تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
للطبيب النفسي جاي كارتر كتاب بعنوان " أشخاص سيئو الطباع" وعنوان فرعي: كيف تمنعهم من جرح مشاعرك دون أن تهبط لمستواهم" يبدأ المؤلف بمقوله مشهورة لروبرت باين وهي أشباه هتلر بيننا كل يوم، ويشير الكاتب إلى أن سيئي الطباع يسعون للتحقير من شأن الأشخاص وإنجازاتهم، ويعلل السبب لتقديرهم المتدني لذواتهم، ولتعاستهم، ومعاناتهم النفسية.
وبينما يشعر الذي يحقر من شأن الآخرين بالدونية، فهو يسعى لجعل الآخر يشعر بالدونية مثله، ويقوم بإلقاء التلميحات السلبية نحوه أو نحو عمله، ويستمر مثل البعوضة يلح حتى يستسلم الآخر له بدعوى أنه صديق ويسعى للمساعدة، فيحاصر الآخر بانتقادات ليشل حركته فيستسلم له ويسيطر عليه، وهو لا يألو جهدًا حتى يتحكم في أصحاب القرار ويعتبر شخصية مهوسة بالسيطرة على الآخرين، وحينما لا يقدر السيطرة على الآخرين يشعر بالفزع وعدم الطمأنينة.
ويعتبر أدولف هتلر مثال نموذجي للمحقر المهووس بالسيطرة، يتحدث بلباقة يستخدم المنطق يضفي مصداقية على أكاذيبه، وهدفه التدمير وإضفاء الفوضى الخلاقة في الإنجازات والعلاقات رغم أنه لا يبدو عليه هذا، وإزاء تعطشه المريض للسلطة يتوغل وينتشر برفق وهدوء يبث سموم تعوض النقص الذي لديه، فهناك من يتلذذ ويستمتع بمضايقة الآخرين، وهذه النوعية من الشخصيات تكون بشعة جدا إذا ما احتلوا مناصب إذ يسيئون استغلال السلطة.
والأكثر مهارة وحنكة منهم يبدون ودودين لفترة طويلة، حتى يحين وقت الترقي في الإدارة، وهنا يتطور الموقف فتظهر كل أمراضهم النفسية على السطح، ويؤكد المؤلف أنه قد يمثل عليك دور الصديق الصدوق وهو لا شيء سوى خائن للأمانة، يسعى لتشويه صورتك أمام الآخرين وتشويه الآخرين لديك.
ويقترح مؤلف الكتاب عددًا من الأساليب لمواجهة مثل هؤلاء، أهمها المواجهة، لتقول له أنك على علم بألاعيبه، واقتراح أن يفكر في أسلوب أكثر عملية ليعالج به نفسه، أيضًا اتباع وسيلة عكس الإسقاط فمثلا عندما يعمد شخص ما إلى اتهامك بهتانا، تحرى ما إذا كان قد فعل نفس الشيء الذي اتهمك به. وإذا هددك أحد بشيء ما، هدده بنفس الوسيلة، فـالأرجح أنه يهددك بالشيء، الذي يرهبه أكثر من أي شيء آخر. فإن اتهمك أحدهم أنك متحيز ضده، أسأله من المتحيز؟
وعامة، الأشخاص سيئو الطباع معروفين لدى الجميع ومكروهين من كل من يتعامل معهم، بينما يخافهم البعض ويخشى مواجهتهم، يواجههم البعض الآخر فيكشف ضعفهم الشديد ونفسيتهم الهشة ويفضح حقيقة ضعفهم ويحجمهم.
المصدر: البوابة نيوز
إقرأ أيضاً:
(مناوي) الذي لا يتعلم الدرس
الخطاب السياسي لمناوي هو خطاب مرتجل وعشوائي، لكنه يظل عينة مناسبة لفحص المرض، فخطاب مناوي نموذج مكشوف لمستتر مكنون خطاب السودان الجديد، وهو في حالته العارية بلا رتوش المثقفين وفي ذات الوقت بدون حس التعبئة والحشد، وسبب ذلك أن مناوي يرجو منه أن يكون خطابا سياسيا لحركته لكن الخطاب يأتي متفجرا وخطيرا، وخصوصا حين تضيف له حس الهزل والهذر عنده. أن صفة التفجر والعنف هي أصل الخطاب وحقيقته، وأظن مناوي جاهل بذلك ولكن يجب في كل الحالات أخذه بجدية.
فيما يخص مناوي نفسه فليس المقام مناسب لتحليل تام وطويل لحالته، ولكنه اختصارا عبارة عن رجل أعمال سياسي مسلح، يتحرك وفق منطق براغماتي نحو الدولة، حركته حركة عرقية تلبست لباس السودان الجديد وبذلك فهي تحالف مصالح نخبوي هدفه تحقيق العوائد من السياسة، وهذه الحالة يطول شرحها لأنها تختلف في صيغة مناوي البراغماتية عنها في صيغ الحلو وعبدالواحد، ومهما كان فصيغة مناوي قابلة للتسوية وهناك بعيدا ستجد ثوابت معقولة، وربما ارتباط أكثر بعناصر محلية. لكن في كل الحالات تظل هي ظاهرة تحالف مصالح عرقي مسلح لا يحمل أي صفة شرعية للحديث عن دارفور وتحتاج لإصلاح.
المهم بالنسبة لي هو مضمون الخطاب الذي قدمه، ولي فيه ثلاث نقاط، ثم ختام بخلاصة نهائية ونصيحة للرجل وحركته وأتباعه:
أولا: تفسير الصراع:
ثمة خلط مفاهيم كبير يحدث في عقل مناوي لأنه لا يملك فرصة للفهم، ولا يوجد من حوله من يساعده في ذلك، إن مفاهيم مثل لعبة الأمم والتدخل الخارجي واستغلال التناقضات الداخلية هي مفاهيم صحيحة، لكن من يقولها لا يمكن منطقيا أن يردد دعايات الآخرين حول وجود سياسات متعمدة عرقيا ويربطها بالشمال ضمنيا في حديثه، ولو فرضنا جدلا صحة الحديث المبتور عن زمن الإنقاذ، فما معنى ذلك سوى رغبة في ابتزاز الدولة من جديد. دعك عن أن حركة مناوي نفسها تقوم على علة قديمة، فهي حركة عرقية صرفة وارتكبت انتهاكات كثيرة أيضا بل وكانت تصنف جزء من الجنجويد أنفسهم كما أشارت الصحفية جولي فلينت في ورقتها الشهيرة، أيضا فإن اتفاق أبوجا الذي تحدث عنه مناوي ظلم عرب دارفور ومطالبته بنزع سلاح الجنجويد كانت جزء من دعاية غربية، وظفت مناوي ودعته لزيارة أمريكا ووقتها وكان هو قطعة في رقعة شطرنج أو (كلبا في لعبة الضالة) كما قال، كان مطلوبا نزع السلاح من الجميع وفهم مخاوف مجتمعات العرب هناك، وقد كان مناوي يتغاضى عن ذلك ويفكر في قسمة سريعة للسلطة والثروة فالنفظ وقتها كان وعدا بثمن غال وكان مدفوعا بمنظمات وجهات خارجية تساعده فنيا وسياسيا. إن مسألة العمالة لم يكن بعيدا عنها وهي كانت في نوع من التحالف مع مشروع غير وطني، على مناوي أن يعيد القراءة والنظر في تفسير الصراع والتواضع أكثر فمن كان بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بحجر، وهذا الفهم سيمنحه قدرة لتشخيص الأبعاد المركبة وفهم كيف أنه قبل يوما أن يكون أداة في يد الآخرين.
ثانيا:خريطة دارفور.
خريطة دارفور التي ظهرت في خطابه أيضا تثير استفزازا كان في غير محله، ومناوي يخدم بذلك خطوطا تقسيمية خطيرة، وحتى لو فرضنا أنه ظنها مسألة خلافية فما معنى بعثها اليوم؟ في الحقيقة فإن خريطة دارفور حدودها شمالا حتى خط ١٦ عرض وتبدأ جنوبا من خط ١٠ عرض، وشرقا حدودها خط ٢٧ ثم غربا حتى خط ٢٢. وأدناه صورة من كتاب موسى المبارك عن دارفور يعود بمصدره لبحث مهم عن تاريخ دارفور للبريطاني لامبن. G.D.Lampen بعنوان تاريخ دارفور. لكن المهم أن مناوي أن مناوي يظن أنه يتحدث بذكاء حين يقول أن أهل دارفور هم وكلوه بهذا الحديث، وهذا ابتزاز وتذاكي خبيث فمناوي لم يفوضه أحد ومن المهم له أن يكون أكثر تواضعا أيضا في هذا الأمر، لا يمكن له أن يتحدث عن السودان ككل وحين يأتي لدارفور يتحدث كأنه الصوت الوحيد.
ثالثا:مراجعات مطلوبة.
ما سبق هو مناقشة لماورد في خطابه لكن القصة أكبر من ذلك، مطلوب من مناوي وحركته مراجعات أعمق كنت قد طالبتهم بها من قبل، إن مسألة تحرير السودان، والأبعاد العرقية في التفسير، وابتزاز السلطة وعدم الوعي بالمخطط الخارجي كل ذلك يمنع تحول مناوي من براغماتي ذو بوصلة وطنية إلى وطني حقيقي، فالحالة الأولى قابلة للانتكاس في أي لحظة.
الختام:
على مناوي وحركته ضبط الخطاب جيدا، ويجب أن يترك طريقة الهذر والسخرية والارتجال والعشوائية وإدعاء الخفة والمرح، ليكون مسؤولا عن أفعاله وخطابه، المسألة ليست هذرا ولعبا بل مسؤولية وجد، وعلى أعضاء حركته ألا يكونوا مجرد حراس لمصالح وموظفين برواتب أمام مديرهم التنفيدي، بل عليهم مراجعة هذا المدير التنفيذي وتطوير وعيهم بهذه الأمور.
نقول ما سبق لأننا نؤمن إيمانا قاطعا، بأن ما يوحد السودان أعظم وما يجعل المصير مشتركا أكبر بكثير وأن كل مداخل التفكيك متشابهة كيفما كانت، سواء من الشمال أو الغرب أو الشرق، فإنها ستتوسل مفاهيم مضللة في تفسير الواقع، ثم وةتغذي هذه الحالات بعضها البعض بردود فعل ومتتالية هندسية تصاعدية تفكك البلد وتخدم الغير. مناوي إذا لم يتطور فهو جزء من هذه المتتالية وفي كل الحالات فإن مجتمع دارفور ومعنى وجودها في التاريخ السوداني كل ذلك أكبر من مناوي ومن حركته.
هشام عثمان الشواني
الشواني