ظاهرة مُلحة، فالتغير المناخي المتسارع والمتزايد في حدته يدفع العديد من الأفراد والمجتمعات إلى الانتقال من مواطنهم الأصلية بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا واستقرارًا. ويفرض هذا التحدي المناخي تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية وديموجرافية بالغة التعقيد، مما يتطلب تعاونًا دوليًّا وتخطيطًا مستدامًا لمواجهتها بفعالية.

وأضاف التحليل أنه من الضروري أن تعمل الحكومات والمنظمات الدولية على تطوير استراتيجيات شاملة تتضمن تعزيز الوعي البيئي، وتقديم الدعم للمجتمعات المتضررة، وتبنِّي سياسات هجرة عادلة وإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، يجب التركيز على الابتكار والتكنولوجيا لتطوير حلول مستدامة تعزز من قدرة المجتمعات على التكيُّف مع التغير المناخي وتقليل الاعتماد على الهجرة كحل وحيد.

لذا، يتعيَّن العمل على بلورة سيناريوهات التنقل البشري في إطار خطط العمل الوطنية بشأن قضية التغير المناخي، وذلك من أجل تقييم دقيق لتأثير التغير المناخي على تزايد معدلات النزوح داخل الدولة الواحدة أو الهجرة لدول أخرى، وإشراك المجتمعات الأكثر تضررًا من التغير المناخي لوضع البدائل الفعَّالة للتعامل مع تلك القضية بشكل استباقي.

ومن الضروري أيضًا اتخاذ ما يلزم من تدابير من قِبل الحكومات والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بقضية الهجرة لتسهيل الهجرة الآمنة النظامية، وذلك بما يضمن حماية حقوق المهاجرين المناخيين، ودمجهم في المجتمعات التي ينتقلون لها.

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: مجلس الوزراء معلومات الوزراء الوزراء مركز معلومات الوزراء الکوارث المناخیة الهجرة المناخیة التغیر المناخی بسبب الکوارث المناخیة ا والحق فی إلى أن عام 2020

إقرأ أيضاً:

معلومات الوزراء: التجارة العالمية قاطرة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تقريراً جديداً تناول من خلاله اتجاهات وآفاق التجارة العالمية، مشيراً إلى أن التقرير الجديد يأتي ضمن سلسلة من الإصدارات المتنوعة التي يصدرها خلال الفترة الأخيرة، بهدف تسليط الضوء على آفاق واتجاهات التجارة العالمية، وتحدياتها، ومدى تأثير الأزمات الجيوسياسية عليها، ومستقبل هذه التجارة في ظل صعود التجارة الرقمية، وفي ظل زيادة الاستثمارات في الطاقة الخضراء، بالإضافة إلى استعراض دور مصر في التجارة العالمية.

أشار التقرير الجديد إلى أن التجارة العالمية هي قاطرة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث تقوم بدور كبير سواء لتوفير أسواق لتصريف المنتجات العالمية أو توفير الاحتياجات الأساسية للدول، كما تسهم في رفع مستوى المعيشة وزيادة الاستثمارات وتوفير فرص العمل وتعزيز التكامل بين دول العالم.

وأضاف التقرير أن التجارة العالمية تعرضت خلال السنوات القليلة الماضية إلى الكثير من الأزمات سواء على الجانب السياسي أو الاقتصادي، إلا أنها ما زالت تلعب دورًا مهمًّا في الاقتصاد العالمي، بل هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها.

وأشار التقرير إلى أن ديناميكيات التجارة العالمية في عام 2023 لا تزال متأثرة بإرث صدمة "كوفيد-19"، فعندما انهار النشاط الاقتصادي العالمي مع ظهور جائحة "كوفيد-19"، أدى الأمر إلى أعمق ركود عالمي -وإن كان قصير الأجل- منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما صاحبه انخفاض كبير في التجارة العالمية.

وأضاف التقرير أن الضعف اللاحق في التجارة العالمية عام 2023 يعكس تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بشكل كبير في الاقتصادات المتقدمة، وتشير التقديرات إلى أن حوالي نصف الانخفاض في التجارة العالمية منذ عام 2022، يمكن أن يعزى إلى ضعف الاستثمارات.

وأوضح المركز في التقرير أرقام ومؤشرات للأداء العالمي لتجارة السلع والخدمات خلال عام 2023، مشيراً إلى تحديث التجارة العالمية الصادر عن "الأونكتاد" في مارس 2024، حيث يُلاحظ أن التجارة العالمية انخفضت بنسبة 3% لتصل إلى 31 تريليون دولار عام 2023، بعد أن بلغت ذروتها عام 2022، ويرجع ذلك الهبوط إلى ضعف الطلب في الاقتصادات المتقدمة وضعف مستويات التجارة في كل من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وكان هذا التباطؤ مدفوعًا بانخفاض بنسبة 5% في تجارة السلع، فيما قاوم قطاع تجارة الخدمات الاتجاه السلبي، واتجه إلى النمو بنسبة 8%، وكان القطاع مدفوعًا في ذلك بارتفاع بنسبة 40% تقريبًا في كل من السياحة والخدمات المرتبطة بالسفر. مضيفاً أن العبء الأكبر الناتج من هذا التباطؤ يقع على عاتق الدول النامية؛ حيث شهدت تلك الدول انخفاضًا حادًّا في التجارة، وانخفضت وارداتها وصادراتها بنسبة 5% و7% على الترتيب، مقارنة بانخفاض بنسبة 4% في الواردات و3% في الصادرات بالنسبة للدول المتقدمة، كما شهدت أغلب المناطق نموًّا سلبيًّا في التجارة عام 2023، وكان الاستثناء هو الزيادة الكبيرة في التجارة داخل أفريقيا.

وعلى الرغم من الانخفاض العام، فإن عام 2023 شهد ارتفاعًا بنسبة 2% في تجارة المنتجات البيئية، مدفوعًا في المقام الأول بارتفاع مبيعات السيارات الكهربائية؛ حيث سجلت تجارة المركبات الكهربائية نموًّا بنسبة 60%؛ مما سلط الضوء على تغير متطلبات السوق وتفضيلاتها. كما شهد الربع الأخير من عام 2023 علامات استقرار، وخاصة في المناطق النامية؛ مما أشير إلى بداية مرحلة التعافي، في حين شهدت معظم القطاعات انتعاشًا، رغم أن تجارة الملابس (الملابس وإكسسوارات الملابس) استمرت في الانكماش، حيث انخفضت بنسبة 13%.

أما فيما يتعلق بالأداء العالمي لتجارة السلع والخدمات خلال عام 2024، فوفقًا لنفس التحديث "التجارة العالمية الصادر عن "الأونكتاد" في يوليو 2024"، فمن الملاحظ أن اتجاهات التجارة العالمية تحولت إلى إيجابية خلال الربع الأول من عام 2024، مع زيادة قيمة التجارة في السلع بنحو 1% على أساس ربع سنوي، وفي الخدمات بنحو 1.5%.

ومن المتوقع أن يضيف هذا الارتفاع، الذي تدعمه ديناميكيات التجارة الإيجابية للولايات المتحدة والدول النامية وخاصة الاقتصادات النامية الآسيوية الكبيرة، ما يقرب من 250 مليار دولار إلى تجارة السلع، و100 مليار دولار إلى تجارة الخدمات في النصف الأول من عام 2024 مقارنة بالنصف الثاني من عام 2023.

كما شهدت التجارة العالمية في الربع الأول من عام 2024 نموًّا مدفوعًا في المقام الأول بزيادة الصادرات من الصين (9%) والهند (7%) والولايات المتحدة (3%)، وعلى العكس من ذلك، لم تشهد صادرات أوروبا أي نمو، كما انخفضت صادرات إفريقيا بنسبة 5%. وعلى صعيد آخر، ارتفعت التجارة في الدول النامية والتجارة بين دول الجنوب بنحو 2% في كل من الواردات والصادرات خلال الربع الأول من عام 2024. وبالمقارنة، شهدت البلدان المتقدمة استقرار الواردات وارتفاعًا متواضعًا بنسبة 1% في الصادرات. ومع ذلك، انخفضت التجارة بين دول الجنوب على أساس سنوي بنسبة 5% عند مقارنة الربع الأول من عام 2023 بالربع الأول من عام 2024.

وفي سياق متصل، فقد تفاوت نمو التجارة العالمية بشكل كبير عبر القطاعات؛ حيث شهدت المنتجات المرتبطة بالطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي زيادات قوية، وارتفعت قيمة تجارة الخوادم عالية الأداء في الربع الأول من عام 2024 بنسبة 25% مقارنة بالربع الأول من عام 2023، في حين شهدت أجهزة الكمبيوتر الأخرى ووحدات التخزين زيادة بنسبة 8%. كما نمت قيمة تجارة المركبات الكهربائية بشكل كبير؛ حيث زادت بنحو 25%.

ورغم هذه الاتجاهات الإيجابية، فإن التوقعات لعام 2024 اتسمت بالاعتدال بسبب التوترات الجيوسياسية، وتأثيرات السياسات الصناعية، والتي يرجح أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، ومن ثم إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية.

وقد توقعت المنظمات الاقتصادية الدولية الثلاث الكبرى (صندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية) ارتفاع تدفقات التجارة العالمية في عام 2024؛ حيث توقعت منظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية" أن تنمو التجارة العالمية في السلع والخدمات بنسبة 2.3% خلال عام 2024، على أن تنمو بنسبة 3.3% في عام 2025، وهو أكثر من ضعف النمو البالغ 1% الذي شهدته التجارة العالمية في عام 2023.

وعن أبرز التحديات أمام التجارة العالمية، أشار التقرير إلى ما شهدته العقود الأخيرة من تزايد التجارة الثنائية بين الدول؛ فمعظم الدول التي تصدر السلع إلى بلد ما، تستورد أيضًا السلع من البلد نفسه، كما تزايدت أهمية التجارة بين دول الجنوب بشكل كبير. وفي العقدين الماضيين، كانت الصين المحرك الرئيس لهذا الاتجاه في التجارة. فعلى سبيل المثال، شهدت السنوات العشرين الماضية، تحول الصين إلى أكبر شريك تجاري ثنائي لإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فإن نحو 20% من صادرات المنطقة تذهب الآن إلى الصين، ونحو 16% من واردات إفريقيا تأتي من الصين، وقد وصل حجم التجارة الثنائية بين الصين ودول إفريقيا جنوب الصحراء إلى رقم قياسي بلغ 282 مليار دولار من إجمالي حجم التجارة العالمية في عام 2023.

- العولمة وأثرها على التجارة العالمية: أوضح التقرير أنه حتى عام 1870، كان مجموع الصادرات العالمية يمثل أقل من 10% من الناتج العالمي، أما اليوم، فقد أصبحت قيمة السلع المصدرة حول العالم تبلغ نحو 25%، الأمر الذي يوضح أن النمو في التجارة على مدى المائة عام الماضية تجاوز حتى النمو الاقتصادي السريع، وبشكل عام، لا توجد دلائل واضحة على التراجع الهيكلي للتجارة الدولية، ولكن هناك فقط تذبذبات عرضية ناجمة عن عدة عوامل أدت إلى حدوث انقطاع في سلسلة التوريد العالمية التي شهدناها خلال جائحة "كوفيد-19"، ولكن منذ ذلك الحين، انتعشت التجارة العالمية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بقوة، على الرغم من المخاوف من الإجراءات الحمائية وتحول الاقتصاد العالمي إلى تكتلات اقتصادية منفصلة.

- الأزمات الجيوسياسية وتأثيراتها على التجارة العالمية: فقد أسهم تصاعد التوترات والأزمات الجيوسياسية، التي شهدها العالم خلال الأعوام الأخيرة الماضية، وعلى رأسها الأزمة الروسية الأوكرانية، والعدوان الإسرائيلي على غزة، إلى خلل في حركة التجارة العالمية؛ حيث أشار "البنك المركزي الأوروبي"، في أحدث توقعاته لمجمل عام 2024، إلى أن اضطرابات الشحن في البحر الأحمر، قد تؤدي إلى كبح جماح التعافي في تجارة السلع العالمية، وقد انخفض حجم تجارة الترانزيت عبر البحر الأحمر بشكل كبير، مع قيام شركات الشحن بتجنب المرور في المنطقة وتغير مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح. ومن ناحية أخرى، تؤثر المسافة بين الدول سلبًا على تدفقات التجارة الثنائية؛ مما يمثل عقبة أمام التجارة العالمية، فكلما زادت المسافة بين دولتين، كان تدفق التجارة الثنائية بينها أقل؛ وذلك بسبب ارتفاع تكاليف التجارة. وتشير التوقعات إلى تعافي التجارة العالمية تدريجيًّا خلال عام 2024، واتجاهها للنمو مستقبلًا، وذلك استنادًا إلى بيانات ترجح نمو الواردات العالمية من 1.2٪ عام 2023 إلى 2.8٪ عام 2024، قبل أن يتسارع تدريجيًّا إلى 3.1٪ في عام 2025، و3.2٪ عام 2026. وعلى الرغم من التعافي المتوقع، فمن المرجح أن تظل التجارة العالمية أقل من اتجاهها التاريخي؛ مما يعكس تأثير التغييرات الهيكلية في العلاقات التجارية، والناجمة عن التوترات الجيوسياسية المتزايدة؛ فالصراعات الإقليمية والتوترات الجيوسياسية تختبر بشدة مرونة شبكات التجارة العالمية.

وأكد التقرير على دور مصر في التجارة العالمية موضحاً أن مصر تُعد أكبر اقتصاد في إفريقيا، بناتج محلي إجمالي بلغ 398 مليار دولار أمريكي عام 2023، كما أن عدد سكانها البالغ حتى 12 سبتمبر الجاري 106.8 ملايين نسمة يجعلها سوقًا ناشئة رئيسة؛ حيث يمثل هذا العدد الكبير والمتزايد من السكان سوقًا محتملة كبيرة؛ وبالحديث عن أهمية دور مصر في التجارة العالمية، أشار التقرير إلى ما يلي:

- دور قناة السويس في التجارة العالمية: تُعد قناة السويس عنصرًا أساسيًّا من عناصر البنية التحتية للنقل البحري الدولي؛ ولعل أبرز مثال على أهمية قناة السويس للتجارة الدولية يكمن في حادثة جنوح سفينة الحاويات "إيفر جيفن" (Ever Given) في نهاية مارس 2021، التي أدت إلى عرقلة حركة المرور في كلا الاتجاهين. وكان لإغلاق القناة تأثير كبير على قيمة البضائع المنقولة كل ساعة والتي تبلغ 400 مليون دولار، كما أدى إلى خفض النمو السنوي للتجارة العالمية بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.4%، ويعود السبب وراء الأهمية الكبيرة لقناة السويس إلى عدد من المزايا التي توفرها للتجارة الدولية، ومنها: (ضمان سرعة رحلات الشحن، الكفاءة العالية والتوفير في التكاليف- رابط مباشر من آسيا إلى أوروبا).

- مصر عضو فاعل في الاتفاقيات التجارية الإقليمية والدولية: لعبت مصر دورًا محوريًّا في إجراءات تنظيم العلاقات التجارية العالمية؛ حيث كانت ممثلة في مؤتمر صياغة ميثاق هافانا الخاص بإنشاء منظمة عالمية للتجارة عام 1947، كما شاركت في مؤتمر الجات عام 1993، وخلال مفاوضات الفصل الرابع للتجارة والتنمية في عامي 1964 و1965 تم إقرار المبدأ الذي نادت به مصر لمعاملة الدول النامية وفق مبدأ الدولة الأولى بالرعاية، وقد برز الدور المصري عند اختيار مؤتمر الدوحة للتجارة العالمية لعام 2001 مصر ضمن مجموعة الدول المكلفة بصياغة البيان الختامي للمؤتمر.

وفي هذا السياق، فإنه بالإضافة إلى انضمامها المبكر لمنظمة التجارة العالمية، فقد عقدت مصر اتفاقيات تجارية مع العديد من الدول حول العالم، ومن أبرزها: (اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى "جافتا"، واتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا "الكوميسا"، واتفاقية الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، واتفاقية "أغادير" للتجارة الحرة، واتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتركيا، واتفاقية التجارة الحرة بين مصر ورابطة التجارة الحرة الأوروبية "إفتا"، واتفاقية التجارة الحرة التفضيلية بين مصر والسوق المشتركة الجنوبية "الميركوسور"، واتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية).

- أبرز الشركاء التجاريين لمصر: مثلت التجارة 40.5% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر في عام 2023، ارتفاعًا من نحو 37% في عام 2022، وفقًا للبيانات الصادرة عن "البنك الدولي"، ويرجع ذلك إلى انفتاح السوق المصرية تدريجيًّا، مع التصديق على اتفاقيات التجارة الحرة المختلفة.

وتعتبر المنتجات البترولية (النفط والغاز) أكثر العناصر تداولًا، سواء للواردات أو الصادرات، كما يُعد الذهب والأسمدة والحمضيات من الصادرات المصرية المهمة. فيما تضمن واردات مصر بصورة رئيسة الآلات والأجهزة الميكانيكية، والحبوب، والسيارات، والأدوية.

وفي عام 2023، أتت تركيا في مقدمة الدول المستوردة للصادرات المصرية من السلع، بقيمة صادرات بلغت نحو 3.77 مليارات دولار أمريكي، أي ما يعادل 4.50% من إجمالي صادرات مصر، تليها إيطاليا بقيمة صادرات 3.14 مليارات دولار أمريكي، بما يعادل 3.76% من إجمالي صادرات مصر، فيما مثلت صادرات مصر إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نحو 3.22% و2.67% من إجمالي صادرات مصر على الترتيب. وعلى صعيد الواردات، جاءت الصين في مقدمة الدول المصدرة لمصر؛ حيث مثلت 15.56% من إجمالي الواردات المصرية في عام 2023، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 6.43%، ثم المملكة العربية السعودية وروسيا بنسبة 6.26% و5.96% من إجمالي الواردات المصرية على الترتيب.

وفيما يتعلق بالتجارة البينية مع التجمعات الدولية، يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمصر؛ حيث صدّرت مصر 31.19% من إجمالي صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2023، فيما جاء 25.5% من إجمالي الواردات المصرية من الاتحاد الأوروبي.

فضلًا عن ذلك، فقد توجه ما نسبته 10% من صادرات مصر إلى "الكوميسا" في عام 2023، فيما استوردت مصر منها ما نسبته 1.9%. وبالنسبة إلى التجارة مع دول "الميركوسور" و"الإفتا"، فقد صدرت مصر 1.67% و1.14% من إجمالي صادراتها إلى المجموعتين على الترتيب، فيما استوردت منهما ما نسبته 5.29% و1.52% من إجمالي الواردات المصرية على الترتيب خلال عام 2023.

وعن مستقبل التجارة العالمية، فقد أشار التقرير إلى أن التجارة العالمية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا، ويعود هذا التحول إلى البيئة الاقتصادية والجيوسياسية الصعبة التي أدت إلى ظهور أنماط متطورة ومبتكرة للتجارة أسهمت في إعادة تشكيل التجارة العالمية، ومن بين تلك الأنماط، ما يلي: صعود التجارة الرقمية، ظهور ممرات تجارية جديدة، زيادة الاستثمارات في الطاقة الخضراء.

وأشار التقرير في الختام إلى أن صعود أنماط جديدة للتجارة الدولية كالتجارة الرقمية والتجارة في السلع والخدمات المرتبطة بالاستدامة، يمثل تحولاً كبيرًا في مشهد التجارة، ومع استمرار الممرات التجارية الحديثة في التطور والنضوج، فمن المقرر أن تكون جزءًا لا يتجزأ من مستقبل واعد للتجارة الدولية يساعد على تعزيز الرخاء الاقتصادي وزيادة الترابط التجاري حول العالم.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن يكون الاستثمار الأخضر العابر للحدود بمثابة مقدمة للتحول في أنماط التجارة العالمية، وبشكل عام، يرى محللون أنه في حين أن هندسة التجارة العالمية كانت تعيد تشكيل نفسها تدريجيًّا، فإن شكلها المستقبلي لا يزال غير مؤكد، وإن كان من المرجح استمرار الروابط التجارية بين الدول بشكل مشابه لما هي عليه اليوم مع حدوث تحولات في بعض سلاسل القيمة.

مقالات مشابهة

  • «معلومات الوزراء» يكشف عن خطوات دمج الإبداع البشري مع التكنولوجيا
  • كيف يمثل ترحيل المهاجرين من أمريكا قنبلة قابلة للانفجار؟.. تكلفة وخسائر ضخمة
  • لغاية آذار.. أكثر من 8.5 ملايين نسمة في كوردستان بينهم نحو مليون نازح ولاجئ
  • لماذا يستحيل ترحيل 13 مليون مهاجر كما يريد ترامب؟
  • إسبانيا تمنح 300 ألف مهاجر وثائق للعمل والإقامة.. هل ذلك استثمار في المهاجرين غير الشرعيين؟
  • بحث العديد من المحاور التي تخص المغتربين في الخارج
  • أزمة التغير المناخي في أفريقيا والمطالب الأفريقية في «كوب 29»
  • معلومات الوزراء: التجارة العالمية قاطرة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية
  • معلومات السفينة التي هاجمها الحوثيون في البحر الأحمر
  • آمنة الضحاك تلقي كلمة الإمارات في COP29 وتؤكد التزام الدولة بالعمل الجماعي والشمولية لتحقيق أهداف العالم المناخية