الخطوط الحمراء: حدود المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»
تاريخ النشر: 21st, September 2024 GMT
ليس من المجدي في رأيي محاولة التقليل من شأن الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي، الذي أسفر عنه التفجيران الأخيران اللذان تسببا في استشهاد قرابة سبعةٍ وثلاثين حتى وقت كتابة هذا المقال، ناهيك عن كون هذا الرقم مرشحاً للزيادة نظراً إلى طبيعة الإصابات.
ثم أعقبت ذلك الطلعات الجوية التي صرح كيان الاحتلال بأنها دمرت ما يقرب من مئة فوهة إطلاق صواريخ تابعةٍ لحزب الله في الجنوب اللبناني، وإن كنا لا نعتمد على رواية العدو تماماً، إلا أن تسلسل الأحداث وطبائع الأمور من شأنهما أن يحملانا على تصديق أن ضرراً ما قد حل ببعضٍ من هذه المنصات، بغض النظر عن حجمه.
أعترف عن نفسي بكم كان هذا التطور مفاجئاً، بقدر ما هو مزعجٌ ومؤلم، ولن أنكر أن قدراً من الإحباط قد تطرق إلى نفسي، ولم يخفف من حدة تلك المشاعر سوى اعتراف السيد حسن نصر الله بفداحة هذه الانتكاسة، الأمر الذي يثبت مرةً أخرى جديته وتنظيمه، ووعيده بالثأر الذي أصدقه، بالإضافة إلى تحليلٍ متأنٍ للحدث لوضعه في سياقٍ موضوعي يسمح بتقييم وزنه جيداً.
الجديد هنا هو التوسع في استعمال تلك التقنية بحيث تتخطى الاغتيال أو الضربة شبه الجراحية
ثمة عاملان مهمان هنا. أما الأول فيتمثل في طبيعة هذا العملية، حيث لا بد من التذكير بأنها ليست سابقةً من حيث نوعيتها، فقد سبقتها عملياتٌ مماثلة كتفخيخ هاتف المهندس يحيى عياش، واغتيال العلماء الإيرانيين وصولاً إلى اغتيال الشهيد إسماعيل هنية؛ الجديد هنا هو التوسع في استعمال تلك التقنية، بحيث تتخطى الاغتيال أو الضربة شبه الجراحية، لتأخذ صبغة عمليةٍ عسكرية واسعة، لا تفرق بين عسكريٍ ومدني، تتساوى في ذلك مع أي قصفٍ صاروخيٍ عشوائي للمدنيين، وبذا تُشكل إرهاب دولةٍ بامتياز.
أما العامل الثاني فهو، حسم فترة الترقب التي عشناها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والإجابة على سؤال «أكون أو لا أكون» في ما إذا كانت الحرب ستتوسع لتشمل لبنان أم لا؛ يجوز أن كل المؤشرات كانت ترجح أن مصلحة نتنياهو المأزوم، تكمن في استمرار الحرب، ليستمر تحالفه ومن ثم هو شخصياً، إلا أننا لم نعدم في أي لحظة المراهنين على من قد يلجمونه في المؤسسة العسكرية الاستخباراتية الإسرائيلية، بالإضافة إلى الحسابات والخوف الإسرائيليين من توسعٍ كهذا في العمليات، وعمق الجبهات، خاصةً مع القوة الأكبر والأفضل تسليحاً المتمثلة في حزب الله ، فها هو الأمر قد قُضي والحيرة تبددت وصعدنا إلى مستوىً آخر يفرض تقييماً آخر.
لذا أكرر، أنه من غير المجدي ولا التعقل التقليل من حجم هذا التصعيد، لكنه مع التفكير المتروي المتعمق ينبغي أيضاً عدم التهويل من شأنه. أجل، هو مؤلمٌ وجارح، لكنه ليس حكماً بالهزيمة، بل وأبعد ما يكون عن ذلك..
من حيث المبدأ فإن أي تحليلٍ منطقي من شأنه أن يقودنا إلى أن كياناً كإسرائيل الذي نعرفه، بطبيعة نشأته وأهدافه، لم يكن له أن يقبل بحالة التعايش القلق التي سادت بينه وبين حزب الله، منذ انسحابه من الجنوب مع بداية الألفية الجديدة، ناهيك عن الثأر من عار هذه الهزيمة المهينة؛ تلك المناوشات المتفرقة التي لم تتطور إلى حربٍ شاكلة، لم تكن لتغني عن تلك الحاجة الإسرائيلية، التي سنحت الآن أو أملتها الظروف بتعبيرٍ أدق.
أما من ناحية طبائع الأمور وجوهر الأشياء، فإن التفوق الإسرائيلي التقني والاستخباراتي ليس بالجديد، بل هو شرطٌ وجودي ومكونٌ أساسي في المعادلة، قبلت المقاومة به ونشأت وترسخت في ظله، ولم يكن مطروحاً في أي مرحلة من المراحل، ولم يزعم أحد أن كفة هذا التفوق قد اختلت لصالح المقاومة.
الركن الأساسي الذي تستند إليه ظاهرة المقاومة، هو تحدي هذا التفوق والقبول بتلقي الضربات والخسائر الأكبر
إن الركن الأساسي الذي تستند إليه ظاهرة المقاومة، هو تحدي هذا التفوق والقبول بتلقي الضربات والخسائر الأكبر، وتحملها طالما استطاعت في المقابل أن ترد بعملياتٍ نوعية، تؤلم العدو وتدميه وتستنزفه.
أما عن دهشتنا من فكرة النقلة الكمية المتمثلة في هذا الكم من التفجيرات، فهي في الحقيقة مبعث الدهشة، إذ ما الغريب في كون تلك القوة الاستعمارية الاستيطانية -الإحلالية التي تمارس إبادةً جماعية وحشية منذ قرابة العام في آخر جولاتها ضد شعبنا، تقدم على استهداف وقتل هذا العدد؟
لعل مبعث الدهشة الأولية من العمليات الأخيرة يمكن في خطأنا في الحساب عقب السابع من أكتوبر، واندفاعنا وراء الأماني ونسياننا لركائز أساسية حكمت هذا الصراع الوجودي منذ البداية، إذ يجوز أن هجوم حماس، شكل تطوراً نوعياً مبهراً من قبل المقاومة، إلا أن ذلك لا يعني أن إسرائيل، المدعومة دائماً وأبداً من الغرب، أصبحت خصماً تافهاً أو منعدم القدرات.
وينبغي أن لا ننسى أنها كمجتمعٍ يجنح يميناً ويزداد شعوره بالخطر سوف يصبح أكثر شططاً وجنوحاً ليعيد رادع الخوف من العقاب وحجم الانتقام إلى المعادلة، تماماً كالنظام المصري الذي يمارس أبشع تنكيل عقب يناير/كانون الثاني.
إن أي قراءة جيدة لطبيعة إسرائيل والدور الذي أنشئت من أجله، ولم تزل تقوم به وأي تتبعٍ لتطور الأحداث ووحشية العمليات المقترن بالصمت الغربي والموافق فعلياً، كان من المفترض أن يقودنا إلى شبه اليقين بحتمية التصعيد مع حزب الله، كما مع إيران، فذلك الكيان الذي لا يستطيع الاستمرار من دون التفوق على كل محيطه مجتمعاً، لا يستطيع أيضا الاستمرار وقد تجرأ أعداؤه عليه لهذه الدرجة وازدادت قناعتهم بأنهم يشكلون خطراً وجودياً عليه.
لا بد لإسرائيل، وفق منطقها الخاص النابع من وضعها الأخص، أن تستمر وتتوسع حتى تحدث أكبر ضررٍ وتدميرٍ ممكن، بحيث تتمكن من دحر أي تصورٍ كهذا وإعادة ترميم جدرانها في وجه أعدائها.
لقد أخطأنا حين استسلمنا إلى نشوة إهانة كيان الاحتلال في السابع من اكتوبر.
في الخلاصة لا بد من وضع الأمور في سياقها التاريخي وفي حجمها الحقيقي: لم يكن لدى إسرائيل مهربٌ من التصعيد، وستستمر في ضرب المقاومة في لبنان. سيرد حزب الله في الوقت المناسب، بعد أن يصلح الضرر في خطوطه، وعلى الأغلب سيكون الرد موجعاً. نحن مقبلون على الأغلب على مزيدٍ من التدمير والألم.
لم تنته إسرائيل بعد ولم تضمحل كقوةٍ عسكريةٍ استخباراتية، كما أن المقاومة لم تُهزم رغم الضربة المؤلمة.
القدس العربي
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الاحتلال اللبناني حزب الله حماس لبنان حماس حزب الله الاحتلال مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة من هنا وهناك سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة حزب الله
إقرأ أيضاً:
كاتب إسرائيلي: نتنياهو يوسع حدود إسرائيل في جنوب سوريا دون إعلان رسمي
شدد الكاتب الإسرائيلي أرئيل كهانا، على أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو يعمل على توسيع حدود الاحتلال الإسرائيلي في جنوب سوريا، مؤكدا أن "إسرائيل" بدأت بتطبيق سياسة نزع السلاح في المنطقة بشكل أحادي الجانب.
ونفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي في وقت متأخر من مساء الثلاثاء غارات جوية ضد مناطق على الأراضي السورية، استهدفت محيط منطقة الكسوة جنوبي العاصمة دمشق، تزامنا مع توغل بري على عدة محاور في القنيطرة ودرعا.
وقال الكاتب الإسرائيلي في مقال نشرته صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية، "فعليا، تم إنشاء منطقة تحت تأثير إسرائيل المدني والأمني، ما يعني اختفاء الحدود الإسرائيلية السورية التي تم تحديدها وفقا لاتفاقيات وقف إطلاق النار لعام 1974".
وأشار كهانا إلى "هذه التغيرات تتم دون إعلان رسمي" في إشارة إلى العدوان الإسرائيلي المتواصل على الأراضي السورية ورفض الاحتلال الاعتراف بالحكومة الجديدة في دمشق.
وكان المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي قال مساء الثلاثاء، إن "الجيش الإسرائيلي هاجم أهدافا عسكرية في جنوب سوريا، بما في ذلك مراكز وقواعد تحتوي على وسائل قتالية"، زاعما أن "وجود هذه الوسائل والقوات العسكرية في المنطقة يشكل تهديدًا لمواطني إسرائيل".
من جهته، شدد وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على أن "سلاح الجو هاجم بقوة في جنوب سوريا، كجزء من السياسة الجديدة التي حددناها بشأن نزع السلاح في المنطقة"، مضيفا أن "الرسالة واضحة: لن نسمح لجنوب سوريا أن يتحول إلى جنوب لبنان".
وأشارت الصحيفة إلى أن منسق الحكومة في الضفة الغربية اللواء غسان عليان، عقد اجتماعا مع قيادات القرى في جنوب سوريا، حيث "سيبدأ سكان القرى في العمل داخل إسرائيل"، وفق ما نقلت الصحيفة.
وأضاف كهانا أن دولة الاحتلال تعمل على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا لمنع نمو ما وصفته بـ"المنظمات الجهادية التي قد تعمل ضدها"، لكنها في الوقت ذاته "قلقة من الميليشيات الموالية لتركيا، أو حتى القوات التركية ذاتها التي قد تتمركز في المنطقة"، مما يدفعها لاتخاذ تدابير وقائية مسبقة.
وختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن "حدود إسرائيل تتغير، ويبدو أن هذا التغيير سيستمر حتى إشعار آخر"، حسب تعبيره.
يأتي ذلك بعد أيام من توجيه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديدات إلى جنوب سوريا، مطالبا بمنع انتشار الجيش السوري الجديد في محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة.
والأحد الماضي، قال نتنياهو خلال مؤتمر صحفي، إن "إسرائيل ستطالب بنزع سلاح الجيش السوري في جنوب سوريا، ولن تتسامح مع أي تهديد للمجتمع الدرزي"، مطالبا "بإخلاء جنوب سوريا من القوات العسكرية للنظام الجديد بشكل كامل".
وردا على نتنياهو، شهدت محافظات جنوب سوريا مظاهرات عارمة رفضا لدعوات التقسيم أو الانفصال، وتأكيدا على رفض مساعي الاحتلال الإسرائيلي فرض نفوذه في المنطقة السورية.
ورفع المشاركون لافتات، كتب بعضها بالعبرية، مثل لا للفيدرالية، إضافة إلى رفضهم توغلات الاحتلال، وأخرى تطالب بالانسحاب من الجولان السوري المحتل.