سودانايل:
2025-04-05@06:30:25 GMT

السُّودان بلدٌ فقدَ ظلّه

تاريخ النشر: 20th, September 2024 GMT

جمال محمد إبراهيم

(1)

من يتابع أحوال الحروب الثلاث، الدائرة في أوكرانيا والسّـودان وغزّة، يجد أنّ الفضائيات العربية درجتْ على استضافة أعـدادٍ من المُحلّلين والمُعلّقين، لتسليط أضواء على تطوّراتها، وتقديم قراءاتٍ لمآلاتها وتداعياتها. عادة ما تستضيف تلك الفضائيات متخصّصين أكاديميين أو مُحلّلين ذوي خبرات، لتعليقاتهم احترام، ولتحليلاتهم تقدير من تلكم القنوات، كما من مشاهديها ومتابعيها.



ولقد لاحظ المتابعون أخيراً أنّ بعض من تستضيفهم تلك الفضائيات للتعليق على أوضاع حرب السودان بوجهٍ خاص، سـواء من الصحافيين أو بعض القياديين، أو أنصاف القياديين من المنخرطين في الشأن السياسي السوداني أو المتحدثين نيابة عن كياناتهم السياسية، يظهرون ضعفاً لا يتناسب وحجم المخاطر التي تحيط بمصائر بلادهم السياسية والاقتصادية والعسكرية. نرى أكثرهم (ولن نعمّم) لا يحسن الظهور على الشاشات، ولا يجيد المخاطبة والتعبير باللغة الواضحة.

(2)

أنتج استمرار الحرب في السودان كلّ هذه الأشهر، وبين طرفين سودانيين يتقاتلان بلا هوادة، حالةً من الإرهاق المزدوج عند الطرفَين، فليس الجنرال عبد الفتاح البرهان، رئيس حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، قادراً على أن يُعيّن جهازاً تنفيذياً قوامه وزراء يديرون دواليب الدولة، وهو الممسك بقيادة الجيش الرّسمي الذي يقـاتل المليشيات، ويبحث عن شرعية تجيز له التفاعل مع أطراف المجتمع الدولي من دون جدوى. لا الجيش الرّسمي قادرٌ على السيطرة على أوضاع البلاد، ولا المليشيات ملكتْ قدرات تعينها على إدارة دولة مثل السّـودان، حتّى إن تمكّنتْ من السيطرة على كامل ولاياته.

يقف الوسطاء والمتعاطفون في حيرة من أمرهم، فهم أيضاً عاجزون عن إقناع الطرفَين المتقاتلَين بضرورة مراعاة الأوضاع الإنسانية وإيقاف الحرب التي تستهدف الشعب السوداني، ومنهم من يتهدَّده الموت، براجمات المتقاتلين ومُسيَّراتهم وصواريخهم، أو تقتله المجاعة والعطش، وتفنيه الأمراض الفتّاكة.

(3)

لعلّ حالة الإجهاد التي أصابت المتقاتلين، وحالة العجز التي أطاحت جهود الوسـطاء (أمميين كانوا أم إقليميين) قد أوصلت الجميع، بمن فيهم جموع السودانيين المقيمين في جحيم الحرب، أو أولئك الذين فرّوا بجلودهم من نيرانها، وهم في حالٍ من فـقدان البوصلة في متاهة الحرب، بل وفقدان الأمل في أيّ مخرج منظور.

من يستمع لأصوات السّـودانيين، من عسكريين وسياسيين، يهاترون بعضهم بعضاً، ويشاتمون أنفسهم بأنفسهم، سيجد أكثرهم، بمن فيهم من فرضوا أنفسهم على الفضائيات، يُعلّقون ويُحلّلون ويجادلون بمنطق وبغير منطق. من ينصت بتمعن لمن يطلقون تحليلاتهم ويحدّثون الناس عن أحوال بلادهم السودان، هم في حالة من التخبّط المطبق، فلا يدرون من خبلٍ ما تردّد ألسنتهم، أو ربّما حرارة الحرب أصابتهم بلوثة. إنّ بعض من يطلّون على الناس عبر الفضائيات العربية (عـدا من رحِم ربّي) صارت أمورهم تحيّر، وأغلب من نسمع تحليلاتهم من السودانيين، صارت مداخلاتهم تثير الحزن والشفقة.

ثمّة من يقول عن نفسه إنّهُ حاكم إقليم دارفور، يسأله محاور في فضائية إنْ كان يقيم في دارفور، فيقول إنّه مقيم في بورتسودان، ويعلم الناس أنّ الرّجل يملك "فيلا" هي الآن مهجورة في مدينة المهندسين في أم درمان، ولم يلحق بها دمار ولا طاولتها أيدي النهّابين. لكنّه يطلّ على الفضائيات بصورة تثير السخريةَ، ولا يكاد المتابعون يصدّقون ما يسمعون من لغوٍ يأتي من لسانه، إلّا أن يكون الرجل عييّاً أو في غير وعيه.

(4)

أمّا إن سألت عن بعض وزراء وحكّام وولاة، تجدهم بمقدرات متواضعة، كلّفهم الجنرال ببعض ملفّات الحكومة الخطيرة، مثل الصّحة والزراعة والتعليم والدبلوماسية، فحدّث ولا حرج. فيما يموت الناس من الجوع والعطش، يزعم وزير كُلِّف ملفّ الزراعة أنّ الموسم الزراعي ومخزونه يَعد بمحصولٍ يُغني ويزيد عن الحاجة، أمّا عن الأوبئة فيكفي أنّ مدير منظّمة الصحة العالمية قدم بشخصه، ومعه أركان قيادته، ليشهد حال السودانيين الحقيقية، إذ هم مُهدّدون بالموت والفناء من نقص الأدوية والأمصال، ناهيك عن تفشّي أوبئة قاتلة مثل الكوليرا.

أمّا وزارة خارجية الجنرال، فحال وزيرها المُكلَّف يُغني عن أيّ تعليق. لقد نقلتْ الفضائيات تصريحاً لـه، زعم فيها أنّ للسودان أصدقاء في مجلس الأمن يقفون معه، ذكر بلسانه منهم الصين والاتحاد السوفييتي. وبُهِت من بُهِت، إذ بدا للسامعين أنّ الرجل توهّـم شبحاً اسمه الاتحاد السوفييتي، خرج له من مدافن التاريخ ليدعم حكومة بلاده، صديقاً لوزير خارجية السودان المُكلّف، وقد حاصرته تلويحات تهدّد بعقوبات كاسحة قادمة.

ليسَ السودان الذي يراه الناس الآن، هو نفسه الذي ضمّد جراح الأمّة العربية إثر هزيمة حرب يونيو (1967)، ولا دبلوماسيته هي تلك الدبلوماسية.  

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

حول القمة البريطانية لاجل إيقاف الحرب في السودان (2)

حول القمة البريطانية لاجل إيقاف الحرب في السودان (2)
هل ستعتذر بريطانيا عن دورها أو دور حلفائها في حرب السودان ؟

تناولت في المقال الاول الاعلان عن القمة البريطانية لاجل إيقاف الحرب في السودان ودور السودانيين في إنجاح القمة لاجل إيقاف الحرب وتطرقت لضرورة وحدة القوى المدنية السودانية واتفاقها على حد أدنى كي توحد كلمتها وموقفها وتستفيد من هذا المحفل .
ونحن في العد التنازلي تجاه هذه القمة هناك قضايا لابد من طرحها وعلينا وأعضاء القمة وضعها في الاعتبار حيث أن أطراف كثيرة قد شاركت بسياساتها ومواقفها دون تحفظات ساعدت في قوة شوكة الأطراف العسكرية التي تحمل السلاح وسوف نحاول أن نضعها من ناحية عامة أمام الادوار التي قامت بها ولن نعود الي تاريخ بعيد لكننا نذكر على سبيل الامثلة وليس الحصر . ولكي ناخذ تاريخا واحداث قريبة فلنبحث في موقف المملكة المتحدة ( بريطانيا) الراعية لهذه القمة والداعية لها . ولنسال ماهو الدور الذي قامت به من حيث اتساقها مع المبادئ الأممية في دعم الديمقراطية وزيادة الحيز المدني وحماية حقوق الإنسان . فمن الواضح جدا تحت دعاوي السلم والحفاظ على الأرواح انفقت بريطانيا مع رصفائها من اوربا وكندا قبل ثورة ديسمبر ٢٠١٨ في تغليب خيار التسوية برعايتها واستخدام كل المقدرات الممكنة تجاه تلك التسوية بين نظام الإسلاميين العسكري وبعض القوى المدنية عبر مؤتمرات عديدة وفي بلدان مختلفة فرنسا وألمانيا ثم أديس أبابا الا ان ارادة الشعب السوداني وتوقه للحريات ومقاومته السلمية استطاع أن يركل عبر تضحيات ونضال مستمر إحدى أعتى الدكتاتوريات حيث في ديسمبر ٢٠١٨ كانت الشرارة التي توجت ذلك في ابريل ٢٠١٩ حيث اجبرت الجماهير بقوتها السلمية رغم ما قوبلت به من عنف استطاعت أن تجبر النظام الإسلامي أن يتوارى قليلا ويتخلى عن رأسه وصفه الاول في القيادة ليقدم الصف الثاني الاكثر شراسة وتطرفا عبر لجنته الأمنية ويعلن زورا انحيازه للثورة كيف لا وقادة اللجنة الأمنية لنظام البشير متورطون معه في جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المثبت في تقارير منظمات حقوق الإنسان واروقة لجان الأمم المتحدة وعلى رأس تلك اللجنة الأمنية (آله الفور) الذي مازال يحكم بالبطش وإشعال الحروب فمهما طالت الحرب المهم لديه فإنه الحاكم الأمر والناهي تحت أعين وربما حماية العالم فلقد ضربت الأمم المتحدة عرض الحائط بالمبادئ العامة لحقوق الإنسان عندما سمحت لمجرم ( متهم) بمخاطبة جمعيتها تحت زريعة البروتوكول والقانون الدولي وحق الدولة وتجاهلت أيضا حقوق الملايين وايضا فعلت بريطانيا عندما استقبلته في تشييع الملكة اليزابيث التي في حياتها حيت الثوار في السودان واشادت بنضالهم .
أن الدولة المملكة المتحدة (, بريطانيا ) في حالة السودان لم تدعم وفقا لمقاصد الأمم المتحدة توسيع رقعة السلم في العالم وزيادة الحيز المدني بل واصلت في السعي للتسوية بين النظام القديم في السودان والحفاظ عليه فايدت فكرة الشراكة بين العسكر والمدنيين ودعمتها وسخرت كل إمكانياتها لذلك الدعم فوظفت لجانها المحلية من منظمات غير ربحية للعمل وسط القوى المدنية السودانية بالترويج لذلك.كما مراكز طباخة القرارات عبر معهد الدراسات الدبلوماسية المتخصص في التأثير على القرارات الحكومية (تشاتم هاوس) والذي يدعم فكرة الشراكة بين العسكر والمدنيين ويروج لها . وهذا الوضع لم يختلف برغم تغيير الحكومات في بريطانيا من محافظين الي عمال فواصلت السياسسة تجاه السودان كما هي فانسان السودان ليس من حقه دولة مدنية ديمقراطية إلا عبر شراكة مدنية عسكرية .
وبجانب العسكر الرسميين تدعم وتفتح أراضيها لعسكر الحركات المسلحة الدارفورية ومليشيا الجنجويد فقادة وافراد هذه الحركات والمليشيات يتحركون بكامل الحرية في الأراضي البريطانية وهم مشاركون في الحرب الدائرة الان في السودان فعليا في الميدان أو عبر استخدام المنصات التي تؤجج نارها التي يكتوي بها المواطن السوداني وتفتح لهم ابواب مراكز اتخاذ القرار فيها دون تحفظ فهل فعلا هذا عمل جاد لإيقاف الحرب ؟
من الأمثلة العالقة في الذهن أن بريطانيا لم تقدم أي دعم يعضد النظام المدني في السودان من حيث المبدا فلقد دعمت بمبلغ ٤٠٠ مليون دولار عبارة عن قرض تيسيري ( Bridge Loan) ليغطي مديونية لبنك التنمية الافريقي حتى يمهد الطريق للتعامل مع البنك الدولي مشكورين عليه ، لكن مكافأة شعب تخلص من قيوده وساهم مع العالم في تثبيت مفاهيم السلم وأسهم بشكل كبير في ركل مجرمين عالميين مطلوبين للعدالة الدولية ومهددين للسلم للأمن العالمي يفترض أن تكون مزيدا من فرص دعم التعليم وتثبيت الحقوق في التنمية والصحة والحريات والعدالة وبشكل أوضح دعم المجتمع المدني اتساقا مع المبادئ العامة وليس أضعاف القوى المدنية بمساندة القوى العسكرية ودعم مشاركتها . فهذا أمر خطير جعل تلك القوى تستاسد رويدا رويدا وتفرص نفسها وصيا وصاحبة حق في الحكم وفي الوصايا على الشعب فهي لا ترى غير ذلك وعندما تقوى تبداتتصارع من الانفراد بالسلطة وتتخلص من المدنيين وتعرقل القوانين وتتماطل في تسليم المجرمين وتنقلب على النظام المدني بانقلاب عسكري كما حدث في أكتوبر ٢٠٢١ ثم تتخلص من شريكها العسكري ( الدعم السريع ) في حرب ابريل ٢٠٢٣ التي تأتي هذه القمة في ذكراها الثانية .
الا تعلم بريطانيا أن اوكرانيا التي تدعمها بالأسلحة والخبرات التقنية وتقتطع ذلك من دافعي الضرائب البريطانيين وردت سيرتها في دعمها لأحد أطراف الحرب في السودان بل بعض الشهادات واجبة التحقق أنها شاركت بقوات فعلية في أرض المعركة بادعاء انها تحارب فاغنر الروسية .
ادعاءات كثيرة ومن ضمنها دور دولة الإمارات في حرب السودان و التي هي أيضا مدعوة لهذه القمة وبالتأكيد أن للامارات وبريطانيا مصالح مشتركة في مجالات عديدة من صفقات السلاح والتقنية العسكرية حتى سباقات الخيول والاستثمارات ذات العائد الوطني لبريطانيا كتلك التي توظف في البنى التحتية وهذا ربما يبرر اغماض العين عن الدور الاماراتي .
الاستمرار في تفنيت المواقف البريطانية الدبلوماسية والسياسية والإنسانية تجاه الحرب في السودان لن يكفي مقال واحد ومعظم القوى الفاعلة التي دعاها وزير الخارجية البريطاني لهذه القمة دون استثناء لهم مصالح مشتركة عملوا من أجلها زادت من قوة أطراف الحروب في السودان سوا كان الموسسة العسكرية أو المليشيات فاوربا مشتركة بأكملها بدعمها الجنجويد تحت غطاء منع الهجرة عبر عملية الخرطوم (Khartoum Process ) أو صمت المجتمع الدولي تجاه الارتزاق العلني وتمليش القوات الرسمية السودانية في اليمن والذي بسببه أيضا تراكمت ثروات قيادات اللجنة الأمنية وبالتالي من يساندها من تنظيمات واتباع سوا كان ذلك في القوات المسلحة أو في الدعم السريع .
لذلك من المهم أن تتغيير السياسة البريطانية تجاه السودان فكثير من السودانيين كطبيعة البشر يتوقون الي الحريات والدولة المدنية التي تحقق أحلامهم في السلم والأمن والنماء والاستقرار والذي أن وجد على أراضيهم سيغنيهم عن البحث عن ذلك في بلدان قريبة أو بعيدة فالشعب السوداني من حقه أن يعيش كما ينبغي وان لا يُفرض عليه من يحكمه ومن الأفضل للعالم أن يتعامل مع دولة مؤسسات بدلا من دولة قهر وقطاع طرق ورباطة . والأهم الآن أن ينظر المشاركين في القمة إلي أن المطلب الاهم الان هو أن تنتهي الحرب تماما وان لايفلت مرتكبي الجرائم التي تم إثباتها أنها ضد الإنسانية وارتقت الي الإبادة الجماعية من العقاب فهذه هي القاعدة من أمن العقاب اساء الادب . لابد للقمة أن تضع في الاعتبار ايضا ان هذه الحرب خلقت اكبر نزوح في التاريخ خلال القرن الماضي والحالي وان هناك من يحتاجون التدخل الإنساني الان يفوقون ال٢٥ مليون نسمة وان الجرائم لا زالت مستمرة والسلاح منتشرا ، وان الحرب ان حاولوا اخفاء معالمها في الخرطوم فهي لازالت مستمرة في أماكن عديدة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وان الاسرى والمحاضرين يموتون بسبب انعدام الغذاء والدواء فالموقف الإنساني يجب أن يفرض إيقاف الحرب في التو واللحظة . نأمل أن تفضي القمة إلي مواقف تصب لصالح الشعب السوداني ويكون الحافز والدعم الذي يصدر منها مساندا للقوى المدنية ولدولة الموسسات التي تحفظ الحقوق وتنجز العدالة وتنصف الضحايا . ونواصل

عبدالرحيم ابايزيد
٢/ابريل ٢٠٢٥

Abdelrahimhassan299@hotmail.com

   

مقالات مشابهة

  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • مليشيا آل دقلو الدرب راح ليهم فی أَلْمِی !!
  • عاجل | السيد القائد: لا يجوز أبدا ان يتحول كل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني إلى حالة روتينية يشاهدها الناس ويكتفى بالبيانات
  • ” قضيتنا الأكبر هي حسم المعركة”.. الاعيسر: رسالة بمناسبة اليوم الخامس من العيد في السودان:
  • حول القمة البريطانية لاجل إيقاف الحرب في السودان (2)
  • سد النهضة ومستقبل السودان: مخاطر تتزايد في ظل الحرب
  • واحد ناعي صحبه القتله الدعم السريع قال قتلته آلة الحرب العمياء !!
  • الاسئلة التي جائتني حول نشرة الكاهن (المشبوهة) التي يصدرها شبح يخفي اسمه
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • هل سيسمح السُّودانِيُّون بنهب وتفكيك ما تَبَقَّى من البلد؟!