لجريدة عمان:
2025-04-03@10:25:54 GMT

أطفئ فتيل الموت عن صدرك

تاريخ النشر: 18th, September 2024 GMT

أطفئ فتيل الموت عن صدرك

تكمن خطورة أمراض القلب في تطورها الصامت، الذي لا ينطق إلا بالموت، انسداد الشرايين والنوبات القلبية ليست مجرد أمراض، بل هي أحكام إعدام مؤجلة تصدرها أنماط حياتنا غير الصحية. وللحديث بشكل موسع حول صحة القلب، أجرينا الحوار التالي مع الدكتور عارف بن إسحاق البلوشي، طبيب استشاري وأستاذ مساعد في أمراض القلب، في تخصص طب القلب المتقدم في قصور عضلة القلب وزراعة القلب.

تنقل بين المملكة المتحدة وإيرلندا والولايات المتحدة للدراسة والعمل وعاد لسلطنة عمان في بداية العام الجاري لإثراء هذا القطاع الصحي المهم محليًا. وهنا سرد لأهم ما جاء فيه.

********************************************************

بتنا نسمع كثيرًا عن حالات جلطات ونوبات قلبية تتسبب في وفيات وسط أشخاص في أعمار صغيرة لا تتجاوز الثلاثين والأربعين عاما، لا يعانون من مشاكل صحية خطرة ودون سابق إنذار، فما السبب في ذلك؟

بالفعل، هناك زيادة في حالات النوبات القلبية وأمراض القلب وخاصة في بلادنا العربية، وهو ما لاحظته بشكل جلي منذ وصولي لأرض الوطن، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى نمط الحياة الذي يفتقر للحركة، ولا أتحدث هنا عن ممارسة الرياضة بل الحركة بشكل عام بسبب توفر وسائل الراحة بشكل كبير وغير مسبوق، حيث بات من السهل أن يصلك كل شيء بمجرد نقرة زر.

********************************************************

وما مقدار الحركة الموصى به لقلب سليم؟

حددت جهات الاختصاص أن مقدار 10 آلاف خطوة يوميًا هو ما يحتاجه الإنسان العادي للحفاظ على صحة أفضل، وهو رقم يسهل الوصول إليه في نمط الحياة المعتمد على الحركة، فعلى سبيل المثال استبدال التسوق الإلكتروني لشراء حاجات المنزل بزيارة إلى السوق قد تحقق جزءا كبيرا من هذا الرقم بسهولة، أضف لذلك خطوات الذهاب للعمل أو المسجد والحركة داخل المنزل.

********************************************************

ماذا عن النظام الغذائي؟ أو ربما اسمح لي بسؤالك عن التالي: لماذا تتأثر بعض الأجسام وتزداد بها نسبة الدهون في الأوعية الدموية بشكل أكبر رغم أن أكلهم قليل نسبيًا؟

يطول الحديث عن العادات الغذائية ودورها في حدوث نوبات وأمراض القلب والشرايين، وخاصة وأن تجمعاتنا العائلية تتمحور حول الأكل، ويربط المجتمع الموائد الكبيرة والأطباق الغنية بالدهون بالكرم. في السابق كان لا بأس بهذه الموائد، كون أن طبيعة الحياة تحتم على الناس المشي والحركة والعمل في الحقول والمزارع والبحر، أما اليوم فقد بات الإنسان يأكل أكثر من قدرته على الحركة والحرق، عندها تتحول النشويات والسكريات التي نستهلكها لدهون تتخزن في الجسم، ويبدأ الخطر الحقيقي حين تبدأ بالتجمع في الأوردة الدموية والشرايين الأساسية كالشرايين التاجية الموجودة في القلب والتي تصل للدماغ أو تغذي الأطراف والأقدام.

أما بالنسبة لقابلية البعض لتجمع هذه الدهون في الأوردة الدموية أكثر من غيرهم فذلك صحيح، ويرجع للعوامل الوراثية، والتاريخ العائلي لأمراض القلب، بل نحن كمجتمع عربي وخليجي إضافة لسكان شبه الجزيرة الهندية أكثر عرضة بسبب تركيبة جيناتنا المعرضة لأمراض القلب أكثر من غيرنا من الشعوب. أي أن أمراض القلب لدينا تبدأ في سن مبكرة، ونحتاج لنسب أقل من الدهون لتكوين نوبات قلبية مقارنة بغيرنا.

********************************************************

هل هناك مؤشرات يستطيع الإنسان قراءتها للتنبؤ بالنوبات القلبية وتفاديها قبل حدوثها؟

النوبات القلبية تسمى بالقاتل الصامت، وأول علاماتها للأسف هي الموت. لذلك نسمع عن حالات موت مفاجئة لأناس يبدو عليهم أنهم بأتم الصحة، خلال نومهم أو ممارستهم الرياضة وذلك لعدم وجود أعراض أولية سابقة. وقد يكون الشخص المصاب حاملا لطفرات جينية غير مكتشفة في العائلة ساهمت في انسداد شرايينه وحدوث نوبة قلبية ولم يكن مُدركًا، لذا من المهم معرفة التاريخ المرضي للعائلة، والتشخيص المبكر، خاصة عند الإقبال على الارتباط والزواج، لتجنب نقل هذه الأمراض للأجيال اللاحقة.

********************************************************

وكيف تتم مثل هذه الفحوصات؟

هي فحوصات جينية، من خلال الدم في بعض المراكز أو عن طريق مسحة من اللعاب كما كنا نفعل مع فحص فايروس كورونا، هذه المسحة الصغيرة قد تكشف لنا بحدود ١٢٠ – ١٤٠ طفرة جينيّة نمتلكها لأمراض خاملة ويمكن تداركها مثل اعتلال عضلة القلب، وبعض أنواع الكهرباء في الجسم وحتى الجينات التي يمكن أن تؤدي للموت المفاجئ، وعند قيام أحد أفراد العائلة بهذا الفحص فإن ذلك عادة يغني بقية أفراد العائلة عن الفحص لتشابه جيناتهم مما يمكنهم من الأخذ بالأسباب لتفادي هذه الأمراض ومنع نقلها للأجيال التالية كما أسلفنا.

والفحوصات الدورية أمر مهم جدًا لتجنب أي حوادث مفاجئة. وتوصي منظمة جمعية القلب الأمريكية اللاعبين سواء في رياضات كرة القدم، أو السباحة، أو التنس، أو أي ألعاب أخرى تستوجب جهدًا عاليًا بالقيام بفحص سريري دوري للاطمئنان على صحة القلب لديهم إضافة لوظائف الجسم الأساسية الأخرى تجنبًا لحوادث الموت المفاجئ التي نسمع بها عند الرياضيين، وتتضمن هذه الفحوصات تخطيط القلب، وفحوصات الدم، والفحص السريري وأشعة تلفزيون القلب وغيرها.

********************************************************

هل يفسّر ذلك سبب ارتفاع حالات نوبات القلب المفاجئة التي يُصاب بها الرياضيون؟ أي أن سببًا جينيًا أو غيره تسبب في اعتلال عضلة القلب لديهم ولم يظهر إلا عند تعرضهم لجهد عالٍ؟

نعم، ولكن السبب الأكثر شيوعًا في هذه الحالات هو حدوث نشاط مفرط للكهرباء في القلب، وفقد التواصل بين الأذينين الأيمن والأيسر. وفي حالات أخرى شائعة أيضًا يكون السبب حدوث تضخم في القلب بسبب زيادة الجهد المفاجئ عليه وحاجته لضخ كميات مضاعفة من الدم، ومع وجود علة في القلب لا يدركها الشخص مسبقًا لا يتحمل هذا الفارق في الضخ وتتضخم العضلة كما أسلفنا مما يؤدي لوفاته.

وهناك سبب آخر يجعل بعض الرياضيين أكثر عرضة لهذه النوبات وهو حدوث تمزقات حادة في صمامات القلب نتيجة التدافع مع اللاعبين في بعض الرياضات أو ضربات الكرة القاسية في منطقة الصدر، وقد لا يشعر بهذه التمزقات من أول مرة، ومع تكرر الضربات أو الاصطدامات يتسرب الدم خارج الأوعية ويتسبب بنزيف ويؤدي للموت. لذا من المهم جدًا أخذ الحيطة والحذر والالتزام بالملابس الواقية المخصصة لبعض الألعاب والرياضات الخطرة.

وعلى خلاف الأمراض الأخرى التي يمكن أن يواصل بعدها الإنسان حياته كالسكتات الدماغية أو الفشل الكلوي أو حتى بتر الأطراف، لا يعطي مرض القلب غالبًا فرصة للمصاب بالنوبة بالتعافي، خاصة إذا كان السبب اعتلال في تركيبة عضلة القلب نفسها أو الأنسجة أو الصمامات وهي أجزاء مسؤولة عن ضخ ما يقارب ٤ – ٨ لترات من الدم في الدقيقة الواحدة لجميع أعضاء الجسم.

********************************************************

تداول الناس خلال السنتين الماضيتين بشكل كبير شائعات حول ارتباط زيادة حدوث النوبات القلبية عند الرياضيين بشكل خاص بلقاحات كورونا، هل ذلك ممكن حقًا؟

في الحقيقة «نعم» هناك ارتباط بالفعل، فلا بد لأي مادة أو مركب يدخل جسم الإنسان أن يؤثر عليه، وهناك تأثيرات قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى قد لا تظهر ولا ندركها إلا بعد سنوات. عدا أن هناك مضاعفات لاحظناها بالفعل عندما قمت وفريق من الأطباء بالاطلاع على صور إشعاعية لمرضى أصيبوا بالفيروس وتلقوا اللقاح ووجدنا أن البعض تكونت لديهم تليّفات بسيطة في عضلة القلب جعلتهم أقل مرونة وبالتالي أكثر عرضة للإصابة بنوبات قلبية مستقبلا. ويجب أن أنوّه هنا أن الحالات في الدراسة رغم إصابتهم بتلفيات فهم لم يشتكوا من أي آلام أو أعراض ولولا إخضاعهم للتصوير الإشعاعي لما أدركنا هذه الإصابات.

********************************************************

ماذا عن الجانب النفسي وتأثيره؟ هل يكسر الحزن القلب فعلًا كما يُقال؟

بالتأكيد، بل وهناك متلازمة صحية مهمة جدًا تُسمى «القلب المكسور». ورغم أن المشاعر مصدرها الدماغ، إلا أن هناك عصبًا يربطه بالقلب ويجعله يتأثر بالفعل، فعندما نفرح يُفرز هرمونات مثل الدوبامين وغيرها تجعلنا نشعر بالراحة، وتساعد في الحفاظ على صحة الجسد والقلب. وأحد الجوانب السلبية لنمط حياتنا السريع اليوم هو عدم قدرة الناس على إدارة الضغوطات، والتفكير طوال الوقت بالعمل والمال على حساب وقت الراحة والأسرة، وعدم الموازنة الصحية بين الجانبين مما يدهور من حالتهم الصحية ويجعلهم أكثر عرضة للنوبات.

واذكر هنا حالتين لشابين في مقتبل العمر، يمتلكان نظاما صحيًا جيدًا، أحدهما يمارس رياضة السباحة بشكل شبه يومي والآخر يلعب كرة القدم بشكل دوري أيضًا، الاثنان أصيبا بجلطة حادة في الشريان التاجي، واستطعنا التدخل وإنقاذ حياتهما بعون الله، إلا أن الشيء المشترك بينهما هو وقوعهما تحت ضغط جسدي وذهني شديد من العمل. والموازنة في الحياة أمر مهم، فأجسادنا غير مهيأة للعمل ٢٠ ساعة في اليوم، ويجب أخذ أقساط من الراحة.

وهنا يجب إدراك أهمية طلب المساعدة النفسية، فلم يعد الأمر رفاهية خاصة حين يتعلق الأمر بحياة الإنسان، بل أن كثيرًا من المراجعين لدينا ممن يشتكون من آلام في الصدر وضيق في النفس تظهر فحوصاتهم سليمة وتكون هذه الأعراض مرتبطة بنوبات الذعر والقلق وأحيانًا الوسواس القهري.

********************************************************

إذًا القلب السعيد يعني حياة مديدة؟

ليس بالضرورة، فهناك متلازمة أخرى تسمى «القلب السعيد»، تحدث عندما يحدث كسر أو فشل في عضلة القلب بسبب الفرح الشديد، الذي يأتي عادة نتيجة لفرحة مفاجئة وغير متوقعة، كفوز أحدهم بجائزة مالية قدرها مليون ريال عماني مثلا؛ لأن الإفراز غير المتوازن للهرمونات سواء كانت هرمونات سعادة أو حزن أو قلق والإفراز الكثيف وغير الطبيعي لها في وقت واحد دائما ما يؤدي لآثار وخيمة، لذا من المهم أن يتعلم الإنسان ضبط مشاعره ومحاولة إبقائها متوازنة.

الخبر الجيد أن ثلثي حالات كسر القلب هذه سواء السعيد أو الحزين تتعافى بشكل سريع، ونسبة قليلة تحدث لديها مضاعفات يستلزم علاجها مدة أطول. وعادة النساء من منتصف الثلاثينات إلى نهاية الأربعينات هن الأكثر عرضة لهذا النوع من الحالات كونهن عاطفيات ويملن للتعامل مع المواقف بمشاعرهن أكثر من الرجل.

********************************************************

باتت التقنية كالعصا السحرية التي تطول جميع الجوانب وتطورها بشكل مسبوق، كيف أصابت هذه العصا الجوانب الطبية المتعلقة بصحة القلب خاصة وما النقلة التي من المتوقع أن تخلقها؟

من المعروف أن أمراض القلب وانسداد الشرايين هي المسبب الأول للوفيات في سلطنة عمان، بل والعالم، وإيجاد إمكانيات تقنية تسهل الكشف المبكر عن بوادر ظهور هذه الأمراض قد يغير الكثير بالفعل، مازلنا نستخدم الفحوصات الأساسية مثل أشعة القلب التلفزيونية والأشعة المقطعية ولكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى المنظومة ساهم في زيادة دقة التشخيص وسرعته والكشف عن أنماط واعتلالات كان من الصعب كشفها بسهولة مسبقًا، ما يختصر الكثير من الوقت على المريض ويسرع من عملية علاجه.

والتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي في الطب مذهل، فمن خلال تطبيقات متاحة للجميع مثل شات «جي بي تي» بات من السهل للعامة تصوير شامة أو ندبة مريبة على أجسادهم مثلا لمعرفة ما إذا كانت حميدة أو غير حميدة بنسبة دقة تصل إلى ٩٠ إلى ٩٥ ٪. وذلك لأنه تم تدريب هذه الآلات على مئات، بل آلاف الحالات التي يمكنه في ثوان مراجعتها ومقارنتها لإعطاء التشخيص الأنسب وتجنب الأخطاء البشرية.

********************************************************

وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتوقع احتمالية الإصابة بأمراض أو نوبات قلبية مستقبلية بالنظر إلى صور مقطعية للمريض؟

بالتأكيد، بل تمت برمجة آلات الذكاء الاصطناعي لقراءة البصمة الوراثية للعين من خلال النظر للكاميرة في الهاتف النقال للتنبؤ باحتمالية الإصابة بأمراض مختلفة كالسرطان وغيرها خلال السنوات المقبلة، ويستخدم نفس مبدأ الفحوصات الجينية التي تطرقنا إليها.

********************************************************

قد تخيف هذه النتائج الأفراد. أم أننا نستطيع تفادي هذه الأمراض بمعرفتها مسبقًا؟

بالتأكيد، فمعرفة وجود تاريخ مرضي للقلب مثلا في العائلة يساعدني في الالتزام بنظام صحي يقيني من الإصابة بأي اعتلالات قلبية مستقبلا كما أسلفنا، وكل شيء قابل للتغيير، ومن السهل قلب المعادلة إذا تسنى لنا التدخل المبكر.

********************************************************

ماذا عن أخذ حبوب الأسبرين كما هو شائع لتجنب الإصابة بتجلطات أو نوبات قلبية مستقبلا؟

في السابق كنا نؤمن بمفعول الأسبرين، ولكننا اليوم لا نرى حاجة له للأشخاص الذين لا يعانون من أي عوامل خطورة واضحة كونه يتسبب في آثار جانبية، في المقابل ننصح بدواء الكوليسترول «الستاتين» لدرجة أن الأطباء في بداية الألفينات كانوا يتمنون أن يذوب في المياه الشرب ويتناوله الجميع لفوائده الكثيرة، وكونه يعمل طبقة حماية داخلية للشريان التاجي لمنع أي انسدادات أو تجلطات مستقبلية، ومن المهم المداومة عليه خاصة للناس المعرضين للنوبات القلبية، إضافة لالتزامهم بنظام حياة صحي.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: النوبات القلبیة نوبات قلبیة أمراض القلب هذه الأمراض نوبات القلب عضلة القلب أکثر عرضة من المهم فی القلب أکثر من

إقرأ أيضاً:

الإنسانُ

كنتُ طوال هذه المدّة أفكِّرُ فـي هذا الكائن الغريب العجيب الموجود على وجه الأرض، الإنسان، فلسفـيّا وعلميّا ودينيّا وأخلاقيًّا. وبدأتُ بمفارقة كبرى بين الإنسان والبشر، ذلك أنّ الإنسان فـي وجه من وجوه التصوُّر القرآني هو الصورة المتطوِّرة للبشر، فالبشر لفظًا، هو الكيانُ الجثماني، الحيوانيّ، قبل أن تُداخله الرّوح وقبل التكليف، وهو لفظ راجعٌ إلى ما يُجريه العرب وسْمًا لظاهر بشرة البشر، فهو بشرٌ لأنّه -وفقًا للسان العرب- دالٌّ على «ظاهر الجلد»، والبشرة أعلى جلدة الوجه، والجسد من الإنسان، ويعنى به اللَّون والرقّة، ومنه اشتقت مباشرة الرجل المرأة لتضامِّ أبشارهما.

والبشرة والبشر: ظاهر جلد الإنسان، وفـي الحديث: لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم»، فخارج الإنسان ممّا يتكوَّن منه مِن هيكلٍ هو البشر، أمّا لفظة الإنسان، فهي حاملة للهيكل والرّوح والعقل، قال تعالى: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»، فالخلْقُ الأوَّل، صناعةً من طينٍ قبل الاستواء، هو خلق البشر، وأمّا الاستواء والنفخُ فإنّه يُحوّلُ هذا الهيْكل إلى إنسانٍ، عاقلٍ، مُكَلَّف، حاملٍ لأمانةٍ. البشريَّة إذن أعرَقُ وأقْدَمُ من الإنسانيَّة، وأعْلقُ بالحيوانيّة، وبالوجود الجثمانيِّ الهيكليّ فحسبُ.

هذا التطوُّر من البشريّة إلى الإنسانيّة حاملٌ لأبعادٍ ومعانٍ، ذلك أنّ التمايز بين الكائنين بيّن وجليٌّ فـي القرآن الكريم، فالسياقاتُ التي وردت فـيها لفظة «بشر» تدلُّ على الهيئة والشكل والقالب الذي اتّخذه الإنسان، ولذلك فقد استعمل اللّه عز وجلّ سمة البشريّة فـي التعبير عن بداية خلق آدم عليه السّلام، يقول: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (الحجر: 28)، ويقول فـي السّياق ذاته، بيانًا لرفض إبليس السّجود لبشرٍ من الطّين: «قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» (الحجر: 33)، ونساءُ امرأة العزيز فـي موقف خروج يوسف عليهن انبهرن بالجثمان والشكل، ولم يكنَّ على درايةٍ بالإنسان، ولذلك وسمنه بالبشريَّة، يقول تعالى: «فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» (يوسف: 31)، ولعلّ الصّورة الأجلى والأبين فـي تجسُّد الملك لمريم وهي بمحرابها منعزلةً، إذ اتَّخذ الملَك صورة البشر هيئةً وجسْمًَا، وبقي الفارق حاصلًا بين الإنسان والملك، يقول تعالى: «فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا» (مريم: 17)، والدلائل عديدة على هذا التمايز بين البشر والإنسان فـي القرآن، لا يتّسع لها هذا المقام، ولكن يُمكن الإشارة إلى أنَّ إجراء لفظة الإنسان واستعمالها يُقرَن دومًا بالتكليف، وبدخول المشاعر إلى البشر ذاته، وإلى العصيان والإيمان، وكلّ ما له صلة بالشعور الإنساني من جهة وبتحمُّل الأمانة وهي اكتساب العقل والرّوح من جهة ثانية «وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (يونس: 12). هذا وجهٌ يدعو إلى التدبُّر والتفكُّر، خاصَّة فـي وجود نظريَّات علميّة مستندة إلى حفريَّات واكتشاف علميّ لبقايَا بشرٍ أوّل، مهَّدت لظهور الإنسان العاقل هومو سابينس الذي يردُّنا العلم إليه، مع وجودِ ممكن لبشرٍ سابقين، وهذا لا يتعارض البتّة مع الخطاب القرآني، بل إن تمعنّا هذا الإشكال لوجدنا أنّ القرآن سبَّاق لإظهار الفارق بين الإنسان العاقل والبشر، أو من اتّخذ هيْئة الإنسان دون أن يكون له الإدراك ودون أن يكون مُكلَّفًا، فاللّه قد مايز كما سبق أن ذكرنا بين الإنسان (وهو ما يُمكن أن يُصطلَح عليه فـي لغة العلم اليوم بالإنسان العاقل) والبشر، وهو متَّخذٌ الشكل فحسب، بل إنّ مفهوم الإنسان المنتصب Homo erectus يُمكن أن يُدرَك فـي مفهوم خَلْقي وهو الاستواء، وفـي كلّ الحالات فإنّ القرآن قد أقرّ أنَّ الإنسان فـي معناه الآدميّ قد خُلق عبر مراحل وتطوّرَ تدريجيًّا، يقول عزّ وجلّ: «وقد خلقكم أطوارًا» (نوح 14)، وهذا يقودنا إلى فكرةٍ تُعالجها الفلسفة اليوم بعمق، وتعيد طرح مفهوم الإنسان، بعيدًا عن الإشكالات الأخلاقية والوجوديّة التي طُرحت بعمق فـي ستينيّات القرن العشرين.

اليوم بأدواتنا اللّسانيّة والذهنيّة والعلميّة يُمكن أن نُوجِد تصوُّرًا لأبينا الأوّل دون تنافُرٍ مع الدّين، ودون رفضٍ للعلم وللحفريّات، وأعتقد أنّ مخنق الدّرس ماثلٌ فـي الفاصل الفارق بين الإنسان المكلّف العاقل، الذي مرجعه آدم ويسمّيه العلم هومو سابينس Homo sapiens والإنسان فاقد التكليف، أو البشر، فالكائنات البشريّة السابقة للإنسان العاقل مثل Homo erectus وNeanderthals، يُمكن أن تمثّل نواةً أولى لبشرٍ، ويُمكن أن تُشكِّل تأويلًا لقوله: «وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة 30)، وهو بابٌ حمَّالُ أوجه، على الباحثين فـي الخطاب القرآني إحياء تأويله. هذا على مستوى التطوّر الجثماني والإدراكي للكائن الذي يُمثِّل محور هذا الكون، وهو الإنسان، الذي خُصِّصت له نظريّات فلسفـيّة لفهم عمقه، وكُرِّست له نظريّات علميّة لإدراك جيناته والبحث عن أصوله، وبدايات خلْقه، تبقى أخلاقُه، ولا أحبّ أن أعود إلى فـيلسوف الأخلاق نيتشة ونحن على أبواب فتْحةٍ فـي العلم والتكنولوجيا قد تُنْهي البشريّة القديمة.

أخلاقُ الإنسان وسلوكه هي الإشكال سواء امتلك ذرةً من العقل والإدراك أو امتلك بحرًا، الإنسانُ القاتل، الباحث عن الدَّمار، المنصرف إلى أكْل لحم أخيه الإنسان، هل تطوّر وانصقل وتهذَّب؟

مقالات مشابهة

  • إشعال فتيل الحرب التجارية العالمية.. ترامب يفرض رسومًا شاملة على جميع الواردات
  • شرطة بابل تعتقل رجلاً قتل زوجته دهساً حتى الموت
  • «فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان
  • الإنسانُ
  • سكتة قلبية.. استشهاد الإعلامية «هيا مرتجى» بعد قصف إسرائيلي على غزة
  • قصة ريم التي صارعت الموت 4 أيام وعادت لتروي مأساة غزة
  • دعاء ثاني يوم العيد.. يشرح صدرك ويريح بالك
  • أول وحدة لجراحة القلب بالمنيا تنقذ حياة مريض من الموت
  • أدى صلاة العيد.. وفاة إمام مسجد بأزمة قلبية مفاجئة بأسيوط
  • صدمة في صلاة العيد| أزمة قلبية تنهي حياة سكرتير عام محافظة الدقهلية بين المصلين