لجريدة عمان:
2025-04-03@04:48:48 GMT

التحصين القيمي للمجتمع

تاريخ النشر: 21st, September 2024 GMT

في اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه جلالة السلطان هيثم بن طارق -أيده الله- بقصر المعمورة بولاية صلالة، وذلك بتاريخ 19 سبتمبر 2024، جاء في نص البيان عن الاجتماع: «وفي ظلّ صلابة اللحمة المجتمعية والانسجام والتآلف الذي عُرف به المجتمع العُماني طوال التاريخ، واستنادًا على القيم العُمانية العريقة التي ترفض كافة أشكال التشدد والتعصب والتحزب، فقد أكد مجلس الوزراء على أهمية تحصين المجتمع من مختلف الجوانب، وتعزيز دور الأسرة لتقوم بتنشئة أبنائها على المبادئ السمحة واجتناب الأفكار الضالة والتأثر بها».

في المنطلق هذه ليست الإشارة الأولى التي تنوه إليها القيادة السياسية فيما يتعلق بالمسألة القيمية، وتكرار الإشارة في ذاته يحمل معنى مهما بالنسبة للواقع الاجتماعي، وإذا جئنا إلى تحليل مفردات الإشارة هنا نجد أن هناك أربعة تأكيدات مهمة؛ أولها: أن الأصل في تأريخية المجتمع قيم الالتحام والانسجام والتآلف، وثانيها: أن هناك قيما بعينها تشكل خطرًا أقصى على النسيج المجتمعي ولابد من مواجهتها، وهي التشدد والتعصب والتحزب، وثالثها: أن الأسرة هي أساس التحصين القيمي للمجتمع وأن ديناميكياتها في التربية تحدد قوة النسيج المجتمعي عمومًا، ورابعها: أن هناك إلحاحًا ظرفيًا تحكمه ظروف الواقع المتغير يدعو إلى جعل المسألة القيمية الآن الشغل الشاغل في اهتمام كافة المكونات المجتمعية.

يعنينا في البداية القول: إن التعامل الجاد مع المسألة القيمية في أي مجتمع يقتضي تشخيص مصادر تهديد القيم، وتحديد المنابع الفعلية من اتجاهات وموجات وأدوات من شأنها أن تهدد النسيج القيمي؛ فلا يصح إيجاد المبادرات والبرامج والحملات دون أساس منهجي واضح يقتضي التتبع وملاحظة التغيير الفعلي لاحقًا. وفي مجتمعنا- كما هو حال مجتمعات الخليج- نعتقد أن مهددات النسيج القيمي نابعة من خمسة مصادر رئيسية؛ أولها: الانخراط في عالم اتصالي موسع تقوده برامج وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وتنغمس فيها جملة من الثقافات والقيم المتداخلة، التي يصعب على الناشط فيها ما لم يكن محصنًا فكريًا وقيميًا من التعامل النوعي معها، وفلترة اتجاهاتها، وتمكين الذات من الفكر الناقد إزاءها. وفي مقابل ذلك فإن هناك ضعفًا كبيرًا في تسويق الثقافة والقيم المحلية بأدوات وطرق مبتكرة عبر هذه الفضاءات، وضعف في التأكيد عليها في مقابل الثقافات والقيم الأخرى ذات السطوة. فالمسألة مسألة تحصين في المقام الأول، وانخراط في الإنتاج وتسويق الثقافة في المقام الآخر. المصدر الآخر: هو في طبيعة تقديم الإعلام بنوعيه التقليدي والاجتماعي للمكونات الاجتماعية: كيف يقدم الإعلام المهيمن اليوم شكل الأسرة والمفاهيم المتصلة بها؟ وكيف يقدم معاني الاندماج الاجتماعي؟ وكيف يقدم قيم الحرية والفردانية في مقابل التواصل والتفاعل الاجتماعي؟ وكيف يقدم قيمة التربية والتنشئة؟ أن أسئلة من هذا القبيل يجب أن تبحث وتطرح في سياق الإعلام المهيمن؛ ونقصد بالإعلام المهيمن المادة الإعلامية التي تحوز اهتمام الفئة الأكبر من المجتمعات، ونوعية الوسائل والمحتوى والمنصات التي ينخرطون في متابعتها بشكل أكبر مقارنة بغيرها.

المصدر الثالث من مصادر تهديد القيم هو الفجوات بين الأجيال، وعدم وجود توازن وتواصل في معادلة الأجيال، ما نشهده اليوم هو اضطرارية الجيل الأقدم للتواكب مع لغة ومفاهيم وأدوات الجيل الأحدث، واختلال معادلة الأجيال في حد ذاتها تشكل مشكلة اجتماعية. تعرف الأجيال الأقدم بأنها حافظة القيم، والناقلة لها، وإحدى أدوات الضبط الاجتماعي التي تسهم في التزام طيف واسع من المجتمع بموجهات تلك القيم، ولكن متى ما سلبت الأدوات والوسائل والمساحات التي تمكن هذه الأجيال من التواصل والتفاعل مع الأجيال الجديدة متى ما توسعت تلك الفجوات وأحدثت شرخًا في نقل القيم الاجتماعية المرغوبة. المصدر الرابع في تقديرنا متمثل في ضعف مساحات الحوار العام الاجتماعي، وتحول النقاش حول الواقع الاجتماعي إلى نقاش افتراضي مؤطر، تقوده اتجاهات آنية، وتسيطر عليه النزعات الذاتية، وتحكمه الفردانية. إن وجود مساحات واقعية لتعزيز الحوار حول الواقع الاجتماعي مسألة ذات أهمية، سواء كانت تلك المساحات برامج إعلامية، أو ندوات موسعة، أو جلسات نقاش، أو حوارات متعددة المستويات. ثم إن النقاش الذي يؤدي إلى التحصين القيمي هو النقاش الذي يبحث في عمق القيم، ويسائل السلوكيات المترجمة لها بشفافية، ولا يواري عن ذكر حقائق الواقع دون تزييف أو مبالغة. أما المصدر الأخير في تقديرنا – وهو مصدر تتماثل فيه كافة المجتمعات على حد سواء – فهو يتمثل في طبيعة الواقع الاقتصادي، وما يدفع ذلك الواقع الأفراد فيه إلى تبني قيم معينة، وإلى تمثل قيم قد لا تكون مطابقة للأصل المجتمعي، وقد تكون دافعة إلى الصراع الاجتماعي منه إلى التوازن والتكامل.

في كل الأحوال فإن التحصين القيمي للمجتمع يتطلب اليوم جهدًا تآزريًا، أول منطلقاته ألا تنسحب المؤسسات الاجتماعية عن أدوارها الفعلية، فلا تنسحب الأسرة عن الدور القيمي لصالح الدور الرعوي، وأن تترك للمساحات والفضاءات الأخرى نطاقًا لتشكيل قيم وهدم قيم أخرى، وكذا الأمر يتصل بالمدرسة كمؤسسة حاضنة لسنوات التشكيل الأساسية للقيم. وفي المقابل هناك دور موسع يجب أن تقوم به المحافظات اليوم من خلال تشجيع مساحات الحوار المحلي حول المسألة القيمية، وتشجيع مكونات المجتمع المحلي على تبني البرامج والمبادرات الحاثة على التحصين القيمي، وتجسيد المساحات لممارسة الفنون الإبداعية المرسخة للقيم، مثل المسرح وغيرها، والتي من شأنها إيصال الرسائل بطرق غير مباشرة تتماشى مع الوجدان الاجتماعي. وعلى مستوى المكون التعليمي، فإن الدعوات التي تظهر بشأن ضرورة إيجاد مقررات دراسية تعنى بالأخلاق والقيم العامة لم تعد من قبيل التزيد، وإنما ضرورة في تقديرنا، ذلك أن جزء أصيل من ارتباط الطلبة إنما هو بالمكون التعليمي، وبنسق المعرفة، فمتى ما حولت مادة الأخلاق والقيم إلى مكون معرفي يقود الطالب إلى أصلها وتأصيلها، والجوانب النفسية والسلوكية المتصلة بها، كلما كانت تلكم القيم والأخلاق أكثر رسوخًا وقناعة لدى الطلبة.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية في سلطنة عُمان

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

مواطنون يثمنون الأومر السامية ويؤكدون أهميتها في الدمج الاجتماعي لحالات التوحد

ـ محمد الحجري : المركز يجعل عمان نموذجاً في العناية بهذه الفئة

ـ عهود البلوشية: دعم أسرالمصابين وتخفيف العبء عنهم

ـ منصور الحجري : تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الدعم المبكر

- نادية العجمية: تقديم خدمات متكاملة وتحسين جودة حياة المصابين

ثمن عدد من المواطنين والمختصين الأوامرالسّامية الكريمة باعتماد 7 ملايين ريال عُماني لإنشاء "مركز اضطراب طيف التوحّد للرعاية والتأهيل" في محافظة مسقط يتبع المركز الوطني للتوحد، و دراسة حاجة المحافظات لمثل هذه المراكز، ووضع برنامج زمني لإنشائها وفق عدد الحالات في كل محافظة.

مؤكدين على أن اللفتة الكريمة من لدن المقام السامي ـ حفظه الله و رعاه ـ، تأتي في إطار الحرص الذي يوليه جلالته، لتوفير أفضل مقومات العيش الكريم لهذه الفئة وتخفيف الكثير من الأعباء على أولياء أمورهم وتوفير خدمات تأهيليّة وعلاجية ذات جودة عالية تمكن من تسهيل دمجهم في المجتمع ،وضع خطط مستقبلية تمنحهم مزيد من الامل في الشفاء وتحسين مستوياتهم الفكرية.

وقال الدكتور محمد بن سعيد الحجري رئيس اللجنة الاجتماعية والثقافية بمجلس الدولة أن الأوامر السامية تمثل واحدة من ذرى الاهتمام بهذه الفئة من أبناء مجتمعنا، مشيرا بأن الخدمات التي سيقدمها المركز ستشكل نقلة نوعية ليس في تقديم الخدمة فحسب بل في تيسير الحصول عليها، وفي بناء وتطوير منظومة متكاملة وتدريب كوادر محترفة.

و قال سعادته أن هذه اللفتة الكريمة من لدن جلالته ـ ايده الله ـ ستجعل من سلطنة عمان نموذجاً في العناية بمصابي طيف التوحد، وعلينا أن ندرك أن هذه النقلة ستجعل عائلات المصابين أمام مستوى جديد من الخدمة، فعائلات المصابين يتكبدون الآن كلفاً عالية وجهداً وعناءً لكي يحصل أبناؤهم على خدمات التأهيل التي تعينهم على الدمج.

و اشار إلى أن الأوامر السامية ستفتح الباب واسعاً لتوفير هذه الخدمات في المحافظات والولايات مما سيعين أسر المصابين على تأهيلهم.

وقالت المكرمة الدكتورة عهود بنت سعيد البلوشية نائب رئيس اللجنة الاجتماعية والثقافية بمجلس الدولة أن الأوامر السامية تعكس الاهتمام السامي الكبير والمستمر بفئة الأشخاص ذوي الإعاقة والتزام القيادة الحكيمة بتوفير الدعم الكامل لهم من خلال تعزيز كافة حقوقهم وتوفير خدمات طبية وتأهيلية متخصصة تسهم في تحسين جودة حياتهم ، كما تعكس رؤية عمان 2040 في بناء مجتمع متسامح ومتقبل للاختلافات مما يعزز التضامن والتكافل الاجتماعي.

وقالت بان هذه الخطوة الهامة تبني على التشريعات والاستراتيجيات والبرامج الوطنية التي تصب نحو دمج الاشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع حيث سيسهم المركز من خلال البرامج التي يقدمها في تحسين المهارات الاجتماعية والتواصلية لدى الاشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد مما يعزز تكيفهم في المجتمع واستقلاليتهم ويساعدهم على مواجهة التحديات التي يواجهونها في التفاعل مع المجتمع .

و أشارت الدكتورة عهود البلوشية إلى ان المركز سيسهم في دعم أسر الاشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد وتخفيف العبء عنهم من خلال تقديم الارشاد والتوجيه والدعم البرامجي والنفسي والمعنوي. كما سيعزز من البحث العلمي المتعلق باضطراب طيف التوحد مما يعزز من فهم هذا الاضطراب ومسبباته وطرق التعامل معه كما سيسهم في تدريب الكوادر الوطنية المتخصصة في هذا المجال.

بيئة ملائمة

وأوضح سعادة منصور بن زاهر الحجري رئيس اللجنة الصحية والاجتماعية بمجلس الشورى أن هذه الفئة بحاجة إلى تشخيص مبكر ورعاية متخصصة، كما أن أولياء أمورهم بحاجة إلى الدعم المستمر والوعي حول كيفية التعامل مع حالات التوحد وتوفير بيئة تعليمية وصحية آمنة لأطفالهم ،مشيراً بأن هذا المركز سوف تسهم في تقديم الاستشارات والبرامج التثقيفية التي تساعد الأسر في التعامل مع التحديات اليومية ، كما سيعمل المركز على تقديم أساليب العلاج الحديثة والتي تشمل العلاج السلوكي، والدعم التعليمي، والعلاج الوظيفي الشامل، والترفيه، والرعاية المؤقتة، بالإضافة إلى تدريب الكوادر الطبية والمهنية المحلية على التعامل مع حالات التوحد .

وأضاف بأنه من المتوقع أن يحقق المركز أهداف كثيرة من خلال توفير خدمات تأهيلية متكاملة للأطفال والبالغين المصابين بالتوحد، وتقديم برامج تثقيفية وتوعوية للأسر حول كيفية دعم أبنائهم، وتحسين جودة حياتهم من خلال التعليم والأنشطة التي تنمي مهاراتهم. وكذلك تعزيز الوعي المجتمعي حول اضطراب التوحد وأهمية الدعم المبكر.

وأشار الحجري بأن الأوامر السامية قضت كذلك بدراسة احتياجات المحافظات لمثل هذه المراكز ووضع برنامج زمني محدد لإنشائها، اهتماماً من جلالته -حفظه الله ورعاه- بأبنائه من ذوي الإعاقة والأخذ بأيديهم لتحقيق هدف دمجهم في المجتمع.

وقالت الدكتورة نادية العجمية مديرة المركز الوطني للتوحد أن مراكز تقديم الرعاية لمصابي التوحد تلعب دورًا حيويًا في تقديم الدعم والخدمات التأهيلية العلاجية و توفير برامج علاجية متخصصة تساعد في تطوير المهارات الاجتماعية والتواصلية لدى حالات اضطراب طيف التوحد، كما ان هذه المراكز توفر الدعم والمعلومات للأسر حول كيفية التعامل مع المصابين بطيف التوحد، و توفير بيئة متكاملة ومهيئة من خلال ايجاد بيئة مناسبة تساعد المصابين على التكيف والتفاعل بشكل أفضل، مشيرة إلى ان المركز من حيث الخدمات التي سيقدمها يعد الاول من نوعة في الشرق الاوسط خاصة فيما يتعلق بتوفير خدمات ترفيهية مميزة ومتكاملة.

و اوضحت العجمية أن وزارة التنمية الإجتماعية سوف تبدأ في وضع الأوامر السامية موضع التنفيذ لانشاء المركز من خلال البدء في اجراءات الانشاء بأحدث التقنيات والمرافق المناسبة ودراسة احتياجات المحافظات الاخرى .

و اشارت إلى ان المركز سوف يسهم في حل العديد من التحديات منها تحسين جودة الحياة من خلال تقديم خدمات متكاملة للمصابين و زيادة الوعي في نشر المعرفة حول التوحد وكيفية التعامل معه، وتدريب الكوادر المتخصصة في التعامل مع المصابين .

وقال عبدالله بن سعيد المقبالي ولي أمرمصاب بطيف التوحد بأن الأوامر السامية تخفف معاناة الكثير من الاسر من تكبد العلاج في المراكز الخاصة او الخارج، موضحا بان المركز يفتح آمالا عريضة لبدء حياة جديدة لهذه الفئة، تمهيدا لدمجهم في المجتمع.

من جانبها قالت موزة بنت عدي الصابرية إن انشاء مركز اضطراب طيف التوح يمثل اهمية كبيرة ويخفف على الاسر الكثير من المعاناة التي كانوا يتكبدونها في سبيل علاج ابنائهم المصابين بطيف التوحد ، وسيوفر خدمات مهمةومناسبة للمصابين، مما يتيح لهم الفرصة للاندماج في المجتمع، و العيش بين اخوانهم و العمل بشكل طبيعي .

وقال منصور بن سعيد البوصافي : الاهتمام بذوي الاعاقة يمثل نهجا عمانيا قائما منذ سنوات طويلة، وهذه اللفتة الكريمة تعد تواصلا للنهج العماني الراسخ التي توليكافة شرائح المجتمع الاهتمام الذي يستحقونه.

و اشار إلى ان اسر المصابين بطيف التوحد استقبلت الاوامر السامية بكل فرح، و ستبشرت بمستقبل مشرقا للمصابين في تلقي العلاج من هذا المركز على ايادي خبراء و مختصين، يقدمون لهم الرعاية المثالية في المستقبل.

مقالات مشابهة

  • تهديدات ترامب لجامعة هارفارد تتزايد.. هل تخسر الجامعة معركة القيم؟
  • السبت القادم.. انطلاق حملة التحصين ضد الحمى القلاعية والوادي المتصدع بالدقهلية
  • نفخر بكم.. وزيرة التضامن الاجتماعي توجه رسالة لصناع مسلسل لام شمسية
  • صندوق الإدمان: توفير خدمات التأهيل الاجتماعي والدعم النفسي للمتعافين
  • مواطنون يثمنون الأومر السامية ويؤكدون أهميتها في الدمج الاجتماعي لحالات التوحد
  • بدء صرف معاش الضمان الاجتماعي للدفعة الـ40
  • بقرار عاجل من الحكومة.. سحب وحدات الإسكان الاجتماعي من هؤلاء
  • تطور جديد بشأن حسابات أكرم إمام أوغلو على مواقع التواصل الاجتماعي
  • بهجة الكلمات وإيقاع الفرح في ذاكرة الأجيال
  • القبض على أصحاب الفيديوهات المخلة على صفحات التواصل الاجتماعي