لجريدة عمان:
2025-03-02@21:17:51 GMT

التحصين القيمي للمجتمع

تاريخ النشر: 21st, September 2024 GMT

في اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه جلالة السلطان هيثم بن طارق -أيده الله- بقصر المعمورة بولاية صلالة، وذلك بتاريخ 19 سبتمبر 2024، جاء في نص البيان عن الاجتماع: «وفي ظلّ صلابة اللحمة المجتمعية والانسجام والتآلف الذي عُرف به المجتمع العُماني طوال التاريخ، واستنادًا على القيم العُمانية العريقة التي ترفض كافة أشكال التشدد والتعصب والتحزب، فقد أكد مجلس الوزراء على أهمية تحصين المجتمع من مختلف الجوانب، وتعزيز دور الأسرة لتقوم بتنشئة أبنائها على المبادئ السمحة واجتناب الأفكار الضالة والتأثر بها».

في المنطلق هذه ليست الإشارة الأولى التي تنوه إليها القيادة السياسية فيما يتعلق بالمسألة القيمية، وتكرار الإشارة في ذاته يحمل معنى مهما بالنسبة للواقع الاجتماعي، وإذا جئنا إلى تحليل مفردات الإشارة هنا نجد أن هناك أربعة تأكيدات مهمة؛ أولها: أن الأصل في تأريخية المجتمع قيم الالتحام والانسجام والتآلف، وثانيها: أن هناك قيما بعينها تشكل خطرًا أقصى على النسيج المجتمعي ولابد من مواجهتها، وهي التشدد والتعصب والتحزب، وثالثها: أن الأسرة هي أساس التحصين القيمي للمجتمع وأن ديناميكياتها في التربية تحدد قوة النسيج المجتمعي عمومًا، ورابعها: أن هناك إلحاحًا ظرفيًا تحكمه ظروف الواقع المتغير يدعو إلى جعل المسألة القيمية الآن الشغل الشاغل في اهتمام كافة المكونات المجتمعية.

يعنينا في البداية القول: إن التعامل الجاد مع المسألة القيمية في أي مجتمع يقتضي تشخيص مصادر تهديد القيم، وتحديد المنابع الفعلية من اتجاهات وموجات وأدوات من شأنها أن تهدد النسيج القيمي؛ فلا يصح إيجاد المبادرات والبرامج والحملات دون أساس منهجي واضح يقتضي التتبع وملاحظة التغيير الفعلي لاحقًا. وفي مجتمعنا- كما هو حال مجتمعات الخليج- نعتقد أن مهددات النسيج القيمي نابعة من خمسة مصادر رئيسية؛ أولها: الانخراط في عالم اتصالي موسع تقوده برامج وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وتنغمس فيها جملة من الثقافات والقيم المتداخلة، التي يصعب على الناشط فيها ما لم يكن محصنًا فكريًا وقيميًا من التعامل النوعي معها، وفلترة اتجاهاتها، وتمكين الذات من الفكر الناقد إزاءها. وفي مقابل ذلك فإن هناك ضعفًا كبيرًا في تسويق الثقافة والقيم المحلية بأدوات وطرق مبتكرة عبر هذه الفضاءات، وضعف في التأكيد عليها في مقابل الثقافات والقيم الأخرى ذات السطوة. فالمسألة مسألة تحصين في المقام الأول، وانخراط في الإنتاج وتسويق الثقافة في المقام الآخر. المصدر الآخر: هو في طبيعة تقديم الإعلام بنوعيه التقليدي والاجتماعي للمكونات الاجتماعية: كيف يقدم الإعلام المهيمن اليوم شكل الأسرة والمفاهيم المتصلة بها؟ وكيف يقدم معاني الاندماج الاجتماعي؟ وكيف يقدم قيم الحرية والفردانية في مقابل التواصل والتفاعل الاجتماعي؟ وكيف يقدم قيمة التربية والتنشئة؟ أن أسئلة من هذا القبيل يجب أن تبحث وتطرح في سياق الإعلام المهيمن؛ ونقصد بالإعلام المهيمن المادة الإعلامية التي تحوز اهتمام الفئة الأكبر من المجتمعات، ونوعية الوسائل والمحتوى والمنصات التي ينخرطون في متابعتها بشكل أكبر مقارنة بغيرها.

المصدر الثالث من مصادر تهديد القيم هو الفجوات بين الأجيال، وعدم وجود توازن وتواصل في معادلة الأجيال، ما نشهده اليوم هو اضطرارية الجيل الأقدم للتواكب مع لغة ومفاهيم وأدوات الجيل الأحدث، واختلال معادلة الأجيال في حد ذاتها تشكل مشكلة اجتماعية. تعرف الأجيال الأقدم بأنها حافظة القيم، والناقلة لها، وإحدى أدوات الضبط الاجتماعي التي تسهم في التزام طيف واسع من المجتمع بموجهات تلك القيم، ولكن متى ما سلبت الأدوات والوسائل والمساحات التي تمكن هذه الأجيال من التواصل والتفاعل مع الأجيال الجديدة متى ما توسعت تلك الفجوات وأحدثت شرخًا في نقل القيم الاجتماعية المرغوبة. المصدر الرابع في تقديرنا متمثل في ضعف مساحات الحوار العام الاجتماعي، وتحول النقاش حول الواقع الاجتماعي إلى نقاش افتراضي مؤطر، تقوده اتجاهات آنية، وتسيطر عليه النزعات الذاتية، وتحكمه الفردانية. إن وجود مساحات واقعية لتعزيز الحوار حول الواقع الاجتماعي مسألة ذات أهمية، سواء كانت تلك المساحات برامج إعلامية، أو ندوات موسعة، أو جلسات نقاش، أو حوارات متعددة المستويات. ثم إن النقاش الذي يؤدي إلى التحصين القيمي هو النقاش الذي يبحث في عمق القيم، ويسائل السلوكيات المترجمة لها بشفافية، ولا يواري عن ذكر حقائق الواقع دون تزييف أو مبالغة. أما المصدر الأخير في تقديرنا – وهو مصدر تتماثل فيه كافة المجتمعات على حد سواء – فهو يتمثل في طبيعة الواقع الاقتصادي، وما يدفع ذلك الواقع الأفراد فيه إلى تبني قيم معينة، وإلى تمثل قيم قد لا تكون مطابقة للأصل المجتمعي، وقد تكون دافعة إلى الصراع الاجتماعي منه إلى التوازن والتكامل.

في كل الأحوال فإن التحصين القيمي للمجتمع يتطلب اليوم جهدًا تآزريًا، أول منطلقاته ألا تنسحب المؤسسات الاجتماعية عن أدوارها الفعلية، فلا تنسحب الأسرة عن الدور القيمي لصالح الدور الرعوي، وأن تترك للمساحات والفضاءات الأخرى نطاقًا لتشكيل قيم وهدم قيم أخرى، وكذا الأمر يتصل بالمدرسة كمؤسسة حاضنة لسنوات التشكيل الأساسية للقيم. وفي المقابل هناك دور موسع يجب أن تقوم به المحافظات اليوم من خلال تشجيع مساحات الحوار المحلي حول المسألة القيمية، وتشجيع مكونات المجتمع المحلي على تبني البرامج والمبادرات الحاثة على التحصين القيمي، وتجسيد المساحات لممارسة الفنون الإبداعية المرسخة للقيم، مثل المسرح وغيرها، والتي من شأنها إيصال الرسائل بطرق غير مباشرة تتماشى مع الوجدان الاجتماعي. وعلى مستوى المكون التعليمي، فإن الدعوات التي تظهر بشأن ضرورة إيجاد مقررات دراسية تعنى بالأخلاق والقيم العامة لم تعد من قبيل التزيد، وإنما ضرورة في تقديرنا، ذلك أن جزء أصيل من ارتباط الطلبة إنما هو بالمكون التعليمي، وبنسق المعرفة، فمتى ما حولت مادة الأخلاق والقيم إلى مكون معرفي يقود الطالب إلى أصلها وتأصيلها، والجوانب النفسية والسلوكية المتصلة بها، كلما كانت تلكم القيم والأخلاق أكثر رسوخًا وقناعة لدى الطلبة.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية في سلطنة عُمان

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

“الشبة الرمضانية” في الحدود الشمالية.. دفء التقاليد وجسر التواصل بين الأجيال

تُعدّ “الشبة الرمضانية” من أبرز التقاليد الاجتماعية التي تميز منطقة الحدود الشمالية خلال شهر رمضان المبارك، ويجتمع كبار السن والشباب حول نار الشبة في ليالي الشهر الفضيل، في لقاءات يملؤها الدفء والمودة، وتمتزج فيها الأحاديث الودية باسترجاع الموروث الثقافي للمنطقة.

وتحظى هذه المجالس الرمضانية بمكانة خاصة في المجتمع، وتعزز الروابط الأسرية والجيرة، وتوفر مساحة لتبادل القصص والتجارب، إلى جانب مناقشة الموضوعات التي تهم الأهالي في أجواء يملؤها الألفة والمحبة.

وأوضح مروي السديري أن الشبة ليست مجرد تجمع حول النار، بل هي رمز للكرم والتآخي بين أفراد المجتمع، ويتبادلون الأحاديث عن الماضي والتطورات التي شهدتها المنطقة، مما يجعلها جزءًا أصيلًا من التراث المحلي.

اقرأ أيضاًالمجتمعأمير تبوك يستقبل مديري الشرطة والمرور بالمنطقة

من جهته، أشار كريم الذايدي إلى أن هذه الجلسات تسهم في توطيد العلاقات الاجتماعية، كما تظل المجالس مفتوحة للجميع، ويشارك الحاضرون في إعداد القهوة وتبادل الأخبار، مؤكدًا أن التمسك بهذه العادات يربط الأجيال بماضيها العريق.

وأوضح رئيس مجلس إدارة جمعية المتقاعدين بمنطقة الحدود الشمالية، جزاء مرجي، أن الشبة الرمضانية كانت ولا تزال جزءًا من تراثنا، فقد نشأنا عليها، وهي تجمع الأجيال، وتمنح فرصة لاستعادة الذكريات ومشاركة التجارب مع الشباب، وأن رمضان يمثل الوقت المثالي لإحياء مثل هذه العادات، لما تعكسه من روح المحبة والتواصل وتعزيز القيم الاجتماعية بين الأجيال.

ورغم التغيرات الحديثة، لا تزال “الشبة الرمضانية” حاضرة في العديد من منازل الأهالي بمنطقة الحدود الشمالية، ويحرصون على إحيائها في ليالي رمضان، وسط أجواء دافئة تجسد أصالة التقاليد الاجتماعية في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • “الشبة الرمضانية” في الحدود الشمالية.. دفء التقاليد وجسر التواصل بين الأجيال
  • نائب رئيس حزب المؤتمر: وقف نتنياهو المساعدات لغزة جريمة حرب وتحد صارخ للمجتمع الدولي
  • إطلاق علامة "من المجتمع للمجتمع" للاحتفاء بثقافة العطاء في أبوظبي
  • هيئة المساهمات المجتمعية – معاً تطلق علامة «من المجتمع للمجتمع»
  • عون مهنئاً بشهر رمضان: فليتشارك اللبنانيون معاني القيم الروحية التي يجسدها الصيام
  • نبض الازاميل.. مجموعة جديدة للقاص ضاري الغضبان
  • “نُعلِّم و نتعلَّم لحاضر الأجيال ومستقبلها”
  • مدفع رمضان بين الماضي والحاضر.. صدفة تاريخية أسهمت في انتشاره عبر الأجيال
  • برلمانية: مسلسلات رمضان يجب أن تسهم في ترسيخ الهوية الوطنية والقيم الأخلاقية
  • المثقف .. وزمن التفاهة !